تمهيـد
   القسم الأول: نبذة عن السيرة الذاتية للرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة
   القسم الثاني: قرار التقسيم
   القسم الثالث: مشروعات التسوية المقدمة لحل الصراع العربي الإسرائيلي
   القسم الرابع: مشروع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة
   القسم الخامس: ردود الفعل على مشروع الرئيس بورقيبة
   القسم السادس: مبادرة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1973
   المصادر والمراجع

تمهيـد

       كان الهدف الأساسي للحركة الصهيونية، منذ نشأتها، استقطاب أكبر عدد من يهود العالم، وتركيزهم في فلسطين، بعد طرد سكانها منها. وعلى الرغم من النجاحات، التي حققتها الحركة الصهيونية، في مجالات شتى، فإن التخلص من العرب (عرب فلسطين)، كان ـ ولا يزال ـ الحل الناجع لتحقيق هدف الحركة الصهيونية. كما أنه يمثل جزءاً أساسياً من مشروعها.

       كان هذا الهدف واضحاً لدى الزعماء الصهاينة، منذ البداية. فقد كتب تيودور هرتزلTheodor Herzl، في يومياته، بتاريخ 12 يونيه 1885: “يجب أن نستخلص ملكية الأرض التي ستعطى لنا، لكن باللطف وبالتدريج. سنحاول أن نشجع فقراء السكان على النزوح إلى البلدان المجاورة، وذلك بتأمين أعمال لهم هناك، ورفض إعطائهم أي عمل لدينا”.

       وبعد أن نجحت الحركة الصهيونية في تحقيق أهدافها، بإعلان دولة “إسرائيل”، في 14 مايو  1948، واقتلاع أكثر من نصف مليون فلسطيني من ديارهم، وإجبارهم على اللجوء إلى البلدان العربية المجاورة، أخذت الصهيونية والاستعمار، اللذان توافقت مصالحهما، يسعيان إلى تنفيذ الجزء الثاني من المشروع الصهيوني، المتمثل في توطين اللاجئين الفلسطينيين، واستيعابهم في البلدان المضيفة لهم. وهي محاولة لطمس الهوية الفلسطينية والحقوق الثابتة لشعب فلسطين، مما يسمح، من ثمّ، بإضفاء الشرعية على الوجود الصهيوني، من طريق تكبيل حركة الفلسطينيين السياسية وشل فاعليتهم، لأن مرور الوقت، دون حل سياسي للقضية الفلسطينية، ودون حل لمشكلة اللاجئين، يشكلان أعظم خطر يهدد الوجود الصهيوني، واستطراداً، مصالح القوى الاستعمارية.

       ومنذ صدور قرار التقسيم، في 29 نوفمبر 1947، وحتى المشروع التونسي، في 21 أبريل 1965، قُدِّمت، عشرات المشاريع لتسوية النزاع العربي ـ  الإسرائيلي، وحل قضية فلسطين. ولكي نتعرف طبيعة المشروع التونسي، لا بد لنا من أن نتطرق إلى قرار التقسيم ومشروعات التسوية، التي قُدِّمت، لنتبين الفارق الجوهري بين هذا وذاك، وكذا، ردود الفعل على المشروع التونسي، أو مشروع الحبيب بورقيبة. كما ينبغي أن يسبق ذلك، دراسة سريعة لشخصية الحبيب بورقيبة، لنعرف مفتاح شخصيته، ورؤيته السياسية.

نبذة عن السيرة الذاتية للرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة

مولده وحياته

       ولد الحبيب بورقيبة في مدينة المنستير Monastir، إحدى مدن الساحل التونسي، في 3 أغسطس 1903. وكان سابع إخوته، محمد وأحمد ومحمد وناجية وعيشوشة ومحمود. وينحدر الحبيب بورقيبة من أسرة متوسطة الحال، وكان والده، علي بن الحاج محمد بورقيبة، جنديا في جيش الباي  ، ثم أحيل إلى التقاعد، بعد أن أمضى تسعة عشر عاماً في خدمة الجيش، عندما فُرضت الحماية الفرنسية على تونس، عام 1881، وسلّحت فرنسا الجيش التونسي.

       وعندما بلغ الحبيب بورقيبه الخامسة من عمره، بعث به أبوه إلى العاصمة، حيث يستقر إخوته محمد ومحمد ومحمود. وهناك، دخل المدرسة الصادقية، وحصل على الشهادة الابتدائية، وواصل التعليم الثانوي بالصادقية. وفى تلك الفترة، توفيت والدته عن أربعين عاماً، فكانت تلك أول صدمة تصيب الطفل، وهو في المدرسة بعيداً عن أهله.

       بدأت مدارك الحبيب بورقيبة السياسية تتفتح، في تلك السن المبكرة، وبدأ يستوعب أبعاد المحنة التي يعيش فيها وطنه، وجبروت الاحتلال الفرنسي، الذي يجثم كالكابوس على أرض تونس الخضراء، ويقودها إلى الدمار والانهيار. وكان دائم الحديث مع قرنائه في المدرسة عن هذه الأوضاع المتردية. وكان يحاول دائماً إثارة حماسهم، وحثّهم على الغضب والنقمة على هذه الأوضاع، مما أدى إلى إيقاع العقاب به عدة مرات. وقد حال حماسه وثورته، في نهاية الأمر، دون حصوله على شهادة إتمام التعليم الثانوي، بالصادقية.

       وفى ديسمبر 1919، أصيب الحبيب بورقيبة بأعراض مرض السل، نتيجة سوء التغذية، وحياة العوز والحرمان، التي كان يعيشها. ودخل المستشفى، حيث أمضى في العلاج عدة أسابيع، أتيح له خلالها أن يقرأ كتاب “تونس الشهيدة”، للشيخ عبد العزيز الثعالبي، أحد مؤسسي الحزب الحر الدستوري. وكان لذلك الكتاب أثره الكبير في نفس الحبيب.

       وفي سبتمبر 1921، التحق الحبيب بمدرسة “كارونو” الثانوية. وكان اختلاطه بالطلبة الأجانب، في تلك المدرسة، حافزاً له على التفوق الدراسي، حتى يثبت لهم أن التونسي، لا يقل ذكاء ومقدرة عن الأوروبي. واستطاع أن يفوز، عام 1922، بشهادة المدرسة العليا للغة والآداب العربية. ثم نال الجزء الأول من البكالوريا، عام 1923، والجزء الثاني، عام 1924. وفي 5 أبريل 1922، انضم الحبيب بورقيبة إلى الحزب الحر الدستوري. وكان يتتبع بإعجاب حركة “أتاتورك” الإصلاحية في تركيا، ويتمنى لو استطاعت تونس أن تنسج على منوالها.

       وقد أتيح للحبيب بورقيبة، بعد الحصول على البكالوريا، أن يذهب في رحلة إلى العاصمة الفرنسية، ضمن وفد من الطلبة. وكانت هذه الرحلة ذات فائدة عظيمة له، فقد أمضى أياماً حافلة في باريس، يتابع، في عمق، مظاهر التقدم الحضاري الرائع، والمعالم التاريخية الباهرة، ويسأل ويستفسر عن كل ما تقع عليه عيناه. وتركت الزيارة في نفسه أبلغ الأثر، فما أن ظفر بالجزء الثاني من البكالوريا، حتى قرر السفر إلى باريس، لاستكمال دراسته. وكان ذلك في خريف عام 1924.

       التحق الحبيب بكلية الحقوق بباريس، مفضلاً أن يدرس القانون، حتى يتعرف بأحوال المجتمعات البشرية وأنظمتها وتشريعاتها.  وكان في الوقت عينه، يدرس علم النفس،بكلية الآداب بجامعة السوربون، والمالية العامة بمعهد العلوم السياسية.

       وفي عام 1926، توفي والده، قبل أن يسعد برؤية ابنه محامياً مرموقاً. وفى أغسطس 1927، خلال إقامته في باريس، تزوج السيدة ماتيلد لوران (Matild Loran)، بعد أن تعرف بها، وأعجب بدماثة أخلاقها وحبها للخير. فأنجب منها الحبيب الابن، وأسلمت بعد استقلال تونس، وحصلت على الجنسية التونسية.

       في ديسمبر 1927، حصل على شهادة الحقوق، وشهادة العلوم السياسية. وانخرط الحبيب في سلك المحامين. والتحق بمكتب الأستاذ فابيان سيريى (Fabian Seree)، ثم ما لبث أن تركه، والتحق بمكتب المحامى فيليكس(Felix)، ثم مكتب الأستاذ برنارسبو (Bernarsebo)، ثم قرر أن يستقل بعمله. ولكن تيار الحياة السياسية جرفه، فقد شُغل بالكفاح في سبيل وطنه، وتحريره من ربقة الاستعمار الفرنسي، والعمل على إيقاظ الشعب التونسي، وحثه على  النضال من أجل حريته. وبدأ يكتب في جريدة “العمل التونسي”، ويجوب البلاد، طولاً وعرضاً، داعياً إلى الكفاح ومناهضة المستعمر، معرضاً  نفسه للسجن والإبعاد، ومعرضاً أسرته لضيق العيش والأزمات المالية المتلاحقة.

حياته السياسية

       بدأ الحبيب بورقيبة حياته السياسية عام 1929، بالمساهمة في تحرير جريدة “اللواء التونسي” التي كانت تصدر بالفرنسية، ثم جريدة “صوت التونسي”، التي تعرضت، على نحو متصل، لاضطهاد السلطات الفرنسية وبطشها.

       وبعد ثلاثة أعوام، أسّس بورقية، في نوفمبر 1932، جريدة “العمل التونسي”. وقرر مؤتمر الحزب الحر الدستوري، ضم الحبيب بورقيبة إلى اللجنة التنفيذية للحزب. وعقد الحزب مؤتمراً سياسياً كبيراً، طالب فيه بقيام برلمان تونسي منتخب بالاقتراع العام، يتمتع بالسلطة التشريعية الكاملة، وتشكيل حكومة مسؤولة أمام البرلمان، والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومنح الحريات العامة للتونسيين، وجعل التعليم إجبارياً للجميع، وحماية اقتصاد البلاد. وأعقب هذه القرارات الخطيرة انتخاب الحبيب بورقيبة كاتباً عاماً للحزب (أي أميناً عاماً للحزب).

       وأدرك الشعب التونسي أن روحاً جديدة، بدأت تدب في الحركة الوطنية، وأن النضال أصبح أمراً جدّياً، له وسائله وأهدافه وخططه. وظل الحبيب بورقيبة يطوف في أنحاء البلاد، ويخطب في الجماهير، مندداً بالاستعمار، ومطالباً بالاستقلال، وداعياً مواطنيه إلى التضحية بكل شئ من أجل حرية تونس. وكانت الجماهير تستقبله، في كل مكان، بالحفاوة والحماس، فانتشرت دعوته. ولم تمضِ أشهر قليلة، حتى أدرك المقيم العام الفرنسي، بيروتون (Biroton)، الخطر الذي يمثله بورقيبة على الاستعمار الفرنسي، فطلب من بورقيبة الكف عن جولاته في أقاليم تونس، وعن عقد الاجتماعات السياسية. ولكن بورقيبة رفض ذلك رفضاً قاطعاً. فأمر المقيم العام بإلقاء القبض على الحبيب بورقيبة يوم الإثنين 3 سبتمبر 1934، وأبعد إلى قرية قبلي الصحراوية. وأتاح له ذلك الإبعاد أول اتصال بالجنوب التونسي، الذي يخضع مباشرة للحكم العسكري الفرنسي. فراح يتردد إلى أسواق المنطقة، يوقظ الناس من سباتهم، ويستنهض هممهـم. فعمدت السلطات الفرنسية إلى نقله إلـى أماكن متعددة، بين الحين والآخر، حتى لا يجد فرصة كافية للاتصال بالناس.

       وعقب إطلاق سراح الحبيب بورقيبة، عقد الحزب الحر الدستوري اجتماعاً استثنائياً برئاسته، طالب فيه سلطات  الاحتلال بمنح الشعب التونسي الضمانات الدستورية الكافية، وتَوْنَسَة الإدارة، وجعل التعليم إجبارياً، وانتشال الشعب من الفقر والبؤس، ومقاومة البطالة التي تفشت في البلاد. ولكن السلطات الفرنسية، لم تستجب لمطالب الحزب. فراح بورقيبة يدعو الشعب إلى الإضراب العام، احتجاجاً على تعسف سلطات الاحتلال. فخرجت التظاهرات الشعبية في كل أنحاء البلاد، وسقط عشرات القتلى، ومئات الجرحى، برصاص جنود الاحتلال الفرنسي. وخطب الحبيب في جماهير الشعب، قائلاً: “إن الشعب سيقابل رصاص الرشاش بقوة إيمانه، الذي لا يتزعزع، وصموده المستميت”.

       وألقي القبض على الحبيب بورقيبة، للمرة الثانية. وكان، وقتذاك، مريضاً وطريح الفراش. واقتيد إلى السجن العسكري في العاصمة. ووجِّهت إليه تهم التآمر ضد أمن الدولة الداخلي، والتحريض على التباغض بين الأجناس، وحثّ الشعب على مخالفة قوانين البلاد، والتواطؤ مع إيطاليا الفاشية، وهي تُهم كفيلة بِلفّ حبل المشنقة حول رقبته. ولكن بورقيبة، صمد أمام القاضي العسكري، وأكد موقفه الرافض للحماية الفرنسية، وبطشها بالشعب، وطالب بمنح الشعب التونسي حريته واستقلاله.

       ونُقل الحبيب بورقيبة، في اليوم نفسه، إلى السجن المدني. وأحيل ملف القضية إلى محكمة التعقيب في باريس. وفي تلك الفترة، نشبت الحرب العالمية الثانية، ونُقل بورقيبة، مرة أخرى، إلى السجن المدني في العاصمة، ثم ما لبث أن نُقل إلى حصن “سان نيكولا” في مرسيليا Marseille. وعندما احتل الألمان المنطقة الحرة في فرنسا، نُقل الحبيب إلى حصن “مونليك” بمدينة ليون Lyon، ثم إلى قلعة “فانسيا”، ثم إلى روما، حيث حاولت الحكومة الإيطالية إغراءه بالتعاون معها. وفى 9 أبريل 1943، وصل الحبيب بورقية إلى العاصمة التونسية، وقابل “المقيم العام” الجديد، الجنرال “ماست”، وقدَّم بورقيبة إليه مشروع برنامج لتطوير نظام الحماية، والنهوض بتونس. ولكن المقابلة، لم تسفر عن أي نتيجة.

       غادر الحبيب بورقيبة تونس، سراً، إلى القاهرة، يوم 26مارس 1945، وبقى بها حوالي عشرين شهراً. وفي 2 ديسمبر 1946، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة لاستقطاب تأييدها لكفاحه. ثم عاد إلى القاهرة، في مارس 1947، ليستأنف نشاطه السياسي، ثم شرع في جولة سياسية في العواصم العربية.

       ظلّ الحبيب بورقيبة، طوال هذه الغربة، على اتصال مستمر بجميع المناضلين في تونس. يحثهم، في كل حين، على القيام بعمل إيجابي، يحرك القضية الوطنية في الداخل، بالصورة التي تتيح له مجال العمل الإيجابي في الخارج. ثم أدرك، في نهاية الأمر، أنه ما لم يرجع إلى تونس، ليشرف بنفسه  على سير النضال، ويكون في قلب المعركة، فإن الحركة الوطنية، سوف تنتهي إلى الزوال. فسافر إلى العاصمة التونسية، يوم 8 سبتمبر 1949، واستأنف، على الفور، الاتصال المباشر بالشعب، بعد غياب عن تونس دام أربع سنوات ونصف السنة.

       وفى 12 أبريل 1950، سافر إلى باريس، للدعوة لقضية بلده. وأجرى مقابلات مع قادة الرأي العام الفرنسي، واستطاع أن يكسب تأييـد الفرنسيين الأحـرار. وعـاد إلى تونس، في 3 أغسطس من العام نفسه. ثم ما لبث أن قرر القيام بحملة سياسية حول العالم، فزار مصر، ثم “كراتشي” بباكستان، فالهند، فإندونيسيا، ثم قصد الدول الغربية، مبتدئاً بإيطاليا، فإنجلترا، فالدول الإسكندينافية، فالولايات المتحدة الأمريكية، فأسبانيا، ثم اختتم حملته بزيارة تركيا ولبنان.

الكفاح المسلح بقيادة بورقيبة

       بعد عودته إلى تونس، بدأ الحبيب بورقيبة حملة مكثفة لتهيئة الشعب للكفاح المسلح. وقرر إحالة القضية التونسية إلى منظمة الأمم المتحدة، من أجل تدويل القضية، والخروج بتونس من عزلتها، التي أبقتها وحدها، وجهاً لوجه، أمام فرنسا. وبدأت المظاهرات الدامية تجتاح أنحاء البلاد. وفي 18 يناير 1952، ألقت السلطات الفرنسية القبض على الحبيب بورقيبة، للمرة الثالثة. فاندلعت الثورة في مختلف أرجاء تونس، احتجاجاً على اعتقال المجاهد الأكبر. ففرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول في البلاد، وأنزلت الدبابات الفرنسية إلى الشوارع، لبث الرعب في القلوب. ولكن حماس الشعب، كان أقوى من نيران الاحتلال.

       ومن المعتقل، كان الحبيب بورقيبة يغذي جذوة الكفاح، ويبعث بصوت تونس المدوي إلى قلب فرنسا، وإلى عواصم العالم. وباء “الباي” بالفشل، عندما تنكر لشعبه، واستسلم لسلطات الاستعمار، ووقّع مشروع الإصلاحات، الذي فرضه المقيم العام، الطاغية ” دي هوتكلوك”، في مايو 1953، على الرغم من الرسالة التي وجهها إليه الحبيب بورقيبة من منفاه، يحذره فيها من الموافقة على ذلك المشروع، الذي يضر بالقضية التونسية أبلغ الضرر.

       وتولت وزارة “بيير منديس فرانسPierre Mendes-France” الحكم في فرنسا، وكانت ذات أفكاراً تقدمية جديدة. وسافر “منديس” إلى تونس، وأعلن، في خطاب رسمي، استقلال تونس الداخلي. وتشكلت أول حكومة تفاوضية، شارك فيها الحزب الحر الدستوري بوزيرين. وانتصرت الخطة البورقيبية، التي عملت، طوال أربعة وعشرين عاماً، من أجل  تخليص السيادة التونسية من التبعية لفرنسا، وخلق مناخ من التفاهم بين البلدين، وإنهاء الحكم المباشر، على مراحل، تراعَى فيها مصالح الطرفين. وبدأت المفاوضات بين تونس وفرنسا، في 4 سبتمبر 1954، واتضح، منذ أول وهلة، الخلاف الشديد بين الطرفين، في تحديد مفهوم الحكم الذاتي، وطريقة تحقيقه. ولهذا، طالت المفاوضات، وتعثرت مراراً، قبل أن يوقع الاتفاق من الطرفين.

       بدأ الحبيب بورقيبة مرحلة ثانية من النضال، من أجل تحقيق تطلعات الشعب التونسي، وتمثلت هذه المرحلة في حث الحكومة الفرنسية على إعادة النظر في اتفاقيات الحكم الذاتي، وتطويرها نحو المرحلة النهائية، وهي الاستقلال الكامل. وفي 20 مارس 1956، اعترفت فرنسا، باستقلال تونس، وتم توقيع معاهدة الاستقلال، التي نصّت على أن تونس دولة مستقلة، ذات سيادة، لها حقها في ممارسة مسؤولياتها، في ميادين: الشؤون الخارجية والأمن والدفاع وتشكيل جيش وطني تونسي. وعُهد إلى بورقيبة بتشكيل الحكومة، فشكّل في 14 أبريل 1956 أول حكومة مستقلة.

       ونادى الحبيب بورقيبة بجلاء الجيوش الفرنسية عن تونس، حتى تكتمل لها سيادتها على التراب التونسي. ولكن فرنسا أعلنت رفضها لسحب قواتها من تونس .

       وفي 12 نوفمبر 1956، صدقت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، على قبول تونس في عضويتها. فسافر الحبيب إلى نيويورك، حيث ألقى خطاباً من على منبر المنظمة الدولية، طالب فيه بحق الشعب الجزائري الشقيق في الحرية والكرامة، وناشد الدول الصناعية الغنية، أن تمد يد المساعدة إلى الدول النامية، لتطوير حياتها الاقتصادية والاجتماعية.

       وأعلن الحبيب بورقيبة بداية معركة الجلاء عن مدينة “بنزرت”، إن لم تستجب فرنسا لرغبة تونس، وتسحب قواتها المتبقية. وبدأت المدينة تستقبل الأفواج الأولى من المتطوعين، إلى جانب القوات المسلحة النظامية. وخطب الحبيب بورقيبة في الجماهير، قائلاً: “قررنا خوض معركة الجلاء، ولسنا مستعدين لإيقاف تيارها أو تأجيله، حتى يجلو آخر جندي أجنبي عن أرض الوطن”.

       وبأمر من بورقيبة، شرعت دوريات المتطوعين تزحف على موقع العلامة 233، في جنوب الجمهورية، لترفع فوقها العلم التونسي، بينما أخذ الحرس الوطني والشرطة يسدون المنافذ على جيش الاحتلال ببنزرت، وإيقاف حركة البواخر. ولم تتردد القوات الفرنسية في إرسال طائراتها، لقذف المراكز التونسية. فتصدت لها قوات الجيش والحرس وجماهير المتطوعين، بما تمتلك من أسلحة متواضعة. وجرت اشتباكات دامية بين الطرفين. وواصل الطيران الفرنسي قصف المدينة، مما أدى إلى انقطاع إمدادات المياه والتيار الكهربائي عنها، فأعلن بورقيبة قطع العلاقات الدبلوماسية بفرنسا.

       وصرح بورقيبة أن تونس ستخوض حرب العصابات، وهدد بقبول مبدأ مشاركة المتطوعين من جميع شعوب العالم، في المعركة. وفى ذروة المعركة، أصدر مجلس الأمن قراراً عاجلاً، يقضي بوقف إطلاق النار فوراً، ورجوع قوات الطرفين إلى أماكنها الأولى. ولكن فرنسا رفضت الخضوع للأمر. وأعلن بورقيبة أن معركة الجلاء مستمرة، حتى خروج آخر جندي فرنسي من البلاد، مما اضطر الحكومة الفرنسية إلى التسليم بالجلاء، دون قيد أو شرط. وبدأت القوات الفرنسية، بالفعل، في الانسحاب التدريجي من القاعدة. وما أن جاء يوم 4 أكتوبر 1963، حتى بشّر بورقيبة الشعب، في افتتاح الدورة السنوية لمجلس الأمة، بالجلاء الكامل عن بنزرت.

تأسيس تونس

       وعقب الجلاء، بدأ الحبيب بورقيبة إرساء قواعد الدولة، بتطهير البلاد من عناصر الفوضى والاضطراب، وتوفير أسباب الأمن والاستقرار. فأنشأ، عام 1956، محكمة القضاء العليا وطوّر نظام الإدارة المحلية، وكوّن نواة الجيش الوطني والحرس الوطني، الذي أنشئ على أنقاض “الجندرمة الفرنسية”، وعهد  إليه بسلطة مراقبة الحدود، وأعاد الشرطة إلى السلطات الوطنية، وطهّر القضاء ممن اتخذوا من وظيفتهم وسيلة للرشوة، والإثراء على حساب العدل والإنصاف.

       وكان بورقيبة يرى أن قوة الدولة الحقيقية، تكمن في إصلاح ما فسد من أحوالها، وتغيير نظرة أفرادها إلى الحياة، وإرساء المعايير والقيم لدى أفرادها، وتجديد العلاقات بينهم على أساس، يضمن للمجتمع تماسكه، ويحقق للفرد نموه الكامل، حتى يضطلع بدوره في الحياة الاجتماعية على أحسن وجه. ومن ثمّ، فقد شن بورقيبة، في هذا المجال، حملات موفقة، جمع فيها بين أصالة الرأي، وجرأة التشريع، وبراعة التطبيق. فكان في كل ذلك نموذجاً باهراً للمصلح السياسي والاجتماعي، الذي عرف كيف ينفذ إلى المعتقدات المتحجرة، والتقاليد والعادات البالية، ويحرر منها العقول.

       أعلن بورقيبة، في 13 أغسطس 1956، ولمّا يمر سوى أربعة أشهر على توليه مقاليد السلطة، صدور قانون الأحوال الشخصية، الذي يمنع تعدد الزوجات، ويقيد حرية الطلاق، ويجعل المرأة شريكة في الحياة الزوجية، على قدم المساواة مع الرجل . كما أسّس الحزبُ الحر الدستوري الاتحادَ القومي النسائي، ليوقظ المرأة، ويدربها على ممارسة حقوقها، والقيام بواجباتها، ومعالجة مشاكلها . دعا بورقيبة إلى انتخابات للمجالس البلدية. ومارست المرأة حق الانتخاب للمرة الأولى .

إعلان النظام الجمهوري

       دعا بورقيبة إلى اجتماع مهم للحزب الحر الدستوري، لإعادة النظر في نظام الحكم. ونادى بإلغاء الحكم الملكي، وإحلال الجمهورية محله. فكان إجماع نواب الأمة على إلغاء النظام الملكي، وإعلان الجمهورية، وانتخاب الحبيب بورقيبة رئيساً لها .

       وفى 29 يوليه 1957، أعلن الرئيس الحبيب بورقيبة أول حكومة للعهد الجمهوري. وقد اختار المجلس القومي التأسيسي النظام الجمهوري الرئاسي، فاحتفظ رئيس الجمهورية برئاسة الحكومة، وعيّن كتّاباً للدولة، بدلاً من الوزراء. واكتملت مبادئ الدستور، الذي نص على أن تونس دولة حرة مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، وأن الشعب هو صاحب السيادة فيها، ونظامها الجمهوري نظام رئاسي.

       وقد عكف المجلس القومي التأسيسي على وضع دستور، كفيل بتحقيق تطلعات الأمة، وقّعه بورقيبة في أول يونيه 1959. ودعا الشعب لأول انتخابات رئاسية وتشريعية ، فمنحه من الأصوات نسبة 91.47%. وأدى بورقيبة اليمين الدستورية في موكب مهيب، بمجلس الأمة.

       وقد تركز الاهتمام الأكبر للرئيس بورقيبة على المحافظة على الوحدة القومية، التي بناها وركز عليها في بناء صرح الدولة الفتية. ودعا إلى نبذ فكرة الطبقية، وحث المواطنين، في كل مناسبة، على تنمية روح الإحساس بالمسؤولية فيهم، وركز على حرية الفكر، مؤكداً أن الفكر هو العنصر الدافع إلى التقدم والرقي، على أن تكون هذه الحرية خاضعة للقيم الأخلاقية.

       ي أكتوبر 1959، أعلن الرئيس التونسي بورقيبة دعمه لعرض الرئيس الفرنسي شارل ديجولCharles de Gaulle، الذي يمنح الجزائر حق تقرير المصير، وتولّى الوساطة بين الطرفين.

       وفي مطلع عام 1961، زار بورقيبة فرنسا، واجتمع بالرئيس ديجول. غير أن العلاقات الفرنسية – التونسية، تدهورت بسرعة، بسبب مطالبة بورقيبة باستعادة قاعدة بنزرت، وبقسم من الصحراء متاخم لجنوب غربي تونس.

       وبعد استقلال الجزائر، تدهورت علاقات تونس بها، بحكم خلاف الأيديولوجيات بين نظامَي البلدين. وفي يناير 1963، استدعت تونس سفيرها لدى الجزائر، بحجة تورط سلطات الجزائر في الاتصال بالمعارضة التونسية بقيادة صالح بن يوسف، في محاولات يوسفية[1]، والتي شارك فيها عناصر عسكرية، لاغتيال بورقيبة. وأدت وساطة المغرب، التي أسفرت عن عقد مؤتمر للبلدان الثلاثة في الرباط، والمحادثات الثنائية التي عقبته، إلى عقد اتفاقية حدود بين البلدين، وتحسين العلاقات بينهما.

       وتبنّى الرئيس الحبيب بورقيبة المطالب، التي كانت تنادي بضرورة مصادرة الأراضي الزراعية التي يملكها الأجانب. وبالفعل، أقرت الجمعية الوطنية التونسية تشريعاً، يقضي بمصادرة الأراضي الزراعية، التي يملكها الأجانب، على أساس اتفاقية 1963 مع فرنسا، التي وضعت عبئاً مالياً ثقيلاً على كاهل تونس. وردت فرنسا بإلغاء العون المالي، الذي نصت عليه اتفاقيات، كانت عقدت بين البلدين في مطلع السنة نفسها.

       وعُدَّ تأميم الأراضي الزراعية المملوكة من أجانب، خطوة نحو تطوير ما دُعي بالاشتراكية التونسية في القطاع الزراعي.

       وأثناء الانتخابات الرئاسية العامة، في نوفمبر 1964، التي فاز فيها الرئيس بورقيبة وحزبه من دون منافسة، تم تغيير اسم الحزب الحاكم، ليصبح الحزب الاشتراكي الدستوري.

       وفي هذه الفترة، أجرى الرئيس بورقيبة تغييرات وزارية، تضمنت تعيين الحبيب بورقيبة الابن وزيراً للخارجية . وفي عام 1966، أعلن تشكيل مجلس رئاسة، تكون من أعضاء الحكومة، ومن المكتب السياسي للحزب. من بين مهامه تأمين انتقال السلطة، في حال وفاة رئيس الجمهورية.

       ظلت السياسة العربية، في هذه الفترة، الشاغل الرئيسي للرئيس بورقيبة، في سياسته الخارجية. وفي أبريل 1965، انتقد الرئيس التونسي السياسات العربية إزاء قضية فلسطين، ودعا إلى التفاوض مع إسرائيل حول مشروع التقسيم، الذي أقرته الأمم المتحدة في قرارها رقم 181، عام 1948.

       وفي أكتوبر 1970، عين الرئيس بورقيبة الهادي نويرة رئيساً للحكومة، وأعلن أنه سيكون خليفته في الحكم.

       وفي عام 1973، شدد الرئيس بورقيبة، ورئيس حكومته، الهادي نويرة، قبضتهما على الحياة السياسية للبلاد. وفي سبتمبر 1974، انتخب المؤتمر التاسع للحزب الحاكم، الرئيس بورقيبة رئيساً للحزب مدى الحياة. وعين الرئيس بورقيبة مكتباً سياسياً من 20 عضواً، ضم 14 وزيراً، دلالة على الرغبة في تقوية العلاقة بين الحزب والحكومة. وفي نوفمبر 1974، جدد انتخاب بورقيبة رئيساً، من دون منافس، وفاز أعضاء الحزب الدستوري في انتخابات الجمعية الوطنية، التي لم يخضها أي مرشح منافس. وبعد الانتخابات، عدلت الجمعية الوطنية الدستور، كمقدمة لانتخاب بورقيبة رئيساً مدى الحياة، ولتسمية الهادي نويرة خلفاً له. وأقرت إصلاحات دستورية لاحقاً (عام 1975) عزّزت سلطات رئيس الجمهورية. وفي هذه السنة، تغير أحد شعارات الدولة، فحلّ شعار “النظام” محل شعار “الحرية”.

       وفي 12 يناير 1974، وعقب اجتماع بين الحبيب بورقيبة والعقيد معمر القذافي، أعلن أن تونس وليبيا سوف تتحدان، وأن بورقيبة سيكون رئيس الدولة الجديدة، والقذافي نائب الرئيس. إلا أنه لم يقدّر لمشروع الوحدة النجاح.

       وقد تصدى بورقيبة لأكبر حدث داخلي، شهدته تونس منذ استقلالها. فقد انفجر الصراع السياسي، الذي شاركت فيه النقابات العمالية، حول قضايا سياسية واجتماعية متعددة. وبلغ هذا الانفجار ذروته يوم الخميس الأسود، في 26 يناير 1978، حينما تدخّل الجيش لكسر الإضراب العام، الذي دعت إليه الحركة النقابية. ومنذ ذلك الحين بدأ التفسخ في صفوف الطبقة الحاكمة.

       وانطلقت التعددية الحزبية في تونس، منذ سريان الانتخابات التشريعية عام 1981، من محاولة الرئيس بورقيبة تجاوز إخفاق نظام الحزب الواحد في تحقيق متطلبات التنمية، من جانب، وعجزه عن استيعاب أو الحدّ من فاعلية القوى المنافسة على الساحة السياسية، من جانب آخر.

       وقد لمس الرئيس بورقيبة هذا الواقع، في خطابه عند افتتاح المؤتمر الاستثنائي للحزب الدستوري الحاكم، في أبريل 1981 إذ أشار إلى أن “مشكلة الديموقراطية، لم تغب يوماً عن أذهاننا، وإن كنا أحياناً أَحْرَص على حماية المجتمع من الفوضى. فلم أمانع في وجود أحزاب مختلفة، تتبارى في خدمة المصلحة العامة، وذلك إذا ما توافرت الشروط اللازمة للتنافس النزيه، الذي لا يؤدي إلى تناحر، تذهب ضحيته المثُل العليا، ومصلحة المجتمع”.

       والواضح أن قبول الرئيس بورقيبة بمبدأ التعددية، لم يكن كافياً لتجاوز أزمة النظام، التي أظهرها، بحدّة، رفض حركة النهضة توجهاته العلمانية، واجتذابها قطاعات مختلفة من الشعب التونسي، فضلاً عن الاضطرابات الشعبية، وما اقترن بها من دخول دائرة العنف الجماعي (1980، 1983، 1984). فقد سمح بورقيبة لثلاث قوى سياسية بممارسة نشاطها، كأحزاب سياسية، وهي: حركة الديموقراطيين الاشتراكيين، برئاسة أحمد المستيري، وحزب الوحدة الشعبية، برئاسة محمد بلحاج، والحزب الشيوعي، برئاسة محمد حرمل.

       ونُحِّي بورقيبة عن حكم تونس في 7 نوفمبر 1987، بعد الانقلاب السلمي، الذي قام به الرئيس زين العابدين بن علي، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء.

وفاته

       وفي 6 أبريل 2000م، الموافق الأول من المحرم 1421هـ، توفي بورقيبة عن عمر يناهز 97 عاماً. ونُقل جثمانه من مدينة المنستير، مسقط رأسه، إلى تونس العاصمة، ليسجى في مقر حزب “التجمع الدستوري الديموقراطي” الحاكم؛ لإلقاء النظرة الأخيرة عليه. وأعيد الجثمان إلى مسقط رأسه، السبت 8 أبريل، حيث شٌيع رسمياً، بمشاركة عدد كبير من الوفود العربية والأجنبية.

قرار التقسيم

       في 26 فبراير 1947، وأمام فشل المحاولات البريطانية لإجهاض المقاومة الفلسطينية، وتزايد الإرهاب الصهيوني، والضغط الأمريكي، أعلنت بريطانيا أنها قررت نفض يديها من قضية فلسطين، ورفعها إلى الأمم المتحدة لبتّها.

       وعلى أثر تقديم بريطانيا قرارها إلى الأمم المتحدة، بإنهاء انتدابها على فلسطين، أوفدت هيئة الأمم “لجنة دولية” خاصة إلى فلسطين، بتاريخ 15مايو 1947، وكلفتها بإعداد تقرير في شأن مسألة فلسطين، للنظر فيه خلال دورة الجمعية العادية المقبلة، وقد قررت تلك اللجنة تقسيم فلسطين إلى دولتين، إحداهما عربية، والأخرى يهودية. كما أوصت أن توضع مدينة القدس تحت حكم دولي خاص، بعد جلاء القوات المسلحة، التابعة لسلطات الانتداب، عنها، في فترة لا تتجاوز الأول من أكتوبر  1948.

       وفى 29 نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الثانية، القرار رقم “181”، الخاص بخطة تقسيم فلسطين (انظر ملحق نص قرار تقسيم فلسطين). وقد فاز القرار، بأغلبية “33” صوتاً ضد “13” صوتاً، نظراً إلى تدخل بعض الدول الكبرى لمصلحة اليهود. وجاء في خطة التقسيم، ما يلـي:

أولاً: يُنهى الانتداب على فلسطين في أقرب وقت ممكن، على ألا يتأخر، في أي حال، عن الأول من أغسطس 1948.

ثانياً: يجب أن تجلو القوات المسلحة، التابعة للسلطة المنتدبة، عن فلسطين بالتدريج. ويتم الانسحاب في أقرب وقت ممكن، على ألا يتأخر، في أي حال، عن أول أغسطس 1948. وعلى السلطة المنتدبة أن تخطر اللجنة، في أبكر وقت ممكن، بنيّتها إنهاء الانتداب والجلاء عن كل منطقة. وعلى السلطة المنتدبة أن تبذل أفضل مساعيها، لضمان الجلاء عن منطقة واقعة في أراضي الدولة اليهودية، تضم ميناء بحرياً وأرضاً خلفية، كافيين لتوفير تسهيلات لهجرة كبيرة، وذلك في أبكر موعد ممكن، على ألاّ يتأخر، في أي حال، عن الأول من فبراير1948.

ثالثاً: تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان، العربية واليهودية، والحكم الدولي الخاص بمدينة القدس. وذلك بعد شهرين من إتمام جلاء القوات المسلحة، التابعة للسلطة المنتدبة، على ألا يتأخر ذلك، في أي حال، عن أول أكتوبر 1948.

رابعاً: تعدّ الفترة ما بين تبنِّي الجمعية العامة توصيتها، في شأن مسألة فلسطين، وتوطيد استقلال الدولتين، العربية واليهودية، فترة انتقالية.

       وهكذا اقتطع قرار التقسيم جزءاً من أرض فلسطين العربية، بما نسبته (54%)، لإنشاء دولة إسرائيل، على الرغم من أن اليهود، في عام 1945، كانوا يملكون (1.491.699) دونماً من أرض فلسطين، التي تبلغ مساحتها (26.323.023) دونماً. أي أن مساحة ما كان يملكه اليهود من أرض فلسطين، هي 5.66% من مساحة فلسطين الكلية. كما أن عدد اليهود، عام 1947، كان أقل كثيراً من ثلث السكان، وكان 10% منهم فقط سكاناً أصليين من فلسطين.

       وفيما يلي مقارنة إحصائية للأرض، التي كان يملكها السكان، اليهود والعرب، في كل منطقة من فلسطين، وهي توضح ما كان الوضع عليه في أبريل 1945، إذ كانت فلسطين، آنذاك، مقسمة إلى ست مقاطعات:

المساحة عرب/يهود اسم المنطقة الرقم
1815536  دونما 576028  دونما عرب يهود منطقة الجليل 1 –
434666    دونما 364276    دونما عرب يهود منطقة حيفا 2 –
2736077 دونما 145627 دونما عرب يهود منطقة نابلس 3 –
3993000  دونما 39678 دونما عرب يهود منطقة القدس 4 –
828805 دونما 251598 دونما عرب يهود منطقة اللد 5 –
830314   دونما 49260     دونما عرب يهود منطقة غزة 6 –
26323023  دونما[1] مجموع مساحة فلسطين

 

توزيع السكان، العرب واليهود، في مناطق فلسطين، كما كان عليه في عام 1946

اليهود العرب المنطقة الرقم
4 96 عكا 1 –
13 87 صفد 2 –
16 84 الناصرة 3 –
33 67 طبرية 4 –
47 53 حيفا 5 –
30 70 بيسان 6 –
100 جنين 7 –
17 83 طولكرم 8 –
100 نابلس 9 –
71 29 يافا 10 –
22 78 الرملة 11 –
100 رام الله 12 –
38 62 القدس 13 –
أقل من 1% 99 الخليل 14 –
2 98 غزة 15 –
أقل من 1% 99 بئر سبع 16 –

       وهكذا يتضح من الجدوليْن والأرقام السابقة، أن قرار التقسيم، أعطى الدولة اليهودية ما مساحته 14.000 كيلو متر مربع. ثم احتلت إسرائيل، بعد حرب عام 1948، حوالي 6000 كيلو متر مربع أخرى، من أصل المساحة المخصصة للدولة العربية.

       وفي الوقت الذي بدأ فيه البريطانيون بالانسحاب من فلسطين، ونظراً إلى التناقض والتباين الجوهريين، بين الموقفين العربي واليهودي، إزاء قرار التقسيم، ازداد خطر الموقف، وتصاعدت حدّة الاشتباكات، وتجدد القتال، وعمّ أجزاء فلسطين كلها، وأخذت المقاومة الفلسطينية تستعد لجولة حاسمة، وباشرت اللجان القومية الفلسطينية، في جمع الأموال، وشراء السلاح، وبدأت عمليات التعبئة والتدريب، وأُنشئت قيادة الجهاد المقدس.

        وفى الأول من يناير 1948، تكوّن جيش الإنقاذ، وخاض معارك ضارية ضد العصابات الصهيونية، في مناطق مختلفة من فلسطين. لكن الحركة الصهيونية، وبمساندة قوات الانتداب البريطانية وتأييدها، تمكنت من الاستيلاء على المراكز والمواقع الحساسة عسكرياً في فلسطين. وفى الساعة الرابعة من بعد ظهر 14 مايو 1948، كان بن جوريون يقف أمام أعضاء المجلس القومي اليهودي، في تل أبيب، ليعلن قيام الدولة اليهودية في فلسطين، دون أن يحدد حدود تلك الدولة.

مشروعات التسوية المقدمة لحل الصراع العربي الإسرائيلي

منذ عام 1948 وحتى المشروع التونسي

       عندما تدخلت الحكومات العربية عسكرياً، لإنقاذ فلسطين من السيطرة الصهيونية، عقب قرار أتُخذ في اجتماع دمشق، يوم 12 أبريل 1948، تعرضت، فور دخولها إلى فلسطين، للضغوط الدولية، لحمْلها على قبول الهدنة[1]. وبينما كان العرب يخوضون المعارك ضد اليهود، فُرضت الهدنتان، الأولى والثانية من قبل مجلس الأمن، وكانتا تمثلان نقطة تحول في معركة فلسطين، إذ استغلهما اليهود في الحصول على كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة.

       وهكذا، قررت اللجنة السياسية لمجلس الجامعة العربية، قبول طلب مجلس الأمن، في يونيه 1948، على أساس أن وقف القتال وسيلة لإيجاد حل عادل للقضية. وبدأ الوسيط الدولي، الكونت فولك برنادوت Folke Bernadotte (Count) ، اتصالاته بالفريقين، بحثاً عن تسوية للنزاع، فقدَّم، في 27 يونيه 1948، أول مشروع سلام.

مشروع الكونت فولك برنادوت

تضمن مشروع وسيط الأمم المتحدة، في فلسطين، النقاط التالية:

أولاً: الانتقال من مرحلة وقف القتال، إلى تحقيق هدنة دائمة، أو سلام، بين العرب واليهود.

ثانياً : توضع القدس تحت رقابة الأمم المتحدة.

ثالثاً : تتولى لجنة منبثقة من الأمم المتحدة، ترسيم الحدود بين العرب واليهود.

رابعاً: تشرف لجنة دولية على حل مشكلة اللاجئين حلاً، يختار اللاجئون بموجبه بين العودة إلى منازلهم، أو تعويضهم عما فقدوه وفي هذا الصدد، قال الكونت برنادوت: “إن حرمان اللاجئين من العودة إلى ديارهم، سيُعدّ خرقاً لأبسط مبادئ العدالة، خصوصاً في الوقت الذي يتدفق فيه اليهود إلى فلسطين”.

خامساً: دعوة الأمم المتحدة إلى تأليف لجنة متابعة ومصالحة دولية، للتوصل إلى تسوية سلمية للوضع في فلسطين.

       لكن الصهاينة، اغتالوا الكونت برنادوت، على يد عصابة “شتيرن” الصهيونية، في القدس، يوم 17 سبتمبر 1948. وخرقوا اتفاقية الهدنة، واجتاحوا النقب، واستولوا على معظم القرى العربية في الجليل. فعيّنت الأمم المتحدة، يوم 4 نوفمبر 1948، رالف بانشRalph Bunche ، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، وسيطاً دولياً، خلفاً لبرنادوت، ليشرف على تنفيذ قرار مجلس الأمن، القاضي بانسحاب الطرفين إلى المراكز، التي كان كل طرف يحتلها، قبل 14 أكتوبر.

لجنة التوفيق والمصالحة[2]

       شُكلت هذه اللجنة بقرار الأمم المتحدة الرقم 194، بتاريخ 11 ديسمبر 1948، من ثلاث دول أعضاء في الأمم المتحدة، وهم فرنسا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، على أن تكون مهمة اللجنة، ما يلي:

أولاً: تنفيذ بالمهام التي أوكلت إلى وسيط الأمم المتحدة السابق، الكونت برنادوت، بموجب قرار الجمعية العامة الرقم 186، الصادر بتاريخ 14مايو 1948. وكانت مهام الوسيط الدولي، التي وردت في هذا القرار، تنحصر في الآتي:

أ.  بذل مساعيه الحميدة، لدى السلطات المحلية والطائفية في فلسطين، من أجل تأمين الخدمات العامة، الضرورية لسلامة سكان فلسطين ورفاهيتهم.

ب. تأمين حماية الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية.

ج. التعاون مع لجنة الهدنة في فلسطين.

د. التعاون مع هيئات الأمم المتحدة المختلفة، لضمان رفاهية سكان المنطقة.

ثانياً: تنفيذ المهام والتوجيهات المحددة، الصادرة إليها بموجب القرار الحالي، وكذلك المهام والتوجيهات الإضافية، التي قد تصدرها إليها الجمعية العامة ومجلس الأمن.

ثالثاً: تنفذ اللجنة، بناء على طلب مجلس الأمن، أي مهمة، تَكِلها، حالياً، قرارات مجلس الأمن إلى وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، أو إلى لجنة الأمم المتحدة للهدنة.

        وتطلب الأمم المتحدة من اللجنة، أن تبدأ عملها فوراً، حتى تقيم، في أقرب وقت، علاقات بين الأطراف نفسها، وبين هذه الأطراف واللجنة. كما تدعو الحكومات والسلطات المعنية إلى توسيع نطاق المفاوضات، وإلى البحث عن اتفاق بطريق المفاوضات، التي تجري إمّا مباشرة، أو مع لجنة التوفيق، بغية إجراء تسوية لجميع المسائل المعلقة.

        وتقرر الجمعية العامة أيضاً وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين، الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم. وأصدرت الجمعية العامة تعليماتها إلى لجنة التوفيق، بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات.

المشروع النرويجي

        بعد فشل مهمة لجنة التوفيق، التابعة للأمم المتحدة، تقدَّم مندوب النرويج بمشروع قرار إلى هيئة الأمم المتحدة، بتاريخ 26 نوفمبر 1952، من أجل تسوية الخلافات العربية – الإسرائيلية. وقد شارك بعض الدول في تقديم هذا المشروع. وهو ينص على ما يلي:

أولاً: مناشدة الطرفين، العربي والإسرائيلي، الامتناع عن أي أعمال عدوانية ضد بعضهما.

ثانياً: التأكيد من جديد للمبدأ القائل “إن المسؤولية الرئيسية في الوصول إلى تسوية الخلافات، تقع على عاتق الحكومات المعنية”.

ثالثاً: حث تلك الحكومات على الدخول في مفاوضات مباشرة، وفي أقرب فرصة ممكنة.

رابعاً: دعوة لجنة التوفيق لتقديم خدماتها من أجل تحقيق التسوية.

مشروع “جاما” الأمريكي

        بعد نجاح ثورة يوليه 1952، في مصر، وبعد أن تركزت جهود النظام الجديد في مصر على التخلص من بقايا الاستعمار الإنجليزي، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك فرصة لعرض وساطتها السرية، لتسوية النزاع العربي – الإسرائيلي، وتصفية القضية الفلسطينية نهائياً. وعلى الرغم من أن الاتصالات المصرية ـ الإسرائيلية، كانت قد انقطعت، في أوائل عام 1955، إثر عودة ديفيد بن جوريون David Ben-Gurion إلى السلطة، وهجوم إسرائيل على غزة، وتوجه مصر للحصول على السلاح من مصادر غير المصادر الغربية التقليدية، والذي تُوِّج بصفقة السلاح المعروفة مع تشيكوسلوفاكيا، عادت الدبلوماسية الأمريكية إلى محاولاتها، لإحياء الاتصالات المصرية –  الإسرائيلية، على أعلى المستويات. ففي سبتمبر 1955، أجرى كيرميت روزفلت[3] (Kermet Roosevelt) اتصالات سرية مع الرئيس جمال عبدالناصر، هدفها إقناعه باتخاذ إجراءات معينة، بهدف موازنة صفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا، وذلك خدمة للسلام في المنطقة وكان من رأي روزفلت أن يعلن الرئيس عبدالناصر، أن صفقة السلاح التشيكية تمثل أسلحة دفاعية محضة، وأن مصر مستعدة لاتخاذ خطوات إيجابية نحو السلام، إذا رأت أن الطرف الإسرائيلي سيستجيب بخطوات مماثلة. ومع أن وزير الخارجية الأمريكية، جون فوستر دالاسJohn Foster Dulles ، كان قد ندد بصفقة الأسلحة التشيكية، وتأثيرها السلبي، على حد زعمه، إلاّ أن الدبلوماسية الأمريكية، حرصت على استمرار الاتصالات السرية بين مصر وإسرائيل. ولقد أطلق اسم “جاما” على المشروع، وتكفل روزفلت مع مايلز كوبلاند، بالجانب السري، وتكفل روبرت أندرسون بالجانب العلني. أمّا تفاصيل مشروع “جاما”، وفقاً لرواية كوبلاند ومذكرات بن جوريون، فهي كما يلي:

        يجري كل من روزفلت ومايلز كوبلاند سلسلة من المحادثات مع الرئيس جمال عبدالناصر، هدفها الوصول إلى تحديد موقف أساسي، تنطلق منه المفاوضات. كما يجري أمريكيان آخران محادثات مماثلة مع بن جوريون، من أجل الوصول إلى تحديد موقف إسرائيلي مشابه. بعد ذلك، ينتقل أندرسون بين القاهرة وتل أبيب، من أجل تضييق شقة الخلاف بين الموقفين، إلى أدنى حدٍّ ممكن. عندئذ، يتمّ ترتيب اجتماع سري بين عبدالناصر وبن جوريون، على متن يخت خاص في البحر الأبيض المتوسط، لسد الفجوة نهائياً بين الطرفين. ويؤكد كوبلاند، أن روزفلت حصل على موافقة كل من الرئيس جمال عبدالناصر وبن جوريون على هذه الترتيبات، مع إصرار الرئيس عبدالناصر على نقطتين:

الأولى: يجب أن تحصل مصر على أكثر من مجرد ممر (وسيتم تحديد عرض هذا الممر في المفاوضات مع إسرائيل) لربطها بالأردن.

الثانية: على الإسرائيليين أن يوافقوا، من حيث المبدأ، على قبول الفلسطينيين، الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم.

        على هذا الأساس، سافر روبرت أندرسون[4] من القاهرة إلى تل أبيب، يوم 3 يناير 1956، حيث عقدت اجتماعات مطولة مع المسؤولين هناك، بمن فيهم بن جوريون في حضور ممثل عن وكالة الاستخبارات المركزية (الأمريكية)CIA. ويستفاد من مذكرات بن جوريون، أن المحادثات كانت تدور حول قضيتين:

أولاً: السلام بين مصر وإسرائيل، وتخفيف حدة التوتر والاشتباكات على الحدود. ويؤكد بن جوريون ما قاله كوبلاند حول اشتراط عبدالناصر لتحقيق السلام، أن تقبل إسرائيل حل مشكلة اللاجئين، وفقاً لقرارات هيئة الأمم المتحدة.

ثانياً: تأمين اتصال إقليمي بين أفريقيا وآسيا العربيتين.

        وخلاصة القول، إن مشروع جاما قد مات ودفن، نتيجة لرفض بن جوريون مناقشة التفاصيل المتعلقة بالتنازلات الإسرائيلية. وقد برر يعقوب هيرتزوج[5]، الذي حضر الاجتماعات الإسرائيلية مع أندرسون، موقف إسرائيل، بقوله، في صحيفة “معاريف”، يوم 6 أغسطس 1971: “لم تكن إسرائيل تعتقد أن في استطاعة عبدالناصر عقد صلح معها، حتى لو أراد ذلك، بسبب المعارضة، الداخلية والعربية، لمثل هذه الاتصالات”. كما يقول بن جوريون في مذكراته، إنه كان يعتقد أن عبدالناصر، كان يجري هذه الاتصالات على سبيل المناورة، ومن أجل كسب الوقت، كي يتيح الفرصة أمام جيشه لاستيعـاب السلاح السوفيتي الجديد.

بيان دالاس في التمهيد لمشروع جونستون

        في ربيع عام 1953، قام جون فوستر دالاس، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، بجولة في دول الشرق الأوسط. وقدَّم دالاس، في أول يونيه 1953، تقريراً عن جولته، تطرق فيه إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين. ومما جاء في التقرير: “وعلى مقربة من إسرائيل، يتجمع العدد الأكبر من اللاجئين العرب. وعددهم يزيد على 800 ألف لاجئ، وهم الذين هربوا من فلسطين، عندما استولى عليها الإسرائيليون. إن بعض هؤلاء اللاجئين، يمكن إسكانهم في المنطقة التي تحتلها إسرائيل حالياً، لكن معظمهم يستطيع، بصورة أجدى، أن يندمج في حياة البلدان العربية المجاورة. بيد أن هذا يعتمد على مشاريع الري، التي يمكن بواسطتها استثمار أراضٍ جديدة. ففي طول المنطقة، نجد أن الحاجة الكبرى هي إلى الماء. وتتوافر أموال الأمم المتحدة، وأموال أخرى أيضاً لمساعدة اللاجئين. هذه الأموال، يمكن إنفاق القسم الأكبر منها في سبيل استثمار الأنهار، التي تمر في البلدان العربية وإسرائيل، استثماراً منسقاً”.

        ويلاحظ الدكتور فايز صايغ، مدير، مركز الأبحاث بمنظمة التحرير الفلسطينية، أن السياسة الأمريكية هذه، ترتكز على القواعد التالية:

  1. التخلي عن فكرة العودة، إلاّ للعدد القليل من اللاجئين الفلسطينيين.
  2. إدماج السواد الأعظم من الفلسطينيين في البلاد العربية المجاورة، وحصر قضيتهم في النطاق الاقتصادي، وربطها بالتنمية الاقتصادية الزراعية في المنطقة العربية.
  3. اقتراح مشاريع ري مشتركة، تقوم بها البلدان العربية وإسرائيل معاً، بواسطة معونات مالية من الخارج.

وقد مهّد وزير الخارجية الأمريكي، دالاس، بهذا البيان، لمشروع جونستون، الذي أُعلن في العام نفسه.

مشروع جونستون 1953 – 1955

        يستهدف هذا المشروع معالجة، قضية اللاجئين الفلسطينيين وقضية فلسطين برمّتها، أو بمعنى أدق تصفيتهما، من طريق تعاون الدول العربية وإسرائيل على استثمار مياه نهر الأردن استثماراً مشتركاً.

        وقد بدأ أريك جونستون، مبعوث الرئيس أيزنهاورDwight David Eisenhower، زياراته إلى المنطقة، في أكتوبر 1953. ثم عاود زيارتها ثلاث مرات، كان آخرها في خريف 1955. ويتضح الاستمرار في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، في أن قواعد مشروع جونستون، كانت قد أرسيت في عهد الرئيس هاري ترومانHarry Truman. ويتلخص مشروع جونستون في النقاط التالية:

أولاً: ينفذ المشروع على خمس مراحل. تستغرق كل مرحلة منها سنتين أو ثلاثاً. وتقدر نفقات المشروع بنحو مائة وثلاثين مليون دولار. ينفق منها نحو ثلاثين في المائة على توليد الطاقة الكهربائية، وبناء محطاتها.

ثانياً: إنشاء خزان، على بعد نحو عشرين كم من ملتقى نهر الحاصباني بنهر الأردن، في منطقة واقعة شرق قرية “إبل السقي” اللبنانية. وفي هذا الخزان، تجمع مياه النهر في فصل الشتاء، وتقدر بنحو مائة وثلاثين مليون متر مكعب في العام، وتوزع في الأشهر التي تمس الحاجة فيها إلى الري. وبواسطة هذا الخزان، يصبح في الاستطاعة التحكم، نسبيا،ً في مياه القسم العلوي من نهر الأردن، التي تصب في بحيرة طبرية. وتُشق قناة، تتفرع من هذا الخزان إلى قرب مستعمرة “تل حي” (في فلسطين المحتلة)، تُشيد عليها محطة لتوليد القوة الكهربائية، ثم تجري منها المياه إلى القناة الأساسية، التي ستزود منطقة جبال الجليل بالمياه.

ثالثاً: إنشاء سد على ملتقى مياه نهر “دان” بالقناة الأساسية في الجليل، لتحويل مياه نهر دان وتل قاضي إلى تلك القناة.

رابعاً: إنشاء سد آخر بالقرب من قرية عين الحمراء (في فلسطين المحتلة)، لتحويل مياه نهر بانياس إلى القناة الأساسية، لري منطقة جبال الجليل.

خامساً: إنشاء قناة أساسية، طولها مائة وعشرون كيلومتراً، تتحول إليها مياه نهر بانياس ونهر دان ومنابع تل القاضي ومياه القسم، الذي يقع تحت السد في نهر الحاصباني. وتجري المياه في هذه القناة جنوباً، حتى تصل إلى غرب مدينة طبرية. وتتفرع عن هذه القناة الأساسية أقنية فرعية، طولها نحو مائة وعشرة كيلومترات، لري جبال الجليل ومرج ابن عامر.

سادساً: تجفيف المستنقعات الواقعة شمالي بحيرة الحولة، واستغلالها، بعد ذلك، في زراعة الحبوب. وإنشاء قنوات محلية في تلك المنطقة، وتوسيع مخرج المياه من بحيرة طبرية.

سابعاً: زيادة مترين في ارتفاع السد القائم على نهر الأردن، عند خروجه من بحيرة طبرية، لزيادة تخزين المياه.

ثامناً: إنشاء قناتين من سد بحيرة طبرية، الأولى لري جميع أراضي الغور الغربي من بحيرة طبرية إلى البحر الميت، ويبلغ طولها نحو مائة كيلومتر (عدا الأقنية التي تتفرع عنها). أمّا القناة الأخرى، فالغرض منها ضخ المياه من بحيرة طبرية إلى الغور الشرقي، في أوقات الجفاف.

تاسعاً: إنشاء قناة تبدأ من سد نهر اليرموك، قرب العدسية (في الأردن)، تستخدم مياهها في توليد الكهرباء، بواسطة محطة تُنشأ قرب العدسية، وتحول منها مياه النهر إلى بحيرة طبرية.

عاشراً: إنشاء سد ومحطة كهرباء لمياه اليرموك، قرب محطة (المقارن) في الأردن، لزيادة مخزون المياه في خزان بحيرة طبرية.

        وقد شكّلت الحكومات العربية، المصرية والسورية واللبنانية والأردنية، لجنة فنية من الخبراء العرب، لدراسة هذا المشروع، وإبداء رأيهم فيه. وفيما يلي اعتراض لجنة الخبراء العرب على المشروع:

أولاً: رفضت لجنة الخبراء العرب مبدأ تخزين مياه نهر اليرموك في بحيرة طبرية، لأن معظم هذه البحيرة، يقع تحت إشراف السلطة اليهودية، بينما تنبع هذه المياه من أراضٍ عربية.

ثانياً: في ما يتعلق بإنشاء سد المقارن على نهر اليرموك، يقترح مشروع جونستون جعل هذا السد بارتفاع 58 متراً، بطاقة تخزينية 73 مليون متر مكعب من الماء، وتصريف بقية المياه إلى بحيرة طبرية. على أن يكون في الإمكان تعلية السد إلى ارتفاع 95 متراً، في المستقبل، لحجز 195مليون متر مكعب، إذا دعت الحاجة إلى تخزين كمية أكبر من المياه، لري الأراضي. ويبدو أن الغاية من ذلك أن يتكلف مشروع جونستون الإنفاق على تعلية السد وزيادة التخزين. وأن تمول المشروع الحكومتان السورية والأردنية، كل منهما من ميزانيتها الخاصة. ولذلك، اعترضت لجنة الخبراء العرب على هذا الاقتراح، وطالبت بإنشاء السد على نهر اليرموك، بارتفاع 150 متراً، من البداية، لحجز 400 مليون متر مكعب من الماء، للاستفادة منها في ري الأراضي وتوليد الكهرباء.

ثالثاً: يقترح مشروع جونستون، أن تكون محطة توليد القوة الكهربائية في العدسية (الأردن)، بقوة 23 ألف كيلو وات، على أن تزداد قوتها إلى 28 ألف كيلو وات، إذا زاد ارتفاع السد. لكنه يرجئ أمر إنشاء هذه المحطة، بحجة أن الأردن في غير حاجة إليها الآن. ويبدو أن سبب الإرجاء هو توفير نفقات إنشائها، وإلقاء هذه النفقات على عاتق الحكومة الأردنية، إذا ما رغبت في إنشائها، في المستقبل.

رابعاً: اعترضت لجنة الخبراء العرب على اقتراح مشروع جونستون، إنشاء محطة توليد الطاقة الكهربائية من مياه الحاصباني، في مستعمرة “تل حي” اليهودية، وحرمان لبنان من الاستفادة منها. وطالبت بإنشاء هذه المحطة في الأراضي اللبنانية، وإمداد اليهود بما يزيد على حاجة لبنان من الكهرباء.

خامساً: بموجب مشروع جونستون، لا تستطيع سورية أن تروي أكثر من ثلاثين ألف دونم من الأراضي الزراعية، من مياه نهر اليرموك. كما أن المشروع يحرمها من الاستفادة من مياه نهرَي بانياس ودان وتل القاضي، في ري أي مساحة من الأرض. على حين قررت لجنة الخبراء العرب، أن سورية تستطيع أن تروي ما مساحته 68 ألف دونم من مياه نهر اليرموك، و20 ألف دونم من مياه نهر بانياس، و22 ألف دونم من مياه نهر الأردن.

سادساً: بينما يحرم مشروع جونستون الأراضي اللبنانية من أي ري من مياه نهر الحاصباني، بعد إنشاء سدّ عليه، وتحويل مياهه إلى المنطقة اليهودية، تقرر لجنة الخبراء العرب، أن في الاستطاعة ري ثلاثين ألف دونم من الأراضي اللبنانية، من مياه النهر.

        وقد ارتفعت أصوات الاحتجاج العربية، الشعبية والرسمية، تطالب برفض مشروع جونستون. وكان الفلسطينيون أول من رفع صوته باستنكارها، وآخر قرار لهم برفض مشروعات جونستون، هو القرار الذي اتخذه مؤتمر اللاجئين، المنعقد في القدس، بتاريخ 20 يوليه 1955.

الموقف الفلسطيني من مشروع جونستون

        اتخذ مؤتمر اللاجئين الفلسطينيين، الذي انعقد في القدس، بتاريخ 20 يوليه 1955، قراراً بالإجماع برفض المشروع، جاء فيه: يرفض اللاجئون الفلسطينيون كل مشروع، أو تفكير يرمي إلى تصفية قضية اللاجئين، وحل قضية فلسطين حلاٍّ، لا يحقق المطالب الوطنية. كما يرفضون مشاريع الإسكان، ومشروع جونستون، الذي يؤدي، في النهاية، إلى عقد صلح مع إسرائيل أو التعاون معها”.

        كما أصدرت اللجنة التنفيذية لمؤتمر اللاجئين، في قطاع غزة، مذكرة، أرسلتها إلى رؤساء الحكومات العربية. ومما جاء في هذه المذكرة: “إن دولة إسرائيل، ما هي إلا بذرة الاستعمار الأنجلو ـ أمريكي في البلاد العربية. ولن يكون نضال العرب نضالاً صحيحاً، منبعثاً من الأماني القومية للأمة العربية، إلاّ إذا حاربنا الأصل والفرع، والذين أمدّوا إسرائيل بالحياة، ولا يزالون يمدّونها. وإن في معاونة الاستعمار أو مهادنته تدعيماً لإسرائيل، وتثبيتاً لأركانها، وتقوية لبنائها. وهاهو الاستعمار يأتي بمشروع جونستون، الذي أُعد لتوطين عرب فلسطين في البلاد العربية، وإعطاء إسرائيل كميات كبيرة من المياه العربية، لاستصلاح الأرض المغتصبة، حتى تتسع ليهود آخرين، يجلبون إليها من مختلف بقاع العالم. فإذا ما وافقت الدول العربية على مشروع جونستون وأمثاله، الذي يرفضه عرب فلسطين، إنما تكون:

  1. قد باعدت بين عرب فلسطين وعودتهم إلى بلادهم، بتوطينهم في البلاد العربية.
  2. قد قضت على قرارات الأمم المتحدة، في خصوص فلسطين.
  3. قد قوَّت إسرائيل، بجلب إمدادات جديدة من الرجال، تكون مادة هذه الدولة، لتلتهم بلداً بعد آخر من البلاد العربية، حتى يتحقق الحلم، وتصبح إسرائيل من الفرات إلى النيل”.

        فالموافقة على مشروع جونستون، وأشباهه من مشاريع الاستعمار، لا تقضي به الدول العربية على فلسطين بالاندثار من الوجود فحسب بل تقضي به كل دولة من هذه الدول بالإعدام على شعبها نفسه”.

مشروع دالاس (1955)

        بتاريخ 26 أغسطس 1956، ألقى دالاس خطاباً، حدد فيه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، دون لَبس أو إبهام. فقضية فلسطين في نظر دالاس، هي قضية لاجئين، ينبغي حلها من طريق التوطين، وهي قضية الخوف المتبادل والحدود. وفي صدد قضية اللاجئين، قال دالاس: “لإنهاء مأساة 900 ألف لاجئ فلسطيني، لا بد لهؤلاء المشردين من أن يستعيدوا حياتهم الكريمة، من طريق التوطين وبالعودة إلى الحد الممكن. ولهذا الغرض، يجب استصلاح أراضٍ جديدة، يستطيع اللاجئون أن يقيموا فيها بيوتاً دائمة لأنفسهم، وأن يعيلوا أنفسهم، من طريق عملهم هم. وعلى إسرائيل، أن تقدِّم التعويضات إلى اللاجئين. فإذا كانت عاجزة عن تقديم التعويضات الكافية، فيمكن منحها قرضاً مالياً، لتمكينها من ذلك، الأمر الذي يساعد كثيراً من اللاجئين على تهيئة حياة أفضل لأنفسهم. وإن الرئيس أيزنهاور على استعداد لأن يوصي بإسهام الولايات المتحدة الأمريكية إسهاماً بالغاً في مثل هذا القرض. كما أنه على استعداد أيضاً لأن يوصي بإسهام الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ مشاريع التنمية المالية، ومشاريع الري، التي من شأنها أن تيسر عمليات توطين اللاجئين”. ويمكن تلخيص النقاط الثلاث الرئيسية، التي يجب حلها لتحقيق التسوية، حسب رأي دالاس، في الآتي:

أولاً: وضع حد لبؤس مليون لاجئ فلسطيني. مما يستدعى تأمين حياة كريمة لهم، من طريق العودة إلى وطنهم الأول، وتوطينهم في المناطق العربية الموجودين فيها. ومن أجل تحقيق التوطين، اقترح دالاس استصلاح المزيد من الأراضي، من خلال مشاريع الري،  ليتمكن اللاجئون من العمل والاستقرار. ومن أجل تحقيق هذه الأفكار، اقترح دالاس على إسرائيل دفع تعويضات إلى الاجئين، يتم تمويلها من خلال قرض دولي، تشارك فيه الولايات المتحدة الأمريكية بصورة أساسية.

ثانياً: التغلب على الشعور بالخوف، الذي يسيطر على دول المنطقة، ما يجعلها عاجزة عن الإحساس بالأمن والاطمئنان. وشدد دالاس على أن التغلب على هذا الخوف، والوصول إلى الشعور بالأمان، لا يمكن أن يتحققا بجهود دول المنطقة وحدها، بل يتطلبان إجراءات جماعية، هدفها ردع أي عدوان بشكل قوي وحاسم. وعلى هذا الأساس، عبّر دالاس عن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للدخول في معاهدات، هدفها منع أي عمل، من قبل أي من الطرفين، من شأنه تغيير الحدود بين إسرائيل وجيرانها بالقوة، إضافة إلى كبح مثل هذا العمل.

ثالثاً: من أجل ضمان الحدود، يجب أن يكون هناك اتفاق مسبق حول طبيعة هذه الحدود. وبما أن الخطوط، التي تفصل إسرائيل عن الدول العربية، ناتجة عن اتفاقات لجنة الهدنة، عام 1949، ولا تشكل حدودا دائمة، فإن مسألة الحدود تصبح من أهم المسائل، التي يجب حلها، من أجل الوصول إلى تسوية سلمية بين الدول العربية وإسرائيل.

       وهكذا، يتضح أن التكتيك الأمريكي البارز في المشروع، يهدف إلى نزع الصبغة السياسية عن النزاع العربي- الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، وإعادة طرح المشكلة على أسُس تكنوقراطية، قابلة للحل بالوسائل التقنية المتقدمة. أي تحويل المشكلة، وتجزئتها إلى: التنمية المائية في المنطقة، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين، وتأمين القروض المالية اللازمة، وترسيم الحدود، وتوقيع معاهدات لضمان هذه الحدود.

ردود الفعل الإسرائيلية على المشروع:

في 11 سبتمبر 1955، حددت إسرائيل موقفها من مشروع دالاس، في تصريح أدلى به رئيس وزرائها، ديفيد بن جوريون، حين قال:

  1. إن حكومته مستعدة لمناقشة موضوع إدخال بعض التعديلات المتبادلة على الحدود مع جيرانها العرب، ولكنها غير مستعدة لتقديم أي تنازلات من طرف واحد، في ما يتعلق بالأرض، خاصة في منطقة النقب.
  2. مع أن مشروع دالاس، قد جعل تعيين الحدود شرطاً يجب تحقيقه، قبل عقد المعاهدات الدفاعية، ترى إسرائيل أن عقد مثل هذه المعاهدات مسألة ملحّة جداً.
  3. إن خطوط الهدنة الحالية، مهما كانت نواقصها وسيئاتها، فهي حدود تم الاتفاق عليها بين الطرفين، في حين أن أي محاولة للوصول إلى اتفاق حول تعديل هذه الخطوط، في المستقبل القريب، لا بد أن يثير مشاكل معقدة، لا طائل فيها.
  4. منطقة النقب مهمة جداً، بالنسبة إلى إسرائيل، لسببين: ثرواتها المعدنية، وأهميتها الكبرى لميناء إيلات، الذي يعطي إسرائيل موطئ قدم على البحر الأحمر.

ردود الفعل العربية على مشروع دالاس:

أمّا على الجانب العربي، فقد أعلن رئيس الوزراء السوري، سعيد الغزي، في المجلس النيابي، بتاريخ 26 سبتمبر 1955، رفض سورية لكل الخطط والمحاولات، الرامية  إلى عقد سلام مع إسرائيل، بما في ذلك اقتراحات دالاس. ولم تحدد أي دولة عربية أخرى موقفها الرسمي من هذا المشروع. إلاّ أن القاهرة، هاجمت المشروع، ورأت فيه محاولة لوضع العرب تحت رحمة إسرائيل.

مشروع أنتوني إيدن (1955)

       بتاريخ 9 نوفمبر 1955، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، السير أنتوني إيدن، استعداده (مع مساهمة دول أخرى) لتقديم الضمانات الرسمية اللازمة إلى إسرائيل والدول العربية، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق، هدفه موضوع الحدود بين الطرفين. وقد ارتكز مشروع أنتوني إيدن على النقاط التالية:

أولاً: على الجانبين، العربي والإسرائيلي، أن يقدِّما تنازلات متبادلة.

ثانياً: السعي إلى الاتفاق على “صيغة تسوية” بين الموقف العربي، الذي يطالب بالعودة إلى حدود التقسيم عام 1947، والموقف الإسرائيلي، الذي يتمسك بخطوط الهدنة، كحدود دائمة.

ردود فعل إسرائيل على مشروع إيدن:

أكّد بن جوريون، في خطاب ألقاه في الكنيست، بتاريخ 15 نوفمبر 1955، رفض إسرائيل للمشروع، لأنه أشار إلى قرارات الأمم المتحدة، حين قال: “إن غزو الدول العربية لأرض إسرائيل، في حرب 1948، قد جعل كافة قرارات هيئة الأمم المتحدة حول فلسطين لاغية وباطلة، بلا أي إمكانية لإعادتها إلى الحياة”.

ردود الفعل العربية على مشروع إيدن:

لم تصدر أي تعليقات رسمية من الجانب العربي، باستثناء التصريح الصحافي، الذي أدلى به جمال عبدالناصر، في 28 نوفمبر 1955، حين قال: “إن عودة إيدن إلى قرارات الأمم المتحدة لعام 1947، تشير إلى أن حقوق الفلسطينيين، لم يتم التخلي عنها، كما كان يظن البعض، من قبل الدول الكبرى، وأن الوقت قد حان لإعادة إحياء تلك القرارات، التي أهملت لمدة ثماني سنوات”. كما ذكر عبد الناصر في تصريحه، أن إيدن لم يتقدم بأي مقترحات محددة، بل رجع إلى قرارات هيئة الأمم المتحدة من جديد، مما يشكل، من وجهة نظر مصر، اعترافاً بحقوق الشعب العربي الفلسطيني، الذي اُغتصب وطنه، عندما كان خاضعاً للانتداب البريطاني.

مشروع إسرائيلي جديد (1956)

       في الوقت الذي تخلت فيه بريطانيا عن مشروعها، الذي رفضته إسرائيل، وأيدته مصر، أبدت إسرائيــل بعض مظاهر الاستعداد لتقديم تنازلات، ضمن مقترحات نقلها، آنذاك، موشي شاريت[6] Moshe Sharett ، أثناء زيارته واشنطن، وخلال محادثاته مع دالاس بتاريخ 21 نوفمبر و 6 ديسمبر 1956. وقد نشرت تفاصيل المقترحات الإسرائيلية في واشنطن، بتاريخ 19 ديسمبر 1956. وكانت على النحو التالي:

أولاً: موافقة إسرائيل على تعديلات متبادلة في خطوط الهدنة، بهدف تحسين الأوضاع الأمنية والمواصلات، مع رفضها للتفاوض على أساس خط التقسيم لعام 1947.

ثانياً: استعداد إسرائيل للنظر في موضوع منح الدول العربية حقوق الترانزيت، التي تسهِّل حركة التجارة بين الشمال والجنوب (أي بين مصر ولبنان) من جهة، وبين (مصر والأردن)، عبْر النقب، من جهة أخرى. وذلك مقابل منح الدول العربية إسرائيل حقوقاً مماثلة ومشابهة، كحقوق النقل البري والجوي.

ثالثاً: استعداد إسرائيل لمنح الأردن تسهيلات حرة في ميناء (حيفا)، وحقوق الترانزيت الضرورية من أجل الوصول إلى الأردن من طريق البر.

رابعاً: استعداد إسرائيل لجمع الأموال اللازمة، من أجل تعويض اللاجئين الفلسطينيين، وقبولها القرض الذي عرضته الولايات المتحدة الأمريكية، للمساهمة في إعادة إسكانهم وتوطينهم.

خامساً: قبول إسرائيل مشروع تطوير نهر الأردن، الذي اقترحه جونستون، الذي يشركها مع الدول العربية في الاستفادة من مياه نهرَي الأردن واليرموك.

المشروع الكندي (1957)

       بتاريخ 26 فبراير 1957، طرح ليستر بيرسون Lester Pearson، وزير الخارجية الكندية، مشروعاً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أجل تثبيت الوضع في المنطقة ـ وليس لتسويته. وكان الدافع إلى هذا المشروع، طبقاً لما صرح به وزير الخارجية الكندي، أن المنظمة الدولية، قد وصلت إلى نقطة “اللارجوع”، بالنسبة إلى النزاع العربي ـ الإسرائيلي، الذي هو آخذٌ في التصاعد، بسبب المواقف المتناقضة بين الأطراف المعنية.

وقد ركز المشروع الكندي على النقاط التالية:

أولاً: تتعهد كل من مصر وإسرائيل التقيد، بدقة، ببنود اتفاقيات الهدنة، المعقودة في عام 1949.

ثانياً: إنشاء إدارة مدنية، تابعة لهيئة الأمم في غزة، بالتعاون مع كل من مصر وإسرائيل.

ثالثاً: يتولى كل من الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، والمنظمة الدولية، وقائد قوات الطوارئ الدولية التابعة لها، اتخاذ الترتيبات اللازمة مع الحكومات المعنية، من أجل وضع قوات الطوارئ على خطوط الهدنة.

رابعاً: انسحاب القوات الإسرائيلية من شرم الشيخ، على أن يتبع انسحابها دخول قوات الطوارئ الدولية إليها، للمساعدة على الحفاظ على السلام.

المشروع الأسترالي (1957)

       بتاريخ 21 أكتوبر 1957، اقترح روبرت جوردون منزيس Robert Gordon Menzies ، رئيس وزراء أستراليا، النقاط التالية، كأساس لتسوية النزاع العربي ـ الإسرائيلي:

  1. تسوية نهائية ومضمونة للحدود العربية – الإسرائيلية.
  2. تسوية قضية اللاجئين.
  3. تقديم مساعدات اقتصادية دولية، غير مشروطة عسكرياً، إلى الدول التي تحتاج إليها  في الشرق الأوسط.
  4. تشجيع التبادل التجاري السلمي بين الطرفين، العربي والإسرائيلي.
  5. الاعتراف بالجوانب المدنية والاقتصادية “لحلف بغداد”، وتوسيعها.
  6. النظر إلى مشكلة النفط وتموينه على أساس التعاون والضمانات الدولية، وليس على أساس التنافس الدولي فقط.
  7. إقامة هيئة استشارية دولية، تقدِّم النصائح إلى دول الشرق الأوسط، حول مشاكلها المالية والاقتصادية.

مشروع أيزنهاور (1957، 1958)

       على إثر تأزم الوضع السياسي في منطقة الشرق الأوسط، بعد العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956 تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية، في 5 يناير 1957، بمشروع أيزنهاور المعروف، الذي ربط بين مقاومة الشيوعية والتنمية الاقتصادية. وكما ارتبط مشروع جونستون، بصورة غير مباشرة، بحلف بغداد، فإن مشروع أيزنهاور يطرح المسألة بصورة أكثر مباشرة ووضوحاً. فقد دعا مشروع أيزنهاور إلى تقديم المساعدات المالية إلى الدول العربية، من أجل التنمية الاقتصادية، مع الربط بين هذه المساعدات ومقاومة الشيوعية.

       ولكن بعد فشل المشروع، وبعد حوادث النصف الأول من عام 1958 (الحرب الأهلية في لبنان، الوحدة السورية ـ المصرية، انقلاب بغداد وسقوط حلف بغداد)، تقدم أيزنهاور بمشروع آخر، إلى الدورة الاستثنائية الخاصة، التي عقدتها الجمعية العامة، في شأن الشرق الأوسط، وقد أَسْمَى أيزنهاور مشروعه الجديد “مخططاً لسلام الشرق الأدنى”، وضمّنه ستة مقترحات. ولم يشر ، في خطابه، إلى قضية فلسطين أو قضية اللاجئين، بل شدد على ضرورة إنشاء “مؤسسة تنمية عربية على أساس إقليمي”. وذكر أنه “بمساعدة الأمم المتحدة، تتاح، الآن، فرصة فريدة لبلدان الشرق الأوسط، لتجعل مصالح أمنها ومصالحها السياسية والاقتصادية تتقدم بحرية”.

مشروع داج همرشولد (1959)

       في الخامس عشر من يونيه 1959، أصدرت الأمانة العامة للأمم المتحدة وثيقة رسمية، تحمل رقم أ /4121، موجهة إلى الجمعية العامة، في دورة انعقادها العادية الرابعة عشرة. ولم تكن هذه الوثيقة، التي تقدَّم بها همرشولد، تنفيذاً لتعهده للجمعية العامة، بأن يضع دراسة عن قضية اللاجئين، قدر ما هي امتداد وتتمة للمشروع، الذي قدَّمه الرئيس الأمريكي أيزنهاور عام 1958، أثناء الدورة الاستثنائية الخاصة، التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أثر الحوادث في لبنان والأردن والعراق. وقد انبثق بيان أيزنهاور، وتقرير همرشولد في وثيقته، من رغبة في معالجة أزمات الشرق الأوسط (وهى غير مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالقضية الفلسطينية)، بالأساليب والوسائل الاقتصادية.

       ويقسّم تقرير همرشولد منطقة الشرق الأوسط إلى ثلاثة أقسام:

  1. إسرائيل والبلدان العربية، التي تنتج كميات وافرة من النفط.
  2. والبلدان العربية، التي لا تنتج النفط بكميات وافرة.
  3. والبلدان العربية التي ليس لديها نفط.

       ويخلص التقرير إلى أن إسرائيل، تستطيع أن تحصل، من الخارج، بأساليبها الخاصة، على الأموال اللازمة لنموها الاقتصادي نمواً، يأخذ في الحسبان سكانها الحاليين والمهاجرين، المتوقع أن يتدفقوا إليها. أمّا البلدان العربية، التي تنتج كميات وافرة من النفط، فيذهب همرشولد إلى القول، إنها تستطيع أن تحصل من عائدات النفط على جميع ما تحتاج إليه من مال، لتحقيق نموها الاقتصادي، بل إنها قادرة على تمويل البلدان الأخرى في المنطقة أيضاً، من وفر عائدات النفط.

       أمّا البلدان العربية، التي لا تنتج مقادير وافرة من النفط، مثل الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسورية)، أو ينعدم لديها النفط، مثل لبنان والأردن، وهي، في الوقت نفسه، تفتقر إلى الأموال اللازمة لتنميتها، فهي بالتحديد البلاد، التي تقيم فيها الكثرة الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين. ومن الواضح أن واضع التقرير، يربط ربطاً وثيقاً بين تنمية تلك البلدان العربية الثلاث بالذات، وإنفاق الأموال الطائلة لهذا الغرض، وبين دمج الفلسطينيين في “اقتصادياتها”. ويتضـح من ذلك، أن همرشـولد، لا يتطلع، في تقريره، إلى اندماج اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من وطنهم. وأنـه، من ثم، لا يخطط لعودتهم إلى ديارهم. كما أن تقرير همرشولد، يتجاهل كلياً حقوق اللاجئين بالتعويض. إضافة إلى ذلك، يخلط همرشولد في تقريره بين حق العودة والتوطين، ويساوي بينهما أحياناً في الأهمية.

       ففي الفقرة الثالثة من تقريره يقول: “بعد النظر الدقيق في مسألة اللاجئين الفلسطينيين، من جميع وجوهها، إني أوصي باستمرار وكالة الإغاثة، ريثما يتم ما قالت عنه الجمعية العامة من “إعادة إدماج اللاجئين في حياة الشرق الأدنى الاقتصادية، إمّا بالعودة، أو بالتوطين. طبعاً الأمر يعود لاختيار اللاجئين أنفسهم”.

       وقد علق الدكتور عبد الله اليافي[7]، في جريدته “السياسة”، في عددها الصادر بتاريخ 23 يونيه 1959، على مشروع همرشولد بقوله: “فلا هي الرحمة باللاجئين العرب، ولا الشفقة على عيالهم وأطفالهم، ولا الرغبة في وضع حد لشقائهم وبؤسهم، هي التي حركت بعض الدول الغربية الكبرى، عندما فكرت في مشروع الاستيطان. كلا إن الذي دفع هذه الدول إلى المطالبة باستيطان اللاجئين في البلدان العربية، هي رغبتها في تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية، بإسدال ستار النسيان على جميع مقررات الأمم المتحدة، وما أكثر هذه المقررات، التي أوصت وطالبت بعودة هؤلاء اللاجئين العرب إلى ديارهم!”.

الموقف الفلسطيني من مشروع همرشولد

       عقد في بيروت، بتاريخ 26 يونيه 1959، مؤتمر عربي فلسطيني، حضره مندوبون وممثلون عن جميع مخيمات الفلسطينيين، ومختلف أماكن إقامتهم بالأراضي اللبنانية، وجميع هيئاتهم ومنظماتهم، بما في ذلك الهيئة العربية العليا لفلسطين، واللجنة العليا للاجئين الفلسطينيين في لبنان، والشباب العربي الفلسطيني، والمكتب العربي الفلسطيني، والكشاف العربي الفلسطيني وسواها، في دار الهيئة العربية ببيروت، للتداول في تقرير داج همرشولد، وقد اتخذ المؤتمر القررات التالية:

  1. يعلن الفلسطينيون في لبنان التمسك بحقهم الطبيعي في العودة إلى وطنهم وبلادهم، ويؤكدون أن الحل الوحيد، هو القضاء على إسرائيل، واسترداد فلسطين، وعودة أهلها إليها.
  2. يعلن الفلسطينيون رفضهم لمشروع همرشولد، الخاص باندماجهم في اقتصاديات الشرق الأوسط، ورفضهم لكل مشروع، يحُول دون حقهم الطبيعي في وطنهم.
  3. يرى الفلسطينيون قبول تقرير همرشولد، وكافة المشاريع المشابهة له، والمنطوية على الإسكان والتوطين والتعويضات، هو خيانة وطنية لفلسطين والقومية العربية، ويحذرون من قبولها.
  4. ويهيب عرب فلسطين بالحكومات العربية جميعها بذل الجهود والمساعي، اللازمة لإحباط توصيات السكرتير العام للأمم المتحدة ومقترحاته.
  5. يرحب عرب فلسطين  بقرار اللجنة السياسية التابعة للجامعة العربية، بعقد اجتماع عربي على مستوى عالٍ، لبحث قضية فلسطين، ويحثون الحكومات العربية على الإسراع في تنفيذ هذا القرار، ويهيبون بالدول التي لم تبدِ رأيها في هذا الصدد، حتى الآن، أن تبادر بالموافقة على ذلك.
  6. نظراً إلى تفاقم الأخطار على قضية فلسطين، خاصة بعد صدور تقرير همرشولد، الذي يرمى إلى تذويب عرب فلسطين، وتجاهل حقوقهم في التعويض، ويخلط بين حق العودة والتوطين، يؤيد عرب فلسطين الجهود المبذولة لإحياء الكيان الفلسطيني، ويطلبون من الدول العربية الإسراع في تنفيذ هذا القرار على نحو يمكِّن الفلسطينيين من المساهمة الجدية العملية في إنقاذ بلادهم.
  7. تشكيل لجنة خاصة، لإجراء الدارسات العملية والفنية لتقرير همرشولد، ورفعها إلى المؤتمر.
  8. لمناسبة وصول السكرتير العام للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط، يعلن الفلسطينيون يوم الأربعاء، الأول من يوليه 1959، يوم إضراب عام، ومقاطعة خدمات وكالة الغوث، والصيام عن الطعام، إعراباً عن استنكارهم لتقريره، وتمسكهم بحقوقهم القومية.
  9. عقد مؤتمر عام للفلسطينيين في لبنان يوم الأحد، 12 يوليه 1959، لمواصلة البحث في تقرير همرشولد، وتوفير الأسباب والوسائل الضرورية، لتمكين عرب فلسطين من الكفاح والنضال في سبيل وطنهم.
  10. إبلاغ هذه المقررات إلى ممثلي الدول العربية في لبنان، لرفعها إلى حكوماتهم وإلى المراجع الدولية المختصة.

       وبتاريخ 12 يوليه 1959، انعقد المؤتمر العربي الفلسطيني في بيروت. وكان مؤلَّفاً من مندوبين عن جميع الهيئات والمنظمات واللجان الفلسطينية في لبنان، دون استثناء. وكرر المؤتمر، من جديد، رفض عرب فلسطين لتوصيات همرشولد، في شأن إدماج الفلسطينيين في الحياة الاقتصادية للشرق الأوسط، وتأكيد رفضهم القاطع لجميع مشاريع التوطين والإسكان والتهجير والامتصاص، وغيرها من المشاريع والبرامج المماثلة، التي ترمي إلى تصفية قضية فلسطين.

مشروع جونسون (1961)

       كلفت الحكومة الأمريكية، عام 1961، الدكتور “جوزيف جونسون”، رئيس مؤسسة “كارنجي” للسلام العالمي، بإجراء دراسة جديدة عن مشكلة اللاجئين. وفى 2 أكتوبر 1962، اقترح “جونسون” مشروع حل، تضمن ما يلي:

أولاً: يُعطى كل رب أسرة من اللاجئين، فرصة الاختيار الحر، وبمعزل عن أي ضغط، من أي مصدر كان، بين العودة إلى فلسطين أو التعويض.

ثانياً: ينبغي أن يكون كل لاجئ على علم تام بالأمور التالية:

أ.  طبيعة الفرص المتاحة له للاندماج في حياة المجتمع الإسرائيلي، إذا هو اختار العودة. ب. قدر أو قيمة التعويضات، التي سيتلقاها، كبديل، إذا هو اختار البقاء حيث هو.

ثالثاً: يتم حساب التعويضات على أساس قيمة الممتلكات، كما كانت عام 1947- 1948، مضافاً إليها الفوائد المستحقة.

رابعاً: تسهم الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها إسرائيل، في توفير الأموال اللازمة لدفع التعويضات.

خامساً: من حق إسرائيل أن تجري كشفاً “أمنياً” على كل لاجئ يختار العودة إلى أرضه.

سادساً: يستفيد اللاجئون، الذين لم يكن لهم ممتلكات في فلسطين، من تعويض مالي مقطوع لمساعدتهم على الاندماج في المجتمعات، التي يختارون التوطين فيها.

سابعاً: يحق لكل حكومة الانسحاب من هذا المشروع، إذا رأت أن فيه تهديداً لمصالحها الحيوية.

ثامناً: يتم تطبيق المشروع بصورة تدريجية. كما أن التخلي عنه، في منتصف الطريق، لن يترك اللاجئين في وضع أسوأ مما كانوا عليه قبل الشروع في تنفيذه.

مشروع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة

       تمهيد

       طرح الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، مشروع تسوية النزاع العربي – الإسرائيلي، في 21 أبريل 1965، على أساس قرار تقسيم فلسطين، الصادر عن الأمم المتحدة، في 22 نوفمبر 1947.

       والتقى الرئيس التونسي، يوم 21 فبراير، أعضاء مجلس الأمة المصري، وقال: إنه على الرغم من أن الاتفاق، الذي تم في مؤتمر القمة، في خصوص “المشكل الصهيوني”، قد جاء خلافاً للخطة، التي اقترحتها تونس، “فإن بلاده مستعدة للمساهمة بقسط في تنفيذ كل قرارات مؤتمر القمة، تضامناً مع إخوانها، وتفاؤلاً بما أظهرته اجتماعات القمة من عزيمة”. وأشار إلى أنه كان دوماً يرى، أن هذا “المشكل” هو “مشكل استعمار، وأن الطرق الكفاحية التي توخيناها في المغرب العربي، قد تكون ناجحة لتحرير أرض فلسطين. لذلك، أعلنا واجبنا أن نواجه مشكلة فلسطين مواجهة الجد، وأن نمد يد المساعدة لإخواننا، حتى يتحرروا من سيطرة، لا تختلف كثيراً، في جوهرها وأهدافها، عن تلك التي ابتلينا بها نحن في المغرب العربي”.

       وفي 22 فبراير 1965، صدر البيان المشترك عن محادثات الرئيسين، عبدالناصر وبورقيبة، في القاهرة. وفيه أكّدا “تأييدهما لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومساعدتها على استرداد حقوق الشعب الفلسطيني كاملة”. كما أعلنا “أن تزويد السلطات الإسرائيلية بالأسلحة، هو تشجيع للعدوان الإسرائيلي، وتهديد خطير لكيان الدول العربية كلها، الأمر الذي يستدعي متابعة تطوراته باهتمام شديد، حماية لسلامة الدول العربية وصيانة لأمنها”.

       وقد ألقى الرئيس الحبيب بورقيبة خطاباً في أبناء فلسطين، في أريحا، يوم 3 مارس 1965، أثناء زيارته الرسمية إلى الأردن. دعا فيه إلى اتِّباع سياسة المراحل، بالنسبة إلى تحقيق آمال العرب في فلسطين. وأخذ على العرب تمسكهم بما أسماه “الكل أو لا شئ”. وقال إنه كان على العرب أن يقبلوا التقسيم، لأنهم لو فعلوا، لكانوا في حالة أفضل مما هم عليه الآن (انظر ملحق خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في أبناء فلسطين).

       وتحدث الرئيس بورقيبة، في مؤتمر صحافي، عقده في بيروت، يوم 11 مارس 1965، بمناسبة انتهاء زيارته الرسمية إلى لبنان، عن فلسطين. فدعا إلى الأخذ بسياسة “خذ وطالب”. وأكد أن تحقيق آمال العرب في فلسطين، لا يكون إلاّ على مراحل. فسّر سياسة “لا غالب ولا مغلوب”، بقوله إنها تعني “تجاوز إطار الغلبة، الذي أنا فيه، والارتفاع إلى نطاق التساوي بعدم غلبة أحدنا للآخر. وعندها، أضمر في نفسي ما يجب أن أضمر من أسباب الكر والفر، واستخدام الدهاء السياسي، وأدرس قوة خصمي، فأوجهها، دولياً، إلى مصلحتي، وعندها، أفوز بمبتغاي”.

       ورداً عن سؤال صحافي، حول الضجة، التي رافقت تصريحاته عن قضية فلسطين، قال الرئيس بورقيبة، في إستانبول، يوم 29 مارس، أثناء زيارته الرسمية إلى تركيا، إن كل ما فعله هو “أننا اقترحنا طريقة في النضال، حققت لنا النجاح في تونس. وهي طريقة تتناسب مع إمكانياتنا، وتقبل مبدأ المراحل في الكفاح، ولا تسد الباب أمام المناقشة والمفاوضات، ولا هي من تلك الطرق التي تعتمد مبدأ (الكل أو لا شيء).

       ونشرت جريدة “الصباح” التونسية، في عددها الصادر في الأول من أبريل، نص الخطاب، الذي ألقاه الدكتور وليد القمحاوي، نقيب أطباء الأردن، في مؤتمر الأطباء العرب الرابع، المنعقد في تونس، في حضور الرئيس الحبيب بورقيبة. وفيه حيّا كل الذين يؤمنون، مع شعب فلسطين، بأن المأساة الفلسطينية، لا تحتمل سوى حل واحد، هو القضاء على إسرائيل”. وأمّا الأصوات، التي ترتفع، بين الحين والحين، داعية إلى التعايش مع إسرائيل، أو التعايش مع الغزاة الصهيونيين في فلسطين، فهي ليست أصوات شعبنا. إن شعار الواقعية، التي تتستر وراءها، إنما هي واقعية الاستعمار، الذي يزعم أن إسرائيل حقيقة قائمة، وأنها وجدت لتبقى”. وقال إن واقعية الشعب العربي، هي واقعية الثوار، الذين رفضوا الاعتراف بالاستعمار الفرنسي في المغرب العربي الكبير، “وكافحوه بإصرار، حتى جعلوه يحمل عصاه ويرحل”. وإن هذه الواقعة الثورية، هي التي “تملي على أمتنا العربية، أن تقف من حكومة ألمانيا الموقف الحازم، الذي تملية الكرامة الوطنية والمصلحة القومية، لا يلهينا إغراء، ولا يثنينا وعيد”. وقد نخسر نتيجة الوقفة الحازمة شيئاً، ولكن يجب أن نجعل عدونا يخسر أكثر. ثم أشار إلى زيارة الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، قبل أسابيع قليلة، إلى مدينة نابلس، حيث خرج الآلاف يهتفون لفلسطين، إيماناً منهم بالعودة إليها، وعودتها إلى أهلها. وقال: “وعرب فلسطين، لا يتعلقون بالأوهام، كما يتصور البعض، عندما يؤمنون بالعودة، وإنما يعلمون أن طريق العودة شاقة طويلة. فهم يستعدون لها بالنفَس الطويل، وبالأمل، يجسدونه في منظمة التحرير الفلسطينية، وبالعمل الجبار الدؤوب”.

       وفى 15 أبريل، أصدر الأمين العام لاتحاد الأطباء العرب، بياناً، قال فيه إنه ليس صحيحاً ما ذكرته صحف تونس، من أن هيئة المكتب، قدمت اعتذاراً إلى الرئيس بورقيبة، عند مقابلته في اليوم السابق، عمّا ورد في خطاب الدكتور القمحاوي، رئيس الدورة السابقة للاتحاد. ولكن الحقيقة أن هيئة المكتب، توجهت لتقديم الشكر إلى الرئيس التونسي، لافتتاحه المؤتمر. وأعلن البيان، أن ما ورد في خطاب الدكتور القمحاوي، يعبر تعبيراً صادقاً عن رأي الأطباء العرب، الذي أعلنوه في جميع مؤتمراتهم السابقة. وقد رفض الرئيس بورقيبة استقبال أعضاء المؤتمر، كما كان مقرراً من قبل، وبعد أن وصلوا، فعلاً، إلى قصره، طبقاً لبرنامج الزيارات، وذلك بسبب إذاعة البيان المشار إليه.

       وفى 14 أبريل، صرح الرئيس بورقيبة لجريدة “نوفل أوبزرفاتور” الفرنسية، “أن ما من أحد، إلاّ ويعلم أن الحرب مستحيلة، وأنه لا تنقضي بضع ساعات على إشهارها، حتى توقفها الدول الكبرى، وأن الولايات المتحدة الأمريكية، التزمت التدخل بكل عزم، لتحُول دون عدوان إسرائيل على العرب، أو عدوان عربي على إسرائيل.

تصريح الرئيس بورقيبة لتليفزيون باريس

       أثناء زيارة الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، إلى تشيكوسلوفاكيا، أدلى، في الأول من أبريل 1965، تصريحات مهمة لتليفزيون باريس، حول جولته الأخيرة في الشرق الأوسط، والضجة التي قامت حول مقترحاته، المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وفيما يلي نص الحديث:

س: أدليتم في بيروت، في شأن قضية إسرائيل، بتصريحات، كان لها وقع كبير، وأثارت حتى الامتعاض. فما الذي حدا بكم على الحديث في هذه الفترة بالذات؟

ج: ذلك هو اعتقادي. ولقد تصرفت، إلى حدّ ما، مثل تصرفي أثناء المعركة ضد الاستعمار. فمع الاستعمار الفرنسي، لم أتخذ قط موقفاً متحجراً عاطفياً أعده سلبياً. ولقد عرفنا مثل هذه النظرة في تونس، وكانت نظرة سلبية عاطفية، سادت تونس نصف قرن، دون أن تتقدم بها خطوة واحدة في سبيل التحرر. ومنذ ذلك اليوم، الذي تولينا فيه أمر الحركة الوطنية، ميزنا بين التعاون والهيمنة، بين فرنسا بلد المبادئ، وفرنسا بلد الحضارة، من جهة، وبين المعمرين والجندرمة أو العسكريين، من جهة أخرى. ولقد أدخلنا هذا التمييز في تفكير الشعوب، وكثيراً ما قلت، ونحن في خضم المعركة ضد الهيمنة الفرنسية، إننا نريد التعايش مع الفرنسيين، ونريد أن تكون لنا علاقات عادية ووُدية بالفرنسيين، وإننا سنكون في حاجة إلى أن نعيش مع الفرنسيين في صفاء، لكننا نريدها مطهرة من نزعات الغزو والهيمنة، وصدق هذا القول أيضاً أنه ما دمنا تحت الهيمنة الفرنسية أن نقول قولاً جميلاً لفرنسا.

ولقد أردت أن أجمع بين الأمرين، فقلت إن اليهود، من جهة، يمكن التعايش معهم، ومن جهة أخرى، هناك كرامة العرب وحريتهم في تقرير مصيرهم. فصدم هذا القول البعض، وأستطيع أن أؤكد لكم، أنه لم يصدم كل الناس، وأن الاستقبالات الشعبية، التي لقيتها، والحماس الذي قوبلت به، سواء في فلسطين أو من لدن اللاجئين الفلسطينيين، في الأردن وفي مصر، تقيم الدليل على أن بعض الصحافيين يمثلون، فعلاً، نظريات قد تكون مخلصة، لكنهم لا يمثلون رأي الأغلبية الساحقة لسكان هذه المنطقة.

وإجابة عن سؤال آخر، قال الرئيس بورقيبة:

        إنني التزمت دائماً لغة الإخلاص. ولكن القادة، أبدوا، أثناء المحادثات، تفهماً أكثر مما أبدوه أمام الجماهير. ولقد قبلوا التقدم شيئاً فشيئاً، وهنالك بعض الحلول الوسطى، يمكن أن تشكل مراحل، على أن هنالك في تلك البلدان مشكلة الجماهير، التي تأثرت بالإذاعة والخطب، إلى درجة أنها تحدّ من حرية عمل الزعماء. فهؤلاء الزعماء، يعمدون، في سبيل الهتاف لهم، إلى الظهور على جانب كبير من الوطنية، فيلاطفون الميول، ويعدون الجماهير الجائعة، المعذبة، المهانة، بالأماني، ويعدونهم بتحقيق آمالهم بين عشية وضحاها. وما أن يحاول زعيم، والحالة تلك، تدبير وسيلة، تستهدف حلاً وسطاً، حتى يجد نفسه متضايقاً في أعماله، وفي طريقة تصرفه. وهي حالة تتواصل منذ سبع عشرة سنة. وأذكر، فعلاً، منذ ثلاثين سنة خلت، عندما كنا في بداية المعركة التحريرية في تونس، أنه كان هناك حرب العصابات في فلسطين، والتي لم تعد الآن موجودة. تلك هي النتيجة.

مشروع بورقيبة

       في21 أبريـل 1965، تقدّم الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، بمشروع تسويـة للنزاع العربي ـ الإسرائيلي، على أساس قرار التقسيم[1]، الصادر في نوفمبر 1947، تضمن النقاط البارزة التالية:

أولاً: تعيد إسرائيل إلى العرب ثلث المساحة، التي احتلتها منذ إنشائها، لتقوم عليها دولة عربية فلسطينية.

ثانياً: يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولتهم الجديدة.

ثالثاً: تتم المصالحة بين العرب وإسرائيل لتنتهي حالة الحرب بينهما.

       ونشرت جريدة “العمل”، في عددها الصادر في 23 أبريل 1965، نص الحديث، الذي دار بين الرئيس بورقيبة وأعضاء “المكتب القومي للطلبة الدستوريين”، حول فلسطين. وكان مما قاله: “إنني لست زعيماً للفلسطينيين. ولو كنت كذلك، لما رأيت مانعاً من التقابل مع الإسرائيليين. ولقد تقابلت مع الفرنسيين، والحماية قائمة في تونس، وتفاوضنا، فنجحت المفاوضات أحياناً، وأخفقت في أحيان أخرى. فأي ضرر لحقنا من ذلك؟”. ودعا إلى لقاء عربي ـ  إسرائيلي، إمّا في روما، أو في أي بلد أجنبي، من أجل الوصول إلى حل وسط، “يضمن لنا عودة اللاجئين، ويضمن لها (أي لإسرائيل) اعترافنا بوجودها داخل الحدود، التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة، داخل الأراضي التي استحوذت عليها، في إثر الغلطة الفادحة، التي ارتكبها العرب، عندما رفضوا مقررات الأمم المتحدة، مما جعل نصيبهم يتضاءل، ويصبح أقل مما أعطتهم الأمم المتحدة. وهكذا، فإن الحل يقتضي احترام مبدأ وجود إسرائيل، ويضمن لنا، في مقابل ذلك، ربحاً مهماً، يفوق الأرض والمدن، التي نسترجعها، إذ نتمكن من إعادة اللاجئين، ومن إيجاد وضع يسوده التوازن، لفائدة العرب والفلسطينيين”.

       ونفى السيد محمد بدرة، رئيس المكتب القومي للطلبة الدستوريين، في تصريحات صحفية، في القاهرة، في 28 أبريل، أن يكون الرئيس التونسي قد دعا إلى الاعتراف بإسرائيل، بل هو يدعو إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وذلك بقصد مضايقة إسرائيل. وهو أمر قد حدث، على حد قوله، إذ رفضت إسرائيل تنفيذ القرارات، وحدثت وقيعة بينها وبين أمريكا. وهذا ما كنا نقصده. وقال إنه إذا اتفق العرب على حل غير هذا، فإننا سنكون مع العرب. وأضاف: ولكن الرئيس التونسي يرى أن السلاح، ليس هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على إسرائيل، ولكن هناك “الرأي” أيضاً (انظر ملحق حديث الرئيس بورقيبة إلى أعضاء المكتب القومي للطلبة الدستوريين).

رسالة بورقيبة إلى الرئيس جمال عبدالناصر، حول قضية فلسطين

       وفى 29 أبريل 1965، بعث الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، برسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر، حاول فيها توضيح تصريحاته، مؤكداً أنها تستهدف خدمة حقوق العرب في فلسطين (انظر ملحق رسالة الرئيس بورقيبة إلى الرئيس جمال عبدالناصر).

بيان ممثلي الملوك والرؤساء العرب

       وفى 29 إبريل 1965، أصدر ممثلو الملوك والرؤساء العرب بياناً، أكدوا فيه أن اللجنة، نظرت في مذكرة رئيس منظمة تحرير فلسطين بتصريحات السيد الحبيب بورقيبة، رئيس جمهورية تونس، في شأن القضية الفلسطينية، واستذكرت ما أجمعت عليه الأمة العربية، منذ نشأة المطامع الصهيونية الاستعمارية في فلسطين، من الجهاد المقدس ضد هذه المطامع وأخطارها على الوطن العربي، وما قام عليه ميثاق الجامعة، من تمسك الدول العربية كلها بعروبة فلسطين واستقلالها، والتزاماتها بالعمل صفاً واحداً لتحقيق هذا الاستقلال.

       كما استذكرت النضال العربي المتصل، ضد محاولات الاستعمار والصهيونية تصفية قضية فلسطين واعتراف العرب بإسرائيل. وتذاكرت ما كسبته القضية العربية في المجالين، القومي والدولي، نتيجة لهذه السياسة الجديدة في وحدة العمل العربي لتحرير فلسطين، والمؤامرات الاستعمارية الصهيونية، التي تُدبَّر ضد هذه السياسة القومية. وقررت، بالإجماع، ما يأتي:

أولاً: تؤكد اللجنة، من جديد، باسم ملوك ورؤساء الدول العربية وحكوماتها، التمسك التام بمقررات مؤتمرَي القمة العربيين ورؤساء الحكومات العرب، والتزامهم الكامل بجميع ما تنطوي عليه من واجبات ومسؤوليات.

كما تؤكد أن الحكومات العربية، معّبرة عن إرادة شعوبها، ماضية بخطى ثابتة في دعم القيادة العربية الموحدة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وجيش التحرير الفلسطيني، وفي تنفيذ المشروع العربي لاستثمار مياه نهر الأردن وروافده. وأنها على استعداد تام لمواجهة جميع الاحتمالات، وبذل التضحيات في سبيل تحرير الوطن العربي الفلسطيني تحريراً كاملاً.

ثانياً: يؤكد الممثلون الشخصيون باسم ملوكهم ورؤسائهم، رفض أي دعوة إلى الاعتراف، أو المصالحة، أو التعايش مع إسرائيل، التي اغتصبت، بمؤازرة الاستعمار، جزءاً من الوطن العربي، وأخرجت شعبه منه. واتَّخذها الاستعمار والمطامع الأجنبية العدوانية في العالم العربي، قاعدة تهدد البلاد العربية كلها، وتحُول دون قوَّتها وتقدُّمها. كما يعدّون مثل هذه الدعوة خروجاً على الإجماع العربي في قضية فلسطين، وعلى ميثاق الجامعة، ونقضاً للخطط، التي أجمع عليها ملوك ورؤساء وحكومات الدول العربية، وباركتها الأمة العربية.

ثالثاً: دعوة مجلس رؤساء الحكومات العربية، للاجتماع في الرابع والعشرين من شهر مايو المقبل، للنظر في تطور الموقف العربي، واتخاذ القرارات الكفيلة بدعم وحدة العمل في قضية فلسطين، وإحباط المؤامرات العدوانية ضدها، وكفالة اطِّراد التقدم، الذي أحرزه العرب في المجالين، القومي والدولي.

       وفى الأول من مايو 1965، ألقى الرئيس بورقيبة خطاباً، أكد فيه دعوته السابقة، في خصوص قضية فلسطين، وقال: “يجب أن لا يَغْرُب عن بالنا، أن إسرائيل عضو في الأمم المتحدة. وهذا ما يجعل الدول، لا تنظر إلينا بعين الجد، عندما نتحدث عن الحرب، لأن جميع تلك الدول، بما فيها أمريكا وروسيا، بحكم اعترافهما بإسرائيل، وتعاملهما معها، ستتدخل حتماً لوقف الحرب”.

       وقد نشرت جريدة “العمل” في عدديها، الصادرين في 22 و 23 مايو 1965، نص بيان مطول للرئيس بورقيبة، ألقاه في المجلس القومي للحزب الدستوري التونسي، مما لا يخرج عن مواقفه من قضية فلسطين، على النحو الذي ورد أعلاه. كما نشرت جريدة “العمل” في عددها، الصادر في 23 مايو نص بيان، أصدره المجلس القومي للحزب، أعلن فيه تأييد حقوق عرب فلسطين، من ناحية، وإيمانه بمقترحات بورقيبة لحل القضية الفلسطينية، من ناحية أخرى.

       وفي 11 يونيه، أذاع السيد عبدالعزيز شوشان، الأمين العام “للجبهة الوطنية الديموقراطية” التونسية، بياناً، قال فيه إن الجبهة تعلن للعالم أجمع، وللعرب على وجه الخصوص، أن الشعب التونسي، يرفض، بإصرار، موقف بورقيبة من قضية فلسطين. كما أكد أن الشعب التونسي، ممثلاً في هذه الجبهة، يؤمن إيماناً ثابتاً بحقوق شعب فلسطين في أرضه، ويؤكد عزمه على المشاركة في معركة تحرير فلسطين، التي هي جزء لا يتجزأ من معركة تحرير الوطن العربي كله.

       ونشرت جريدة “العمل” التونسية، في عددها الصادر في 15 يوليه، نص حديث، أدلى به الرئيس بورقيبة إلى جريدة “الأوبزرفر” (Observer) البريطانية، وفيه اعتراف “بسقوط الحل”، الذي نادى به “تحت ضربات العرب والإسرائيليين على حد سواء”. وأضاف: “على هذا النحو، كان من المحتوم أن لا تأتي اقتراحاتي بأي نتيجة، وذهبت الفرصة أدراج الرياح”.

       كما نشرت “العمل”، في عددها، الصادر في 23 يوليه، نص حديث، جرى بين “وفد الاتحاد الدولي للشبيبة الاشتراكية” والرئيس بورقيبة، قال فيه، إنه من، الممكن، في نظره، “تصور حلول وسطى مشرّفة، قد تسهّل الحل النهائي، وتضمن التعايش بين العرب واليهود، حالما يتم إيجاد تسوية لمشاكل الكرامة، والبلدان العربية، ليست موافقة على هذا الرأي”.

البيان الذي وجَّهه الرئيس الحبيب بورقيبة إلى مؤتمر القمة العربي الثالث

       وفى 13 سبتمبر 1965، وجَّه الرئيس الحبيب بورقيبة مذكرة إلى مؤتمر القمة العربي الثالث، المنعقد في الدار البيضاء في المغرب، والذي تخلّف بورقيبة عن حضوره، حاول فيها توضيح تصريحاته، التي تضمنت مقترحاته لحل قضية فلسطين، على أساس الاعتراف بوجود إسرائيل (انظر ملحق بيان الرئيس بورقيبة إلى مؤتمر القمة العربي الثالث).

قرار مجلس وزراء الخارجية العرب

       وقد أصدر مجلس وزراء الخارجية العرب قراراً برفض مذكرة الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، لمؤتمر القمة العربي الثالث، المنعقد في 13 – 17 سبتمبر 1965، وعدم توزيعها على الملوك والرؤساء العرب.

       وفى 13 سبتمبر 1965، اجتمع وزراء الخارجية العرب في الدار البيضاء، مجدداً، في جلسة مغلقة، باستثناء وزير خارجية تونس، بناء على دعوة الأمين العام للجامعة العربية، عبدالخالق حسونة، للاطلاع على مذكرة، تسلمها من الحبيب الشطي، سفير تونس في الرباط، ومقدمة من الرئيس بورقيبة، حول موقفه من مؤتمر القمة، مع طلب من وكيل وزارة الخارجية التونسية، لعرضها على مجلس الملوك والرؤساء، وإدراجها كوثيقة رسمية من وثائق المؤتمر. وأُعلن، بعد انتهاء الاجتماع، أن وزراء الخارجية قرروا، بالإجماع.

  1. رفض تسجيل مذكرة الرئيس التونسي في سجلات الجامعة العربية.
  2. رفض توزيعها على وفود الدول العربية.
  3. رفض عرضها على الملوك والرؤساء العرب.

       وقد بنى الوزراء هذا القرار، على أساس أن المذكرة، تتضمن تهجماً على القضية الفلسطينية، وتهجماً على دولة عربية.

       وفي ما يلي نص قرار مجلس وزراء الخارجية العرب، الخاص برفض مذكرة الرئيس بورقيبة لمؤتمر القمة العربي الثالث، بتاريخ 13 سبتمبر 1965:

       أحيط مجلس وزراء الخارجية علماً بما جاء في رسالة السيد كاتب الدولة للشؤون الخارجية التونسية، للأمين العام للجامعة ، المقدمة في مساء 12/9/1965، والمتضمنة رجاء أن يرفع البيان المرافق لها في شأن موقف تونس من مؤتمر القمة العربي، إلى علم أصحاب الجلالة والفخامة الملوك والرؤساء، وأن يثبت كوثيقة رسمية ضمن وثائق الجامعة، كي يتم توزيعه على الوفود المشاركة، قبل انعقاد المؤتمر.

        وقرر المجلس عدم إبلاغ البيان إلى الملوك والرؤساء، وعدم إثباته كوثيقة رسمية ضمن وثائق الجامعة، وعدم توزيعه على الوفود المشاركة في المؤتمر.

       وفي حديث، نشر في مجلة “رباليتيه” الباريسية، في 5 نوفمبر، قال الرئيس التونسي، بورقيبة، في معرض حديثه عن فلسطين، إنه يعتقد أن إسرائيل ومصر، لا تريدان الحرب، وأنهما تحبذان بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. وأضاف أنه لا يعتقد أن مصر تتطلع إلى حرب مع إسرائيل، سواء اليوم أو غداً. وقال “إذا كانت مصر تملك القنبلة الذرية، فإنها تعرف أن العالم كله سيمنعها من استخدامها، واليهود في  الموقف نفسه، لا يريدون الاعتراف بالهزيمة، ولذلك، فإنهم يعطون الانطباع بالاستعداد للعدوان، إلا أنهم يعتقدون، في قرارة أنفسهم، أن أهون الشرين هو الوضع الراهن”.

       وفى 7 يناير 1966، أوردت جريدة “العمل” التونسية خبراً عن منظمة التحرير الفلسطينية، قالت فيه إن عدداً من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، قدّموا مذكرة إلى رئيس المنظمة، قالوا فيها: “إن المبرر الوحيد لقيام المنظمة، هو نقل العمل الفلسطيني إلى مكانه الطبيعي، فوق الأرض المحتلة”. وأضافت الجريدة، أن هذا هو ما نادى به الرئيس بورقيبة، كما دعت إلى إخراج القضية الفلسطينية “من المرحلة الجدلية السلبية، إلى العمل والواقع، وإلى الأرض”، حتى يبعث الفلسطينيون الرعب في قلب المغتصب، “ويرغموه على التفاوض، ويجعلوا القضية، تطرح على المحافل الدولية”.

       وفى 18 أبريل 1966، هبط الطيار الإسرائيلي السابق، أبى ناثان، في تونس، في نطاق محاولته الاجتماع بقادة العرب. وقد صرح بأن بورقيبة “هو الرجل الوحيد، الذي أعلّق عليه كل آمالي”. كما أنه صرح، بعد وصوله، في 19 أبريل 1966، بأن المسؤولين التونسيين، أبلغوه بأن الرئيس بورقيبة، كان يحضر اجتماعاً، ولكنهم قالوا له: “نرجو أن تعود قريباً”.

       وقال الرئيس التونسي، في مقابلة، أجرتها معه محطة الإذاعة الفرنسية، “أوروبا”، في 26 مايو 1966، إن هدفه من دعوة العرب للاعتراف بإسرائيل، هو “الوصول إلى حل معقول، يضمن التعايش السلمي والسلام في هذا العالم”. وأضاف أنه خلال تجوله في العالم العربي، لم يشاهد “أي فلسطيني لديه فكرة إشهار الحرب لتحرير فلسطين”. وقال إن محطات الإذاعة العربية، “لا تعمل شيئاً سوى تحريض الفلسطينيين”.

       وفى 16 يونيه، أدلى وزير خارجية إسرائيل، أبا إيبان Abba Eban، بتصريح إلى صحيفة “كومبا” الفرنسية، قال فيه إن فكرة الرئيس بورقيبة، من أن إزالة إسرائيل من الوجود، أمر لا يمكن تحقيقه، ستلاقي تأييداً من جانب بعض القادة العرب.

       وخلال زيارة الرئيس الحبيب بورقيبة إلى ألمانيا الغربية، جدد دعوته لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي بالوسائل السلمية. فقد أعلن في 19 يوليه، أمام الصحفيين في بون، أنه “يجب حل قضية فلسطين من طريق الطرفين المعنيين، وعلى مستوى دولي”. وقال إن الحل هو قبول قرار الأمم المتحدة، الصادر عام 1947، والاعتراف بحدود إسرائيل كما كانت عليها في ذلك الحين، والسماح بعودة اللاجئين إلى بلادهم.

ردود الفعل على مشروع الرئيس بورقيبة

       أثارت تصريحات الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، في خصوص قضية فلسطين، ومشروعه، الذي أعلنه في 21 أبريل 1965، الكثير من ردود الفعل العربية، الرسمية والشعبية. كما أثارت ردود فعل لدى إسرائيل وكثير من دول العالم. وكذلك أثار خطابه في أبناء فلسطين، بمنطقة أريحا، ضجة في الأوساط والقوى السياسية الشعبية في المشرق العربي.

أولاً: ردود الفعل الفلسطينية

       أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية بياناً، بتاريخ 23 أبريل 1965، شجبت فيه تصريحات الرئيس بورقيبة في 22 أبريل، التي يقترح فيها حلاً للقضية الفلسطينية، على أساس بقاء الوجود الإسرائيلي. وأعلنت تمسكها التام بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة غير منقوصة.

        وفى يوم 24 أبريل، تظاهر عدد من طلبة فلسطين في القاهرة، أمام السفارة التونسية، وقدَّموا احتجاجاً، أعلنوا فيه “براءتهم” من الرئيس بورقيبة، ورفضهم “لأن يكون متكلماً عن قضيتهم، ورفضهم لأنصاف الحلول والمساومات لتصفية قضية فلسطين”.

       وفى 24 أبريل 1965، صدر بيان الهيئة العربية العليا لفلسطين، الذي ترفض فيه أنصاف الحلول للقضية الفلسطينية. وقد جاء في البيان ما يلي:

        “لقد دأبت “الهيئة العربية العليا لفلسطين”، على تحذير الشعب العربي الفلسطيني من الدسائس والمؤامرات، التي تحكيها الدول الاستعمارية، الضالعة، مع الصهيونية العالمية، من تصفية قضية فلسطين، والقضاء على شعبها بشتى السُّبٌل ومختلف الأساليب. وأصدرت الهيئة، في هذا الشأن، البيانات والنداءات المتكررة، محذرة من نتائج المؤامرات والدسائس، داعية إلى إحباطها. وكان آخرها البيان، الذي أصدرته بتاريخ 29 آذار (مارس) 1965، وأشارت فيه إلى الأصوات الشاذة، التي أخذت ترتفع، في الآونة الأخيرة، منادية بوجوب الاعتراف بالأمر الواقع، وتقدير الظروف القائمة، تلك الأصوات التي تهدف إلى إيجاد جو، تسوده القناعة بضرورة الالتجاء إلى ما يسمى بالحلول “العملية الواقعية” للقضية الفلسطينية، في الوقت نفسه، الذي آخذت فيه الدعوة إلى حلول مماثلة، تنطلق من بعض العواصم الغربية، على لسان المسؤولين من المستعمرين الصهيونيين.

       غير أن التصريحات، التي أدلى بها غير مسؤول عربي، في الأسبوع الأخير، إلى الصحف والمجلات الأجنبية، قد بلورت وكشفت، بشكل واضح، دوافع وأبعاد وأهداف هذه التصريحات، التي دعت إلى القبول بقرارات الأمم المتحدة، الخاصة بتقسيم فلسطين، مما حدا بالهيئة العربية العليا على الانكباب على دراستها دراسة موضوعية وافية، من جميع جوانبها، وتقدير نتائجها، وتحديد مدى خطرها على المصير العربي عامة، والفلسطيني بشكل خاص.

       ولقد قابل الشعب العربي الفلسطيني بالسخط والنقمة هذه التصريحات المشبوهة وعدّها طعنة غادرة جديدة، توجه إلى صميم حقوقه ومستقبله، واعتداء فاضحاً على حقه في تقرير مصيره، واستنكر صدورها عن بعض المسؤولين العرب، خاصة بعدما أُعلن، في مؤتمرَي القمة العربيين، في العام الماضي، عزم الدول العربية على الالتزام بخطة موحدة لتحرير فلسطين، وتمكين شعبها من إنشاء كيانه وجيشه، طليعة لعملية تحرير عربية موحدة.

       وإن سياسة الهيئة العربية العليا، في هذا المجال، واضحة كل الوضوح، إذ إنها ترى أن المحافظة على الوحدة المقدسة للتراب الفلسطيني، والعمل على تحرير الجزء المقتطع من الوطن المغتصب، هما المبرر لوجودها، والسبب الوحيد، الذي دفع البعض إلى إيذائها والتضييق عليها لخفوت صوتها، سعياً وراء تنفيذ خطة مبيتة لتصفية فلسطين، وتوطين شعبها بعيداً عن وطنه، بعد التمهيد الطويل، الذي خطط لتجميدها، وشل حركة شعبها عن التأهب والحركة وحرية العمل.

       وتجدد الهيئة العربية إعلانها أن الدعوة إلى القبول بقرارات الأمم المتحدة، الخاصة بتقسيم فلسطين، وإلى التفاوض مع العدو الصهيوني المغتصب، هي اعتراف بشرعية الوجود الصهيوني العدواني في فلسطين المحتلة، وقبول بالأمر الواقع، القائم على الظلم، الذي بذلت الأمة العربية الغالي من دماء أبنائها، والوفير من أموالها، في سبيل اجتثاثه من جذوره، وتنكُّر سافر للتضحيات الجسام، التي قدَّمها الشعب العربي الفلسطيني، طوال أربعين عاماً من أجل الحفاظ على خط الدفاع العربي الأول، وصون وحدة فلسطين الجغرافية. وهي وخيانة للأمة العربية، التي تؤمن بأن قضية فلسطين، هي قضية مصيرها ووجودها.

       كما تؤكد الهيئة العربية العليا، أن الشعب العربي الفلسطيني، هو وحدة صاحب الرأي الأول والأخير، في كل ما يتعلق بمصير قضيته ومستقبل وطنه، وأنه يرفض رفضاً باتاً فرض الوصاية علية من أي أحد، كائناً من كان. كما يرفض كافة أنصاف الحلول، من تقسيم وتوطين، وتدويل وتعويض، واقتطاع أي شبر من أرض فلسطين العربية. ولا يرضى من تحرير وطنه بديلاً. ويرى أن السبيل الوحيد إلى تحقيق ذلك، هو سبيل الكفاح العملي، الذي يضطلع فيه الشعب الفلسطيني بالدور الرئيسي.

       وتعلن الهيئة العربية العليا، أن الظروف الحرجة، التي تمر بها القضية الفلسطينية، في الوقت الحاضر، تدعو الفلسطينيين، أكثر من أي وقت مضى، إلى جمع صفوفهم، وتوحيد كلمتهم، ونبذ خلافاتهم، والمبادرة إلى تشكيل كيان فلسطيني شعبي، تنتظم فيه جميع فئات هذا الشعب، ويتمتع بالقدرة على الوقوف سداً منيعاً في وجه تيارات المؤامرات، وتطويق جميع المحاولات، الرامية إلى العبث بمقدراته، ويعمل على تنسيق جهوده مع الشعب العربي، في جميع أقطاره، لتحرير فلسطين.

       وتطالب الهيئة العربية كل مسؤول في الدول العربية بالمبادرة إلى إعلان رأيه الصريح، في شأن هذه التصريحات، المريبة للشعب العربي الفلسطيني، حتى يكون على بيّنة من أمره، وإلى تحديد موقفه الواضح من موضوع تحرير فلسطين، حتى يتمكن هذا الشعب، في ضوء ذلك، من تقدير الظروف، وتقرير المواقف، التي سيتخذها دفاعاً عن حقوقه ومصيره ومستقبله.

       وتهيب الهيئة العربية بالأمة العربية، التي تعلق عليها أكبر الآمال، أن تقف وقفة رجل واحد مع الشعب العربي الفلسطيني، في هذه المحنة الخطيرة، التي تعد محكاً لقدرة العرب على خوض معركة المصير الواحد”.

       ونشرت جريدة “الأهرام”، في عددها الصادر في 25 إبريل 1965، تصريحاً للشقيري، قال فيه: “إنه نظراً إلى التصريحات الأخيرة، التي أدلى بها الرئيس بورقيبة، والتي احتوت، بمجموعها، مغايرة صريحة لقرارات مؤتمرَي القمة، في القاهرة والأسكندرية، لا حاجة، في الوقت الحاضر، لافتتاح مكتب في تونس. ونعد كل تونسي يعيش فوق أرض تونس، ممثلاً للشعب الفلسطيني في كفاحه ونضاله”.

رد الفعل الفلسطيني في لجنة ممثلي الملوك والرؤساء العرب

       اجتمعت اللجنة في يوم 28 إبريل 1965، في أعقاب سلسة من التصريحات، أدلى بها رئيس الجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة، حول حل قضية فلسطين، وكان آخرها حديثه إلى أعضاء المكتب القومي للطلبة الدستوريين، المنشور في جريدة “العمل” التونسية، في عددها الصادر في 23 أبريل، والذي دعا فيه إلى مفاوضة إسرائيل، على أساس احترام مبدأ وجودها. وقد وافقت اللجنة على وضع تصريحات الرئيس التونسي، بورقيبة، على رأس جدول الأعمال، بناء على طلب منظمة التحرير الفلسطينية. وقدَّم السيد أحمد الشقيري، رئيس المنظمة، مذكرة شرح فيها رأي المنظمة في تصريحات بورقيبة، وطالب بإسقاط عضويته وعضوية حكومته من مؤتمرات القمة، والمؤسسات التابعة لها، ودعوة مجلس الجامعة العربية لدورة استثنائية، لإقرار فصل تونس من الجامعة العربية، ومجلس الدفاع المشترك، وجميع الهيئات واللجان المتفرعة عنها، مع تحية الشعب التونسي، لكفاحه من أجل تحرير وطنه، ولمشاعره وإرادته القومية، بالنسبة إلى تحرير فلسطين. كما طلب أحمد الشقيري دراسة هذه المقترحات في جلسة علنية، “لأن الأمر يتصل بأكبر قضية عربية في عصرنا الحاضر، ومن حق الأمة العربية أن تعرف كل شيء عنها”.

وفي 29 أبريل، أصدرت لجنة ممثلي الملوك والرؤساء العرب بياناً إجماعياً، تضمن النقاط التالية:

  1. التمسك التام بقرارات مؤتمرَي القمة العربيين ومؤتمر رؤساء الحكومات العربية، والالتزام الكامل بجميع ما تنطوي علية من واجبات ومسؤوليات. وكذلك، تأكيد الدعم المتواصل، تعبيراً عن إرادة الشعب العربي، لكل من القيادة العربية الموحدة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وجيش التحرير الفلسطيني، وفي تنفيذ المشروع العربي لاستثمار مياه نهر الأردن وروافده، والاستعداد التام لمواجهة جميع الاحتمالات، وبذل التضحيات في سبيل تحرير فلسطين تحريراً كاملاً.
  2. رفض أي دعوة إلى الاعتراف أو المصالحة أو التعايش مع إسرائيل، واعتبار مثل هذه الدعوة “خروجاً على الإجماع العربي في قضية فلسطين، وعلى ميثاق الجامعة، ونقضاً للخطط، التي أجمع عليها ملوك ورؤساء وحكومات الدول العربية، وباركتها الأمة العربية”.
  3. دعوة مجلس رؤساء الحكومات العربية للاجتماع، في 24 مايو 1965، “للنظر في الموقف العربي، واتخاذ القرارات الكفيلة بدعم وحدة العمل في قضية فلسطين، وإحباط المؤتمرات العدوانية ضدها، وكفالة اطِّراد التقدم، الذي أحرزه العرب في المجالين، القومي والدولي”.

       وقد انسحب أحمد الشقيري، رئيس منظمة تحرير فلسطين، من اجتماع لجنة ممثلي الملوك والرؤساء العرب، لأن اقتراحه بإسقاط عضوية تونس من جامعة الدول العربية، لم يؤخذ في الحسبان. إلاّ أنه عاد، بعد ذلك، إلى الجلسة، بعد أن سجل في المحضر، أنه سيعلن تنحِّيه عن تحمل تبعات العمل في المنظمة، “إذا سارت الأمور بهذه الطريقة”.

       وذكرت جريدة “الأهرام”، أن اللجنة، لم تناقش اقتراح أحمد الشقيري، لأنه ليس من حقها بتّ  موضوع العضوية، إذ إن ذلك من اختصاص مجلس جامعة الدول العربية. وذكرت أن اللجنة، قررت أن تطلب من الحكومات العربية، أن تقطع علاقاتها مع ألمانيا الغربية، فور اعترافها بإسرائيل.

       وفى مساء يوم 29 أبريل 1965، أذاع أحمد الشقيري بياناً، من إذاعة “صوت فلسطين”، قال فيه: إن المنظمة، لا توافق على بيان الممثلين الشخصيين للملوك والرؤساء العرب، الذي صدر اليوم. وإن هذا البيان أثار تساؤلاً في نفسه عن جدوى المنظمة، ما دامت مرتبطة بالمجال العربي الرسمي. وقال إن رفضه البيان، يعود إلى أن بورقيبة، قد دعا إلى الصلح مع إسرائيل، “وهذا ما لم يفعله عربي من قبل وما اعتقد أن عربياً سيفعله من بعد”. وإن بورقيبة نادى بالمفاوضة مع إسرائيل، وهو أمر رفضه شعب فلسطين، ومعه الأمة العربية، منذ عام 1919. كما أنه دعا إلى التعايش والتعاون مع إسرائيل، وعد تحرير فلسطين عملاً عدوانياً، وحرباً غير مشروعة شبّهها بالعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.

رد الفعل الفلسطيني، في الدورة الثانية لمجلس رؤساء الحكومات العربية

       وفى 26 مايو 1965، انعقد المؤتمر الثاني لمجلس رؤساء الحكومات العربية، وتخلفت تونس عن الحضور، بسبب وضع “تصريحات الرئيس التونسي” على جدول الأعمال، طبقاً لما جاء في مذكرة تونسية إلى الأمانة العامة للجامعة. وقد تضمن جدول الأعمال “جميع المسائل السياسية والعسكرية والفنية والمالية والاقتصادية، التي تهم الدول العربية”. وأولاها موقف الرئيس بورقيبة وتصريحاته المتكررة في صدد القضية الفلسطينية، والتحرشات الإسرائيلية بمواقع العمل في مشروعات استثمار نهر الأردن وروافده، في الأراضي العربية.

       وفى اجتماع بتاريخ 27 مايو، بحث المجلس عدداً من “مشروعات بقرارات” تتعلق بالموقف من تصريحات الرئيس بورقيبة. وقد تراوحت هذه المشروعات بين مشروع منظمة التحرير، القاضي بإسقاط عضوية تونس من كل من الجامعة العربية ومؤتمرات القمة، إلى مشروع سوري بإسقاط عضوية تونس من مؤتمر القمة، إلى مشروع سوداني بتأكيد قرارات مؤتمرات القمة السابقة، الخاصة بقضية فلسطين، مع التنديد بموقف الرئيس التونسي منها، ورفض أي صلح مع إسرائيل.

       وقد تواصلت مناقشة صيغة القرار، الخاص بتصريحات الرئيس بورقيبة، خلال اجتماعات المجلس في جلسات يوم 28 مايو، إلى أن تقررت الموافقة على مشروع القرار المقدم من وفد السودان. وقد كان من نتيجة ذلك، أن انسحب أحمد الشقيري من الاجتماع، معلناً أن القرار المتخذ غير كافٍ لمقابلة موقف الرئيس بورقيبة، وأعلن اعتذاره عن الاستمرار في تمثيل فلسطين، ومنظمة التحرير الفلسطينية.

المؤتمر الوطني الفلسطيني الثاني

       عقد المجلس الوطني الفلسطيني دور انعقاده الثاني في القاهـرة، خلال الفترة من 31 مايـو حتى 4 يونيه 1965، وحضره الرئيس جمال عبدالناصر. وأصدر المجلس مجموعة من القرارات السياسية، كان أهمها القرارات الخاصة بتصريحات الحبيب بورقيبة، والتي تتلخص في الآتي:

1 . يعلن المجلس الوطني الفلسطيني، أن تصريحات الحبيب بورقيبة خيانة عظمى للقضية الفلسطينية، وخروج على الاجتماع العربي، وافتئات على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وقد بادر هذا الشعب، في كل مكان، إلى الإعراب عن بالغ سخطه واستنكاره لهذه التصريحات، بمختلف الوسائل. وأن المجلس الوطني الفلسطيني، يرفض هذه التصريحات، جملة وتفصيلاً.

  1. يؤيد المجلس الوطني الفلسطيني، تأييداً تاماً، رئيس اللجنة التنفيذية، الأستاذ أحمد الشقيري، في موقفه من تصريحات الحبيب بورقيبة، ذلك الموقف الذي اتخذه أمام لجنة ممثلي الملوك والرؤساء، وأمام مجلس رؤساء الوزراء العرب. وسجل المجلس تقديره لهذا الموقف الحازم.

3 . يؤكد المجلس ثقته بوعي الشعب التونسي الشقيق، وإدراكه حقيقة القضية الفلسطينية، واستعداده للقيام بدوره في سبيل تحرير فلسطين.

  1. يشكر المجلس دولة الكويت، للقرار الوطني الذي أصدرته بقطع المعونة عن تونس، نظراً إلى موقف الرئيس بورقيبة من قضية فلسطين.

       وقد ألقى أحمد الشقيري خطاباً في هذا المؤتمر، الذي افتتحه الرئيس جمال عبدالناصر، في قاعة الاجتماعات الكبرى، بجامعة القاهرة، مساء 31/5/1965، قال فيه: “إننا رفضنا مقترحات الرئيس بورقيبة، ورفضتها معنا الدول العربية”. وأضاف “أن شعب فلسطين يرفض التقسيم أو التوطين، يرفض التعايش السلمي مع إسرائيل أو الصلح معها، ليس عن عاطفة، ولكن عن تفكير هادئ”. وأضاف “أن بورقيبة يطالبنا بأن نكون على الحياد، ولا نتدخل في الخلافات بين الدول العربية”. وقال “إننا نريد أن نكون على الحياد حقاً في الخلافات العربية. لكن لا يمكننا أن نكون على الحياد، بالنسبة إلى قضية فلسطين. وإننا مع الدول التي تكون مع فلسطين. وإن كل ملك أو رئيس دولة، لا يؤيد قضية فلسطين، فإننا لا نسير معه”.

برقية الهيئة العربية العليا لفلسطين، إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية

       وفى 28 أبريل 1965، أرسلت الهيئة العربية العليا لفلسطين برقية إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، حول عقد اجتماع عربي على أعلى المستويات. وفي ما يلي نص البرقية:

        “إن الشعب العربي الفلسطيني، صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره، بات يشعر بقلق شديد، وخطر بالغ على مستقبل قضية القدس، نتيجة للتصريحات الصادرة، أخيراً، عن غير مسؤول عربي، والتي تثير الشكوك حول خطة مدبرة لتصفية قضية فلسطين. ويكرر استنكاره الشديد، ورفضه القاطع لجميع أنصاف الحلول، كالتقسيم والتوطين، والتدويل والتعويض، ويطالب بعقد اجتماع عربي على أعلى المستويات، لوضع ميثاق قومي علني صريح، خاص بتحرير فلسطين، تلزم به جميع الدول العربية، ولرسم خطة موحدة لتنفيذ هذا الميثاق. ويطالب بإطلاق يده لإنشاء كيانه الشعبي الحقيقي، الذي يجمع كافة قواه المناضلة، وينطلق باسمه، عن جدارة، لإحباط مؤامرة التصفية، وتعبئة طاقاته للقيام بدور الطليعة في معركة التحرير”.

ثانياً: ردود الفعل في الجمهورية العربية المتحدة

       وفى أعقاب ما أذيع من تصريحات للرئيس التونسي، بورقيبة، حول فلسطين، أمام أعضاء المكتب القومي للطلبة التونسيين، والتي دعا فيها عرب فلسطين إلى التفاوض مع إسرائيل، على أساس تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وقبول الوجود الإسرائيلي في فلسطين، ظهرت “الأهرام”، في عددها الصادر في 23 أبريل، لتعلن “موقف” القاهرة من “المؤامرة”. وقالت إن تصريحات بورقيبة الأخيرة، “تقطع كل حيرة”، وتوضح، للمرة الأولى، أن الرئيس التونسي، بورقيبة “يتحرك وفق خطة مرسومة، جرى تنسيقها،  ووضعها، بواسطة قوى الاستعمار الغربي، تآمراً على قضية المصير العربي كله”. وذكرت “الأهرام” أن القاهرة، أصبحت ترى “أن الأمر لا يمكن السكوت عليه”، وأنها قررت طلب إدراج “موضوع هذه التصريحات ودلالاتها وآثارها” في جدول أعمال مؤتمر رؤساء الحكومات العربية، الذي سيعقد في شهر مايو في القاهرة. وأضافت أن الدوائر في القاهرة، تعتقد أن نتيجة بحث هذه التصريحات في المؤتمر، “سوف يتوقف عليها كل سياسة مؤتمرات القمة”. وأنه ما لم يتضح الموقف في هذا المؤتمر، بطريقة قاطعة، “فإن القاهرة سوف تجد حتماً عليها أن تصل إلى قرار في شأن اشتراكها في مؤتمر القمة العربي، المنتظر عقده في المغرب، في شهر سبتمبر القادم، فإن هذا المؤتمر، لا يصبح له، باشتراك بورقيبة فيه، أي قيمة”. وقالت “الأهرام”: “إنه إذا جاز الحكم على أساس التصريحات المنقولة عن الرئيس التونسي، فإن المكان الذي اختار الوقوف فيه، لا يسمح للجمهورية العربية المتحدة، بأن تشترك معه في مداولات سياسية، تمس الحاضر العربي والمستقبل العربي، ولا يسمح لها أيضاً، بأن تترك أي سر من أسرارها الدفاعية يصل إليه، خصوصاً في مرحلة حرجة حاسمة كالمرحلة الحالية.

       ونشرت “الأهرام”، في عددها الصادر في 25 أبريل 1965، نص برقية بعث بها السيد حافظ محمود، نقيب الصحفيين في الجمهورية العربية المتحدة، إلى الرئيس التونسي، طالبه فيها، باسم النقابة، “تصحيح الآراء الخاطئة”، التي صدرت عنه في قضية فلسطين. “وهي الآراء التي رفضها الضمير العربي، لما فيها من إساءة، لا إلى شعب فلسطين فقط، بل وبالذات إلى شعب تونس الحر بين أشقائه الأحرار”. كما أشارت إلى بيان، أصدره السيد مصطفى البرادعي، نقيب المحامين في الجمهورية العربية المتحدة، استنكر فيه، باسم النقابة، تصريحات الرئيس بورقيبة، وأعرب عن أسف الشعب العربي “أن يكون بين حكامه من يجرؤ على مثل هذه النوايا، والتي يجب أن يوضع لها حد زاجر”. كما نشرت “الأهرام”، في عددها نفسه، بياناً للبابا، كيرلس السادس، بابا الأسكندرية وسائر أفريقيا، بمناسبة عيد القيامة المجيد، أعلن فيه أن الحل الوحيد لقضية فلسطين، هو إعادة أرض فلسطين إلى أصحابها الأصليين. وقال إنه على العالم المسيحي، “الذي تدفعه الأهواء السياسية إلى تأييد إسرائيل”، أن يدرك التعاليم السامية والسماوية، التي نادى بها السيد المسيح، من أنه “ما من دولة قامت بحد السيف، إلاّ هوت بحد السيف”.

       وفى 27 أبريل 1965، ناقش مجلس الأمة تصريحات بورقيبة الأخيرة، وطالب عدد كبير من الأعضاء، بطرد حكومة تونس من الجامعة العربية، ومن مؤتمرات القمة، وبسحب السفير العربي من تونس.

       وألقى السيد محمود رياض، وزير الخارجية، بياناً مسهباً بتصريحات بورقيبة، قال في نهايته، “إن الرئيس التونسي، لا يستطيع الجمع بين صفته كعربي، وصفته كوسيط في هذه القضية المقدسة، خاصة أن الوسطاء، حتى الآن، في هذه القضية، كانوا من الدول التي عملت على إقامة إسرائيل”. كما أعلن أن الحكومة، قررت سحب سفيرها من تونس.

       وأصدر مجلس الأمة قراراً جماعياً، في نهاية الجلسة، طلب فيه من الحكومة “ضرورة العمل على تحديد موقف عربي حازم من رئيس الجمهورية التونسية، وكل خروج على إجماع العرب، وما يتعاهدون عليه من خطط للعمل القومي”.

       وفى 28 أبريل، خرجت تظاهرات في القاهرة، استنكاراً لتصريحات الرئيس بورقيبة، وحاصرت سفارة تونس وحاولت إحراق منزل السفير التونسي. إلا أنها رُدت عن ذلك، بعد اشتباكها بقوات الشرطة، مما أدى إلى وقوع خمسين إصابة من المتظاهرين ورجال الشرطة.

خطاب الرئيس عبدالناصر في مناسبة عيد العمال

       وفى عيد العمال، الأول من مايو 1965، ألقى الرئيس عبدالناصر خطاباً سياسياً، تحدث فيه عن مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة بتسليح إسرائيل، وقال “إن الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت وراء إنشاء إسرائيل، تشجعها اليوم على العدوان، وتحقيق مطامعها التوسعية من طريق تزويدها بالسلاح. ورفض حجة الغرب في تسليح إسرائيل، التي تقوم على أساس توازن القوى بينها وبين الدول العربية مجتمعة”. وقال “سنظل دوماً في مركز التفوق على إسرائيل، لأن العرب يملكون القوة البشرية، التي تمكنهم من تجنيد مليونين أو ثلاثة ملايين من الجنود، إلاّ أن ذلك يحتاج إلى القوة الذاتية، القائمة على العمل”. ثم تحدث عن تصريحات الرئيس بورقيبة، الخاصة بفلسطين، والتي كانت “صدمة عنيفة للأمة العربية، في الوقت الذي تمر فيه قضية فلسطين بمرحلة حاسمة”. وأشار إلى ارتباط بورقيبة بقرارات مؤتمرَي القمة، الأول والثاني، اللذين حددا الهدف العربي النهائي بتحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني. وقال “إن تصريحات بورقيبة ومقترحاته، تعني التعايش السلمي مع إسرائيل، وإن هذا الكلام يضعف قضية فلسطين، على الرغم من أن الشعب العربي كله، قد رفضه”. وأضاف “أن اقتراح بورقيبة التفاوض مع إسرائيل، والتعايش معها، قد قوبل بالتهليل في الغرب، وفي إسرائيل، لأن ذلك هو تماماً ما تريده إسرائيل والغرب”. وقال “إن منطق بورقيبة وكلامه، لا يخدمان القضية العربية، ولكنهما يخدمان فقط قضية إسرائيل وقضية الاستعمار. وأن قضية فلسطين، هي قضية الشعب العربي كله، وأنه سيأتي اليوم، الذي سيجند فيه العرب مليونين أو ثلاثة ملايين، ليحرروا فلسطين، ويستعيدوا حقوق شعب فلسطين، مهما كانت كمية السلاح، التي تمنحها الدول الغربية لإسرائيل” (انظر ملحق خطاب الرئيس جمال عبد الناصر في عيد العمال).

       وفى 16 مايو 1965، نشرت جريدة “الأهرام” تفاصيل المؤتمرات، التي عقدت في الجمهورية العربية المتحدة وقطاع غزة، بمناسبة يوم 15 مايو، الذي وصفه كمال رفعت، نائب رئيس الوزراء، بأنه “يوم اليقظة العربية، لا النكبة الفلسطينية”. كما وصف تصريحات بورقيبة بأنها محاولة صريحة، لتثبيت أقدام الاستعمار في الشمال الأفريقي، بل محاولة أكثر صراحة لتسليم الوطن العربي كله إلى “استعمار جديد”. وتحدث السيد حسن صبري الخولي، الممثل الشخصي للرئيس عبدالناصر، فقال “إن بداية نكبة فلسطين، تعود إلى اليوم الأول لانعقاد مؤتمر بال الصهيوني في عام 1897”. وقال “إن اتفاق عشر دول عربية على قطع العلاقات مع حكومة ألمانيا الغربية، لمناصرة حرية شعب فلسطين وعودته، هو انتصار لا يمكن أن تؤثر فيه الخيانة أو الرجعية أو المساومات البورقيبية”. وقد عقدت “إدارة المدرعات” بالقوات المسلحة، ندوة قومية، في مناسبة هذه الذكرى، حضرها عدد كبير من القادة وضباط الصف والجنود.

البيان المشترك للقيادة السياسية الموحدة

       وفى 25 مايو، صدر بيان القيادة السياسية الموحدة للجمهورية العراقية والجمهورية العربية المتحدة، أثر انتهاء اجتماعاتها في القاهرة، في حضور كل من الرئيس عبد السلام عارف والرئيس جمال عبدالناصر. وقد تضمن البيان تقدير “القيادة” لموقف دول عدم الانحياز، والدول التي ارتضت الوقوف، في قضية فلسطين، “إلى جانب العدالة والحق”. كما تضمن استنكار “موقف الرئيس التونسي، بورقيبة، الذي يخدم الاستعمار والصهيونية”. ونص البيان، كذلك، على تمسك “القيادة” بقرارات مؤتمر القمة العربي الثاني، “في ما يختص بخطة العمل العربي الجماعي في تحرير فلسطين، التي قررت أن الهدف العربي القومي هو القضاء على إسرائيل، والهدف العاجل، هو تعزيز الدفاع العربي، على وجه يؤمن للأقطار العربية، التي تجري فيها روافد نهر الأردن، حرية العمل العربي في الأرض العربية”. كما نص على اعتبار شعب فلسطين “طليعة النضال في منظمة التحرير الفلسطينية، وتزويدها بكافة الإمكانيات المادية والمعنوية[1].

خطاب الرئيس جمال عبدالناصر في المؤتمر الوطني الفلسطيني الثاني (انظر ملحق خطاب الرئيس عبد الناصر في المؤتمر الوطني الفلسطيني الثاني)

ألقى الرئيس عبدالناصر، في 31 مايو 1965، خطاباً سياسياً جامعاً، اقتصره على فلسطين، وذلك في جلسة افتتاح المؤتمر الوطني الفلسطيني الثاني، المنعقد في القاهرة. فتحدث، أولاً، عن مشاعر الضيق والمرارة والشك واليأس، التي تنتاب كثيراً من المواطنين الفلسطينيين والعرب، بسبب التناقضات القائمة في الوسط العربي، ونتيجة استغلال الاستعمار لهذه المتناقضات وتغذيتها. وذكر الرئيس عبدالناصر، في خصوص موضوع بورقيبة، النقاط الرئيسية التالية:

  1. ضِيق كثير من الفلسطينيين من عدم تناسب القرار، الذي صدر عن رؤساء الحكومات العربية، رداً على تصريح الرئيس بورقيبة.
  2. دعا الدول العربية إلي مقاطعة الرئيس التونسي، لأن موقفه يُعد هجومًا على القيادة العربية الموحدة وتشكيكًا فيها.
  3. إن الفلسطينيين أصبحوا هدفًا لحملات مستمرة من داخل العالم العربي وخارجه.
  4. أعرب عن إحساسه بوجود تناقضات، تتعلق بقضية فلسطين، ووجوب تحديد المواقف المختلفة تجاهها.
  5. إن الصحف والإذاعات، قد خلقت جوًا من البلبلة للفكر العربي تجاه قضية فلسطين، بغرض المزايدة والكسب.
  6. بسبب سوء عرْض قضية فلسطين، ممّن يبيعون الوطن العربي للاستعمار والصهيونية، ساعد ذلك على إحداث جو من اليأس في الحاضر والمستقبل.
  7. إن بورقيبة يتخذ خطًا، يخدم الصهيونية والاستعمار، وما على الشعب العربي إلا النضال والكفاح من أجل آماله، وإفساد خطط الصهيونية.

ثالثاً: رد فعل الأردن

       ونشرت جريدة “الجهاد”، في عددها الصادر في 24 أبريل 1965، أول ردود فعل أردنية رسمية، حول تصريحات الرئيس بورقيبة، إذ ذكر رئيس الوزراء، وصفي التل، أنه لا جواب لديه على تلك التصريحات وأنصاف الحلول “سوى الإصرار على الاستماتة، وبذل الغالي والرخيص في دعم الخطة العربية الجماعية، التي لم تستهدف مطلقاً أنصاف الحلول. وإنما استهدفت استعادة الحق السليب كاملاً إلى أهله.

       وقال السيد قدري طوقان، وزير خارجية الأردن السابق، إن في تصريحات بورقيبة “انحرافاً عن الخط الوطني السليم” وإنه “من الجناية مجاملته”، وإنه “يجب ألا تشغل تصريحاته العرب، ويجب أن تقابل بالإهمال والازدراء”. وقد نشرت “الجهاد”، كذلك، نصوص برقيات عديدة، بعث بها المواطنون إلى القصر الملكي، احتجاجاً على تصريحات بورقيبة هذه.

رابعاً: رد فعل العراق

       قال الدكتور فؤاد الركابي، السكرتير المساعد للاتحاد الاشتراكي العربي في العراق، يوم 24 أبريل 1965، في مناسبة تصريحات الرئيس الحبيب بورقيبة ، “إن هذه التصريحات من الطعنات، التي وجهت، حتى الآن، إلى القضية الفلسطينية، سواء من القوى الاستعمارية أو من القوى الرجعية العربية”. وأضاف أن الإيمان العربي، الذي ظل ثابتاً منذ عام 1948، لن يهتز أو يتزعزع، بمثل هذه التصريحات. وأعلن طاهر يحيى، رئيس الحكومة العراقية، أن شعب العراق، لا يمكن أن يقبل أي مساومة، أو حلول وسط للمشكلة الفلسطينية. ودعا جميع الدول العربية إلى الالتزام بمقررات مؤتمرَي القمة.

       وفى الأول من مايو 1965، وصف الرئيس العراقي، عبد السلام عارف، في مهرجان أقيم في مناسبة افتتاح مقر منظمة التحرير الفلسطينية في بغداد، مقترحات الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بأنها “خروج على مقررات مؤتمرَي القمة، فضلاً عن أنها غير مقبولة، وأنها مردودة جملة وتفصيلاً” (انظر ملحق مقتطفات من خطاب الرئيس العراقي عبد السلام عارف).

خامساً: رد فعل سورية

       في السادس عشر من مارس 1965، خرجت تظاهرات كبرى صاخبة في دمشق، استنكاراً لتصريحات الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، في شأن قضية فلسطين. وأعلن في دمشق، يوم 26 أبريل، استدعاء القائم بالأعمال السوري في تونس، للتشاور، في مناسبة تصريحات الرئيس الحبيب بورقيبة، في شأن قضية فلسطين. وقامت، في اليوم عينه، مظاهرات عديدة، في دمشق وبقية المحافظات السورية، شجبت فيها الجماهير موقف بورقيبة، وهتفت بسقوطه. وألقى الفريق أمين الحافظ خطاباً في حمص، هاجم فيه الرئيس بورقيبة، وقال إن الشعب العربي قادر، ومصمم على القضاء “على كل مؤامرة تستهدف تصفية فلسطين”.

       وأذاعت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، الحاكم في سورية، بياناً (انظر ملحق بيان القيادة القومية لحزب البعث، حول القضية الفلسطينية)، في مناسبة تصريحات بورقيبة، التي اشتمت منها رائحة التواطؤ مع الاستعمار والصهيونية، قالت فيه: “إن بورقيبة، لم يكن ليجرؤ على هذا الموقف الخائن لشعب فلسطين، لو لم يجد أن الموقف العربي الرسمي مليء بالثغرات، التي تفتح المجال أمام هذه التطورات”. وأضاف البيان “أن الموقف العربي الرسمي، منذ عام 1948 حتى اليوم، ينطلق من القبول بقرارات التقسيم، التي صوتت عليها هيئة الأمم المتحدة، في عام 1947، بتأثير الضغط الأنجلو أمريكي، والتأييد السوفيتي”. وقال: “إن القبول بقرارات التقسيم يعني الاعتراف الضمني بشرعية الكيان الإسرائيلي وتنحصر القضية، عندئذ، في خلاف حول المساحة والحدود”. وأضاف أن التبريرات التكتيكية لا يجوز في حال من الأحوال “أن تكون مناقضة لأهداف العرب القومية، التي تبني عليها أي شرعية”. وإن قرار التقسيم، هو “إجهاض لحرية الشعوب، وحقها في تحديد مستقبلها وصياغة كيانها، السياسي والاقتصادي والاجتماعي”.

       وقال البيان إن الرد على تصريحات بورقيبة، يكون، أولاً، بقيام الحكومات العربية “بتصحيح طرح القضية دولياً، واتّباع منطق المصارحة والتصميم، مكان المراوغة والاختباء وراء الاعتبارات التكتيكية التي تجر، تدريجياً، إلى الاستسلام للواقع”.

سادساً: رد فعل الكويت

       ونشرت “الأهرام”، في عددها الصادر في 15مارس 1965، أن تظاهرات كثيرة، خرجت في الكويت، واعترضت موكب الرئيس التونسي، في كل مكان ذهب إليه، احتجاجاً على تصريحاته “في موضوع فلسطين، وفي موضوع أزمة العلاقات العربية الألمانية”.

        وعقد مجلس الأمة الكويتي اجتماعاً طارئاً، في 24 أبريل، أصدر في أثره بياناً جماعياً، استنكر فيه ما ورد على لسان الرئيس بورقيبة من تصريحات، تدعو إلى التفاهم مع الصهاينة، على حساب قضية العرب الأولى، فلسطين. وقال البيان إن العرب، لا يمكن أن يقبلوا غير عودة الفلسطينيين إلى فلسطين، العربية، الحرة، مهما كلفهم ذلك من تضحيات. وإن “منطق الحلول الوسطى في قضية العرب الأولى، هو منطق استعماري صهيوني، لا يمكن أن يقبل به أي عربي مخلص”.

       ونشرت “الأهرام”، في عددها الصادر في 27 مايو، تصريحاً للشيخ جابر الأحمد الصباح، نائب رئيس وزراء الكويت، قال فيه إن حكومته، ستعيد النظر في سياسة تقديم القروض، حتى “لا تقدم الكويت قرضاً إلى دولة تنحرف عن الخط العربي، خاصة إذا كان هذا الانحراف يتطور على خط، يهدد قضية فلسطين ومصير شعبها”. وأضاف “أنه مما يؤسف له، أن القروض، التي قررت، قد خرجت من صندوق التنمية الكويتي، ولم يبقَ أي جزء منها، حتى يمكن وقفه”.

       ونشرت “الأهرام”، في عددها الصادر في 28 مايو، تصريحاً خاصاً، أدلى به إليها الشيخ جابر الأحمد، أعلن فيه أن حكومة، الكويت قد اتخذت قراراً بوقف قرضها لتونس، نتيجة لموقف الرئيس بورقيبة من قضية فلسطين. وقال إن الإيقاف يسري على مبلغ ستة ملايين جنيه إسترليني، من أصل عشرة ملايين، كان من المقرر إقراضها لتونس. أمّا الأربعة الأخرى، فقد سبق لتونس أن تسلمتها بالفعل. وأضاف “أنه لا يصح أن نقدِّم قروضاً إلى حكومة تعمل ضد قضية العرب الكبرى”. وطالب الدول العربية بالارتفاع إلى مستوى مسؤولياتها، وتحمّل تبعاتها دون قيود. وقال إن في البلاد العربية أكبر طاقة، يمكن أن تهز العالم، إذا استعملت في جدية وإخلاص. وضرب مثلاً على ذلك النفط، وقال: “لو وقفت الدول المنتجة للنفط، والمتمثلة في الكويت والسعودية والعراق وليبيا والجزائر، موقفاً واحداً، ووجهت إنذاراً عملياً إلى الدول، التي تحتضن إسرائيل، وتدعم وجودها، لأحدث ذلك هزة في العالم، وأجبرت تلك الدول على التراجع عن موقفها. وتساءل قائلاً: “هل كان قطع العلاقات السياسية مع ألمانيا الغربية هو كل شئ في الرد على اعترافها بإسرائيل؟ إننا لا بد أن نُتْبِع هذه الخطوة بخطوات، تؤثر في الاقتصاد الألماني، “إذ إن الاقتصار على قطع التمثيل السياسي، قد يشجع دولاً أخرى على اتخاذ  الموقف نفسه، وبذلك يفقد الشعب الفلسطيني ثقته بالأمة العربية”. ثم قال: “لنتصور، مثلاً، أن العرب قرروا توجيه إنذار موقوت، بأن نفطهم، الذي يمثل نصف الاستهلاك العالمي، سيُمنع عن الدول، التي تقف إلى جانب إسرائيل، وتمدها بالسلاح. ونُفذ هذا القرار بطريقة جماعية مخلصة، فكيف يكون مركز التجارة الدولية؟ وكيف يكون حال الشركات العالمية، التي تتحكم، من طريق النفط، في الاقتصاد العالمي؟”.

       وفي 7 ديسمبر 1965، قال الشيخ جابر الأحمد، في بيانه الوزاري، الذي ألقاه إثر تشكيله الحكومة الجديدة، في أعقاب وفاة أمير الكويت، الشيخ عبدالله السالم الصباح، إن سياسة الكويت الثابتة، تقوم، في المجال العربي، على “التضامن الوثيق مع شقيقاتنا العربيات، في كل القضايا، التي تهم العروبة، وفي مقدمها الوطن السليب فلسطين”.

سابعاً: رد فعل لبنان

       وفى 11 مارس، صدر في بيروت البيان المشترك عن زيارة الرئيس بورقيبة إلى لبنان. وفيه أكد رئيسا البلدين عزمهما على “بذل المزيد من الجهد، في الدفاع عن القضايا العربية المشتركة، وفي طليعتها قضية فلسطين، وتوفير جميع الوسائل، للسير في تنفيذ مقررات مؤتمرَي الملوك والرؤساء العرب”.

تصريح حركة القوميين العرب

وفى 12 مارس 1965، صرحت حركة القوميين العرب تصريحات شديدة وخطيرة، حول مقترحات الرئيس بورقيبة، المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وفي ما يلي فقرات من تصريح الحركة:

        “أثارت تصريحات بورقيبة، في مؤتمره الصحفي، في بيروت، يوم أمس الخميس، والتي جاءت لتوضح وتؤكد تصريحات مماثلة، أدلى بها في أريحا والقدس، خلال الأسبوع الماضي، موجة من الاستياء في صفوف الجماهير العربية عامة، والفلسطينية خاصة، لما احتوت عليه من طعن في آمال الأمة العربية، ومناقضة لأبسط حقوقها الطبيعية، وتفكيك لموقفها الموحد، في لحظة من أخطر لحظات نضالها ضد الاستعمار والصهيونية.

       إن الجماهير العربية، وشعب فلسطين بشكل خاص، قد رفضت على الدوام، وفي أقسى أيام الهزيمة والنكبة، كافة المؤامرات الاستعمارية، التي اتخذ إعلانها أشكالاً مختلفة، في محاولة لتمييع القضية الفلسطينية، وطرح الحقوق التاريخية والقومية للأمة العربية، للمساواة السياسية. وأصرت الجماهير العربية، ليس على الرفض المطلق لكافة أشكال هذه المؤامرات فقط، ولكن على كشف القوى، التي تكمن وراءها أيضاً، وفضحها أمام التاريخ.

       إن حركة القوميين العرب، ترى أن تصريحات الرئيس التونسي، المناوئة لآمال الجماهير العربية، جاءت في فترة حاسمة، تتجمع فيها القوى العربية المختلفة، تمهيداً لمواجهة معركة فلسطين بصورة موحدة. ولذلك، فإن هذه التصريحات، إضافة إلى أنها توجِّه طعنة من الخلف إلى هذا التجمع في صميم المعركة، فإنها تخدم أهدافاً استعمارية واضحة، ترمي إلى تهديم وحدة الموقف العربي، حيال ألمانيا الغربية وتواطئها، مع إسرائيل من الداخل.

       إن الطريق الوحيد إلى خدمة الجماهير العربية، ليس في الدعوة إلى التنازلات الوطنية، والمساومات مع المستعمر والغاصب، والتشكيك في طاقة الأمة العربية وصلابتها، وتنفيذ المخططات الاستعمارية، التي تهدف إلى تفكيك وحدة الموقف العربي، ولكن في الاعتراف بالحقوق المشروعة للأمة العربية والعمل الدائب على إقرارها عبر نضال حقيقي حر، لا يرضخ أمام أي نوع من أنواع الضغط والإغراء الاستعماريين، ولا يتوقف قبل أن يعطي الجماهير العربية حقها المشروع في أرضها وكرامتها ومستقبلها، وإن التجربة الرائعة، التي خاضها شعبنا العربي في الجزائر، لهي أفضل مثل على ذلك.

       إن حركة القوميين العرب، تعد تصريحات بورقيبة واجتهاداته، في شأن ما أسماه حل القضية الفلسطينية، مناقضة، جملة وتفصيلاً، لمطامح وآمال شعبنا في فلسطين. وهي تستنكر بشدة الطعنة. التي توجهها هذه التصريحات إلى الموقف العربي، في معركته الحاسمة ضد الاستعمار العالمي، والتي تمر بمرحلة خطيرة، كانت تستدعي أن يصرح الرئيس التونسي تصريحات، تدفعها إلى الأمام، وليس تصريحات تخدم طموح بون والصهيونية، في افتعال التناقض والصدام داخل الموقف العربي.

       وفى الوقت نفسه، لا يَسَعُ حركة القوميين العرب، إلا استنكار الأصوات المشبوهة، التي وجدت في تصريحات بورقيبة فرصتها الذهبية، للانضمام إلى تأييد المطالب الاستعمارية، هذه الأصوات، التي كانت عاجزة، أمام صلابة الموقف الجماهيري، عن إعلان موقفها الخائن.

       وإن حركة القوميين العرب، تطالب كل الثوريين العرب، وأبناء فلسطين بشكل خاص، أن يشجبوا هذه التصريحات، ويعملوا في كل مكان على قطع الطريق على كل محاولة من هذا النوع، مهما كان الشكل الذي تتخذه، وأنّى كان مصدرها”.

       وقامت، في 16مارس، مظاهرات شعبية كبرى، في كل من بيروت وطرابلس وصيدا، نددت بالسياسة الألمانية الغربية وبموقف كل من ليبيا وتونس والمغرب، في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة. كما هتف المتظاهرون، طويلاً، ضد الرئيس بورقيبة. وخطب رئيس الحكومة، الحاج حسين العويني، بالمتظاهرين في بيروت، معلناً أن قضية فلسطين هي، بالنسبة إلى لبنان “قضية مصير، وقضية بقاء”. وأعلن أن لبنان سيقاطع ألمانيا، إذا اعترفت بإسرائيل. وأصدرت الهيئات الطلابية في لبنان بياناً، أكدت فيه “الإيمان المطلق بحق شعب فلسطين بالعودة الكاملة”، وشجب السياستين، الأمريكية والألمانية، من قضية فلسطين. كما استنكرت “الدعوات الانهزامية وسياسة أنصاف الحلول”، وعدتها جزءاً من مؤامرة استعمارية ضد الشعب العربي.

       وفي 19 مارس، أذاع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، كمال جنبلاط، بياناً شجب فيه تصريحات بورقيبة الخاصة بفلسطين. كما هاجم المواقف المتحفظة، لكل من تونس والمغرب وليبيا، بالنسبة إلى موضوع قطع العلاقات العربية بألمانيا الغربية عند اعترافها بإسرائيل.

بيان كمال جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، في لبنان حول مقترحات الرئيس بورقيبة

       “إن مقررات مؤتمر وزراء الخارجية الأخير، تشكل، إلى حد معين، تخطيطاً مبدئياً لبعض الخطوات العملية، التي يجب أن تقوم بها الدول العربية في مواجهة ألمانيا الغربية، وموقفها العدواني والاستفزازي من العرب.

       سحب السفراء العرب فوراً، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية، في حال اعتراف بون بإسرائيل، وأخيراً قطع العلاقات الاقتصادية بألمانيا الغربية، في حال إصرارها على اتخاذ موقف عدائي من أي دولة عربية.

       إن ما يؤسف له، هي تحفظات بعض الحكومات العربية، أي المغرب وليبيا وتونس، التي لم تقرر بعد مسؤولياتها تجاه شعوبها، وإبراز النضال المشترك والقضية العربية الكبرى ومن ثم، فإن هذه الحكومات، لا تمثل إرادة  شعوبها في هذا الموقف السياسي الخطير. ويؤسف أيضاً لموقف هذه الدول ولبنان، في شأن الاعتراف بألمانيا الشرقية.

       والذي يؤسف له، أن تصريحات الرئيس بورقيبة، قد أسهمت في هذا التضليل العام، لأن إخوة حنيكر لبسوا لبوس المسوح، وانتظروا هذا الكلام، كنعمة أنزلت عليهم من السماوات. وأغلب الظن، أن الرئيس التونسي، لم يدرك التفاصيل الرئيسية للقضية الفلسطينية، ولم يستوعب أهميتها، بالنسبة إلى المصير العربي الكبير، وإلى النضال في وجه الاستعمار والنفوذ الأجنبي.

       فالقول إننا لم نستخدم “نهج خذ وطالب”، سهل إعلانه. ولكن نتحدى من يشاء، أن يعلمنا ما هو الحل الوحيد، الذي اقترحته دول أوروبا وأمريكا المجرمة بحقنا، والذي كان في استطاعتنا أن نقبل به، على أساس مبدأ الأخذ ثم المطالبة.

       انهم لم يعرضوا علينا حلاً، سوى بقاء إسرائيل، ودفع تعويض مالي للمليون ومائتي ألف لاجئ، بغية قطع صلتهم بالوطن الأم، وتحويلهم عن العودة إليه، وإسكانهم في العالم العربي. فهل يستطيع عربي واحد، أن يقبل بهذا الحل؟ وبماذا نعود لنطالب به، إذا ارتضينا بتكريس الاغتصاب الواقع؟

       لقد تبنَّت الحكومات العربية، في مرحلة من نضالها، العودة إلى التقسيم، وطالبت بتنفيذ مقررات الأمم المتحدة. وحتى هذا المطلب الجائر، رفضته الدول الكبرى الغربية. وقد تعدى اليوم نضال العرب هذا المطلب الجائر في حقهم، إلى تحقيق العودة إلى الوطن المغتصب بأسره، وتحويل وجهه من الداخل إلى ما كانت عليه فلسطين العربية.

       وعندما يتهيأ العرب لممارسة سياسة “الأخذ ثم المطالبة”، وهي من نهج الحياد الإيجابي نفسه، لا الانحياز الغربي ـ التونسي الرسمي، فسيفعلون ذلك، كما حصل في قضية تحويل روافد الأردن. إنما هي مرحلة من مراحل العمل، لأجل تحرير الوطن السليب، ومنع الاغتصاب من أن يتقوى ويزدهر.

       إن سياسة الأخذ ثم المطالبة، هي نهج بديهي في النضال، طالما استخدمه العرب في العمل القومي والسياسي على السواء. ولولا ذلك لما أتيح لهم أن يحصلوا، في النهاية، على هذا اللون من الاستقلال التام الناجز، في مصر والسودان وسورية ولبنان والعراق واليمن والجزائر… إلخ، حيث انعدم كل أثر للارتباط والقواعد الأجنبية.

       إننا نأمل أن يطلع بعض قادة العرب على الظروف والأوضاع، الخاصة لقضية الوطن الفلسطيني، ولنضال شعبه العربي العظيم، فلا يلمحوا إلى حلول أو نهج لا يستطيعون هم أنفسهم أن يوضحوها، حتى لو طلب منهم، فلا يفيد من تصاريحهم العامة المرتجلة، إلاّ أعداء العرب في كل مكان، وبعض الانهزاميين والعملاء من مواطنينا غير المتحررين. فأوضاع فلسطين وظروفها، هي غير أوضاع تونس، مثلاً، وظروف شعبها. ولو بقي العرب في فلسطين وطنهم من الداخل، لما كانت قامت إسرائيل أو لكانت انهارت بعد قيامها. أمّا وقد حصل ما حصل، فلا بد من الإسهام من الخارج في تحرير فلسطين، على أن يدخلها أبناؤها الأبطال في الوقت المناسب، لكي يضرموا في أحشائها نيران العصيان والثورة.

       وكنا نرجو موقفاً متفهماً إيجابياً من قادة مراكش وتونس، في مرحلة صراعنا هذه ضد الصهيونية، وفي مواجهة عدوان ألمانيا الغربية. وأن يتقدموا من حدود إسرائيل بخمسين أو بمائة ألف من هذه الفرق العربية العسكرية البطلة المدهشة، التي لا تقف عقبة في وجهها، ولا يردها انكسار إلى الوراء فعلا في سياسة فرض الأخذ على إسرائيل وحليفاتها من دول الاستعمار، ثم المطالبة من جديد. وإذاً، لتفهموا معنى القومية الجامعية، المتقدمة نحو أهدافها ولأدركوا مثلنا شرف النضال المباشر لأجل فلسطين العربية.

       مرحى بالجزائر ورئيسها الكبير وبموطن المليون شهيد بيننا، في هذا الصراع حتى النهاية.        كلمة أخيرة نقولها: كان على لبنان أن يتظاهر في جميع مدنه وقراه وسواحله وجباله وجروده، وأن يخرج شعبه ليشجب موقف ألمانيا الغربية العدائي، وليعلن تأييده لقضية فلسطين، التي هي قضية لبنان وقضية العرب الأولى. وكان على لبنان الشعب، أن يتظاهر لِيَمْحُوَ آثار بعض التصريحات المؤسفة. فإن لم يتظاهر شعب لبنان، لأجل تمرسه بمبادئ السيادة الكاملة، ولرد العدوان، ولنصرة فلسطين والعرب، وتأييد قادتهم الأبرار فلأجل من سيتظاهر يا ترى؟”.

       وأثارت تصريحات بورقيبة، في 22 أبريل،  والتي دعا فيها إلى إجراء المفاوضات مع إسرائيل، موجة عارمة من السخط في لبنان، تميزت بالتصريحات، التي أدلى بها رئيس الوزراء، الحاج حسين العويني، ورئيس المجلس النيابي، صبري حمادة والنواب: أديب الفرزلي، وصائب سلام، واللواء جميل لحود، ورشيد الصلح، ومنير أبو فاضل، وعبد الله الغطيمي، وناظم القادري، وغيرهم. وفي 24 أبريل،  استنكر وزير الداخلية، تقي الدين الصلح تصريح الرئيس بورقيبة المذكور، ووصف الحلول، التي اقترحها لقضية فلسطين، بأنها “محاولة فاشلة لضرب النضال العربي في فلسطين، وانقلاب من بورقيبة نفسه على ما سبق ووقعه في مؤتمرَي القمة العربيين”. وأعلن رفض لبنان “أنصاف الحلول، والتهاون والمساومة”، بالنسبة إلى  هذه القضية. وأضاف أن “ضمير أي عربي، لا يقبل إلا باقتلاع العدوان الصهيوني من جذوره”.

بيان كميل شمعون حول مقترحات بورقيبة (انظر ملحق بيان كميل شمعون، حول مقترحات بورقيبة)

أصدر كميل شمعون، رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق، بياناً اشتمل على النقاط الرئيسية التالية:

  1.  عدم تقدير الرئيس التونسي لردة الفعل الشديدة المتوقعة لتصريحاته التي تدعو إلى الصلح مع إسرائيل والتعايش السلمي معها.
  2. ارتكاب الرئيس التونسي لخطأين: ا.  تقديم هذا العرض علنًا، دون مشاورة زملائه من الملوك والرؤساء. ب. إهمال تعاليم التاريخ وعِبره، إذ إن التمسك المستميت بالأهداف الوطنية، وملاحقتها بأي وسيلة، كانا الكفيل دائما ببلوغ هذه الأهداف.
  3. اتهام الرئيس التونسي بالجهل ببعض نواحي كارثة فلسطين، لانعزاله عنها، وعدم إحساسه باليأس والقنوط الشديدين، اللذين أحدثهما استيلاء شعب غريب على أرض باتت مجزأة، بغية إشباع مطمع الصهيونية الغادرة.
  4. إلقاء الضوء على أسباب فشل مؤتمر القاهرة، وأسباب فشل أي مؤتمر في الماضي أو في المستقبل، وأعاد ذلك إلى الأسباب الثلاثة التالية:

أ. عدم صراحة الدول، في ما يتعلق بمستقبل فلسطين، بالطريقة التي تبدد كل تأويل وتفسير.

ب. استغلال القضية بغية كسب تأييد القوى الفلسطينية، لتنفيذ أغراض، لا تمتّ بصِلة إلى مستقبل وطنهم.

ج. وجود جو من الريبة والشك والخوف، بسبب سياسة الأطماع وحب السيطرة، وتدخّل بعض الدول العربية في شؤون دول عربية أخرى بمختلف أساليب الدس والتآمر، مما حال دون قيام تعاون صحيح طويل المدى.

  1. حدّد تصورًا لحل المشاكل، التي تعترض سبيل حل قضية فلسطين، منها:

ا.  تنقية العلاقات العربية، في ضوء ميثاق جامعة الدول العربية، وتحديد المسؤوليات والواجبات.

ب. عرض قضية فلسطين بصورة واضحة، تضمن للعرب كرامتهم في العالم وسلامة مصالحهم.

ج. مساهمة دول جامعة الدول العربية في تنفيذ مخطط واضح، بغية تجنب أي خلاف ينشأ.

ثامناً: رد فعل الجزائر

       وفي عددها الصادر في 15مارس، نشرت جريدة “الشعب” الجزائرية، للمرة الأولى، ردود الفعل، التي أحدثتها تصريحات الرئيس بورقيبة، في مؤتمره الصحافي ببيروت، والذي أعلن فيه معارضة تونس لمقاطعة ألمانيا الغربية، إذا ما أقدمت على إقامة علاقات دبلوماسية بإسرائيل. وأشارت إلى تعليقات الصحافة العربية، التي وصفت تصريحات بورقيبة “بأنها جزء من مخطط استعماري يراد به منع العرب من اتخاذ قرار حاسم ضد بون.

       وفى محاضرة لعلال الفاسي، رئيس حزب الاستقلال، ألقيت في تطوان، ونشرت في “العلم”، في عددها الصادر في 28 سبتمبر، قال إن الرؤساء والملوك العرب، اقتنعوا، أخيراً، بأن استعادة فلسطين، لا تكون بوسائل سلمية، وهو أمر كانت الشعوب العربية دوماً تقول به، وتطالب بتحقيقه فوراً، ودون انتظار سبعين سنة، كما فعل أجدادنا قبل إخراج الصليبيين. وقال إنه على كل حال، فإن أجدادنا لم ينتظروا سبعين سنة “ولكنهم حاربوا سبعين سنة، قبل أن ينتصروا الانتصار النهائي”. ورفض دعوة بورقيبة إلى التفاوض مع إسرائيل، لأن ذلك يعنى الاعتراف بها، وهو أمر غير مقبول من العرب، “لأنه لا يقنعهم إلا استرجاع فلسطين برمتها”. وطالب بكيان ثوري فلسطيني، يضطلع بمسؤولية التحرير، وهو أمر لا تتصف به منظمة التحرير الفلسطينية، التي تأسست في ظل الجامعة العربية ومؤتمر القمة. وأشاد بمنظمة “العاصفة”، وما تقوم به من أعمال.

تاسعاً : رد فعل إسرائيل

       رداً على مقترحات الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، تقدَّم “ليفي أشكول Levi Eshkol ” رئيس الوزراء الإسرائيلي، بتاريخ 17 مايو 1965، بمشروع، بعد أن وضع التزامين، انطلق منهما مشروعه:

أ .  الواجب العام، الذي تخضع له جميع الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، في العيش بسلام مع بعضها.

ب. الالتزام باتفاقات الهدنة لعام 1948، والتي تنص في جملة ما نصت عليه: “أن الهدنة هي مرحلة انتقالية نحو السلام العادل”.

وينص مشروع أشكول على ما يلي :

أولاً: تقترح إسرائيل إجراء مفاوضات مباشرة، بينها وبين البلدان التي وقعت اتفاقات الهدنة، من أجل إحلال اتفاقية السلام محل اتفاقات الهدنة.

ثانياً: تتم التسوية السلمية على أساس وضع إسرائيل القائم، باستثناء بعض التعديلات الطفيفة – المتبادلة والمتفق عليها – عند نقاط معينة على الحدود، بهدف تسهيل الحياة اليومية للسكان.

ثالثاً: يعني السلام حرية الدول العربية وإسرائيل، في الاستفادة من نتائجه، مثل النقل البري، والجوي والاتصالات البريدية، والراديو، والتليفزيون، وحرية الملاحة، الوصول إلى الموانئ البحرية.

مبادرة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة عام 1973

جهود بورقيبة، خلال عام 1973

       شهد عام 1973 نشاطاً كبيراً على المسار الفلسطيني، لحل القضية الفلسطينية. ففي 17 يناير 1973، زار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تونس، حيث أجرى مباحثات مع رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة، ووزير الخارجية، محمد المصمودي، تتعلق بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، الذي كان قد انعقد في القاهرة، في السادس من الشهر نفسه. كما تناقشوا في شأن اجتماع وزراء الخارجية والدفاع العرب، الذي كان من المزمع عقده في فبراير 1973.

       وخلال عام 1973، أجرى الرئيس بورقيبة مقابلات عديدة، لتوضيح مواقفه من القضية الفلسطينية وحلوله المقترحة لتسويتها. ففي 23 فبراير، تحدث إلى التليفزيون اليوغسلافي، مؤكداً أن الحل الوحيد لمشكلة الشرق الأوسط، يتمثل في الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني، والسعي إلى إيجاد حل وسط، يكون مقبولاً من الفلسطينيين والإسرائيليين، في آن واحد. وأشار إلى التغير في السياسة العربية، التي أصبحت مستعدة للاعتراف بإسرائيل، “لكن ضمن الحدود التي أقرتها الأمم المتحدة، في قرارها الرقم 181، الخاص بتقسيم فلسطين، وعلى أن تقوم إلى جانب إسرائيل دولة فلسطينية، تبرِم الصلح مع إسرائيل”.

       وشدّد الرئيس بورقيبة على أهمية الأمن الأوروبي، لاستقرار منطقة الشرق الأوسط. كما أنه حثّ الولايات المتحدة الأمريكية على إجراء محادثات مباشرة، مع الزعماء الفلسطينيين، لإيجاد تسوية لأزمة الشرق الأوسط.

بورقيبة يرفض الوساطة بين إسرائيل والدول العربية

       أكّد الرئيس بورقيبة مواقفه السابقة، الخاصة بمشروعه القديم لتسوية القضية الفلسطينية. ثم أوضح أن سياسة مصر، تسير في اتجاهين: الاستعداد للحرب، وسلوك الطرق السلمية. فإذا فشلت الجهود لإيجاد حل سلمي، فإن الحرب يمكن أن تقع. وأضاف أنه متخوف من هزيمة رابعة للعرب. وأكد إمكان عقد اتفاقيات بين الدول العربية وإسرائيل. لكنه رفض أن يكون وسيطاً بينهما، خوفاً من أن يُساء الحكم عليه من الطرفين.

       وفي الأول من يونيه 1973، أعلن الرئيس بورقيبة، في تصريح لصحيفة لوفيجارو “Le Figaro” الفرنسية، استعداده للاجتماع مع أبا إيبان، شرط تحقُّق أمرين: الأول: الاعتراف بحق الفلسطينيين في أرض فلسطين.

والثاني: الموافقة على قرار الأمم المتحدة الرقم 181 لسنة 1947، الخاص بتقسيم فلسطين.

بورقيبة يؤكد أنه لا بديل من السلام العادل

       وخلال المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الدولية، الذي انعقد في جنيف، في 19 يونيه 1973، أكّد الحبيب بورقيبة، في كلمته إلى المؤتمر، أن إحلال السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، يجب أن يأخذ في الحسبان حق الشعب العربي في ألاّ يُهان، وحق الشعب الفلسطيني في ألاّ يُشرَّد، وحق الإسرائيليين في ألاّ يُقضى عليهم، ويُقذفوا في البحر.

البيان التونسي ـ اليوغسلافي المشترك

       وفي البيان التونسي ـ اليوغسلافي المشترك، الذي صدر إثر زيارة جمال بياديتش، رئيس المجلس التنفيذي الفيدرالي اليوغسلافي، إلى تونس، في 27 يونيه، طالب الطرفان إسرائيل بالجلاء عن الأراضي العربية، والاعتراف بالحقوق الشرعية الثابتة للشعب الفلسطيني. وسجّلا أيضاً أن أمن أوروبا مرتبط بالأمن في البحر الأبيض المتوسط.

       وفي حديث للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، إلى جريدة لوموند “Le Monde” الفرنسية، في 29 يونيه 1973، رأى أن اقتراحه لحل النزاع في الشرق الأوسط، لم يجد تجاوباً كافياً لتنفيذه. لكنه اعترف بأن الوقت يعمل لمصلحة فكرته، وأنه كان هناك تقبّل عربي وفلسطيني لاقتراحه. كما أظهر تخوفاً من تركيز الاتحاد السوفيتي في المنطقة، من خلال مساعدته للعرب.

مبادرة بورقيبة، عام 1973

       في الثاني من شهر يوليه 1973، طرح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة مبادرة جديدة لحل القضية الفلسطينية. إذ أكّد أن جوهر القضية، هو: “أن ثمة شعبين، يتنازعان أرضاً واحدة. وأنا أقول، لماذا لا نتصور إمكان تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ بالطبع، سيضحي كل شعب بشيء ما. الإسرائيليون، من جهتهم، يتخلون عن الأراضي، التي احتلوها بقوة السلاح، ويحتفظون بما منحتهم إياه الأمم المتحدة، عام 1947، بموجب قرار التقسيم الرقم 181”.

       ويضيف بورقيبة: لم يكن ما اقترحته لقاءَ الإسرائيليين فقط، بقدر ما هو حل للنزاع، القائم بينهم وبين العرب. إذ إنني أتبين أن الوضع، يسير من سيئ إلى أسوأ. وتتضمن مبادرة الرئيس بورقيبة النقاط التالية:

  1. قبول إسرائيل بمبدأ تقسيم فلسطين، وفق قرار التقسيم، الصادر عن الأمم المتحدة، عام 1947.
  2. تعيين الحدود بين العرب وإسرائيل، من طريق المفاوضات.
  3. إقامة دولة فلسطينية.

       وقال بورقيبة إن العرب، يتمسكون بمبدأ محدد، بينما معطيات الواقع، أصبحت تناقض ذلك المبدأ[1]، إضافة إلى أننا لا نملك القوة الكافية لاستخلاص حقّنا المهضوم.

       وفي الخامس من يوليه 1973، جدّد بورقيبة اقتراحـه إنشـاء دولة فلسطينية. لكنه ركّز في أن “لا شيء في التاريخ، اسمه شرق الأردن … فقد اجتزأت بريطانيا الجزء الصحراوي من فلسطين، مع من عليه من قبائل، وسمته شرق الأردن”. ودعا إلى إقامة دولة فلسطينية على ما يطلق عليه، الآن، شرق الأردن، إضافة إلى الجزء، الذي كان من نصيب العرب في قرار التقسيم الرقم 181 لسنة 1947.

رد فعل الأردن على مبادرة بورقيبة

       وقد أثارت تصريحات بورقيبة دهشة الحكومة الأردنية، وانتقادات رئيس مجلس النواب الأردني، كامل عريقات. فصدر بيان عن الاتحاد الوطني الأردني، هاجم تصريحات بورقيبة، ووصفها بأنها إعادة لأسطوانة الوطن البديل. وجاء في البيان: “إن إطلاق هذه التصريحات، بما فيها من مغالطات وتشويه، في هذا الظرف الخطير، من التفكك والعجز العربي، والأهل يرزحون تحت نير الاحتلال، تبدو وكأنها تهدف إلى إثارة مزيد من البلبلة والتشويش، وتحويل الأنظار عن قضية العدوان الاستيطاني الصهيوني، إلى تمييع وإضاعة الحق الفلسطيني في الأرض والوطن، ومن المشاركة وتوحيد الجهد لتحرير الوطن المغتصب، إلى التفتيش عن رقعة بديلة، يستقر فيها ضحايا هذا العدوان”. ووزع بيان للاتحاد الوطني الأردني، في 7 يوليه 1973، يستنكر ويشجب صدور مثل هذه التصريحات.

       أمّا الرد الرسمي الأردني، فقد تمثل في قرار مجلس الوزراء الأردني، في 17 يوليه 1973، بقطع العلاقات الدبلوماسية بين الأردن وتونس. وجاء في القرار: “لما كان الموقف التونسي، ينسجم مع موقف إسرائيل، الذي يهدف إلى تكريس الاحتلال للأراضي العربية، ويدعو إلى إقامة دولة فلسطينية خارج فلسطين، كبديل لانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية، فقد قرر مجلس الوزراء قطع العلاقات السياسية بين الأردن وتونس”.

       وفي إثر تصريحات الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، لجريدة “النهار”، في 6 يوليه 1973، التي أعلن فيها أن الأردن دولة مصطنعة، واقترح إقامة دولة فلسطينية بدل دولة الأردن، أعلن الملك حسين، في 19 يوليه، أن هذا الاقتراح هو “دعوة مريبة” و”مشروع مشبوه”.

       وتطرق الملك حسين، في حديث صحفي، يوم 27 يوليه 1973، إلى جريدة “النهار” البيروتية، إلى موضوع “مَن يمثل الشعب الفلسطيني”، فشدد على أهمية الضفة الغربية، بالنسبة إلى الأردن. وقال إنه، في حال تنازله عن تمثيل الشعب الفلسطيني، لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن ذلك سيؤدي، في رأيه، إلى “ضياع الضفة الغربية”. كذلك أشار إلى أن تمثيل الفلسطينيين، يمكن أن يكون من غير منظمة التحرير الفلسطينية.

رأي بورقيبة في القوة العربية

       وفي مناسبة زيارة الشيخ صباح السالم الصباح، أمير دولة الكويت، إلى تونس، في 12 سبتمبر 1973، قال الرئيس بورقيبة أنْ لا جدوى من الحروب الكلاسيكية مع إسرائيل، لأن إسرائيل أقوى من العرب. وطالب بالتمسك بالقانون الدولي.

       وفي اليوم الأول لاندلاع حرب السادس من أكتوبر 1973، اتصل الرئيس الحبيب بورقيبة بكل من الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد، وأبلغهما تأييد بلده لهما، ووقوفه إلى جانبهما في قتالهما ضد إسرائيل. وأعلن، في خطاب له، في اليوم التالي، أن الجيش التونسي في حالة تأهب، وسيبعث بوحدات منه إلى جبهات القتال. وطالب ليبيا بالمشاركة، وأكد تخوفه من نتائج القتال، بسبب التفوّق الإسرائيلي. وأعلن أيضاً، في 11 أكتوبر 1973، أنه مستعد، إذا شارك الأردن في الحرب، أن يعيد العلاقات الدبلوماسية به. وبَيّن أهمية مشاركة الأردن في المواجهة، إذ إنها “ستسهل المصالحة مع المقاومة الفلسطينية”. وفعلاً، قررت تونس، في 15 أكتوبر، إعادة العلاقات بالأردن، بعد أن بعث الأردن بوحدات من جيشه، للقتال على الجبهة السورية.

رد فعل الجزائر

       وظهر رد فعل الحكومة الجزائرية لتصريحات بورقيبة يومَي 3 و 6 يوليه 1973، في تصريحات عبدالعزيز بوتفليقة، وزير الخارجية الجزائري، في حديث صحفي، في باريس، أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ممكنة، ولكن من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، على أساس أن يتم الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني.

رد الفعل العربي

       لم يكن لمبادرة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الجديدة، رد فعل في المحيط العربي. ويرجع ذلك إلى انشغال مصر وسورية، في ذلك الوقت، بالإعداد والتجهيز لحرب أكتوبر 1973 … فعجلة الحرب، كانت قد دارت، وبدأ العد التنازلي لهذه الحرب، التي نقلت المنطقة من مرحلة إلى أخرى جديدة، أصبح فيها السلام ممكناً، وأصبح ما كان يدعو إليه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، من سلام مع إسرائيل، في ضوء تطبيق قرار الأمم المتحدة الرقم 181، لسنة 1947، يمثل واقعاً جديداً، بعد أن استرد العرب كرامتهم.

موقف الحكومة الإسرائيلية

       وظهر موقف الحكومة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، ومشروع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الجديد، في التقرير الشامل، الذي قدمته جولدا مائير Golda Meir ، رئيسة الحكومة الإسرائيلية، إلى الكنيست، في 25 يوليه 1973، عن نشاط حكومتها تجاه النزاع العربي ـ الإسرائيلي والقضية الفلسطينية والدولة الفلسطينية.

       وقد استهلّت جولدا مائير تقريرها بالإشارة إلى الارتياح لأن إسرائيل في سنة 1973، أكثر قوة ونمواً مما كانت عليه في سنة 1969. وبعد أن زعمت جولدا مائير، أن هدف السياسة الإسرائيلية الرئيسي، هو تحقيق السلام، وصفت هذا السلام بأنه “يحل مكان الترتيبات المؤقتة، الخاصة بالهدنة ووقف القتال. وهو سلام يقوم على حدود دائمة، ومتفق عليها، سلام يضع حدّاً نهائياً لحالة الحرب والنزاع، بل لكل وضع مؤقت. وبغياب السلام، انتهجنا سياسة المحافظة على وقف القتال، على أساس متبادل. وهذه السياسة، وجهت خطواتنا، من الناحيتين العسكرية والسياسية معاً”.

       وزعمت جولدا مائير أن سبب استمرار الوضع الراهن، هو رفض العرب مفاوضة إسرائيل، مع أن إسرائيل أعلنت أنها لن تعود إلى خطوط الخامس من يونيه 1967، لكنها توافق على عقد تسوية جزئية مع مصر في شأن إنهاء حالة الحرب. ثم تطرقت إلى القضية الفلسطينية، والدولة الفلسطينية، فنفت أن يكون هناك مليونان ونصف المليون من الفلسطينيين دون وطن. وأضافت أن “العرب الفلسطينيين يعيشون بين أشقائهم، ذوي الديانة والثقافة واللغة نفسها، والذين يتجمعون في دولهم المستقلـة. ويصرح العرب أنفسهم بأنهم أمـة عربيـة واحدة، مع أنها تتوزع على ثماني  عشرة دولة …”. ثم كررت موقف حكومتها من الدولة الفلسطينية، فقالت: “ليس هناك مكان بين البحر الأبيض المتوسط والصحراء الشرقية، إلا لدولتين فقط: دولة يهودية، وأخرى عربية. إننا نرفض إقامة دولة عربية أخرى”.

       ثم تطرقت جولدا مائير إلى الجسور المفتوحة على نهر الأردن، فأشارت إلى أن نصف مليون عربي، عبَروا هذه الجسور، خلال العامين الأخيرين، بما في ذلك 210 آلاف من سكان المناطق، عبَروا الجسور إلى الأردن وسائر البلاد العربية، ونحو 290 ألفاً من مواطني الدول العربية، زاروا المناطق وإسرائيل، وخصوصاً خلال العطلات الصيفية. وتحدثت أيضاً عن مشكلة اللاجئين، فقالت إن إسرائيل مستعدة، ضمن معاهدات سلام، أن “تدفع تعويضات عن الأملاك العربية المتروكة. وهي مستعدة، أيضاً، أن تقدم مساعدات فنية، لتوطين اللاجئين في البلاد العربية. أمّا بالنسبة إلى اللاجئين الموجودين تحت سيطرة دولة إسرائيل، فسنهتم نحن بتوطينهم. وسنطالب، خلال عقد معاهدات السلام، بإنهاء النزاع العربي ـ الإسرائيلي، والاتفاق على ألاّ تبقى للعرب، بعد ذلك، مطالب من إسرائيل”.

المصادر والمراجع

  1. بيان كميل شمعون (رئيس الجمهوريـة اللبنانية الأسبق) حول مقترحات بورقيبة، يوم 8 يونيه 1965.
  2. جامعة الدول العربية، وثائق القضية الفلسطينية، إدارة شؤون فلسطين، إصدارات جامعة الدول العربية.
  3. جون فوستر دالاس، “حرب أم سلام”، مترجم، القاهرة، 1957.
  4. الحبيب بورقيبة ـ صفحات من حياته”، إصدار الحزب الحر الدستوري التونسي، مطبعة الجريدة التجارية، القاهرة، 1951.
  5. فيلكس فاراس، “بورقيبة ومولد أمة”، ترجمة بو راوي الملوح وعبدالقادر المهيري وقاسم تنفور، منشورات مكتب الصحافة والنشر للحزب الحر الدستوري التونسي، مطبعة العمل، تونس، 1957.
  6. قرارات الأمم المتحدة حول فلسطين (1947-1972)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1973، الطبعة الأولى.
  7. قرارات الأمم المتحدة حول فلسطين 1947-1972، الرقم 181، الخاص بتقسيم فلسطين.
  8. الكتاب السنوي للقضية الفلسطينية لعام 1965،
  9. اللجنة المصرية لتضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، وثائق ندوة السويس الدولية، معركة السويس ـ ثلاثون عاماً، دار الشروق، القاهرة.
  10. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1973، الطبعة الأولى.
  11. مجموعة خطب وتصريحات وبيانات الرئيس جمال عبدالناصر، القسم الخامس: يوليه 1964 – يونيه 1966، وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة.
  12. المطبوعات الأمريكية، الحلقة التاسعة والثلاثون بعد الثلاثمائة من “سلسلة مصر وأمريكا”، خطاب أيزنهاور إلى الكونجرس الأمريكي، 5 يناير 1957.
  13. وثائق الأمم المتحدة، المشروعات المطروحة على الأمم المتحدة خلال الأعوام من 1955 حتى 1957، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  14. وثائق الأمم المتحدة، المشروعات المقدمة للأمم المتحدة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1959.
  15. وثائق الأمم المتحدة، مسح فلسطين، يونيه 1947.
  16. وثائق الخارجية المصرية، وكالة الشؤون السياسية ـ إدارة غرب أوروبا، “الاعتداء البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي”، نشرة الوثائق، الجزء الثانـي.
  17. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 031
  18. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 061
  19. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 067
  20. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 070
  21. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 074
  22. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 097
  23. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 111.
  24. الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1965، الوثيقة الرقم 171.
  25. وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة، ملف وثائق فلسطين، الجزء الأول.
  26. وزارة الإرشاد القومي، ملف وثائق فلسطين، ، الجزء الثانـي.
  27. يوميات هرتزل، إعداد أنيس صايغ، ترجمة هلدا شعبان صايغ.

الجرائد

جريدة “الأهرام”، الصادرة يوم 28 مايو 1965.

جريدة “الثورة” السورية، الصادرة يوم 28 أبريل 1965.

جريدة “الرأي العام” الكويتية، الصادرة يوم 8 ديسمبر 1965.

جريدة “العمل” التونسية، الصادرة  يوم 14 سبتمبر 1965.

جريدة “العمل” التونسية، الصادرة يوم  30 أبريل 1965.

جريدة “العمل” التونسية، الصادرة يوم 23 أبريل 1965.

جريدة “الأهرام”، الصادرة يوم 30 أبريل 1965.

اضغط على الصورة