المقدمة

      تختلف أساسيات الاقتصاد الإسلامي عن الاقتصاديات الوضعية رأسمالية كانت أم اشتراكية، فتعاليم الأول تستقى من مصادر التشريع الإسلامي، وأهمها الكتاب والسنة، تلك المصادر التي تتميز بثوابت لا تتغير، صالحة لكل زمان ومكان؛ لأنها ليست من وضع البشر وإنما هي تنزيل من خالق السماوات والأرض.

      عند مقارنة ذلك النظام بالأنظمة الوضعية نجد أن تلك الأنظمة، فضلاً، عن عدم وضوح الرؤية فيها، قد تعرضت لكثير من الهزات نتيجة التخبط الذي يصاحب سن الأنظمة التي تحكم المتعاملين وتطبيقها. فغني عن البيان ما نتج عن تطبيق النظام الاشتراكي في الدول التي تبنت ذلك النظام من تدهور لبناها التحتية وقطاعاتها الاقتصادية التي لازالت تعاني ذلك التدهور، وستظل تعانيه لعدة سنوات قادمة، وخير دليل على ذلك الجمهوريات السوفييتية ودول أوروبا الشرقية وغيرها من الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي التي كانت الظروف الاقتصادية من الأسباب الرئيسة لتفككها.

      أما النظام الرأسمالي فقد كشفت الأزمات المالية، وخاصة الأخيرة منها في دول شرق آسيا عام 1997م عن إخفاقاته في معالجة تلك الأزمات وأسبابها. ففي ظل النظام الرأسمالي تعمل حرية سعر الصرف لعملة الدولة نظرياً على زيادة الكفاءة الاقتصادية من حيث استغلال الموارد الاستغلال الأمثل، ولكن بعد تفجر تلك الأزمة اتضح أن هناك فرصة لبعض المستثمرين لتحقيق أرباح عالية إذا ترك سعر الصرف لعوامل العرض والطلب في السوق المالية. ونتيجة لذلك وضعت كثير من الدول قيوداً على حركة رؤوس الأموال من الدولة المتضررة وإليها؛ مما يعني إخفاق النموذج الاقتصادي الرأسمالي التعامل مع تلك الظروف عملياً.

      وتهدف هذه الدراسة إلى إعطاء القارئ فكرة موجزة عن تلك الأنظمة الاقتصادية مع أن بعضها لم يعد له وجود على الساحة العملية، ولكن من المهم في نظرنا الإلمام بأساسيات تلك الأنظمة الوضعية وخصائصها وعيوبها بشقيها الرأسمالي والاشتراكي، إضافة إلى اقتصاديات السوق التي تعد صورة تطبيقية للنظام الرأسمالي.

أولاً: تاريخ النظم الاقتصادية

      تدل دراسة التاريخ الاقتصادي أن المجتمعات التي وصلت اليوم إلى درجة عالية من التقدم الصناعي قد مرت منذ القدم بمراحل مختلفة، إذ بدأت بنظام الاكتفاء الذاتي الفردي حيث كان كل فرد يعتمد على نفسه فقط في الحصول على ما يحتاج إليه. وفي ظل هذا النظام البدائي في فترة ما قبل التاريخ، كان الإنسان يكافح ويجاهد لحماية نفسه من قسوة الطبيعة ولزيادة إنتاج ما يحتاج إليه مع الاقتصاد في مجهوده.

      وتدل دراسة هذا النظام البدائي على أن الإنسان كان يعتمد في صراعه مع الطبيعة على أدوات بدائية وبسيطة. مثل العصي والحجارة المدببة والقوس والبلطة الحجرية في عدة أغراض مثل الدفاع عن النفس وجمع الثمار.

      ثم كانت بعد ذلك مرحلة أخرى من مراحل التطور تميزت بممارسة الزراعة وتربية الماشية والالتجاء إلى الري واختراع المحراث والمنجل والعربة ذات العجلات.

      وقد ساعد اكتشاف النار والمعادن وصناعة الأدوات الإنسان في صراعه مع الطبيعة وقسوتها.

1. النظام الاقتصادي البدائي

      إن الحياة المعاصرة التي نحياها، بكل ما بها من متع وخيرات وأمن وحماية، إنما هي من الأمور الحديثة جداً في تاريخ البشرية. ذلك أن الإنسان عاش الجزء الأكبر من تاريخه في حالة بدائية. فمنذ بدء الخليقة قبل ملايين السنين وهو يواجه الطبيعة بكل ما بها من قسوة، فكان عرضة للزلازل والبراكين والفيضانات والحيوانات المتوحشة، فظل يسعى جاهداً لتحقيق مزيد من الإنتاج؛ لإشباع حاجاته المتعددة.

      وبدأ الإنسان في التجمع والسكن في الكهوف والمغارات والاعتماد في سد حاجاته من الغذاء على ثمار الأشجار، واصطياد الحيوانات والأسماك، وكانت مرحلة اكتشاف النار مهمة للإنسان، إذ جعلته يطهو طعامه وأصبح بإمكانه أن يعيش في مناطق باردة، وحقق لنفسه أداة جديدة يمكن الاعتماد عليها في حماية نفسه من مخاطر الحيوانات المفترسة، وقد كان يعتمد على الأحجار وأغصان الشجر في الدفاع والصيد والقنص.

      وقد تمكن لإنسان البدائي من تطوير هذه الأدوات واستخدامها في تعبيد الأرض لأغراض الزراعة. ومع اكتشاف الزراعة بدأت مرحلة التخصص في الإنتاج والتبادل بين أفراد الجماعة، حيث كان منهم من يعمل بالصيد والرعي، ومنهم من يعمل بالزراعة.

      إلا أن الصيد كان النشاط الرئيس الذي اعتمد عليه الإنسان في ظل النظام البدائي، واستطاع بعد ذلك أن يسيطر على قوى الطبيعة، وانتقل من مزاولة نشاط الصيد البدائي إلى استئناس بعض الحيوانات مثل الماعز والحصان. ثم اتجه بعد ذلك إلى تعلم الزراعة البدائية، واستعان بالحيوانات على حرث الأرض، وكانت الزراعة محدودة. فقد كانت ملكية الأرض على الشيوع، والقوي من الأشخاص في هذه الجماعة البدائية كان يستأثر بنصيب الأسد، ويترك الباقي لمن هو أضعف منه. وطبيعي أن يكون الإنسان البدائي أنانياً وشرساً في معاملاته بفعل قسوة الطبيعة التي يتعامل معها. وشيئاً فشيئاً أصبحت الملكية مقسمة بين القبائل. حيث لكل قبيلة أراضيها سواء مخصصة للري أو مخصصة للزراعة، ولا يشاركها فيها القبائل الأخرى.

      وبزيادة الجهد تمكن الإنسان في النظام البدائي، من تطوير أدوات إنتاجه وزيادة إنتاجيته فأصبح في إمكانه أن ينتج أكثر من حاجته، وبالتالي أصبح هناك فائض ادخار؛ مما أدى إلى تمتعه بالملكية الفردية، وبظهور الوفرة في الإنتاج والملكية الفردية أصبح الإنسان في حاجة إلى المزيد من الأيدي العاملة المنتجة، وبالتالي لم يعد، في ظل النظام البدائي، يقتل عدوه الأضعف منه، ولكنه استخدمه أسير حرب في الإنتاج. ومن هنا نشأ ما يسمى “نظام الرق” لأول مرة.

2. نظام الرق

      يرجع مفهوم الرق إلى آراء الفلاسفة اليونانيين: أمثال أفلاطون وأرسطو؛ إذ إنهم لاحظوا أن العمل اليدوي في مجال الإنتاج الزراعي والحرفي كان في مرتبة أدنى ولا يليق بالأحرار الذين يعملون بالفكر والحرب والدفاع، وهكذا أصبح كل ضعيف أو مقهور أو مغلوب على أمره ضمن الرقيق، وأصبح كل قوى متمتعا بحقوقه وحريته ومن طبقة السادة أو الأحرار. وفي ظل نظام الرق تطورت أدوات الإنتاج على نحو مكن الإنسان من زراعة نباتات جديدة كالكروم والزيتون.

      في ظل هذا النظام انقسم المجتمع إلى طبقتين متميزتين هما: طبقة الأحرار الذين يتمتعون بكل الحقوق والحريات، وطبقة الأرقاء المحرومين من كل حق أو حرية، ورغم أنهم القوى الإنتاجية البشرية الرئيسة للإنتاج في المجتمع؛ انقسمت طبقة الأحرار إلى فئتين : السادة وهم كبار الملاك العقاريين، وهم في الوقت نفسه كبار ملاك الرقيق، والعامة وهم صغار المنتجين من مزارعين وحرفيين، الذين كانوا يستخدمون عدد محدوداً من الرقيق كذلك.

      بالإضافة إلى هاتين الفئتين كانت هنالك فئة ثالثة تضم الأفراد العاطلين عن كل عمل حيث تتولى الدولة إعالتهم.

      وقد تميز نظام الرق بعدم العدالة في التوزيع، لأن ما ينتجه الرق يذهب بالكامل لصالح سيده، ولا يحصل الرقيق على ما يكفي لسد حاجته الضرورية أو لضمان استمرار حياته.

      وكان الأرقاء جزءاً من وسائل الإنتاج، فهم جزء من أشياء كالأرض والحيوانات والآلات.

      ونتيجة للظروف السيئة التي كان يعيشها الرقيق قاموا بثورات متعددة مطالبين بتحريرهم، إلى أن أدرك السادة أن من الأفضل تحريرهم وإعطاءهم مساحات من الأرض حتى يزداد الإنتاج ويتوفر لديهم الحماس. وهكذا انتهى نظام الرق ليتحول فيما بعد إلى نظام الإقطاع.

3. النظام الاقتصادي الإقطاعي

      ترجع نشأة النظام الإقطاعي إلى عهد الرومان. إلا أن معالمه الحقيقة لم تظهر بوضوح إلا ابتداء من القرن التاسع الميلادي، ووصل إلى قمته خلال القرن الثالث عشر، ثم بدأ بعد ذلك في الاضمحلال تدريجياً. وليس هناك اتفاق بين المؤرخين حول حادث معين أو تاريخ معين لنشأة النظام الإقطاعي.

      بدأ نظام الإقطاع باقتطاع الملاك والأمراء مساحات من الأراضي إلى من يدينون لهم بالولاء، وذلك مدى حياتهم، ثم أصبح ذلك أمراً وراثياً، ويقوم هؤلاء النبلاء الذين حصلوا على الأرض باقتطاع مساحات منها إلى من يدين لهم ولأميرهم وملكهم بالولاء، ومن هنا بدأ الاتجاه نحو تطبيق نظام الحكم المحلي بدلاً من نظام الحكم المركزي، إذ يمكن القول أن الضيعة أو الإقطاعية كانت وحدة سياسية واجتماعية واقتصادية. فهي وحدة سياسية لأن أحد الأسياد أو النبلاء أو رجال الكنيسة كان يملكها ويكون له حق الحصول على دخل منها، وله فيها سلطات واسعة، كسلطة جمع الضرائب وتعبئة السكان وقت الحرب. وتعد الضيعة أو الإقطاعية وحدة اجتماعية؛ لأنها تتكون من مجموعة من الأفراد يعيشون معاً في قرية صغيرة، وتربطهم عادات خاصة بهم. وتعد الضيعة أو الإقطاعية وحدة اقتصادية؛ لأن كل من أفرادها كان يعتمد على مبدأ الاكتفاء الذاتي، حيث يتعاونون في زراعة الأرض وإعدادها للإنتاج ويشتركون في دفع الضرائب للسيد والكنيسة.

      وتدل دراسة تاريخ أوروبا الاقتصادي خلال القرون الوسطى أن المدن القديمة سقطت تحت سلطان السادة الإقطاعيين، وأّرغم أهلها على فلاحة الأرض المحيطة بها، وترتب على ذلك اندثار بعض المدن، وتحول بعضها إلى قرى. ولذلك فإن المرحلة الأولى للإقطاع قد تميزت باندثار معالم المدنية، وسيادة الريف وزيادة أهمية النشاط الزراعي على حساب النشاطين الصناعي والتجاري. وهكذا أصبحت الإقطاعية الوحدة السياسية للنظام الإقطاعي في أوروبا في القرون الوسطى، كما أصبحت كذلك الوحدة الاقتصادية والاجتماعية.

      نخلص مما تقدم إلى أن الزراعة كانت تحتل المركز الأول في اقتصاديات الدول الأوربية حتى منتصف القرن التاسع عشر. وكان الدخل من قطاع الزراعة، حتى ذلك التاريخ، أكبر من الدخل من قطاع الصناعة أو من قطاع الخدمات.

      وقد جرت عادة الاقتصاديين على تقسيم النشاط الاقتصادي إلى ثلاث قطاعات هي: الزراعة، والصناعة، والخدمات. وإذا رجعنا إلى الإحصاءات، نجد أن نسبة المشتغلين بالقطاع الأول كانت أكبر من نسبة المستغلين بالقطاعين الثاني والثالث، وذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر. فمنذ قيام الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بدأت نسبة المشتغلين بقطاعي الصناعة والخدمات تزداد وفي الوقت نفسه قلت نسبة المشتغلين بالزراعة، وقد اشتهر نظام الإقطاع بنمو الطوائف الحرفية وطبقة الصناع الذين أخذوا على عاتقهم توفير احتياجات المجتمع من الصناعات الحرفية. ويتكون نظام الطوائف الحرفية من عدد من (الأسطوات) أو المعلمين في كل حرفة على حدة. ويقوم (الأسطى) أو المعلم بمباشرة حرفته بمساعده عدد من الحرفيين والصبية.

      وقد تميز العصر الإقطاعي كذلك بنمو التجارة والمدن التجارية؛ مما أدى إلى تكوين طبقة من كبار التجار الأغنياء داخل كل مدينة، وقد ساهمت طبقة التجار والمدينة عموما في تقويض نظام الإقطاع ذاته، فمن ناحية أصبحت المدينة مقصداً للهاربين من وطأة حكم الإقطاع وظلمه داخل الريف، ومن ناحية أخرى كان لدى الأغنياء من تجار المدن المال الذي ساهم في نشأة النظام الرأسمالي.

أولاً: خصائص النظام الإقطاعي

      تميز النظام الإقطاعي الذي ساد أوروبا في العصور الوسطى، بعده خصائص يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. كان النظام الاقتصادي يقوم على الإقطاعيات أو الضيعاتManorsوالإقطاعية أو الضيعة قرية تحوطها الأسوار، وتخترقها الشوارع، ويحدها الفضاء الفسيح من الخارج، وبها كان كنيسة ومبنى كبير يطلق عليه اسم Town Hall. وإلى جانب الحقول المزروعة كانت بالإقطاعية الغابات والمراعى الدائمة. وكانت أراضي الإقطاعية تقسم إلى قطع كبيرة ( كل منها حوالي عشرة أفدنة).
  2. اقترن النظام الإقطاعي بالعبودية، وبصفة خاصة في قطاع الزراعة، فأرض الإقطاعية أو الضيعة كانت تقسم إلى قسمين: أرض تخص السيد الإقطاعي وهى تزرع لحسابه، وقد أطلق عليها اسم “الدومين”، والأرض الباقية تقسم إلى شرائح توزع على الفلاحين مقابل ما يؤدونه للسيد من أعمال في أرضه الخاصة، وهذا ما يعرف “بالريع العيني”، ومع نمو المدن عرف ما يسمى بـ “الريع النقدي” الذي كان يدفعه رقيق الأرض. وهكذا نرى كيف أن النظام الإقطاعي قد اقترن فعلاً بالعبودية؛ لأن العبيد الذين كانوا يعملون في الأرض لم يكن لهم حق اختيار العمل أو السيد، بل كان عليهم قضاء خدمات معينة في شكل جزية تدفع للسيد نقداً أو عيناً.
  3. تميز النظام الإقطاعي بمستوى منخفض جداً من الفن الإنتاجي، وبساطة تكلفة أدوات الإنتاج المستخدمة وصغرها، أمّا تقسيم العمل فلم يكن موجوداً في ظل هذا النظام إلا في صورة بدائية.

ثانياً: طرق الزراعة في ظل النظام الإقطاعي

      كانت الزراعة تتم بإحدى ثلاث طرق هي:

  1. نظام الحقل الواحدOne field system

      ويتميز هذا النظام بزراعة جميع المحاصيل في حقل واحدة عدة أعوام متتالية الأمر الذي يؤدي إلى قلة إنتاجية الأرض بسبب نقص خصوبتها فيضطر المزارع إلى الهجرة إلى حقل آخر… وهكذا.

  1. نظام الحقلينTwo field system

      ويقوم هذا النظام على أساس تقسيم الأرض إلى قسمين، يزرع أحدهما ويترك الآخر بدون زراعة على أن يعكس الوضع في العام التالي.

      ويهدف هذا النظام في الزراعة إلى تجديد خصوبة الأرض، بحيث لا يصبح المزارع مضطراً إلى الانتقال إلى مناطق جديدة، كما هو الحال في ظل نظام الحقل الواحد، مما لا شك فيه أن هذا النظام أقل تبديداً للأرض التي كانت تُعد في ذلك الوقت المورد الرئيس للثروة والدخل القومي.

  1. نظام الحقول الثلاثةThree field system:

      وفي ظل هذا النظام كانت الأرض تقسم إلى ثلاثة أقسام مستطيلة الشكل يزرع اثنان منها فقط كل عام، على أن يترك الثالث دون زراعة ليسترد خصوبته، فإذا كان لدينا ثلاثة حقول أ، ب، ج يكون نظام الزراعة كالأتي:

في العام الأول يزرع أ قمحاً، ويزرع ب شعيراً، ويترك ج بدون زراعة.

وفي العام الثاني يزرع أ شعيراً، ويزرع ج قمحاً ويترك ب بدون زراعة.

وفي العام الثالث يزرع ب قمحاً، ويزرع ج شعيراً، ويترك أ بدون زراعة.

      ولا شك أن هذه الطريقة للزراعة أقل تبديداً للأرض من سابقتها. ولكنها، رغم ذلك، تؤدي إلى تبديد جزء من الأرض الزراعية يمثل ثلث الطاقة الإنتاجية ويرجع ذلك إلى جهل المزارعين، في تلك الفترة من التاريخ، بنظام الدورات الزراعية والأساليب العلمية الحديثة للزراعة التي تعتمد بصفة أساسية على المخصبات الكيماوية، وفي ظل هذه الطرق للزراعة التي سادت عصر الإقطاع، كان كل مزارع يقوم بزراعة عدة شرائح متفرقة في القطاعات المتعددة للإقطاعية. والواقع أن تفرق الشرائح التي كانت تخص كل مزارع يرجع إلى عدة أسباب:

ـ يرى بعض المؤرخين أن هذه الظاهرة ترجع إلى فكرة العدالة التي سادت العصور الوسطى والتي ظهر أثرها في تلك الحقبة من التاريخ في جميع نواحي الحياة السياسية والاجتماعية. فعندما كان السيد يوزع أراضي الإقطاعية على المزارعين كان يراعى تساوي أنصبتهم، لا من حيث المساحة فقط، بل ومن حيث درجة خصوبتها كذلك. ولما كانت درجات خصوبة الأرض الزراعية في الإقطاعية الواحدة متفاوتة، كان من الضروري تقسيمها إلى قطع كبيرة ثم تقسيم كل قطعة كبيرة إلى شرائح حسب تفاوت درجة خصوبتها، وتوزيعها على المزارعين بطريقة عادلة. ومن الواضح أن ذلك يؤدي إلى تفرق الشرائح التي يحصل عليها كل مزارع في الضيعة.

ـ وفي رأي فريق ثان أن هذه الظاهرة ترجع إلى أن الأرض الزراعية كانت في بادئ الأمر محدودة، وموزعة جميعها على المزارعين في الضيعة، مما أدى إلى تفرق الشرائح التي كانت تخص كل منهم.

ـ بينما يرى فريق ثالث أن تفرق الشرائح التي كانت تخص كل مزارع في الإقطاعية إنما يرجع إلى فعل عامل الوراثة.

      وكان المزارعون يتبعون نظاماً معيناً للمحافظة على خصوبة الأرض الزراعية، ويتلخص في ترك جزء من الأرض دون زراعة، واستخدام السماد الطبيعي وتنفيذ نظام الدورة الزراعية.

      وكانت الإقطاعية تضم، بجانب الأراضي الصالحة للزراعة، أراضي مخصصة للرعي، يستخدمها الجميع أي النبلاء والعبيد. وكان العرف يحدد عدد الحيوانات التي يسمح بها لكل إقطاعية، أما الأراضي البور في الإقطاعيات فكانت تستخدم لرعي الخنازير، كما كان لكل شخص حقوق معينة من حيث إمكان قطع الأخشاب والوقود في الغابات.

ثالثاً: طبقات المجتمع في ظل النظام الإقطاعي:

      كان المجتمع في ظل النظام الإقطاعي ينقسم إلى طبقتين هما: طبقة العبيد وطبقة النبلاء.

  1. طبقة العبيد:يجب التفرقة بين عبيد الأرض والعبيد الذين يتم شراؤهم بالمال، فعبيد الأرض كانت لهم بعض الحقوق على الأرض التي يزرعونها، وكانوا يستغلون جزءاً من الوقت لحسابهم الخاص وكان لهم ـ في بعض الدول ـ حق الهجرة من الضيعة مقابل ترك الأرض التي يزرعونها وكل ما يملكون. وفيما عدا هذه الفوارق البسيطة فعبيد الأرض كانوا في كثير من الأحيان لا يفترقون عن العبيد المشترون بالمال.

      وكانت على طبقة العبيد التزامات كثيرة، فمثلاً: كان على أبنائهم أن يعملوا خدماً بمنزل السيد الذي له حق بيعهم. وكان على العبيد كذلك أن يطلبوا الإذن لهم بالزواج، ولم يكن من حقهم أن يصبحوا من الرجال الأحرار إلا بموافقة السيد، وأكثر من ذلك فقد كان العبيد مرتبطين بالأرض ولا يستطيعون تركها إلا بموافقة السيد.

      إلا أن التزامات العبيد كانت تختلف من دولة إلى أخرى: فمثلاً، كان العبيد في ألمانيا ملزمين بالخدمة في منزل السيد حتى سن الخامسة والثلاثين، بينما كانوا في روسيا ملزمين بالخدمة في منزل السيد مدى الحياة، وفي فرنسا كانوا ملزمين بدفع جزية إلى سادات الإقطاع بالإضافة إلى إيجار الأرض. أما الطبقات القادرة مثل النبلاء ورجال الكنيسة فقد تهربوا من دفع الجزء الأكبر من الضرائب، وأصبحت الطبقات الفقيرة هي التي تتحمل عبئها. علاوة على ما تقدم، فقد كان العبيد ملزمين بالعمل في أرض السيد بضعة أيام كل أسبوع نتيجة منحهم الأرض. هذا العمل ـ الذي يقوم على السخرة ـ تختلف عدد أيامه من دولة لأخرى. بالإضافة إلى ذلك فقد كان العبيد ملزمين باستخدام جميع حيواناتهم في أرض الأسياد.

  1. طبقة النبلاء:تتولى هذه الطبقة حماية العبيد والدفاع عنهم ضد أي اعتداء كما توفر لهم الآمن وتكفل لهم الغذاء في زمن المجاعة. وأهم من ذلك فطبقة النبلاء هي التي تمد العبيد برأس المال اللازم للزراعة؛ ومن جهة أخرى، كان النبيل يضطلع بالمسؤولية الإدارية للإقطاعية؛ فهو الحاكم المحلى، وهو الذي ينظم الأحوال الاقتصادية بصفة خاصة التجارة العابرة ويكفل الرقابة على الأسواق، وهو القاضي الذي يفصل في المسائل المدنية، والجنائية أحياناً.

      والواقع أن هذه الالتزامات من جانب طبقة النبلاء كانت أحد الأسباب التي ساعدت على نشأة النظام الإقطاعي؛ حيث تنازل الفلاحون عن أراضيهم للنبلاء مقابل أن يخلع هؤلاء حمايتهم عليها، ولا سيما إزاء عجز الحكومات المركزية البعيدة عن تحقيق هذا الهدف. وقد ساهمت في ذلك ظروف المجتمع الإقطاعي والتي كانت تقوم على العبيد، فالعبد ـ كما هو معروف ـ معدم لا يملك رأس المال. ومن ثم كان من المستحيل تملكه الأرض. ويكفي أن نذكر أن المزارع في روسيا لم تكن لدية الإمكانات المادية اللازمة لحفر آبار أو شراء الآلات الرافعة، بل اكثر من ذلك، لم يكن في استطاعته شراء الحبال اللازمة لرفع مياه الآبار. لذلك فقد كان السيد الإقطاعي يقيم طاحونة الهواء لتمد العبيد بالماء.

رابعاً: مساوئ النظام الإقطاعي

يمكن تلخيص مساوئ هذا النظام فيما يلي:

  1. نظام تقسيم الأرض إلى شرائح وإعطاء المزارع عدداً منها تفصلها عن بعضها مسافات كبيرة، أدى إلى ضياع جزء كبير من الوقت والجهد، ويكفي أن نذكر هنا، على سبيل المثال، أن المزارع في روسيا كان يحصل على عدد من الشرائح يتراوح بين 20 و40 شريحة من الأرض ووصل في بعض الحالات إلى 100 شريحة تفصلها عن بعضها مسافات تراوح بين 15 و20 كم. ويعنى ذلك أن المزارع كان يضيع من وقته عدة أيام لمجرد الانتقال من شريحة إلى أخرى.
  2. إن تقسيم الأرض الزراعية في الإقطاعية إلى قطع كبيرة، ثم تقسيم كل قطعة إلى شرائح صغيرة، أدى إلى إسراف في استخدام الأرض القابلة للزراعة نتيجة ترك مسافات كبيرة لتكون حدوداً فاصلة بين القطع المختلفة وكذلك بين الشرائح المتعددة.
  3. أدى اتباع نظام الحقول المفتوحة إلى تبديد جزء من الأرض، نتيجة تركها بدون زراعة، ففي ظل نظام الحقلين كان هناك تبديد لنصف مساحة الأرض الزراعية، وفي ظل نظام الحقول الثلاثة كان هناك تبديد لثلث مساحة الأرض الزراعية، ومن الواضح أنه لو طبق نظام الدورات الزراعية لأمكن الاستفادة من هذه الأراضي.
  4. أدى اتباع نظام الحقول المفتوحة إلى جمود التقدم الفني في أساليب الزراعة وطرقها، إذ كان المزارعون يزرعون الحاصلات نفسها، بالطريقة ونفسها، وفي الوقت نفسه من كل عام.
  5. من أعظم مساوئ النظام الإقطاعي ما كان ينطوي عليه من ظلم اجتماعي يقع على عاتق طبقة العبيد.

خامساً: العوامل التي أدت إلى تلاشي النظام الإقطاعي

  1. الثورة الصناعية

      لا شك أن الثورة الصناعية كانت أهم العوامل التي أدت إلى تلاشي النظام الإقطاعي ويتفق الاقتصاديون في إطلاق تسمية الثورة الصناعية Industrial Revolution على التغيرات الهائلة التي حدثت في الهيكل الصناعي لإنجلترا في الفترة من عام 1760 حتى عام 1830م. فالواقع أن المخترعات العظيمة التي ظهرت في فروع الصناعة المختلفة، وخاصة صناعة الغزل والنسيج، وصناعة التعدين، وتوليد القوى المحركة… الخ. وما ترتب عليها من نتائج، كانت سبباً في إطلاق تسمية ” الثورة الصناعية”.

      ولا يعني تحديد عام 1760م بالذات بداية للثورة الصناعية، أنه لم يكن هناك تقدم فني في طرق الإنتاج الصناعي ووسائله قبل هذا التاريخ؛ فمنذ أن أصبحت الصناعة حرفة مستقلة في القرن الثاني عشر الميلادي، حدث تقدم ملموس في طرق الصناعة ولكن هذا التقدم كان بطيئاً؛ إذ استغرق ستة قرون من الزمان، بعكس ما حدث خلال الفترة من 1760 إلى 1830م؛ إذ كان التقدم سريعاً لدرجة مذهلة.

      أما تحديد عام 1830م نهاية للثورة الصناعية، فلا يعنى إطلاقاً نهاية التقدم الفني في طرق الإنتاج الصناعي ووسائله، ولكنه يعني فقط نهاية الفترة التي شهدت التغيرات الكبيرة في الهيكل الصناعي بإنجلترا وما ترتب عليها من نتائج بالغة الأهمية. فالتقدم الفني سيظل مستمراً حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولعلنا نذكر في هذا المجال التغير الكبير في طرق الإنتاج الصناعي ووسائله في الدول الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وألمانيا الغربية، وإنجلترا، وفرنسا، إلخ الذي حدث من عام 1950م، فمنذ ذلك التاريخ أدخل نظام الآلية؛ إذ أصبحت الآلات تدار أوتوماتيكياً أي دون الحاجة إلى العمال، إلا في بعض العمليات الخاصة، لقد كان هذا التطور هائلاً لدرجة أن البعض أطلق عليه تسمية “الثورة الصناعية الثانية” وترجع هذه التسمية إلى صغر الفترة التي تم خلالها هذا التطور الهائل في وسائل الإنتاج، فهي لم تزد على خمس سنوات (1950ـ1955م)، وكذلك إلى الآثار البالغة التي تركها هذا التقدم الفني.

      إن إطلاق تسمية ثورة صناعية على التقدم الفني في طرق ووسائل الصناعة يستدعى توافر ثلاثة شروط:

ـ أن يكون هذا التقدم كبيراً وهائلاً.

ـ أن يكون هذا التقدم سريعاً ومفاجئاً، أي يحدث خلال فترة قصيرة من الزمن.

ـ أن يكون لهذا التقدم الفني آثار ذات أهمية كبرى على الهيكل الاقتصادي وعلى العلاقات الاجتماعية.

وللإلمام ببعض جوانب الثورة الصناعية ينبغي دراسة النقاط الآتية:

أ. العوامل التي ساعدت على قيام الثورة الصناعية

      لم تقم الثورة الصناعية في جميع الدول في وقت واحد. فقد بدأت في إنجلترا في عام 1760، إلا أنها لم تبدأ في فرنسا إلا عام 1815م. ثم تأتي بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، إذ بدأ التطور الصناعي بها منذ منتصف القرن التاسع عشر. أما في الاتحاد السوفيتي فإن التطور لم يظهر بوضوح إلا بعد عام 1860 وفي ألمانيا بعد عام 1870م ويرجع ذلك لاختلاف الظروف الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.

وفيما يلي أهم العوامل التي ساعدت على قيام الثورة الصناعية:

(1) انتصار سياسة الحرية وعدم التدخل الحكومي

      أسرفت الحكومات في التدخل في أعمال الأفراد وأقامت من نفسها وصياً على الصناعة والتجارة، تصدر لهما الأوامر والقوانين، وتضع لهما الخطط وتفرض اتباعها. وقد وضح للجميع فيما بعد أن هذه السياسة قد أدت إلى خمول التجارة وضعف الإنتاج والتقدم الصناعي. لذلك فقد انهار مذهب التدخل الحكومي وبدأ المذهب الحر في الانتشار. وقد صادف هذا التحول في الفكر الاقتصادي قيام الثورة الصناعية في إنجلترا. وكان من ذلك أن تمتع الأفراد بحريات كبيرة في ميادين التجارة والاستثمار والإنتاج والتسويق. ولقد شرح أدم سميث Adam Smith في مؤلفه المشهور “ثروة الأمم Wealth of Nations”، الذي أصدره عام 1776م، الطريقة التي تزيد بها ثروة الأمة والطريقة التي يجب أن توزع بها هذه الثروة.

      وكان من نتيجة انتشار هذه الأفكار أن تبعت معظم الدول الأوروبية سياسة الحرية. فأصبح الباب مفتوحاً للأفراد لدخول ميادين الإنتاج المختلفة، وخفضت الضرائب المفروضة على رؤوس الأموال المستثمرة في الصناعة، وصدرت القوانين لتحمى حقوق الاختراع.

(2) توافر رأس المال

      لقيام نهضة صناعية يجب توفر رأس المال حتى يمكن تمويل الأبحاث والآلات والمخترعات العظيمة. ويجب توجيه رأس المال أو قدر كبير منه إلى إنتاج السلع الإنتاجية اللازمة لإنتاج السلع الاستهلاكية.

      وقد أسهم كبار التجار بقدر كبير من رأس المال اللازم للصناعة. كما أن بعض المخترعين كانوا من طبقة الأغنياء، فتولوا تمويل مخترعاتهم من أموالهم الخاصة. واعتمد البعض على الافتراض الآخر بالاقتراض إما من طبقة التجار الأثرياء وإما من البنوك المحلية.

      ولعل من أهم الأسباب التي ساعدت على قيام الثورة الصناعية في إنجلترا قبل غيرها من الدول الأوروبية، أنها استطاعت أن تحصل على رأس المال اللازم لتمويل الصناعة الناشئة نتيجة اتساع تجارتها الخارجية خلال القرن الثامن عشر. ولاشك أن الفضل في ذلك إنما كان يرجع إلى تجارتها مع مستعمراتها في أمريكا والهند؛ إذ تمكن التجار البريطانيون من الحصول على أرباح ضخمة ولاسيما من تجارة الدخان والتوابل والسكر؛ إذ كانت إنجلترا مركزاً مهماً لتوزيع هذه السلع خلال القرن الثامن عشر الميلاد.

(3) زيادة السكان

      زادت معدلات نمو السكان زيادة كبيرة قرب نهاية القرن الثامن عشر وانخفضت معدلات الوفيات نتيجة لانتشار الوعي الصحي. وقد ساعدت زيادة السكان كثيراً على قيام الثورة الصناعية وتقدمها بخطى سريعة، ويرجع ذلك إلى سببين:

(أ)  أدت زيادة السكان إلى زيادة عرض العمل، ولاشك أن توافر الأيدي العاملة بأجور معقولة يساعد كثيراً على تقدم الصناعة، وخاصة إذا كانت في مهدها.

(ب) من المعروف أن زيادة السكان تعني زيادة الطلب على السلع والخدمات الاستهلاكية وبذلك يتسع حجم السوق وتنمو الصناعات المختلفة، حيث لا تواجهها مشكلة التخلص من الإنتاج.

(4) السيطرة على اقتصاديات بعض الدول

      عند قيام الثورة الصناعية كانت بعض الدول الأوروبية تتحكم في اقتصاديات عدد كبير من الدول خارج القارة الأوربية وخاصة في أفريقيا وآسيا. وكانت هذه الدول مورداً تحصل منه الدول الأوروبية على ما تحتاجه من المواد الأولية وفي الوقت نفسه كانت سوقاً لتصريف منتجاتها تامة الصنع، وذلك لأن الاستهلاك شرط ضروري للإنتاج.

(5) تقدم وسائل النقل والمواصلات

      من أهم نتائج الثورة الصناعية تقدم وسائل المواصلات ورخص تكلفة النقل؛ حيث اتسع حجم السوق، وأمكن استخدام المواد الأولية بكثرة؛ بما أدى إلى زيادة كبيرة في الإنتاج. وقد ترتب على ذلك كبر حجم المشروعات وتطبيق مبادئ تقسيم العمل، والاستفادة من وفورات الإنتاج الكبير، مما ساعد كثيراً على تخفيض تكلفة الإنتاج وجعل الإنتاج نمطياً.

ب. نتائج الثورة الصناعية

(1) هجرة السكان من الريف وتركزهم في بعض المدن

      لقد كان من أهم نتائج الثورة الصناعية زيادة السكان، وقد صاحبت هذه الزيادة الكبيرة في السكان هجرة الكثير منهم من الريف، حيث أغرتهم المصانع التي أقيمت في المدن وخاصة الأجور المرتفعة. وقد ساعد على هذا الاتجاه انه في الوقت نفسه الذي كانت فيه سبل العمل في المدن آخذة في الاتساع، وكانت موارد الرزق للزارع الصغير آخذة في النقصان.

      وقد سببت هجرة السكان من الريف للمدن كثير من المشكلات وعلى رأسها مشكلة المساكن. ويرجع ذلك إلى زيادة المساكن في المدن كانت تتمشى مع سرعة تزايد عدد السكان. بالإضافة إلى ذلك كان العمال الجدد القادمون من الريف يرغبون في الإقامة على مقربة من المصانع، وقد أدى ذلك إلى ازدحام العمال في مناطق معينة بالمدن، فنشأت، بأغلب المدن الأوروبية الكبرى، أحياء لسكنى العمال الفقراء، تتميز بضيق طرقها وسوء إضاءتها، وكثرة قاطنيها، وبدائية مساكنها، ولا يزال بعض من هذه الأحياء قائماً حتى اليوم في بعض المدن الكبرى مثل لندن وباريس، أما عن تركز الصناعة في مدن أو مناطق معينة، فان هذا يرجع إلى ضرورة القرب من مصادر القوة المحركة وخاصة المياه والفحم أو المواد الأولية وخاصة الحديد.

(2) كبر حجم الوحدات الإنتاجية

      من أهم مظاهر الثورة الصناعية كبر حجم الوحدة الإنتاجية وخاصة في صناعة الغزل والنسيج وصناعات التعدين. حيث احتشد فيها مئات بل آلاف العمال. وقد كانت مصانع الحديد والصلب أكبر حجماً من فروع الصناعات الأخرى. وأدت زيادة حجم الوحدات إلى التمتع بوفورات الإنتاج الكبير عن طريق خفض التكلفة.

(3) دور النزعات الاحتكارية في الصناعة

      أدى كبر حجم المشروعات الإنتاجية إلى ظهور النزعات الاحتكارية، وهو اتجاه نحو تجميع عدد كبير من المنشآت المهمة في الصناعة الواحدة تحت إدارة موحدة مشتركة. وقد اتخذت النزعات الاحتكارية عدة أشكال: ففي الولايات المتحدة الأمريكية، كان الشكل الغالب هو “الترست Trust “الذي ظهر حوالي عام 1890م، وهو يعني اندماج عدة مشروعات تحت إدارة واحدة، على أن يفقد كل منها استقلاله الإداري وشخصيته المعنوية. أما في ألمانيا فقد كان الشكل الغالب هو “الكارتل Cartel” ـ نقابات العمال ـ وهو اتفاق بين عده مشروعات من نوع واحد على عدم المنافسة بينها، مع الاحتفاظ بشخصية كل منها، والاستقلال في جميع المسائل التي لا يتناولها الاتفاق.

(4) ظهور المصانع واستخدام الآلات

      أدى ظهور المصانع الكبيرة واستخدام الآلات إلى انفصال تام بين طبقات الممولين والعمال والمديرين، على عكس الحال في ظل نظام الحرف في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، حيث بدأت الصناعة تظهر لأول مرة جزءاً مستقلاً من النشاط الاقتصادي. وقد ترتب على ذلك:

      تحول الصناعة إلى النظام الرأسمالي، وتكوين طبقة من الرأسماليين لأن ارتفاع ثمن الآلات، وضرورة بناء المصانع الكبيرة، جعل فئة الأغنياء قادرة على تمويل الصناعة دون غيرها.

زيادة نفوذ أصحاب الأموال المشتغلين بالصناعة. وقد كان هذا أمراً طبيعياً لأنهم أصبحوا مسيطرين على أهم عناصر الإنتاج: من مباني المصنع، والآلات، والقوى المحركة، والمواد الخام، إلخ. أما عنصر العمل فقد أخذت أهميته تقل كلما ظهرت مخترعات جديدة.

(5) ارتفاع مستويات المعيشة

      زادت الثورة الصناعية من أهمية الآلات ونفوذ أصحاب العمال وقللت من أهمية العامل باعتباره عنصراً من عناصر الإنتاج، ولكنها رغم ذلك أفادت العمال فائدة كبيرة، حيث أدت إلى تجمعهم واحتشاد عدد كبير منهم في مكان واحد أو في حرفة واحدة. وبفضل توحيد كلمة العمال استطاعوا أن يحصلوا على شروط أحسن للعمل، وعلى أجور أعلى، وعلى خدمات اجتماعية وصحية متعددة. وبمرور الزمن حصل العمال على مكاسب أخرى مثل تخفيض ساعات العمل ومشاركتهم في الأرباح، وكان من نتيجة ذلك ارتفاع مستوى المعيشة.

      وتجدر الإشارة إلى أن زيادة الأجور وارتفاع مستويات المعيشة لم تتحقق في بداية الثورة الصناعية، بل استلزم ذلك عشرات من السنين ومجهودات ضخمة من جانب العمال.

(6) احتدام النزاع بين العمال وأصحاب الأعمال

      كان صاحب العمل، قبل قيام الثورة الصناعية، يشرف بنفسه على العمال، بل كان أحياناً يعمل بجانبهم. ولذلك، فإنه كان على علم بمشكلات العمال ومطالبهم وفهم كامل لعقليتهم وتفكيرهم. وقد ساعد ذلك على حل جميع المشكلات بطريقة سلمية وبشكل سريع.

      أما بعد قيام الثورة الصناعية، فقد احتدم الخلاف بين العمال وأصحاب الأعمال، وقد كان ذلك أمراً طبيعياً؛ حيث انفصلت الروابط بين العمال وأصحاب الأعمال، وتضاربت مصالح الفريقين: فبينما يرى العمال أن مصلحتهم تتطلب زيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل، يرى أصحاب الأعمال العكس تماماً حتى تزيد أرباحهم. وقد كان من نتيجة ذلك لجؤ العمال في أحيان كثيرة إلى وسائل العنف والتخريب والإضراب عن العمل. ولذلك كانت هذه أسوأ نتائج الثورة الصناعية.

ج. الثورة الصناعية والدول النامية

      هناك علاقة وثيقة بين الثورة الصناعية والاستعمار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ومن ثم بقاء هذه المجتمعات في حالة من التخلف الاقتصادي.

(1) العلاقة بين الثورة الصناعية والاستعمار:

      قامت الثورة الصناعية في عدد كبير من دول أوروبا، وكانت هذه الدول في حاجة إلى كميات كبيرة من المواد الأولية، وعندما تقدمت الصناعة في الدول الأوروبية وأصبح الإنتاج في كثير من هذه الدول يزيد على حاجات الاستهلاك فيها، بدأت هذه الدول تبحث عن أسواق خارجية لتصريف الفائض من إنتاجها الصناعي. فوجدت في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية مصدراً تحصل منه على ما تحتاجه من المواد الأولية وسوقا لتصريف الفائض من إنتاجها الصناعي، وذلك لأن هذه الدول كانت حتى ذلك الوقت دولاً زراعية.

      وهكذا يؤكد كارل ماركس أن الدول الصناعية لجأت ـ تحت ضغط الحاجة إلى منافذ جديدة ـ إلى غزو العالم.

(2) أثر الاستعمار على اقتصاديات الدول النامية:

      جعل الاستعمار من المستعمرات مناطق متخصصة في إنتاج المواد الأولية على أن تقوم بتصديرها إلى دول أوروبا الصناعية، وفي الوقت نفسه تقوم هذه المستعمرات باستيراد المنتجات الصناعية من هذه الدول. وقد ترتب على هذا الوضع نوعا من التخصص الدولي، إذ أصبحت دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية دولاً زراعية أو استخراجية، بينما أصبحت دول أوروبا دولاً صناعية. وليس ذلك فحسب، بل كانت الدول الأوروبية تحصل على المواد الأولية بأثمان منخفضة، وتبيع منتجاتها الصناعية بأثمان مرتفعة، أي أن معدل التبادل كان دائما في صالح الدول الأوروبية؛ ولذلك فان الدول الأوروبية الاستعمارية تمسكت باحتلال دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية واستعمارها تمسكاً شديداً، ولم توافق على منحها الاستقلال إلا عندما اضطرتها الظروف الحركات التحررية الثورية إلى ذلك.

  1. قيام الملكية الخاصة

      قامت في عدد كبير من الدول الأوروبية حركات ثورية تحريرية تهدف إلى القضاء على نفوذ طبقة النبلاء بالقضاء على مصدر قوتهم وهو ملكية الأرض وإعادة توزيعها على الفلاحين.

      ومن أعظم هذه الحركات التحريرية الثورة الفرنسية التي اندلعت في 14 مايو عام 1789م والتي بدأت بمصادرة أراضى النبلاء ورجال الكنيسة وبيعها للفلاحين بأسعار معقولة وعلى أقساط.

      وفي منتصف القرن التاسع عشر صدرت في ألمانيا عدة تشريعات تهدف إلى مساعدة الفلاحين في الحصول على الأرض عن طريق إنشاء بنوك تقرض الفلاحين المبالغ اللازمة لشراء الأرض مقابل رهنها للبنك حتى يتم السداد، وكانت آجال هذه القروض تمتد أحياناً إلى أكثر من 50 سنة.

      وفي الولايات المتحدة أعلن تحرير العبيد إثر قيام الحرب الأهلية في الجنوب عام 1863 وكان من نتائج حركة التحرير تغيير كبير في نظام الزراعة وانتشار الملكية الصغيرة نسبيا.

  1. نمو الاقتصاد النقدي

      إن انتعاش التبادل التجاري ونموه في أوروبا الغربية إلى ظهور أهمية الدور الذي تؤديه النقود في الحياة الاقتصادية. فقد استبدلت خدمات العمل المدفوعات النقدية، وسداد إيجار الأرض نقدا بدلاً من نظام السخرة. وقد أدى كل ذلك إلى نمو حجم المعاملات النقدية وحجم السوق.

ثانياً: النظام الاقتصادي الرأسمالي

      لقد قام النظام الرأسمالي على أنقاض النظام الإقطاعي، فالعوامل التي أدت إلى انهيار النظام الإقطاعي هي ذاتها التي ساهمت في إحداث تغيير في الهيكل الاجتماعي الموجود والقائم وإيجاد نظام جديد هو النظام الرأسمالي. ويعتبر النظام الرأسمالي من أقدم الأنظمة الوضعية، والتي انبثقت منه أغلب النظم الاقتصادية المعاصرة، وذلك إما بتجنب نقاط الضعف فيه أو بتعجيله أو القيام بتغيير المؤسسات التي يعتمد عليها النظام الرأسمالي.

1. مفهوم النظام الاقتصادي الرأسمالي ونشأته

      لتعريف النظام الاقتصادي الرأسمالي يجب مراعاة عدة عناصر أساسية هي: الفرد أو الأفراد الرأسماليين، ثم الجمع بين عوامل الإنتاج من أرض وعمل ورأس مال ومواد خام، ثم استخدام الآلات والتقدم الفني، كل ذلك بهدف الربح وتراكم الثروة.

      وبالتالي يمكن النظر للرأسمالية، كنظام، على أنها ذلك النظام، الذي يقوم على مبدأ الإتاحة للأفراد العاديين حق تملك وسائل الإنتاج المختلفة، والتنافس مع نظرائهم، بهدف تحقيق الكسب المادي، مع التأكيد على عدم التدخل الخارجي في طبيعة عمل القوانين الطبيعية، التي تحكم تعامل الأفراد بعضهم مع بعض، والدول بعضها مع بعض.

عوامل نشأة النظام الرأسمالي

أ . تراكم رأس المال: نتيجة انتعاش التجارة بين المدن واكتشاف الذهب وما حصلت عليه الدول المستغلة من خيرات ومكاسب من مستعمراتها. كذلك كان هناك وفرة في رأس المال نتيجة انتشار عمليات الربا والمضاربة التي مارسها الكثير من الأسر في أوروبا مما أدى إلى حصولها على ثروات كبيرة. أضف إلى ذلك ما تراكم من أموال لدى بعض الأفراد والنبلاء وأصحاب العقارات وزيادة ثرواتهم نتيجة زيادة الضرائب والسكان ونمو المدن. وهكذا توافرت الأموال اللازمة لتمويل المشروعات ذات الحجم الكبير. وقد أدت حاجة الدول الحديثة إلى الأموال إلى نمو التجارة وإزالة الحواجز والقيود على انتقال الأفراد والسلع بين مختلف المناطق مما أدى بدوره إلى اتساع نطاق السوق المحلي واتساع الأخذ بالتخصص وتقسيم العمل. و هذا التخصص أدى إلى اتساع حجم التجارة الدولية، فكان من نتيجة ذلك أن زادت ثروة الأفراد والدول زيادة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. كانت المشكلة الاقتصادية التي واجهت العالم، قبل ظهور النظام الاقتصادي الرأسمالي، هي مشكلة الإنتاج: أي قصور الإنتاج عن الوفاء بحاجات الاستهلاك، أما بعد ظهور النظام الاقتصادي الرأسمالي فان المشكلة الأولى التي واجهت الدول الصناعية هي مشكلة الاستهلاك التي نشأت بسبب وفرة الإنتاج. ولكن يجب ألا يفهم من ذلك أن الإنتاج الصناعي والزراعي في العالم كان يزيدان على حاجة السكان. وليس أدل على ذلك من أن مئات الملايين من سكان العالم ما زالوا حتى الآن يعيشون تحت ظروف اقتصادية واجتماعية لا تليق بكرامة الإنسان، حيث إن المجاعات وسوء التغذية في النصف الثاني من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، ما زالت تهدد كثيراً من الدول.

ب. زيادة عدد السكان: كانت الزيادة المستمرة في عدد السكان أحد الأسباب المهمة التي أدت إلى زوال النظام الإقطاعي، حيث زاد عدد سكان أوروبا زيادة كبيرة منذ القرن السادس عشر وإن كانت لا تتوافر إحصاءات دقيقة عن عدد السكان. وكانت هذه الزيادة في السكان نتيجة لانخفاض معدلات الوفيات بسبب توافر الخدمات الطبية والرعاية الصحية وخاصة في المدن، التي كان سكانها يتزايدون بنسبة كبيرة، مع العلم أن زيادة السكان تعنى زيادة الطلب على المواد الغذائية بكميات كبيرة، وقد أدى هذا بدوره إلى ارتفاع أسعارها، مما عمل تدريجياً على التحول من زراعة الاكتفاء الذاتي إلى الزراعة الرأسمالية التجارية، فلم يعد الفلاح ينتج لنفسه أو لأسرته أو الضيعة التي يقيم فيها فحسب، بل كان عليه أن يمد أسواق المدن بما تحتاج إليه من مواد غذائية، وأصبح الريف ينتج للتبادل التجاري.

ولما كان النظام الإقطاعي في الزراعة يؤدى إلى عدم استغلال الأرض كلها ومن ثم إلى تبديد جزء من الأرض، كان من الضروري التحول عن هذا النظام إلى نظام آخر. وقد ساعد استعمال النقود المعدنية على نمو الزراعة الرأسمالية بعد أن كان المجتمع يستعمل النقود السلعية. فاستخدم الذهب والفضة وسيطاً للمبادلة بعد أن كانت المقايضة هي الأساس، مما أدى إلى سهولة التبادل واتساع التجارة، وزاد من عرض الذهب والفضة في تلك الفترة اكتشاف الأمريكتين والتوسع في استخراج المعادن النفيسة من مناجمها.

ج. انتشار الأفكار والمخترعات الفنية الحديثة: في القرنين السابع عشر والثامن عشر شاعت أفكار بعض العلماء أمثال: جاليليو Galileo، ونيوتن Isaac Newton، وداروين Charles Darwin؛ لتعلن للبشر أن للعالم الذي نعيش فيه نظاماً يحكمه وأن الأمور لا تسير عفوياً، قد ترجم الكثير من الأفكار العلمية إلى مخترعات.

ولقد بدأت التجارة على نطاق واسع في القرن الثامن عشر بعد قيام الثورة الصناعية واستخدام الآلات بدلاً من الحيوانات والعمل اليدوي، في القرن الثامن عشر، بدأت التجارة على نطاق أوسع؛ وبذلك تغيرت فنون الإنتاج لتسمح بالإنتاج النمطي الكبير. وفي الوقت نفسه كان استخدام السفن التجارية والسكك الحديدية عاملاً مساعداً على زيادة سعة السوق لاستيعاب الإنتاج الكبير للمشروع الصناعي. وبدأت حركة الاختراعات لآلات معقدة بخطى سريعة، تتطلب موارد مالية ضخمة، هذه المتطلبات الجديدة دعت إلى نشأة المشروع الصناعي، والذي يمثل الوحدة الإنتاجية الرئيسية في النظام الرأسمالي. فقد ارتبط النظام الرأسمالي بالمشروع الصناعي، بما يتصف به من خصائص وهى استخدام الآلات أساساً لأسلوب الإنتاج من أجل تحقيق المزيج من الثروة والتراكم الرأسمالي والربح.

د. التحرر السياسي: مع اندثار عصر الظلام في أوروبا وانتشار أفكار الحرية، ظهرت طبقة من منظمي القيم الاجتماعية السائدة، وقد نجح هؤلاء المنظمين في إقناع الناس بالسلع الجديدة وحققوا أرباحاً طائلة، وظهور هذه الطبقة من المنظمين كان عاملاً رئيسياً في انتشار النظام الرأسمالي.

أدى انتشار مجموعة من الأفكار السياسية من التعاليم الدينية في أوروبا، إلى تغير نظرة المجتمع نحو الإنتاج والعمل والتجارة وكان من نتائج ذلك: إعادة توزيع الأراضي والثروات، وقد أدى هذا إلى القضاء على نظام الإقطاع وتحقيق العدالة في توزيع الملكية، ففي إنجلترا وفرنسا أعطيت الأراضي الجيدة إلى ملاك طموحين عملوا على استغلالها احسن استغلال، وبذلك زاد الدخل القومي وارتفعت مستويات المعيشة الحقيقية، وعلى سبيل المثال: صودرت أراضي الأسر المالكة في فرنسا وروسيا، كما حل المزارع المستأجر محل الملاك في أيرلندا. وأدت سياسة الاضطهاد الديني في بعض الدول الأوروبية إلى هجرة العناصر المضطهدة من دولة إلى أخرى. ففي عام 1292 طرد المسلمون واليهود من أسبانيا. مما أدى إلى حدوث نشاط اقتصادي كبير في البلاد المهاجر إليها مثل إنجلترا وهولندا، حيث كان كثير من هؤلاء المهاجرين ذوي ثراء واسع ويتمتعون بعقليات علمية متميزة، فضلاً عن أن بعضهم كان من فئة الفنيين ذوي الخبرة والكفاءة. كذلك نجد أن الأفكار الدينية أباحت الحصول على فوائد باعتبار أنها مشاركة في الربح وليست ربا كما كان يدعى أنصار المذهب الكاثوليكي. وقد تطورت هذه الفكرة تدريجيا وأصبح الإقراض على درجة بالغة من الأهمية في النمو الاقتصادي. وأصبح للمفهوم الجديد لسعر الفائدة تأثير كبير على تطور النظام الرأسمالي الحديث. الذي أساسه إباحة الإقراض والاقتراض.

      ولم يعد الحصول على الأموال اللازمة للاستثمار والإنتاج أمراً صعباً. لقد كانت الأديان والآراء المتعارف عليها في العصور الوسطى تحقر العمل ولا تمجد فيه إلا العمل الزراعي، لذلك اعرض الناس عن التجارة والصناعة. ثم حدث تغير كبير في الأفكار الدينية فأصبحت تنادى بأهمية العمل، بل إن البعض نادى بتقديم العمل على الذهاب إلى الكنيسة وبذلك قضى على فكرة احتكار العمل. كما لم يعد للعمل الزراعي أفضلية على الأعمال الأخرى، وانتشرت آراء اقتصادية جديدة أيدها رجال السياسة ورجال الدين، منها الدعوة إلى عدم الإسراف، وعدم الانغماس في اللهو، وضرورة التقشف والاقتصاد والبساطة في الملبس والمأكل، المواظبة على العمل. كل هذه التطورات ساهمت في تكوين رؤوس الأموال في أقصر فترة ممكنة مما أدى إلى قيام مجتمع رأسمالي.

هـ. الاكتشافات الجغرافية والفتوحات الأوروبية: كان الاقتصاد الأوروبي يعتمد على الاكتفاء الذاتي، ولكن ظهرت الحاجة في بعض الدول التي كانت لا تنتج، وكان العرب يتحكمون في التجارة في قسمها الشرقي، أما القسم الغربي فكان من نصيب الإيطاليين أدى ذلك إلى تحقيق كل من العرب والإيطاليين لأرباح وفيرة، ولكن دول أوروبا الأخرى شعرت بشدة سيطرة التجار الإيطاليين وتحكمهم، فبدأت تبحث عن وسائل تحد من تلك السيطرة. فكان أن شجعت كل من أسبانيا والبرتغال على الاكتشافات البحرية.

2. خصائص النظام الرأسمالي

      هناك مجموعة من الخصائص التي تميز النظام الرأسمالي عن غيره من النظم وتعمل على تسيير هذا النظام من ناحية وعلى نموه من ناحية أخرى. وهذه الخصائص هي: الملكية الفردية، وحرية المشروع، وحافز الربح، والمنافسة، وجهاز الثمن. وفيما يلي مناقشة هذه الخصائص.

أ. الملكية الفردية الخاصة: يقصد بها في النظام الرأسمالي، إقرار المجتمع وحمايته لحقوق الأفراد في الاحتفاظ بما يحصلون عليه من ثروة، والتصرف فيها كيفما شاءوا عن طريق الاستغلال أو التأجير أو التنازل أو البيع أو التوريث.

أي أن الملكية الخاصة تعنى تقرير حقوق للفرد على ما يكتسبه من أموال، ويكون هذا الحق للفرد سواء أكان ماله استهلاكياً، أي سلع تشبع حاجاته المتعددة، أم سلعاً إنتاجه تساهم في إنتاج سلع أخرى كأرض أو رأس مال، ويقوم النظام الرأسمالي على تقديس حق الملكية الفردية ووضع كل المقومات اللازمة لحمايتها، وتمثل الملكية الفردية ركناً جوهرياً لازماً لوجود النظام الرأسمالي، فهي تؤدى مجموعة من الوظائف المهمة اللازمة لسير هذا النظام منها: أنها تحدد المختص باتخاذ القرارات المتعلقة بأوجه استخدام الأموال الإنتاجية، وكيفية هذا الاستخدام، تحدد متخذي القرارات، كما أنها تقدم الباعث الأساسي على زيادة الثروة وتراكمها، وعلى المحافظة عليها، فبدون الباعث على الادخار، الذي يتيحه نظام الملكية الفردية لا تتوافر الأموال التي توجه إلى الاستثمار.

وفي الدفاع عن حق الملكية الفردية يقول البعض: إنها وجدت منذ أن وجد الإنسان، وهى بالتالي حق من حقوقه الطبيعية. ولكن يرد على ذلك بأن المجتمعات البدائية كانت تعرف كذلك بالملكية الشائعة أو الملكية الجماعية خاصة حينما كانت الآسرة أو القبيلة تحيا حياه الجماعة. ومن أوجه الدفاع عن حق الملكية الفردية القول: بأن من حق كل فرد أن يمتلك نتاج عمله، فالذي ينتج الشيء يملكه، ولكن يرد على ذلك بأن هناك الكثير من عوامل الإنتاج كالأرض والمناجم، خلقها الله ولم يخلفها الإنسان وبالتالي لا يصح أن يكون للإنسان ملكية خاصة. ثم أن هناك القول بأن الملكية الفردية تكون حافزاً كبيراً للنشاط الاقتصادي وزيادة ثروة الإنسان.

ولا يعنى إقرار المجتمع وحمايته لحقوق الأفراد في التصرف فيما يملكون بالطريقة التي تحقق لهم مصالحهم الخاصة، أن هذه الحماية تكون مطلقة، بل عادة ما تكون في حدود الإطار القانون والاجتماعي للمجتمع، وبالدرجة التي لا تسبب ضرراً للآخرين.

ب. حافز الربح: يعد حافز الربح في النظام الرأسمالي هو الدافع الأساسي لزيادة الإنتاج، وهو المحرك الرئيسي لأي قرار يتخذه المنتجون, فكل فرد في هذا النظام إنما يتصرف بما تمليه عليه مصلحته الشخصية، بما يتفق مع تحقيق أهدافه الخاصة.

ويختلف الربح عن مجموع الدخول الأخرى مثل الفوائد والأجور والريع، حيث إن الربح ليس عائداً تعاقدياً، وإنما هو الفائض بعد تغطيه كافة الالتزامات التعاقدية للمشروع، ولذلك يقال: إن الربح هو عائد المخاطرة، فقد يحقق المشروع ربحاً وقد لا يحقق.

وبما أن الربح هو الفرق بين الإيرادات والتكاليف فان المنتجين في النظام الرأسمالي يختارون النشاط الاقتصادي الملائم لاستخدام ما في حوزتهم من موارد اقتصادية أخذين في الاعتبار إمكانية الحصول على أكبر قدر ممكن من إيرادات واقل تكاليف لتعظيم الفرق بينهما. وإذا حدث ذلك في جميع الأنشطة الاقتصادية فإن كل الموارد الاقتصادية تكون قد استخدمت ونظمت، بحيث تعطي أقصى أرباح ممكنة، والتالي يحصل المجتمع على أقصى دخل ممكن من موارده.

ويلاحظ أن ارتباط حافز الربح بروح المخاطرة والمغامرة، يجعل من شخصية المنظم أو القائد شخصية متميزة عن غيرها من الأفراد الآخرين العاملين في المشروع. وفي سعى المنظم ورجل الأعمال في سبيل تحقيقه ربحاً شخصاً يقوم بخدمه المجتمع ويوفر له السلع والخدمات التي يرغبها، فتزداد رفاهية المجتمع بزيادة رفاهية الفرد.

والربح في النظام الرأسمالي ليس مجرد عائد يحصل عليه المنظمون فحسب، ولكنه يعد أحد العناصر المسيرة للنظام الاقتصادي التي تعمل على تنميته، فعلى كل من يرغب في الحصول على المزيد من الأرباح، يزيد من إنتاجه، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج الكلى للمجتمع.

ج. المنافسة: يتنافس البائعون والمشترون في سوق السلع الاستهلاكية وسوق عوامل الإنتاج من أجل الحصول على أفضل الشروط للسلع والخدمات محل التعاقد، فالبائع يحاول بيع أكبر قدر ممكن من السلع سعياً وراء الربح، منافساً بذلك غيره من منتجي السلع المماثلة، محاولاً تخفيض ثمن سلعته أو تحسين من جودتها ليكسب السوق لنفسه.

وباستمرار تنافس البائعين يسود سوق السلعة ثمن واحد. ومهما أختلف حجم الكمية المباعة من ذات السلعة فإنها تباع بالثمن نفسه، وفي ذلك مصلحة للمستهلك. وهذا التنافس نفسه يحصل بين المشترين الذين يرغب كل منهم الفوز بشراء السلعة سواء أكانت استهلاكية أم إنتاجية.

ولكي تسود حالة المنافسة في سوق معين، يتعين أن يتوافر في هذا السوق عدة شروط، تعرف باسم “شروط المنافسة الكاملة”، وهى: وجود عدد كبير من المشترين والبائعين، بحيث لا يستطيع أي من البائعين أو المشترين أن يؤثر بصورة منفردة على بيع السلعة داخل السوق. فالمشترى إذا قام بزيادة عدد الوحدات التي يشتريها من السوق أو تخفيضها لا يترتب على هذا التصرف الفردي أي تأثير على ثمن السلعة في السوق، كذلك إذا سعى أي بائع داخل السوق إلى زيادة الكميات التي يعرضها من السلعة أو تخفيضها، فلن يتأثر ثمن السلعة في السوق.

إلمام جميع المتعاملين بكافة الظروف المحيطة بالسلعة محل التعامل، حتى يمكن بيع السلعة بثمن واحد فقط في جميع أنحاء السوق.

تمتع عوامل الإنتاج بالقدرة على التنقل فيما بين مختلف الصناعات والاستعمالات، وعدم تدخل السلطات العامة في ظروف السوق.

د. آلية الأسعار: يتميز النظام الرأسمالي بأن الأثمان تتحدد فيه وفقا لرغبات المشترين والبائعين وقدرتهم على المساومة ودون أي تدخل من جانب الحكومة. ويؤدي جهاز الثمن دور المرشد للمنتج والمستهلك ليتقرر بناء على ذلك ما يمكن إنتاجه من سلع وخدمات، وكذا ما يتم استهلاكه منها.

أي أن جهاز الثمن في النظام الرأسمالي من أهم العناصر التي يعتمد عليها في التوفيق بين الموارد المتاحة في المجتمع والحاجات المطلوب إشباعها؛ حيث إن جهاز الثمن يقوم تلقائياً بتوزيع عناصر الإنتاج على اوجه النشاط المختلفة وبالكميات التي يحتاجها كل نشاط، كما يتولى مهمة توزيع إنتاج الأنشطة المختلفة من السلع والخدمات على المستهلكين المختلفين الذين يحتاجون إلى هذا السلع وبالكميات التي تتناسب مع حاجة كل منهم، أو بمعنى آخر، يعد جهاز الثمن الحلقة التي تربط بين المستهلكين والمنتجين. ويتحدد الثمن في النظام الرأسمالي بقوى العرض والطلب، حيث تتحدد رغبات البائعين فيما يسمى بقوى العرض، أما رغبات المستهلكين فتتحدد فيما يسمى بقوة الطلب، وبتلاقي قوى العرض والطلب يتم تحديد الثمن بالسوق، ومن هنا جاء تسمية الاقتصاد الرأسمالي “باقتصاد السوق” أو “اقتصاد العرض والطلب”.

وعندما يوزع المستهلك يوزع دخله على السلع الاستهلاكية فإنه يفضل بطبيعة الحال السلع التي تعطيه إشباعاً أكبر. ويكون العامل الحاسم في معادلة النفع مع الإشباع هو الثمن المدفوع في السلعة، فإذا تحدد ثمن السلعة وكان مرتفعاً فهو دليل على رغبة المستهلكين في الحصول على مزيد من هذه السلعة، وهذا الارتفاع مرشد للمنتجين كذلك لإنتاج المزيد من هذه السلعة المرغوبة، وهكذا فإن

وعندما يقرر المنتج اختياره لعوامل الإنتاج فهو يهتدي كذلك بجهاز ثمن عوامل الإنتاج، ويختار تلك الأنواع من العوامل ذات الثمن الرخيص، طالما أنها تعطي الجودة نفسها، وعندما يجد المنتج أن هناك سلعة لها أثمان مرتفعةً تدريجياً فهو يوجه موارده لها.

وجهاز الثمن الذي نقصده ليس جهازاً مادياً ملموساً يتولى هذه العملية فعلاً، ولكنه مجموعة من العلاقات التي تربط بين الظواهر المختلفة، والتي تحكم سلوك الأفراد، التي تبين ردود فعل الأفراد للتغير في الأسعار.

(جدول العرض والطلب) يوضح لنا الكميات المطلوبة من جانب أفراد المجتمع من هذه السلعة وكذلك الكميات المنتجة من السلعة نفسها في الفترة نفسها.

وبالنظر إلى هذا الجدول يتضح أن الكميات المطلوبة من السلعة س أكبر من الكميات المنتجة منها، مما يدفع المستهلكين إلى التنافس للحصول على السلعة س، وينتج عن هذا التنافس ارتفاع في أسعار السلعة س.

أما السلعة ص فنجد أن الكميات المطلوبة منها أقل من الكميات المنتجة، مما يعني أن هناك زيادة في الكميات المعروضة منها داخل السوق، ويتنافس المنتجون لبيع الفائض الموجود لديهم، فينخفض السعر. وبذلك نلاحظ أن جهاز الثمن يقوم بتصحيح أي اختلال بين الكمية المنتجة والكمية المطلوبة من أي سلعة، وفي الوقت نفسه لا تتدخل الحكومة لتصحيح هذا الاختلال.

ويمكن التعبير عما سبق في (جدول التـــوازن). لا شك أن التغيرات التي حدثت في أسعار السلعتين س، ص سينتج عنها تغير في توزيع الموارد المتاحة داخل المجتمع لصالح السلعة التي ارتفع سعرها وهى السلعة س، مما يؤدى إلى زيادة الكمية المنتجة منها، كذلك تقل رغبة المنتجين في إنتاج السلعة التي انخفض سعرها وهى السلعة ص، مما يؤدى إلى نقص الكمية المنتجة منها. وبذلك يكون جهاز الثمن هو المؤشر الذي يرشد الأفراد في اتخاذ قراراتهم الاقتصادية، فيحدد المشترى كميات السلع والخدمات التي يمكنه الحصول عليها في حدود ما يتوافر له من إمكانات داخلية، وذلك بناء على الأسعار السائدة في السوق والتغيرات المنتظرة فيها، كذلك، يمكن للمنتج، من خلال الأسعار السائدة في السوق والتغيرات المنتظرة فيها، تحديد الأنواع والكميات من السلع والخدمات التي يجب إنتاجها، أي أن جهاز الثمن يؤدي وظيفة توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة بصورها المختلفة.

3. انتقادات النظام الرأسمالي

      ساد النظام الرأسمالي الحر دول العالم المتقدمة ما يقرب من مائة وخمسين عاماً من منتصف القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر. ورغم ما فيه من ركائز أساسية مثل: نظرية عدم التعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فالإنسان لو ترك وشأنه لن يحقق مصلحته الشخصية فحسب، بل سوف يعمل في الوقت نفسه على تحقيق الصالح العام. ولذلك كان شعار النظام الرأسمالي ـ اتركه يعمل، اتركه يمر ـ وهى تعنى إطلاق حرية العمل، إطلاق حرية التجارة داخل البلاد وخارجها.

      وبحلول فجر القرن العشرين بدأت معظم الدول في التخلص من هذا النظام، حيث أصبح من الواضح ضرورة تدخل السلطات العامة في النشاط الاقتصادي لعلاج العيوب والانحرافات التي نتجت عن النظام الرأسمالي الحر وفيما يلي نتناول بالشرح والتفصيل عيوب النظام الرأسمالي:

أولاً: الحرية الوهمية: الحرية التي افترضها الاقتصاديون أنصار المذهب الرأسمالي ليست مطلقة؛ إذ لا تتمتع بها سوى فئة محدودة من أفراد المجتمع هي فئة ملاك عناصر الإنتاج. فحرية العمل ـ على سبيل المثال ـ لا يتمتع بها العامل الأجير الذي غالبا ما يعجز عن إيجاد العمل الذي يرغب فيه وذلك بسبب اشتداد المنافسة بين الطبقة العاملة التي تكون غالبية الشعب مما يجبرهم على قبول أجور منخفضة حتى لا يتعرضوا للبطالة والتشرد، فأي حرية كان يملكها أكثر من 12 مليون عامل في الولايات المتحدة الأمريكية، كانوا في حالة بطالة خلال الثلاثينيات حيث سادت العالم أزمة عالمية كبرى؟

أما حرية الاستهلاك. فليست مطلقة كذلك، وإنما يحد منها الدخل الذي يحصل عليه كل فرد من المجتمع. ويترتب على ذلك أن طبقة العمال التي تحصل على دخل منخفض ـ نظراً لانخفاض الأجور ـ لا تحصل إلا على الضروريات. أما طبقة ملاك عناصر الإنتاج فإنها تتمتع حقاً بحرية الاستهلاك، حيث تسمح الدخول المرتفعة بالحصول على السلع الضرورية والكمالية، بل وحرية الاختيار بين عدد من السلع.

أما حرية الإنتاج فهي تعني ـ كما سبق ـ أن أصحاب رؤوس الأموال يستطيعون إنتاج السلع التي تروق لهم وبالكميات التي يحددونها، ويترتب على ذلك أن المنتج لا يهتم بتوفير السلع الشعبية في الأسواق، ولا يبالي بحاجات الأفراد ذوى الدخول المتواضعة، بل يعمل على إنتاج السلع الكمالية مرتفعة الثمن التي يقبل الأغنياء على شرائها، ليضمن بذلك تحقيق أكبر ربح ممكن.

ويمكن تشبيه الإطار العام للنظام الرأسمالي الحر بنظام المرور في مدينة كبيرة، حيث لا يوجد قانون أو تنظيم لحركة المرور. ففي هذه الحالة سيقع الكثير من الحوادث , وتعم الفوضى، وترتبك حركة المرور. وستكون النتيجة الحتمية لمثل هذه الحالة أن يحصل سائقو سيارات النقل الضخمة على أكبر قسط من الحرية، ويكون ذلك على حساب سائقي السيارات الصغيرة، الذين يحصلون على قدر بسيط من الحرية يهددون به حياة راكبي الدراجات، وهؤلاء بدورهم يحصلون على قدر طفيف جداً من الحرية يعرضون بها حياة المشاة للخطر، وهكذا نجد انه في هذا النظام يحصل القوى على حريته أما الضعيف فلن تكون حريته إلا كلمة خالية من كل معنى وبذلك ينتصر “قانون الغاب” حيث تعيش الذئاب الحرة مع الخراف الحرة!.

ثانيا: الاحتكار والإسراف في استخدام الموارد: يقصد بالاحتكار انفراد مشروع من المشروعات بعمل معين يقوم به، بحيث لا يستطيع مشروع آخر منافسته فيه. ويترتب على ذلك أن المحتكر يستطيع السيطرة على السوق من حيث تحديد الأسعار والكميات. ولا شك فيه أن للاحتكار مساوئ متعددة، لأن المحتكر غالباً ما يستخدم وسائل غير مشروعة للقضاء على منافسيه والتخلص منهم حتى يستطيع أن يتحكم وحده في السوق غير عابئ بما يترتب على ذلك من إرهاق للمستهلك.

وعندما يحتكر السلعة عدد من المنتجين فإنهم يلجئون إلى تحديد حجم الإنتاج وحرمان السوق من السلعة لرفع أسعارها وتحقيق أرباحهم الاحتكارية، ورغم أن في إمكان المصانع والمزارع أن تنتج المزيد وبأسعار منخفضة، أي أن المحتكرين يفضلون بقاء آلاتهم عاطلة ومزارعهم يابسة، مسرفين في ذلك في استخدام الموارد حتى يقل المعروض من السلعة وترتفع أسعارها.

ومن الناحية العملية البحتة، نجد أن العديد من الصناعات التي بدأت منافسة، قد انتهت بنوع من التركيز والاحتكار. فصناعة الغزل والنسيج التي كانت تعتمد على قدر محدود من الأنوال البدائية، وكان في استطاعة الأفراد أن يقيموا آلاتها أسفل منازلهم، أصبحت الآن في غاية التقدم الفني والآلي وفي مصانع كبيرة تضم عشرات الآلاف من العمال. وهكذا في باقي الصناعات، كما أن هناك نوعاً من الإسراف في الموارد، فقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية على الإعلان والدعاية عام 1960م، تجاوز 50 مليار فرنك سويسري، أي ما يزيد على الدخل القومي لسويسرا في ذلك العام وبحساب بسيط نجد أن نصيب الفرد من الدعاية والإعلان في أمريكا يعادل 150 دولار سنوياً، وهذا الرقم يزيد كثيراً عن متوسط دخل الفرد السنوي في كثير من الدول النامية مثل إندونيسيا وأثيوبيا والصومال على سبيل المثال.

ثالثا: سوء توزيع الدخل والثروة: يرتكز النظام الرأسمالي على عدد من الدعائم أهمها الملكية الخاصة لعناصر الإنتاج. ونظراً لندرة عناصر الإنتاج بالنسبة لعدد السكان في كل دولة وتبقى جمهرة الأفراد معدمة. وبعبارة أخرى فإن أصحاب عناصر الإنتاج يحصلون على دخلهم من عناصر الإنتاج فقط كما هو الحال بالنسبة لأصحاب الأراضي الذين يحصلون على الريع أو الإيجار، وبالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال الذين يحصلون على الفوائد. وقد يحصل بعض أصحاب عناصر الإنتاج على دخلهم من عناصر الإنتاج ومجهودهم الشخصي كما هو الحال مثلاً بالنسبة للمنظمين الذين يحصلون على الأرباح.

هذا عن أصحاب عناصر الإنتاج، أما العمال الذين لا يملكون عناصر الإنتاج فإنهم يحصلون على دخلهم ـ الأجور ـ مقابل المجهود الذي يبذلونه. ومن الطبيعي أن يترتب على هذا الوضع زيادة ثراء أصحاب عناصر الإنتاج نتيجة ارتفاع دخولهم، ومن ثم إمكان ادخار جزء من هذا الدخل وإعادة استثماره، مما يؤدي إلى زيادة ملكية عناصر الإنتاج وتراكمها في أيدي عدد قليل من الأفراد.

هذا الوضع يؤدى في الوقت نفسه إلى بقاء الطبقة العاملة في مستوى معيشي منخفض، لأن العامل الذي يحصل على دخل منخفض لا يتمكن من الادخار، ومن ثم لا يستطيع تمللك عناصر الإنتاج.

ولا يتوقف أثر سوء توزيع الدخل والملكية على النواحي الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يتعداه كذلك إلى الميدان السياسي، وذلك انه من المتوقع في مجتمع يسيطر فيه الأغنياء على مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية أن يمتد نفوذهم وسلطانهم إلى إدارة شؤون الدولة والحصول على أعلي المراكز فيها. ويكون سبيل الأغنياء في ذلك هو السيطرة على الأحزاب وانتخاباتها بما يملكون من أموال تنفق في الأعلام والدعاية وشراء الذمم. ومع مرور الزمن نجد أن الطريقة الرأسمالية تزداد قوة وإحكاماً بفضل ما توفره لأبنائها وأعضائها من فرص الحياة والتعليم والترقي، في الوقت نفسه الذي تتوارث فيه الطبقات الكادحة فقر آبائها.

رابعاً: التقلبات الاقتصادية والبطالة ـ الدورات الاقتصادية: يعتقد أنصار النظام الرأسمالي أن “جهاز الثمن” كفيل بتحقيق التوازن التلقائي بين الإنتاج والاستهلاك. والوقع ـ كما أثبتت التجربة ـ أن هذا التوازن لا يمكن أن يحدث بطريقة تلقائية. ويرجع ذلك إلى انه في ظل النظام الرأسمالي الحر، يتولى المنظمون وأصحاب المشروعات وضع خطط الإنتاج التي تعتمد إلى حد بعيد على التنبؤات والتوقعات المستقبلية. وقد أثبتت التجربة أن المنظم الفردي وحده لا يتوفر لديه الإمكانات لدراسة الطلب في الأجل الطويل، ولاسيما لدراسة الحالة الاقتصادية بصفة عامة وما ينتظر أن يطرأ عليها من تغيرات، ويترتب على ذلك أن الطلب الفعلي على سلعة معينة قد يزيد وقد ينقص عما كان يتوقعه المنظمون أو أصحاب المشروعات، مما يؤدى إلى اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك. ولذلك يمكن القول: إن التقلبات الاقتصادية ـ رواج وكساد ـ هي في الواقع سمة من سمات النظام الرأسمالي الحر. وتظل دراسة اقتصاديات الدول الغربية التي اتبعت هذا النظام أكثر من مائة عام دليلاً قاطعاً على حتمية التقلبات الاقتصادية في هذا النظام، وما يترتب على ذلك من بطالة خلال فترات الكساد.

وتاريخ الدورات الاقتصادية طويل في ظل النظام الرأسمالي، فهناك ما يسمى بالدورة القصيرة جداً، والدورة متوسطة الأجل والتي تحدث بين فترة تطول من 5ـ10 سنوات، وهناك دورات طويلة الأجل تحدث كل 10 سنوات أو 15 سنة، بل يذهب البعض إلى أن هناك دورات تحدث كل 50 سنة.

      وهناك تفسير أخر لأسباب الدورات الاقتصادية طويلة الأجل، هو أنها تحدث نتيجة آثار الأحداث السياسية المهمة كالحروب أو الاكتشافات العلمية الضخمة التي تغير من طبيعة النشاط الاقتصادي الإنتاجي في المجتمع مثل اكتشاف البخار أو الكهرباء أو غيرها. وتفسير الدورات المتوسطة بأنها تحدث كل 10 سنوات في المتوسط باعتبارها الفترة اللازمة لتجديد المعدات الرأسمالية المستهلكة كالآلات مثلاً، مما يؤدى إلى تنشيط الطلب عليها لفترة لابد أن يعقبها فترة فتور في الطلب، نظراً لطبيعة هذه السلع المعمرة. أما الدورات القصيرة فتفسيرها العام هو أنها تحدث كل ثلاث سنوات تقريباً، أو كل أربعين شهراً تقريباً.

      نظراً لما يحدث خلال هذه المدة من تراكم البضائع والمخزون السلعي لدى المنشآت، يعقب ذلك فتور في الطلب، يؤثر بالتالي على نشاط المصانع المنتجة للسلع، إلى أن تتخلص المنشآت مما لديها، فتبدأ فترة أخري من التوسع في الطلب.

خصائص التقلبات الاقتصادية

      أسفرت الدراسات الإحصائية عن أن التقلبات الاقتصادية تتميز بخاصتين رئيسيتين هما صفة “الدورية” أي التكرار عبر فترات، وصفة التوافق الزمني لمجموعة اتجاهات اقتصادية داخل الهيكل الاقتصادي.

الخاصية الأولى: الدورية

      تعاود التقلبات الاقتصادية تعاود الظهور في فترات قد لا تكون متساوية تماماً من حيث القياس الزمني، ولكنها متقاربة إلى الدرجة التي تجعلنا نسلم بخاصية الدورية أو التكرار التي تتسم بها التقلبات، وقد لا تتشابه الدورات المتعاقبة من حيث مداها أو الفترة التي تستغرقها، ولعل ظاهرة الدورية هذه أصبحت موضوع دراسة رجال الأعمال واهتمامهم إلى درجة أنهم يدخلون في توقعات يتم بناء عليها تقدير الظروف المستقبلية.

الخاصية الثانية: الشمول والتوافق الزمني

      تشمل التقلبات الاقتصادية معظم أجزاء الجهاز الاقتصادي. ويتأثر كل جزء من الأجزاء بما يحدث في أجزاء أو قطاعات أخرى ضمن النشاط الاقتصادي القومي. وقد يمثل البعض هذه الظاهرة بذلك الإحساس بالألم الذي يصيب كل الجسم عندما يتعرض لصدمة أو التهاب في جزء من أجزائه، إذا حدث ما يؤثر في ميدان إنتاج أو قطاع أو منشأة كبرى، فإن هذا الأثر ـ سيئاً كان أم طيباً ـ سيمتد مداه إلى كل هؤلاء الذين يتعاملون مع “المصاب” وسيؤثرون كذلك على غيرهم ممن لهم صله اقتصادية بهم. وهكذا يمتد الأثر إلى الجهاز الاقتصادي كله. ففشل بعض المنشآت يعنى فشلاً لآخرين غيرهم والتفاؤل يخلق تفاؤلاً، والتشاؤم يخلق التشاؤم.

مراحل الدورة الاقتصادية:

تتميز الدورة الاقتصادية باتجاهين متناقضين: (انظر شكل الدورة الاقتصادية)

الاتجاه التصاعدي

  1. مرحلة الكساد: في مرحلة الكساد يكون النشاط الاقتصادي قد وصل إلى منتهى ما يمكن عملياً من الانخفاض. فالأجور منخفضة لمن ساعدهم القدر على الاستمرار في العمل. وتكون قوة النقود الشرائية عالية ولكن القدرات الشرائية للأفراد ضعيفة رغم انخفاض الأسعار، ونظراً لضعف القدرة الشرائية في المجتمع، فمن البديهي أن يكون معدل الإنتاج في قطاعات السلع الاستهلاكية والاستثمارية منخفضاً في ميدان الإنتاج، ويستقر توازن قطاع الأعمال عند مستوى منخفض من حيث الأسعار والعمالة والأرباح والتكاليف. ويتحمل المجتمع هذه الفترة بما فيها من شقاء للعاطلين ولهؤلاء الذين خسروا الجزء الأكبر من ثرواتهم أو يعانون انخفاض الدخل، ولكن هذا الوضع لن يستمر إلى الأبد بعد فترة قد تطول أو تقصر يستعد المجتمع لمواجهة فترة من التفاؤل تحل محل التشاؤم، فالكساد بطبيعته يحمل بين ثناياه بذور الإنتاج.
  2. الانتعاش: تكمن بذور الإنتاج في انخفاض مستويات الأجور حتى بالنسبة للعمال المهرة، وتوافر فرص الاقتراض قليل التكلفة والودائع لدى البنوك، وانخفاض نفقات الخامات والمعدات نسبياً، وقد تنخفض أسعار المنتجات، وتكاليف الإنتاج، وذلك لان المراحل الأخيرة من الكساد تكون قد “شدت” النفقات إلى مستوى منخفض جداً بحيث يظهر بصيص من أمل الربح.

وهذا الأمل يحفز المنظمين ـ الذين يتمتعون بمركز طيب للحصول على المال ـ أن يخاطروا بالعودة إلى تنشيط الإنتاج، وسيحاول هؤلاء اقتناص الفرص قبل غيرهم من المنافسين، فيصلحون المعدات الإضافية وسرعان ما يحذو فريق آخر حذوهم، وتبدأ الطلبات على شركات التشييد والبناء، فتزداد العمالة، ويحصل العمال على دخل إضافي بعد أن انتقلوا من البطالة إلى التوظف، فينفقون هذا الدخل على سلع استهلاكية، وهذه الزيادة في الإنفاق تبعث على تنشيط الإنتاج في صناعات أخرى كصناعة السلع الاستهلاكية فتزداد العمالة، فالدخل، فالإنفاق، وهكذا يكون المجتمع قد تخطى ظلماك الكساد وانتقل إلى نور النشاط الطبيعي.

  1. التوسع: أن تيار الانتعاش الذي بدأ يزداد قوة يجد تدعيماً من جهات متعددة، فتنشيط الاستثمار في صناعة ما يؤدى إلى التنشيط في صناعة أخرى، وأجور العمال في صناعة ما تخلق طلبات على منتجات صناعة أخرى، وإذا ساد تنشيط عام في الطلب فإن الأسعار ستميل نحو الارتفاع وتزداد دخول رجال الأعمال، بينما لا ترتفع الأجور وأسعار الفائدة إلا ببطء. وهذا يعنى اتساع الربح أو الفائض. وهنا يبدأ التفاؤل وإذا بدأ فسوف ينتشر بسرعة وإلى كثير من المجالات، فالبنوك متأكدة أن المنظمون يربحون، ولذلك فهي لا تمانع في الإقراض، فتتوسع في الائتمان ويتمادى المنظمون في الاقتراض ويتوسعون في الإنتاج طالما أن الأرباح والمتوقعة تفوق سعر الفائدة.

إن هذا الرواج غير العادي يصيب رجال الأعمال ” بلوثة” من الفرح والغبطة فيبالغون في التفاؤل، وتصيب حمى التكالب على الكسب غالبية رجال الأعمال، وهكذا يصل المجتمع إلى “الفورة” الاقتصادية التي قد تستمر عدداً من السنين.

الاتجاه التنازلي

أ . نقطة التحول التنازلي

      وبما أن الكساد يولد الانتعاش ذاتياً، فإن ظروف الرواج الجامد تحمل بين ثناياها عوامل إيقافها، فالمجتمع قد وصل إلى مرحلة التوظف الكامل وبعض الأجور قد أخذت في الارتفاع، وزيادة الطلب على العمل قد أدت إلى توظيف عناصر أقل كفاية بأجور قد تفوق إنتاجيتهم،

      وقد بدأ سعر الفائدة في الارتفاع، وارتفعت كذلك أثمان معظم الخامات ومعدات الإنتاج، وبدأت نفقات الإنتاج تسير في مرحلة تصاعدية، ويأتي الوقت الذي تتخطى فيه نفقات الإنتاج في مرحلتها التصاعدية أثمان المنتجات، فتتناقص فرص الربح، ويتضاءل الفائض والربح تدريجياً، ويختفي فائض الربح من بعض المنشآت وتلحق منشآت أخرى خسارة.

      عندما تقارب مرحلة الرواج على الانتهاء. يبدأ القلق. وقد يساور القلق البنوك، فتلوح بطلب رد القروض التي سبق أن قدمتها، مما يؤدي إلى إحراج المركز المالي للمقترضين، الأمر الذي يؤدى إلى انتشار عدوى القلق والذعر في دوائر الأعمال ويصبح الجو ملبداً بغيوم التشاؤم التي تقود إلى مرحلة النكسة.

 ب. مرحلة النكسة

      في هذه المرحلة يصاب كل منظم بالقلق على مركزه، ويتيقن أن مرحلة الكسب قد أوشكت على الانتهاء، فيتوقف المنظمون عن طلب معدات وخامات جديدة، ويحاول البعض منهم تخفيض معدلات القروض، وتبدأ أخبار الإفلاس في الانتشار، وتزيد الشائعات وتنتشر ويزداد الذعر، ويزداد تفضيل الأفراد للنقد السائل، فيضيفون بذلك إلى تيار الانكماش، وإذ يقل الإنفاق فتنخفض أرقام المبيعات فيزيدون قلق رجال الأعمال تأكيدا.

      وكما أن الرواج يغذى نفسه، فإن الانكماش يغذى نفسه كذلك، ولأن كل فرد يفكر في نفسه، فيحاول إنقاذ المركز المالي أو يمتنع عن الإنفاق وسرعان ما يتجمع أثر الامتناع عن الاتفاق بالتكالب على الاكتناز، فتبدأ بوادر الانهيار، وتنتشر أخبار الإفلاسات، وإذا انهارت منشأة فإنها تخلف وراء انهيارها صعوبات عملية وسيكولوجية لكل من كان يتعامل معها من المنشآت الأخرى. فيطغى التشاؤم على الجميع، ويعم اليأس والبؤس بين العاطلين الذين سُرحوا من المنشآت التي أفلست أو خفضت من معدلات نشاطها، فتؤدى البطالة إلى بطالة، بكل ما لها من آثار انكماشية، وبعد فترة يجد المجتمع نفسه قد عاد إلى ظلمات الكساد مرة أخرى فترة يستمر مداها رد فعل بقدر ما كان الانحراف شديداً خلال مرحلة التضخم التي سبقت الانهيار.

ثالثا: النظام الاقتصادي الاشتراكي

      بعد تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي ظهرت العديد من المشكلات التي أوجبت ضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وإدارته. وكان التحول من النظام الرأسمالي إلى نظام يعتمد على الملكية الجماعية لمعظم عوامل الإنتاج واتباع أسلوب التخطيط الاقتصادي لإدارة النشاط الاقتصادي من خلال النظام الاقتصادي الاشتراكي.

1. مفهوم النظام الاقتصادي الاشتراكي ونشأته

تعريف النظام الاقتصادي الاشتراكي

      يطلق لفظ الاشتراكية Socialism للتعبير عن الكثير من المعاني المختلفة، فأحياناً يطلق على مجرد تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وبذلك تكون الاشتراكية نقيضاً لسياسة الحرية الاقتصادية. كما يطلق، أحياناً، للتعبير عن تدخل الدولة في حياة العمال، والطبقات الفقيرة، بهدف سن التشريعات الاجتماعية، والاقتصادية، التي تخفف معاناتهم، وتمنحهم بعض المزايا.

إلا أن الاشتراكية، من الناحية العلمية، تعني النظام الذي تؤول فيه ملكية مواد الإنتاج، والأراضي، والآلات، والمصانع للدولة. بمعنى آخر، فإن الاشتراكية، على خلاف ما تقتضيه الرأسمالية، تقوم على الملكية الجماعية لعناصر الإنتاج المختلفة.

      أخذت الاشتراكية، في الفكر الاقتصادي والتطبيق الفعلي، صورتين، صورة الاشتراكية الخيالية، وصورة الاشتراكية الماركسية نسبة إلى كارل ماركس. فقبل ظهور الاشتراكية الماركسية، كان المنادون بالاشتراكية يحاولون تصوير عالم خيالي، تسود فيه مبادئ الاشتراكية الخيالية، وتنعدم فيه مساوئ النظم الاجتماعية، والاقتصادية، السائدة، محاولين إقناع الأفراد، والحكومات، بالمشاركة في إقامة هذا العالم الخيالي. وكان اعتمادهم، في ذلك، على التأثير العاطفي المصحوب بسردٍ للمساوئ الاجتماعية، والاقتصادية، التي كانت سائدة في تلك الفترة. ومن هذا المنطلق فإن الاشتراكية الخيالية لم تكن ذات أساس علمي تحليلي، وإنما كانت مجرد تخيلات وأحلام، ليس لها أساس علمي. أما الصورة الثانية من صور الاشتراكية فكانت الاشتراكية الماركسية، أو الاشتراكية العلمية، التي حاول كارل ماركس بناءها على أساس علمي، محاولة لتميزها عن الاشتراكية الخيالية، ولدحض حجج الرأسمالية، التي اعتمدت المنهج العلمي أداة رئيسية في تحليلها للقضايا الاقتصادية المختلفة.

2. الجذور التاريخية للمذهب الاشتراكي

      يرجع الكثير من مؤرخي الفكر الاقتصادي المذهب الاشتراكي إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون، الذي صوّر في كتابه (الجمهورية) مجتمعاً مثالياً يعيش فيه الناس حياة ملؤها السعادة، والحرية، والعدالة. وقد بنى أفلاطون هذا المجتمع على ثلاث فئات من الناس هي:

الفئة الأولى: فئة الصناع، الذين يبنون المنازل، وينتجون الطعام، والملابس.

الفئة الثانية: فئة المحاربين، الذين يدافعون عن الوطن ضد العدوان الخارجي.

الفئة الثالثة: فئة الحكام الفلاسفة، الذين يتم اختيارهم بكل عناية ودقة، ويحرم عليهم كل أنواع الملكية الخاصة، حتى ينصرفوا إلى رعاية حكمهم وإقامة العدل بين الناس.

      وقد كان أفلاطون يهدف، من وراء ذلك، إلى تصوير مدينة مثالية، يعيش فيها الناس سعداء متحابين، وتزول منها كل صور الظلم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي. ورغم أن أفكاره ظلت أفكاراً خيالية بعيدة عن التطبيق الواقعي، إلا أنها ظلت حاضرة في أذهان الكثير من الفلاسفة والمفكرين. فمنذ عهد أفلاطون، لم يمر جيل إلا ويظهر فيه مفكر، أو فيلسوف، يحاول مقاومة مساوئ نظام الملكية الخاصة، عن طريق تصوير مجتمع خيالي تنعدم فيه الملكية الخاصة، ويعيش فيه الناس أحراراً من كل القيود المادية والمعنوية. فقد أفضت القرون، التي فصلت بين عهد أفلاطون، وعصر الإصلاح الديني بالكثير من الأفكار التي تدعو للمساواة، والملكية العامة للمجتمع، وغير ذلك من الأفكار، التي تدعو للعدالة الاجتماعية لأكبر عدد ممكن من المواطنين. وقد تبنى هذه الأفكار الكثير من الفلاسفة، والشعراء، والقساوسة، اعتقاداً منهم بأن شيوعية المجتمع هي الحالة الطبيعية، وأن القانون الوضعي، الذي أوجد عدم المساواة والملكية الخاصة، والفروق الطبقية بين الناس، ليس هو التفسير السليم لقانون السماء.

      أما في عصر الإصلاح الديني، في أوربا، في القرن السادس عشر، فقد أثار مارتن لوثر الشكوك حول الملكية الخاصة، وعدّها من السيئات التي يجب أن يتخلص منها المجتمع. إلا أن هذه الآراء ظلت محبوسة في الإطار التخيلي، بعيدة عن التطبيق على أرض الواقع، خاصة في ظل النفوذ القوي، الذي كان يتمتع به الملوك والأمراء. واستمر الحال على هذا المنوال، حتى وضع كارل ماركس أساس الاشتراكية العلمية، التي كانت تهدف إلى تقويض مبادئ الرأسمالية، وساندها في ذلك التفاوت الطبقي، والاضطهاد الكبير، الذي عانته طبقة العمال، في الدول الأوربية، خلال القرن التاسع عشر. وقد أخذت الاشتراكية صوراً مختلفة حيث راوحت بين الاشتراكية الخيالية، والاشتراكية الإصلاحية، مروراً بالاشتراكية الماركسية أو العلمية. ومما لاشك فيه أن إسهام مفكري هذا المذهب قد أثرى الفكر الاقتصادي، وساعد في تطوره، خاصة أنها قد أخذت على عاتقها البحث عن نواقص النظام الرأسمالي وعيوبه.

3. عيوب النظام الاقتصادي الاشتراكي

      من الصعب أن يخلو نظام اقتصادي من العيوب، ومهما نجح هذا النظام في علاج عيوب ما قبله من نظم، إلا أن هناك بعض العيوب التي تشوب هذا النظام ومن أهمها:

  • عدم وجود الحافز القومي لضمان مزيد من تشجيع العمال على الإنتاج، وبالتالي إمكانية حدوث نوع من التراخي من جانب بعض المسؤولين عن إدارة أمور المشروع في ظل النظام الاشتراكي، وكذلك ضرورة توفير جهاز إداري ورقابي ضخم، لأن الدولة هي المسؤول عن المشروعات في ظل النظام الاشتراكي، ويؤدى ذلك إلى زيادة تكاليف الإنتاج من خلال وجود مزيد من الإجراءات الروتينية وتعطيل العمل داخل الجهاز الإداري للدولة.
  • عدم كفاءة أسلوب التخطيط المركزي لإدارة الاقتصاد القومي، فقد أثبتت التجربة والواقع انه رغم المزايا المتعددة التي يحققها التخطيط الاقتصادي، إلا أنه يحتوي على عيوب متعددة أهمها: أن السلطات التي تتولى التخطيط قد لا تملك المعلومات الكافية اللازمة للتخطيط على النحو الأكمل، فضلاً عن أن الواقع قد اثبت أن التخطيط يجر معه ذيولاً من البيروقراطية الخانقة، ويمهد لسيطرة الحزب الواحد في السلطة. كذلك فإن التخطيط كان يتم كثيراً على حساب فعالية الإنتاج القومي وكفاءته والسلوك الاقتصادي القويم.
  • ومن العيوب كذلك عدم وجود الحافز لاستخدام وسائل إنتاجية حديثة؛ الأمر الذي أدى ذلك إلى تخلف المعدات والآلات المستخدمة في العمليات الإنتاجية وما لذلك من آثار سلبية على جودة الإنتاج، وكذلك عدم الخبرة الكافية في مجال العلاقات التجارية الخارجية. كذلك ضعف جودة السلع التي تنتجها الدول الاشتراكية مقارنة بالدول الرأسمالية الصناعية. وبإحلال الملكية الجماعية والتخطيط الاقتصادي الشامل، فإن أفكاراً مثل المنافسة وقوى العرض والطلب وجهاز الأثمان لتوجيه الموارد وحافز الربح الشخصي لا تجد لها مكاناً في الاقتصاد الاشتراكي. فبدلاً من المنافسة بين المشروعات يكون هناك التنسيق المتكامل بينها. ويتم تخطيط المشروعات وتنفيذها وتوجيه الموارد في المجتمع عموماً، وفقاً لأهداف عينية مادية وليس نقدية، ويكون الهدف تحقيق الإنتاج وإنجازه، وليس الربح الشخصي. نخلص من هذا أن للنظام الرأسمالي مزاياه وعيوبه، كما أن للنظام الاشتراكي مزاياه وعيوبه.

4. الحزب الشيوعي في روسيا، البداية والنهاية

      في مارس عام 1898، انعقد المؤتمر الأول لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، الذي أصبح فيما بعد الحزب الشيوعي، وقد تكون هذا المؤتمر، من 9 مندوبين فقط يمثلون أربعة اتحادات عمالية، وعمال إحدى الصحف، وعصبة اليهود الاشتراكية الديمقراطية. وقد اجتمع هؤلاء المندوبون التسعة في مدينة منسك في الأيام الثلاثة الأولى من مارس، واعتبروا أنفسهم حزباً، ودعوا إلى الإطاحة بحكم آل رومانوف، ثم عادوا إلى منازلهم حيث اعتقل ثمانية منهم على الفور. وقد تمكن خلفاؤهم بعد أقل من 22 عاماً من الإطاحة بالحكومة الروسية، معتمدين في ذلك على عبقرية رجل لم يكن من بين هؤلاء التسعة، ولم يحضر اجتماع منسك الشهير، هو فلاديمير أوليانوف، الذي سمى نفسه (لينين) كما اختار لنفسه أيضاً أسماء مختلفة، في أوقات متعددة.

      ولد لينين لأب كان مدرساً، عالي الثقافة، إلا أنه طرد من المدرسة بسبب اشتراكه في أعمال الاحتجاج الطلابية. وبينما كان لينين يتعلم في بيته، اكتشف أعمال كارل ماركس، التي تبشر بانهيار الرأسمالية، وسقوط إمبراطورياتها، ورغم أن لينين قد حصل على ليسانس في القانون، إلا أن ولعه بالماركسية قاده إلى سويسرا، التي نشأت في أحضانها الماركسية الروسية، حيث التقى بليخانوف. وبعد عودة لينين إلى روسيا، تم اعتقاله، ومحاكمته، والحكم عليه بالسجن في سيبريا، ولذلك فقد كان لينين بعيدا حينما ولد حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في منسك عام 1898م. وفي عام 1900م هرب من سيبريا، وجمع قواه مع بليخانوف مرة أخرى، وأسس في ميونخ جريدة بعنوان الشرارة، كانت بعثاً جديد لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وكانت جريدة لينين. وفي عام 1903م عقد مؤتمر جديد لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي.

      وأطلق لينين على حزبه اسم (طليعة الطبقة العاملة ومنقذها). وبعد العديد من المناقشات، والمناوشات، والانشقاقات انقسم الحزب إلى جزأين، هما: (البلاشفة) أي الأغلبية، و(المناشفة)، أي الأقلية. وكان هذا الانقسام تعبيراً عن الاختلاف في الإستراتيجية الثورية لكلا الطرفين. وانحاز لينين إلى البلاشفة، بينما انضم بليخانوف إلى المناشفة وإن ظل الطرفان ينتميان إلى حزب واحد هو حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي.

      وقد خاض البلاشفة والمناشفة كل بطريقته حرباً ثورية، طويلة، ضد حكم آل رومانوف القيصري. وحينما اندلعت ثورة عام 1905م قاد تروتسكي ـ وهو أحد المناشفة البارزين ـ أول تنظيم سوفيتي عمالي في مدينة سان بطرسبورج. وبعد سحق هذه الثورة ونفي تروتسكي إلى سيبريا، إلا أنه سرعان ما هرب إلى الخارج.

      وفي عام 1912م كان لينين وجماعته قد قويت شوكتهم، وتمكنوا من طرد المناشفة خارج الحزب. وقامت الحرب العالمية الأولى وبسبب مظالم آل رومانوف، وفسادهم، ثم هزيمتهم أمام جحافل الجيوش الألمانية، ثارت ضدهم الجماهير، وأسقطت حكم القيصر نيقولا الثاني في مارس عام 1917م. وفي هذا المناخ الثوري ظهر لينين وأطلق صيحته الشهيرة:

      (إن الجماهير تريد الأرض والخبز ولكن الحكومة الثورية التي خلفت القيصر لا تحقق لها هذه المطالب ولذلك فلابد أن يقاتل البلاشفة من أجل الثورة الاشتراكية)

      وكانت هذه الظروف الثورية في صالح البلاشفة، الذين أصبحوا يعدون بمئات الألوف. وقد حدث في ذلك الحين أن ترك تروتسكي صفوف المناشفة لينضم إلى بلاشفة لينين. ودعا البلاشفة إلى ثورة مسلحة لإطاحة حكومة كيرنسكي، الثورية وفي 8 نوفمبر عام 1917م تمكنوا من الانتصار، وشكلوا الحكومة وحدهم برئاسة لينين، وعين ترويسكي وزيراً للخارجية في هذه الحكومة.

      في العام نفسه أجريت انتخابات الجمعية التأسيسية، ففاز البلاشفة بنسبة 25% فقط من مجموع الأصوات بينما فازت الأحزاب الاشتراكية المعتدلة الأخرى بنسبة 62% من الأصوات، أما النسبة المتبقية وهي 13% فقد فازت بها الأحزاب البورجوازية. وبعد أول اجتماع عقدته الجمعية التأسيسية، قرر لينين حلها كما قرر حظر نشاط جميع الأحزاب باستثناء حزبه البلشفي، الذي أطلق عليه اسم (الحزب الشيوعي السوفييتي) وفرض لينين هذا الحظر بالقوة، وأعمال العنف، والاغتيالات ضد زعماء هذه الأحزاب وكوادرها، دون تفرقة بين الاشتراكيين والبورجوازيين. وتم ذلك كله تحت شعار (مطاردة منظمات الثورة المضادة).

      وفي عام 1919م عقد الحزب الشيوعي السوفيتي مؤتمره الثاني، الذي أعطى الحزب الهيمنة المطلقة على كل شئ في الاتحاد السوفيتي، ورغم أن تروتسكي كان قد عقد (صلح برست ليتوفسك) مع الألمان، إلا أن ثمن هذا الصلح كان باهظاً، حيث تضمن فصل بولندا، وجمهوريات البلطيق وكذلك أوكرانيا عن روسيا السوفييتية. وتدخلت إنجلترا، وفرنسا، واليابان، والولايات المتحدة، لمحاولة إسقاط السلطة السوفييتية، دون جدوى، وتم جلاء قوات البلدان الأربعة فيما بعد عن الأراضي السوفيتية. وأقبل السوفييت على تأميم كل الاقتصاد السوفيتي في الصناعة، والزراعة، وإلغاء كل مظاهر الملكية الخاصة تقريباً. وفي عام 1920م شعر السوفيت بالمأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه، حيث انخفض الإنتاج بنسب واضحة. وفي عام 1921م قتلت المجاعة الملايين من أبناء الشعوب. وأمام هذه الكارثة، تراجع لينين عن التأميم الكامل لوسائل الإنتاج، واتبع ما سماه باسم (السياسة الاقتصادية الجديدة)، وأعاد الملكية الخاصة في كثير من القطاعات الإنتاجية. وأصيب لينين بأزمة قلبية وظلت صحته في تدهور حتى توفي عام 1924 عن 53 عاماً فقط.

      وقد ترك لينين الحزب الشيوعي السوفيتي وهو منقسم بشأن السياسة الاقتصادية الجديدة، التي كان تروتسكي وغيره ينتقدونها، باعتبارها عودة إلى الرأسمالية. وكان تروتسكي الوريث الطبيعي للينين، ولكن آلة الحزب كلها كانت في يد السكرتير العام، جوزيف ستالين، الذي كان قد اكتسب أهميته النضالية، من تدبيره وتنفيذه لعدة سرقات مسلحة، من أجل تمويل الحزب، أثناء الكفاح ضد القيصرية.

      وقد طالب لينين في وصيته خلفاءه تنحية ستالين، ولكن ستالين استطاع أن يسرق السلطة من الجميع، بمساعدة اثنين من رفاق لينين الكبار، هما “كاسينيف” و”زينوفيف”. ثم انقلب ستالين عليهما، هما الآخران، بعد ذلك، وتحالف مع كل من “بوخارين” و”ريكوف”، وهما من الشيوعيين المحافظين. وفي عام 1936م أصبح ستالين قيصر روسيا الذي لا ينازع.

      وطوال هذه الفترة، ظل الحزب الشيوعي حزب أقلية، حيث لم يكن عدد أعضائه يتجاوز عشرة في المائة من الناخبين الروس. وقد عطل ستالين الحزب كله، حيث لم يعقد مؤتمر للحزب خلال الفترمن من 1929 إلى 1952م، وفضّل أن يدير الأمور بنفسه. وفي عام 1953م توفي ستالين، وخلفه في أمانة الحزب الشيوعي نيكيتا خروشوف، الذي حاول تصحيح سياسات ستالين، إلا أن حركات التمرد ضد الشيوعيين في كل من بولندا، والمجر، في عام 1956م، اضطرته إلى التخلي عن سياسته الجديدة، والعودة إلى النظام القديم.

      وفي عام 1964م، أطيح خروشوف، وخلفه ليونيد بريجينيف، الذي قمع ثورة تشيكوسلوفاكيا في عام 1968م، وغزا أفغانستان عام 1979م، ووضع دستوراً أشد تطرفاً في عام 1977م ينص على أن الحزب الشيوعي هو القوة القائدة والمرشدة للمجتمع السوفيتي. واستمر الحال في الاتحاد السوفيتي حتى جاء ميخائيل جورباتشوف، رئيساً للاتحاد السوفييتي في عام 1985، وأعلن سياسة البيريسترويكا. وتعني هذه السياسة إجراء الإصلاحات الاقتصادية، وفقاً للخيار الاشتراكي، أي أنها لا تعني التحول نحو النظام الرأسمالي، كما يعتقد البعض. وفي هذا الخصوص يقول جورباتشوف: “إننا نقوم بإصلاحاتنا وفقاً للخيار الاشتراكي، ونحن نبحث داخل الاشتراكية، وليس خارجها، عن إجابات لكل الأسئلة المطروحة، ونحن نقوّم نجاحاتنا وأخطاءنا على السواء، بمعايير اشتراكية، والذين يأملون بأننا سنبتعد عن الطريق الاشتراكي سيصابون بخيبة أمل كبيرة. ولهذا السبب فإن كل قسم من برنامج البيريسترويكا يرتكز على مبدأ مزيد من الاشتراكية، ومزيد من الديموقراطية. إن الاشتراكية نظاماً اجتماعياً فنياً وبصفتها طريقة للحياة، تملك إمكانيات ضخمة للتطور الذاتي، والإتقان الذاتي، وعلينا أن نكشف عنها، وتملك إمكانيات ضخمة، كذلك، لحل المشكلات الرئيسية للتقدم العلمي، والتكنولوجي، والاقتصادي، والثقافي، والفكري، للمجتمع المعاصر، ولتطوير الإنسان الفرد، وهذا ما يشير إليه الطريق، الذي اختارته بلادنا منذ أكتوبر 1917م، الطريق، الذي كان مليئاً بصعوبات عديدة، وأحداث فاجعة، وعمل مجهد، كما كان مليئاً في الوقت نفسه بانتصارات وإنجازات عظيمة”.

      ونتيجة لهذا الإيمان العميق بقدرة الاشتراكية، بصفتها نظاماً، على إصلاح الخلل الاقتصادي، والاجتماعي، الذي كان يعانيه الاتحاد السوفيتي، فقد فضل الرئيس السوفيتي جورباتشوف خطة الاقتصادي السوفييتي “ستانيسلاف شاتالين”، التي كانت تقوم على مبدأ السلطة الاقتصادية للشعب وتتضمن تحويل أكثر من ثلاثة أرباع الاقتصاد السوفيتي إلى القطاع الخاص، وتحويل الشركات الكبرى إلى شركات مساهمة، وبيع المنشآت الصغيرة إلى القطاع الخاص والسماح للمزارعين بالإنسحاب من المزارع الجماعية، التي سيتم تفكيكها، وتسليم قطعة من الأرض وقدر من رأس المال، لكل مزارع، دعماً للمبادرات الفردية.

      وفي 19 أكتوبر عام 1990م حظي الرئيس السوفييتي بموافقة مجلس السوفيت الأعلى على خطته الاقتصادية، التي تتضمن خطة شاتالين، وترمي إلى التحول من أسلوب التخطيط المركزي القديم، إلى الاقتصاد الحر، مؤكداً أن ذلك ليس خروجاً على الاشتراكية، ولكنه في الواقع تقوية لها. وقد كانت هذه الخطة تسعى إلى خفض عجز الموازنة، وخفض الإنفاق العام، وزيادة إنتاج السلع الاستهلاكية، وزيادة الإنتاج الزراعي فضلاً عن رفع الأسعار بنسبة 70%.

      ورغم القوة النظامية، التي كانت تتمتع بها هذه الخطة، إلا أن رياح التغيير التي شهدها العالم الاشتراكي لم تتح الفرصة لتحقيق التطبيق الكامل للخطة. فقد انتعشت القوميات، والعرقيات، وأخذت تسعى إلى الاستقلال. وانتهى الأمر مع بزوغ فجر عام 1992م إلى تحول الإمبراطورية السوفيتية إلى خمس عشرة جمهورية مستقلة على رأسها جمهورية روسيا.

5. صور أخرى من التحول عن الاشتراكية

      لقد أعطى جورباتشوف الضوء الأخضر، لجماهير أوربا الشرقية، التي خرجت في حشود ضخمة تؤيد ما يطالب به من إصلاح للنظام السياسي والاقتصادي في المجتمع الشيوعي. أما ما كان يحدث في حكومات أوربا الشرقية فهو ـ طبقا لمبدأ جورباتشوف ـ أمر يخص سيادة كل دولة. وفيما يلي التطورات الهامة في الخريطة السياسية لأوربا الشرقية:

في بولندا

      أطاحت حركة (تضامن) بالحكومة الشيوعية، وحكمت البلاد عناصر غير شيوعية لأول مرة، وأصبح الحزب الشيوعي هامشياً.

في المجر

      تم حل الحزب الشيوعي المجري، وقيام حزب اشتراكي ديمقراطي خلفاً له، يؤمن بالتعددية الحزبية، وبالديمقراطية، وتبنى قوانين السوق، كما أعيدت كتابة الدستور وخرج إلى حيز الوجود بعض أحزاب المعارضة.

في تشيكوسلوفاكيا

      خرجت الجماهير في مظاهرات ضخمة تنادى بالإصلاح، واختفى وجه الزعيم الشيوعي التشيكى ميلوس جاكيس، الذي كان قد وافق عام 1968 على الغزو السوفيتي للعاصمة براغ بعد إطاحة دوبتشيك. ودعا فاتسلاف هاقل، رئيس تشيكوسلوفاكيا الجديد، إلى محو كل آثار النظام الشيوعي السابق في البلاد، الذي كان استمر 44 عاماً، وتعهد بإقامة دولة جديدة تحترم فيها حقوق الإنسان.

في رومانيا

      خرجت جماهير الشعب في مظاهرات تطالب بالإصلاح، وانتهت بإعدام الرئيس شاوشيسكو بعد مصادمات عنيفة مع حرسه الخاص، بعد اتهامه بالخيانة، ونهب أموال الدولة. وفي يوليو 1990م، وافق برلمان رومانيا من حيث المبدأ على خطة تعدّ اللبنة الأولى نحو التحول إلى نظام الاقتصاد الحر. وقد نصت الخطة على توزيع نسبة عشرين في المائة من القيمة التقديرية للصناعات المملوكة للدولة، على الشعب، على أن يتم هذا التوزيع في صورة سندات، أو صكوك تطرح للتداول في سوق للأوراق المالية، يتم تشكيلها في حينه.

في بلغاريا

      استقال أقوى وأصلب رجال الحكم في صوفيا الرئيس، تيدور جينيكوف، بعد أن تولى رياسة الحزب والدولة زهاء 35 عاماً، وقد بدأت رياح التغيير تعصف بالنظام الشيوعي هناك.

في ألمانيا الشرقية

      انتهت الأزمة، التي أحاطت بها، إلى الاستسلام للدعوة إلى التطور والديموقراطية، فاستقال الرئيس هونيكر الشيوعي المتشدد، من جميع مناصبه، واختارت اللجنة المركزية للحزب إيجون كرينتس خلفاً له. وكان لابد من هذه التوجهات المستجدة على المسرح السياسي رغم عناد ومعارضة هونيكر لأي إصلاح، إذ لم تكتف الجماهير بالتظاهر، والمناداة بالحرية. هذا في الوقت الذي كان فيه ألوف الألمان الشرقيين يغادرون بلدهم، هرباً إلى ألمانيا الغربية عن طريق المجر، أو تشيكوسلوفكيا، أو بولندا أو غيرها من المنافذ. كما تهاوى جدار برلين، وعاد شعب ألمانيا الشرقية ليعيش خلف ما تبقى من هذا الجدار. ورغم ما يقال عن أن فترة حكم إيجون كرينتس كانت مرحلة انتقالية، إلا أنه أمام التيار الجارف اضطر إلى الاعتراف بأن ألمانيا الشرقية لا يمكن أن تعيش بمعزل عن التغيير الذي يجتاح أوربا، وأن بيريسترويكا جورباتشوف ضرورية لمواجهه الموقف.

      وفي مساء 30 يونيه 1990م جاء الإعلان عن دمج النظامين الاقتصاديين في دولتي ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، بعد أن قررت الأخيرة جعل المارك الألماني الغربي العملة الرسمية فيها، واتباع نظام اقتصاد السوق الحرة. وقد تمت فعلاً هذه الوحدة الاقتصادية بين الدولتين في أول يوليو 1990م، لتكون خطوة تاريخية، على طريق التوحيد السياسي الشامل للألمانيتين. وفي 31 أغسطس 1990م تم التوقيع المبدئي على معاهدة توحيد شطري ألمانيا، في مدينة برلين الشرقية، بعد التوصل إلى تسوية آخر العقبات أمام هذه الوحدة. وتحدد المعاهدة الشروط القانونية لتوحيد شطري ألمانيا.

رابعاً: اقتصاديات السوق

      يقصد باقتصاديات السوق تلك الاقتصاديات، التي تعتمد على ميكانيكية قوى العرض والطلب؛ لتحقيق توازن السوق. وهذا يعني اللجوء لقوى السوق المتمثلة في قوى العرض والطلب؛ لتحديد وجهة المتغيرات الاقتصادية الرئيسة كمستوى الإنتاج والأسعار والطلب، من دون أن يكون هنالك أي تدخل يعيق حركة قوى السوق أو يؤثر فيها. وبشكل عام فإن من أهم المبادئ التي يجب توافرها في اقتصاديات السوق الآتي:

  1. مبدأ المنافسة الكاملة: يمكن القول إن حالة المنافسة الكاملة قد تحققت في السوق إذا توافرت الشروط التالية:

أ.  وجود عدد كبير من الوحدات الاقتصادية الاستهلاكية أو الإنتاجية، بحيث لا تستطيع الوحدة الاقتصادية الواحدة التأثير في مستوى الأسعار السائدة في السوق.

ب. حرية الدخول وإلى السوق والخروج منه من دون أي قيود أو تدخلات طبيعية، أو إجرائية.

ج. حرية انتقال عناصر الإنتاج بين صناعات وقطاعات الاقتصاد المختلفة، وفقاً للمعطيات المتوافرة في سوق عناصر الإنتاج وحدها.

د. تجانس السلع والخدمات المعروضة في السوق.

هـ. قدرة الوحدات الاقتصادية على الحصول على كل المعلومات المتعلقة بالسوق في الوقت نفسه، وبالدرجة نفسها.

      ويتضح مما سبق أن سيادة مبدأ المنافسة الكاملة في السوق يتطلب حرية التملك ومنع تدخل أي جهة أو فرض أي قيود من شأنها أن تؤثر في قوى العرض والطلب وعلى مستوى الأسعار السائدة في السوق.

  1. مبدأ الحرية الاقتصادية: ويقصد به حرية الوحدات الاقتصادية في اتخاذ القرار المناسب، وفقاً لمعطيات السوق، لا وفقاً لقرارات وقوانين إجرائية خارج نطاق السوق. وفي هذا الخصوص، يرى الاقتصادي الشهير “آدم سميث” أنه إذا تركت الحرية للأفراد لتحقيق مصالحهم الخاصة، فإن المصلحة العامة ستتحقق لا محالة لكونها تمثل المصالح الخاصة مجتمعة.
  2. عدم التدخل الحكومي: ويقصد به منع كل صور التدخل، التي من شأنها أن تؤثر في قدرة قوى العرض والطلب أو تعيقها عن توجيه الإشارات المناسبة للوحدات الاقتصادية الاستهلاكية أو الإنتاجية، مما قد يتسبب في تضليل تلك الوحدات، أو في إلزامها باتخاذ القرار، الذي لا يحقق مصالحها الخاصة. ومن ثم فإن تحقق التوازن الجزئي والعام يتطلب إعطاء الوحدات الاقتصادية الحرية في قراراتها الاستثمارية أو الاستهلاكية، من دون تدخل مباشر أو غير مباشر من الدولة في النشاط الاقتصادي.
  3. مبدأ حرية الملكية الفردية: ويقصد بها حرية تملك الأفراد لكل أدوات الإنتاج المختلفة وعناصره من دون قيود كمية أو نوعية، حيث يعتبر الفرد الوحدة الرئيسة للنشاط الاقتصادي، الذي يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة، التي تعدّ المحرك الأساس للنشاط الاقتصادي.

أ. اقتصاديات السوق والرأسمالية

      يتضح مما سبق أن اقتصاديات السوق ليست إلا صورة تطبيقية للفكر الرأسمالي، الذي وضع مرتكزاته الرئيسة آدم سميث وألفرد مارشال وغيرهما من الاقتصاديين، الذين حاولوا تفسير حركة النشاط الاقتصادي من خلال نظرتهم للملكية الخاصة والحرية الاقتصادية. فكما لاحظنا عند الحديث عن الفكر الرأسمالي أن مؤسسي هذا الفكر كلهم قد نادوا بحرية التملك، وعدم التدخل الحكومي، ومحاربة الاحتكار وغيرها من المبادئ، التي تقوم عليها فكرة اقتصاديات السوق، وتعد من ضروريات عمل قوى العرض والطلب، التي تحكم النشاط الاقتصادي.

      ولعل مبدأ اليد الخفية الذي نادى به آدم سميث يمثل واحداً من أهم منطلقات الفكر الرأسمالي، كما يمثل منطلقاً رئيساً للمؤمنين بقدرة قوى السوق على تحقيق المصلحة العامة. ففي كلتا الحالتين نجد أن الوحدة الاقتصادية تستجيب لإشارات السوق وتتخذ، وفقاً لذلك، قراراتها الاقتصادية المناسبة، التي تحقق مصالحها الخاصة، وبطريقة غير مباشرة تحقق المصلحة العامة، شريطة عدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.

      وكلتا الحالتين تعد الملكية الخاصة المحرك الرئيس للنشاط الاقتصادي، حيث يسعى الفرد الرشيد، في مجال الإنتاج والاستثمار، إلى تعظيم ربحه من خلال اختياره لأفضل توليفة من عناصر الإنتاج، التي تحقق أفضل توليفة من السلع والخدمات المنتجة، كما يسعى الفرد الرشيد في مجال الاستهلاك إلى اختيار أفضل توليفة من السلع والخدمات، التي تحقق له أقصى درجات الإشباع، وفقاً لدخله المحدود. ومما لا شك فيه أن سعي كل الأفراد إلى اتخاذ القرار الاستثماري والاستهلاكي المناسب سيكفل تحقيق المصلحة العامة، وسيعمل على تحقيق التوازن الجزئي والعام. ومن هنا يمكن القول: إن اقتصاديات السوق تمثل الصورة التطبيقية المثالية للفكر الرأسمالي.

ب. اقتصاديات السوق والاشتراكية

      عند الحديث عن الصور المختلفة للاشتراكية، لاحظنا أنها تنادي بالملكية العامة لعناصر الإنتاج لتكون وسيلة للحد من تمركز رؤوس الأموال وتراكمها لدى الرأسماليين، كما تنادي بحق الأفراد في الحصول على ما يكفل قدرتهم على الإنتاج فقط، ويستند الاشتراكيون في ذلك إلى نظريتهم الخاصة. في فائض القيمة والتركيب العضوي لرأس المال، مقيدين بذلك حق الفرد في التملك الخاص. كما لاحظنا عند الحديث عن المبادئ الرئيسة، التي تحكم اقتصاديات السوق أن حرية التملك وحرية القرار الاقتصادي، وفقاً لمبدأ المنافسة الكاملة، شرطان ضروريان لعمل قوى العرض والطلب اللازمة لتحقيق التوازن الجزئي والعام. ومن ثم فإنه يمكن القول:

(1) إن اقتصاديات السوق تمثل المجال التطبيقي للفكر الرأسمالي، الذي يعد الفكر المضاد للفكر الاشتراكي.

(2) إنه لا يمكن الجمع بين اقتصاديات السوق ومبادئ الفكر الاشتراكي؛ لكون الأخير يتضمن العديد من المبادئ، التي تعيق عمل قوى العرض والطلب كحرية التدخل الحكومي، ومنع الملكية الفردية لعناصر الإنتاج وغيرهما.

خامساً: ترجمة لبعض المفكرين الرأسماليين والاشتراكيين

  1. آدم سميث Adam Smith
  2. توماس روبرت مالتس Thomas Robert Malthus
  3. ديفيد ريكاردو David Ricardo
  4. كارل ماركس Karl Marx
  5. جون إستيوارت ميل John Stuart Mill

المصادر والمراجع

أولاًالكتب

  1. أريك رول، تاريخ الفكر الاقتصادي، ترجمة راشد البراوي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1986م.
  2. إسماعيل محمد هاشم، محاضرات في التطور الاقتصادي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1978م.
  3. أنور محمود،” اكتشافات واستكشافات”، تأليف ارفنج روبين، دار الشروق بدون تاريخ.
  4. بول جريجوري و روبرت ستيورت، النظم الاقتصادية المقارنة، ترجمة د. طه عبد الله المنصور، دار المريخ للنشر، 1994م.
  5. جريب،” خريطة الاتحاد السوفيتي”، مكتبة يوليو للترجمة والنشر والتوزيع، بدون تاريخ.
  6. جورج نايهانز، تاريخ النظرية الاقتصادية: الإسهامات الكلاسيكية، ترجمة أ.د. صقر أحمد صقر، المكتبة الأكاديمية، 1997م.
  7. جوزيف لاجورجي، النظم الاقتصادية، ترجمة غسان شديد، المنشورات العربية، 1980م.
  8. حازم الببلاوي، “دور الدولة في الاقتصاد الكلي”، دار الشروق، القاهرة، 1998م.
  9. حسين عمر، “تطور الفكر الاقتصادي”، الكتاب الأول، دار الفكر العربي، 1994م.
  10. حسين عمر، “تطور الفكر الاقتصادي”، الكتاب الثاني، دار الفكر العربي، 1994م.
  11. رفعت المحجوب،”الاقتصاد السياسي”، بدون ناشر وبدون تاريخ.
  12. زكريا أحمد نصر، “تطور النظام الاقتصادي”، الطبعة الأولى، مطبعة نهضة مصر، 1964م.
  13. سامي عفيفي هاشم، التجارة الخارجية بين التنظير والتنظيم، الكتاب الأول، الدار المصرية اللبنانية، 1991م.
  14. صلاح الدين نابق، “النظم الاقتصادية المعاصرة وتطبيقاتها”، مكتبة عين شمس، 1972م.
  15. عادل أحمد حشيش، “تاريخ الفكر الاقتصادي”، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1974م.
  16. عادل احمد حشيش،”العلاقات الاقتصادية الدولية”، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2000م.
  17. عبد الرحمن يسري أحمد، “تطور الفكر الاقتصادي”، دار الجامعات المصرية، 1979م.
  18. عبد المنعم البيه، ” تطور الفكر الاقتصادي، مؤسسة شباب الجامعة، بدون تاريخ.
  19. عبد المنعم راضي، ” مبادئ الاقتصاد- تحليل كلي وجزئي، مكتبة عين شمس، القاهرة، 1996م.
  20. عبد المنعم راضى، ومحمد بسيوني،” أسس تطور الفكر الاقتصادي”، مطابع الدار الهندسية، القاهرة، 2000م.
  21. على لطفي، “التطور الاقتصادي-دراسة تحليلية لتاريخ أوروبا ومصر الاقتصادي”، مكتبة عين شمس، القاهرة، 1984م.
  22. علي لطفي،” التنمية الاقتصادية، بدون ناشر، 1998م.
  23. على محروس شادي،”محاسبة شركات قطاع الأعمال العام”، مكتبة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ.
  24. فريد راغب النجار،”النظم والعمليات الإدارية والتنظيمية، وكالة المطبوعات، الكويت، 1977م.
  25. كمال حمدي أبو الخير،” الإدارة بين النظرية والتطبيق”، مكتبة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ.
  26. لبيب شقير، تاريخ الفكر الاقتصادي، نهضة مصر للطباعة والنشر، 1988م.
  27. محمد رضا العادل وآخرون،” التنمية الاقتصادية”، بدون ناشر، 1999م.
  28. محمد رضا العدل، ” النظرية الاقتصادية  الكلية” الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1995م.
  29. محمد محمود النصر، عبد الله محمد شاهين،” مبادئ الاقتصاد الجزئي”، دار الإنتاج للنشر والتوزيع، إربد، الأردن، 1992م.
  30. محمد يحيى عويس، “أصول الاقتصاد”، الجزء الأول، مكتبة عين شمس، 1976م.
  31. مدني عبد القادر العلاقي،” الادارة، دراسة تحليلية للوظائف والقرارات الإدارية”، مطابع دار البلاد، جدة، 1981م.
  32. ميخائيل جورباتشوف، البيريسترويكا، ترجمة حمدي عبد الجواد، الطبعة الرابعة، دار الشروق، 1990م.
  33. يمن الحماقي،” إمكانية ترشيد دور الدولة في تطبيق التخصيصية”، مؤتمر كلية التجارة، جامعة عين شمس، أكتوبر 1992م.

ثانياً: الدوريات:

  1. أحمد محمد وهبان، ” ظاهرة التخلف السياسي: رؤية جديدة للواقع السياسي في العالم الثالث”، مجلة كلية التجارة جامعة الإسكندرية للبحوث العلمية، العدد الأول، 1999م.
  2. إدريس عزام،” السلطة السياسية ووظيفتها الاجتماعية”، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 14، العدد 4، شتاء 1986.
  3. إيهاب عز الدين نديم،” الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتنمية الاقتصادية في العالم”، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة جامعة عين شمس، العدد الثاني، 1996م.
  4. بهيرة محمود الموجي، محمد اسعد النواني،” التخطيط الكلي للإنتاج: نموذج مقترح، مجلة كلية التجارة جامعة الإسكندرية للبحوث العلمية العدد الثاني، المجلد الخامس والثلاثون، 1998م.
  5. شريف لطفي، “حماية المستهلكين في اقتصاد السوق، مصر المعاصرة”، الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، العدد 425، يوليه 1991م.
  6. شعبان فهمي عبد العزيز، “الطلب الفعلي وآثاره الاقتصادية، دراسة مقارنة بين الفكر الإسلامي والفكر الاقتصادي الرأسمالي، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة جامعة عين شمس، العدد الثاني، 1995.
  7. صالح بن راشد العماري،” الآثار الاقتصادية لمعايير المحاسبة-دراسة تحليلية”، مجلة كلية التجارة-جامعة الإسكندرية للبحوث العلمية، المجلد الرابع والثلاثون، سبتمبر 1997.
  8. عبد السلام ابو قحف،” العولمة-التدويل والخيارات البديلة”، مجلة كلية التجارة جامعة إسكندرية للبحوث العلمية، المجلد الرابع والثلاثون، سبتمبر 1997.
  9. عمر سالمان،” التنسيق الدولي للسياسات الماكرو اقتصادية وخبرة التدخل في أسواق الصرف خلال الفترة من 1985-1987، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة جامعة عين شمس، العدد الثالث، 1997.
  10. قدري محمود إسماعيل، “ظاهرة الفوضى الدولية والمشروعات الكبرى للسلام وموقف الدول الكبرى منها، مجلة كلية التجارة جامعة إسكندرية للبحوث العلمية، الجزء الأول، مارس 1999.
  11. قدري محمود إسماعيل،” ظاهرة التحالفات والمحاور العربية/ العربية وانعكاستها السياسية على النسق الإقليمي العربي فى الفترة من 1973 إلى 1995، مجلة كلية التجارة جامعة الإسكندرية للبحوث العلمية، العدد الأول، مارس 1998.
  12. محمد السيد برس،”معالجة آثار مشكلة ارتفاع الأسعار بسبب التضخم على البيانات المحاسبية بين الفكر المحاسبي الإسلامي والوضعي”، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة جامعة الاسكندرية، العدد الثاني، 1997.
  13. محمد عبد الواحد، “تحرير التجارة الزراعية في جولة أوروجواي للجات وأثره على الدول المتقدمة والنامية”، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة جامعة عين شمس، العدد الأول، 1996م.
  14. محمود محمد العدل،” تحليل اقتصادي لسوق الائتمان الزراعي في ظل سياسات التحرر الاقتصادي،حالة مصر”، المجلة المصرية للدراسات التجارية جامعة المنصورة، 1997.
  15. نجوى على خشبة، “المستجدات العالمية (منظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي) وتأثيرها على تجارة المنسوجات في مصر”، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، كلية التجارة جامعة عين شمس، العدد الأول 1996م.

ثالثاً: الرسائل:

  1. أمينة أمين حلمي،” آثار التبادل التفضيلي بين مصر والسوق الأوروبية المشتركة على جوانب هيكل الاقتصاد المصري”، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1994.
  2. احمد السيد عبد المقصود،” دراسة اقتصادية لدور القطاعين الخاص والتعاوني في تسويق بعض المنتجات الزراعية”، رسالة ماجستير كلية التجارة، جامعة عين شمس، القاهرة، 1996.
  3. حنان ميلاد أبادير،” آفاق ومعوقات التوسع الزراعي الأفقي في مصر”، رسالة ماجستير، كلية الزراعة جامعة أسيوط، 1991م.
  4. خالد زكي محمود الديب،” دور السياسة النقدية والسياسة المالية في خفض الفجوة الادخارية – دراسة تحليلية منذ عام 1974، رسالة ماجستير، كلية التجارة، جامعة عين شمس، 1996.
  5. فاروق محمود الحمد،” التصنيع في إطار تطور التقسيم الدولي للعمل مع الإشارة بصفة خاصة إلى تجربة التصنيع في البلدان العربية”، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1990م.
  6. محمد عزت غزلان،” دور السياسة النقدية في التنمية والاستقرار الاقتصادي في البلاد النامية مع التركيز على الاقتصاد المصري”، رسالة دكتوراه ، كلية التجارة جامعة الإسكندرية 1993م.
  7. محمد نصر فريج سليمان،” اقتصاد الغذاء في جمهورية مصر العربية”، رسالة ماجستير، كلية الزراعة جامعة الزقازيق، 1990م.
  8. محمود عبد الرحمن،” تأثير الأبعاد السلوكية في إعداد البيانات المحاسبية اللازمة لاتخاذ القرارات”، رسالة ماجستير، كلية التجارة جامعة عين شمس، 1987م.
  9. محمود محمد عبد المجيد فواز،” الاستثمار في الزراعة المصرية”، رسالة دكتوراه، كلية الزراعة، جامعة طنطا، 1992م.
  10. منى طعيمة الجرف،”دور الصادرات في تنمية الاقتصاد المصري في ضوء التوجهات الاقتصادية الجديدة بعد عام 1974م”، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1996م.
اضغط على الصورة