دراسات أمنيةدراسات اقتصادية

دراسة تحليلية لمسار إفلاس الدول: ربع دول العالم مهدد بالإفلاس

يكتسي البحث في مسار إفلاس الدول في الظرف الراهن أهمية بالغة نظرًا لتفاقم أزمة الديون السيادية في مناطق عديدة من العالم جرَّاء التداعيات المتراكمة للأزمة المالية الجاثمة على الاقتصاد العالمي والتي ضاعفت من مخاطرها الأزمة الوبائية الكونية والحرب الروسية-الأوكرانية. وقد أدى ذلك بوكالات الترقيم السيادي إلى تخفيض تصنيف عدد من الدول ذات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحرجة إلى أدنى درجات السلَّم الائتماني؛ الأمر الذي يضعها على أبواب الإفلاس المالي، سواء أعلنت عنه تلك الدول أو تكتمت عليه إلى حين، بهدف تخفيف تداعيات الإعلان واستتباعاته على أوضاعها الداخلية.

وتزداد الحاجة لتناول هذا الموضوع كونه يمثل أبرز التحديات التي تواجهها مختلف اقتصادات العالم، لاسيما النامي منها في المستقبل المنظور، وذلك من أجل استكشاف مخاطره السيادية من جهة، وللتعرف على السيناريوهات المحتملة لمصير الدول المقبلة على الإفلاس السيادي وتأثيراتها على العلاقات الدولية. يضاف إلى ذلك، أهمية الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى جانب الأسواق المالية ووكالات الترقيم السيادي في نحت مستقبل الدول المتعثرة عن سداد ديونها.

فماذا يعني إفلاس الدول تحديدًا؟ وما أبرز أسبابه ومقدماته وتجلياته؟ وما تداعياته على الدولة والمجتمع؟ وما المآلات التي يقود إليها، والتجارب المختلفة في معالجة استتباعاته؟ تحاول هذه الورقة الإجابة على هذه الأسئلة، وفي السياق ذاته، تقدم تحليلًا لواقع الدول المُهدَّدة بالإفلاس في العالم.

متى تُصبح الدولة مُفلسة؟

وفق تعريف معهد التمويل الدولي(1)، يعني إفلاس الدولة أو “الإفلاس السيادي” (Sovereign default) أن الدولة أصبحت غير قادرة على الوفاء بديونها ومستحقاتها الخارجية من أقساط وفوائد بشكل عام؛ وهو ما يعني ضمنيًّا عدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الداخلية من حيث تسديد نفقات التسيير من أجور ونفقات توريد لحاجياتها الأساسية، خاصة تلك المتعلقة بمستلزمات الأمن الغذائي والأمن الصحي. ويمكن أن يتم ذلك بإعلان رسمي من حكومة تلك الدولة، أو حتى من دون إعلان رسمي من خلال مجرد “التخلف عن السداد”. بعبارة أخرى، يعكس الإفلاس السيادي فشل حكومة دولة في سداد دينها بالكامل. وقد يرافق ذلك الفشل إعلان رسمي من قبل الحكومة بعدم السداد أو رفض السداد الجزئي لديونها، أو الوقف الفعلي للدفعات المستحقة(2). كما يعني الإفلاس، فضلًا عن التخلف عن السداد والعجز عن توفير مستلزمات تسيير الدولة وتمويل ما تستورده من السلع والمواد الأساسية، الفشل في الحصول على أموال من جهات خارجية لتأمين تلك المستحقات(3). ويعني الإفلاس أخيرًا، اضطرار الدولة المفلسة، في بعض الحالات، لنقل قوتها وقدرتها السيادية إلى جهات عالمية، لتتمكن تلك الجهات من التحكم في الاقتصاد، من أجل تحصيل الديون. وفي حال إعلان الإفلاس دون تمكين الدائنين من التحكم في الاقتصاد، أو عدم الإذعان لتطبيق الشروط اللازمة للتأكد من القدرة على جمع الأصول المالية الخاصة بالدولة، والكافية لسداد ثمن الديون، فإن ذلك يعني أن الدولة ستقع في خطر عدم القدرة على الاستدانة في المستقبل من أي جهة تمويلية نظرًا لتضامن الجهات الدائنة فيما بينها.

أولًا: مقدمات الإفلاس

تسبق حالة الإفلاس الفعلي للدولة مظاهر عامة، وإن كانت تختلف من دولة إلى أخرى. ويمكن إجمال السمات الأساسية لتلك المقدمات فيما يلي:

  • استفحال الأزمة المالية، التي غالبًا ما تجتمع مع أزمة سياسية واجتماعية تعكس حالة من عدم الاستقرار السياسي وتفاقم الاحتقان الاجتماعي وضبابية الرؤية للمستقبل.
  • ضعف الحكومة القائمة على تسيير شؤون الدولة وحصول تغييرات متكررة فيها بما يؤشر على عجز ملحوظ في إدارة المالية العامة وتأمين مستلزماتها.
  • العجز عن توفير الخدمات والمرافق العامة بانتظام كانقطاع الكهرباء والماء وإمدادات الطاقة وشح في المحروقات وغيرها مما يولِّد حالة من الهلع الاجتماعي خوفًا من فقدان تلك الخدمات.
  • فقدان، أو اختفاء عدد من المواد الأساسية من أغذية وأدوية، وتفشي الاحتكار فيها، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ولجوء الناس إلى الشراء غير المنظم والاستهلاك غير الرشيد.
  • تضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع أسعار الصرف وشيوع عمليات سحب الودائع من البنوك، وبالتالي تقلص السيولة.
  • لجوء الحكومة إلى طباعة النقود لتغطية العجز بطرق ملتوية مثل إصدار السندات قصيرة الأجل من قبل البنك المركزي وتسييلها لدى البنوك التجارية، ما يستنزف رصيد السيولة البنكية ويؤدي إلى تراجع الاستثمار لغياب التمويل، ويسهم في تغذية معدلات التضخم التي تشهد ارتفاعًا غير مسبوق.

ثانيًا: أسباب الإفلاس

تتعدد العوامل الاقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى انهيار اقتصاد أي دولة، ولكن السياسة النقدية الضعيفة تبقى أهم هذه العوامل المُحدِّدة لمسارات تأزم وضعها المالي. وبشكل عام، هناك أسباب داخلية للإفلاس وأسباب خارجية:

الأسباب الداخلية

عادة ما تكون العلل التي تصيب الاقتصادات الوطنية ناتجة عن عوامل داخلية مباشرة وغير مباشرة، وتتمثل الأسباب الداخلية في:

  • تفاقم المديونية والاعتماد الكبير على الاقتراض، ولاسيما الاقتراض الأجنبي حيث يتم يتجاوز السقف المتعارف عليه دوليًّا، أي 60%(5). فمستويات الدَّين المُرتفعة، رغم أنها ليست دائمًا سمة من سمات الاقتصادات الهشة، يُمكن أن تُسهم في تدني التصنيف الائتماني للبلدان. فقد كانت ديون أربعة بلدان من مجموعة السبع تساوي أكثر من 75% من الناتج المحلي الإجمالي، أما في جامايكا واليونان، فقد تجاوز الدَّين 100% من الناتج المحلي الإجمالي.
  • تعطيل تدابير التقشف والتوسع في الإنفاق والترفيع في الميزانية العامة دون مراعاة القدرة على سد الفجوة المالية المترتبة عن تلك السياسة التي يمكن أن تؤدي إلى المزيد من الاعتماد على الجباية لتغطية العجز بما يسهم في ارتفاع معدل الضغط الجبائي وإرهاق الافراد والمؤسسات.
  • تضخم كتلة الأجور قياسًا بالناتج الإجمالي بشكل يثقل كاهل الدولة ويعرضها لابتزاز النقابات العمالية والمطالب الاجتماعية المشطة.
  • اعتماد سياسة نقدية غير حصيفة تعتمد آليًّا على الترفيع في أسعار الفائدة؛ ما يسهم غالبًا في تغذية التضخم وإعاقة الاستثمار وتفشي الفقر والبطالة.
  • الاستمرار في الاقتراض للاستهلاك بدل الاستثمار والإفراط في اللجوء للتمويل الداخلي بما يؤدي إلى شح السيولة ويدفع الحكومة إلى السحب من احتياطيات الدولة من العملة الأجنبية لسداد الديون.
  • استفحال المُعضلات الهيكلية التي تنخر النظام الاقتصادي لمدة طويلة وتحول دون تطوره ونهضته من مديونية وعجز في الميزانية وعجز في الميزان التجاري.
  • ضعف قدرة الدولة على التحكم في مواردها وثرواتها وفشلها في إدارتها بطريقة رشيدة تحول دون التدخل الأجنبي للسيطرة عليها وتوظيفها لغير صالح الدولة المالك الحقيقي لتلك الثروات(6).
  • تخلُّف الإصلاحات الاقتصادية الضرورية مثل تصحيح الاختلالات وترشيد النفقات وحوكمة المنشآت العامة وإصلاح منظومتي الدعم والجباية في اتجاه تقليص معدلات الضغط الجبائي ومحاربة الفساد.
  • تخلف الإنتاج وتراجع الإنتاجية بسبب تعطل محركات النمو الأساسية على غرار الاستهلاك والاستثمار والتصدير، وبالتالي تقلص الموارد الذاتية وخصوصًا من العملات الأجنبية(7).
  • الصراعات السياسية وعدم الاستقرار الحكومي؛ إذ غالبًا ما تؤدي الصراعات السياسية الداخلية إلى إضعاف الاقتصاد وخلق حالة من عدم اليقين وزيادة المخاطر. كما أن التغييرات الحكومية المستمرة أو المفاجئة على صعيد النظام السياسي قد تدفع الحكومات الجديدة إلى التشكيك في شرعية الديون السابقة وربما التوقف عن سدادها.

الأسباب الخارجية

  • اقتراض الأموال من سوق السندات الدولية، وتكون هذه العملية أكثر تكلفة بكثير بالنسبة إلى البلدان ذات التصنيف الائتماني الضعيف. فالمستثمرون يحتاجون إلى عوائد أكبر على ما يرون أنه استثمارات أكثر خطورة، وبالتالي يفرضون معدلات فائدة أعلى نتيجة لذلك. على سبيل المثال، يبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لمدة 10 سنوات 2.16٪ فقط. على النقيض من ذلك، فإن السندات المماثلة التي أصدرتها جامايكا مؤخرًا تدفع 6.44٪ سنويًّا. وقد وصلت عائدات السندات الحكومية اليونانية لمدة 10 سنوات إلى 29٪ في أوائل عام 2012، قبل أن تتخلف اليونان عن سداد ديونها مباشرة(4).
  • ضعف الاستثمار الأجنبي الذي يُعد أمرًا حيويًّا لأغلب البلدان، لاسيما النامية منها. ولتعزيز اهتمام المستثمرين، تستخدم البلدان الساعية لجلب الاستثمارات الأجنبية إستراتيجيات متعددة. وفي كثير من الأحيان، تصدر تلك البلدان سندات بعملات أخرى أكثر أمانًا لتكون أكثر قدرة على المنافسة في أسواق السندات الدولية، وقد أصدرت دول مثل الأرجنتين وجامايكا وبليز وأوكرانيا سندات بعملات دول أخرى. فعادة ما تكون معدلات التضخم للعملات المشتركة مثل الدولار والين واليورو أقل بكثير وأكثر استقرارًا من عملات البلدان المصدرة للسندات؛ وهذا يعني أن المستثمرين لا يحتاجون إلى القلق بشأن خسارة استثماراتهم لقيمتها.
  • تراجع الترقيم السيادي للدولة، فالتصنيف الدوري الذي تجريه وكالات التصنيف العالمية له أهمية كبرى. وإذا تراجعت دولة إلى أدنى درجات السلم مثل الأخيرة أو ما قبلها فإن ذلك يحول دون الوصول إلى مصادر التمويل الدولية.
  • منهج الإقراض غير الحكيم وغير المنتج، فإذا اتجه الإقراض للمشروعات غير المنتجة مثل المشروعات الخدمية غير ذات العائد وأفرطت الدولة في هذه السياسة فإن من شأن أن ذلك يسرِّع الوقوع في التعثر والتخلف عن السداد على غرار ما حدث في معظم دول أميركا الجنوبية التي وقعت في الإفلاس السيادي والبعض منها عدة مرات.
  • تأثير الظروف الاقتصادية العالمية، فالركود العالمي وما يصحبه من تراجع في النمو ينعكس بالضرورة سلبًا على اقتصادات البلدان المتعثرة ماليًّا. فعلى صعيد الصادرات ينخفض التصدير نحو الأسواق الخارجية، وعلى صعيد الواردات تضطرب سلاسل التوريد وترتفع نسب التضخم.
  • تداعيات الحروب بين الدول المُصدِّرة للمواد الأساسية، على غرار ما حدث في الحرب الروسية-الأوكرانية؛ حيث تفاقمت أزمة الاحتياجات من السلع الزراعية وفي مقدمتها الحبوب. وقد تجلت تلك التداعيات بوضوح على اقتصادات البلدان المستوردة لتلك السلع، وهي في أغلبها بلدان نامية مهددة بالإفلاس أو تعاني من أزمات مالية مثل مصر وباكستان وتونس وإثيوبيا والسلفادور وغانا والسودان وسوريا والأردن.

ثالثًا: “حلقة الموت” أو طريق الإفلاس

تصف حلقة “الموت” أو “حلقة العذاب” أو “الدوم لوب” (Doom Loop) الوضعية التي يؤدي فيها أحد الإجراءات أو العوامل السلبية إلى تشغيل عامل سلبي آخر، والذي بدوره يؤدي إلى تشغيل عامل سلبي آخر أو يتسبب في تفاقم العامل السلبي الأول. وتتواصل الدورة السلبية باستمرار في حلقة مُفرغة يصبح فيها الاتجاه التنازلي معززًا ذاتيًّا(8). تنطبق وضعية “حلقة الموت” بدقة على أزمة الديون اليونانية في عام 2009، حيث كشفت الحكومة اليونانية الجديدة أن الحكومات السابقة قد أخطأت في الإبلاغ عن المعلومات المالية الوطنية. وفي عام 2010، كشفت الحكومة عن عجز في الميزانية بمستويات صادمة، كانت أسوأ بكثير مما كان متوقعًا؛ فقد تجاوزت نسبة العجز في تقديرات أولية 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم وقع تعديلها لاحقًا لتصل إلى 15.4%. وبالتالي ارتفعت تكاليف الاقتراض في اليونان وخفضت وكالات التصنيف الائتماني الديون الحكومية للبلاد إلى مرتبة عالية المخاطر(9).

وقد أدى الكشف عن عجز أعلى من المتوقع إلى انحسار ثقة المستثمرين وانتشار الخوف بشأن مستويات الديون المرتفعة في بلدان منطقة اليورو الأخرى. وتباينت ردود فعل الجهات المالية المختصة حول خطط الاستجابة المالية العاجلة والآجلة. ومع انتشار المخاوف بشأن الديون السيادية في منطقة اليورو أصبح المقرضون يطالبون بمعدلات فائدة أعلى على الديون السيادية لأية دولة في الاتحاد الأوروبي، خاصة منها ذات الأسس الاقتصادية الضعيفة؛ ما زاد من صعوبة توفير الموارد اللازمة لتمويل عجز ميزانياتها. وقد حدا هذا الوضع ببعض الدول إلى الزيادة في الضرائب وخفض الإنفاق؛ ما أدى إلى تباطؤ اقتصاداتها المحلية.

تبعًا لذلك، شهد العديد من البلدان، بما في ذلك اليونان وأيرلندا والبرتغال، تخفيضًا في تصنيف ديونها السيادية من قبل وكالات التصنيف الائتماني الدولية؛ ما أدى إلى تضاعف مخاوف المستثمرين الذين سارعوا إلى بيع سنداتهم التي تمتلكها البنوك المحلية (10). ومع انخفاض قيم السندات، أصبحت البنوك المحلية تعاني من خسائر فادحة، وعانت الموارد المالية الحكومية من الضغط المتزايد بسبب التهديد بخطة إنقاذ البنوك المحتملة؛ ما جعل ديونها أكثر خطورة وخلق المزيد من الخسائر لتلك البنوك(11). ومن أجل كسر “حلقة الموت” التي انتشرت بالفعل وخلقت أزمة الديون السيادية الأوروبية، في أواخر عام 2010، صوَّت البرلمان الأوروبي لإنشاء “النظام الأوروبي للرقابة المالية” الذي أوكلت له مهمة الإشراف المالي المتسق والمناسب في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي(12). وفي السياق ذاته، تلقت اليونان العديد من عمليات الإنقاذ من كل من البنك المركزي الأوروبي (ECB) وصندوق النقد الدولي (IMF) خلال السنوات التالية مقابل إجراءات التقشف التي خفضت الإنفاق العام ورفعت الضرائب.

من خلال ما تقدم، يتبين أن كسر “حلقة الموت” يكون عادةً من خلال التدخل الخارجي لتوفير التمويل لوقف الدورة، مصحوبًا بإجراءات أخرى لاستعادة الصحة المالية الوطنية.

رابعًا: تجليات الإفلاس

يتجلى الإفلاس السيادي للدول، سواء باعتباره مسارًا له مقدماته وأسبابه وعوامله التي تقود إلى الإعلان عنه من خلال التخلف عن السداد أو رفضه بشكل مطلق، أو باعتباره حالة زمنية محددة تفصح فيه الدولة المفلسة عن ذلك، في جملة من المظاهر والعلامات التي ترتبط من حيث المضمون بالمقدمات والأسباب، بل هي نتيجة لها. ويمكن حصر تلك التجليات في النقاط التالية:

  • عجز الدولة عن تغطية احتياجاتها التمويلية من نفقات تشغيل وخدمة الدين لمدة محدودة تقدر عمومًا بستة أشهر لدفع رواتب موظفيها وتشغيل مصانعها وغير ذلك من الخدمات العامة.
  • تكرر حالة التعثر عن سداد الديون، وهو ما يعبَّر عنه اقتصاديًّا بـ”كرة ثلج الديون”، أي إنه كلما زاد التعثر والتخلف عن السداد زادت خدمة الدين وارتفعت نسبة الفائدة على الديون التي ستحصل عليها. ومن شأن ذلك الزيادة في حجم المديونية، وهكذا إلى أن تصل الدولة إلى مرحلة لا تستطيع فيها سداد تلك الفوائد.
  • غياب مصادر التمويل الخارجية، وفي حال وجودها يكون الإقراض بشروط مجحفة للغاية بسبب تدني الترقيم السيادي الناتج عن تخفيضات متتالية. في هذه الحال، لا تحظى الدولة بأية جدارة ائتمانية في الأسواق المالية.
  • ارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية، وتحديدًا الغذائية، وتراكم الضغوط الاقتصادية الأخرى الناجمة عن التضخم بصورة لا تتناسب مع القدرة الشرائية لفئات واسعة من الناس.
  • اللجوء المتكرر إلى الترفيع في الأداءات الجبائية وتوسيعها بشكل يؤدي إلى ارتفاع معدل الضغط الجبائي بشكل يرهق كاهل المطالبين بالأداء.
  • اضطرار الدولة إلى إعلان حالة التقشف ليس بغرض التنمية ولكن من أجل سداد الديون الخارجية.
  • ارتفاع نسق الاحتقان السياسي والاجتماعي بما يهدد حالة الاستقرار ويدفع البلاد نحو أزمة اقتصادية حادة، مدفوعة بجملة من العوامل الداخلية والخارجية، تعبِّر عنها المؤشرات الاقتصادية السلبية.

باختصار، يحدث إفلاس الدول عندما تجتمع عدة أزمات مع بعضها البعض، وهي: عجز الدولة عن سداد أقساط قروضها لعدم توافر الأموال، وعجزها عن سداد قيمة وارداتها من السلع والخدمات، والعجز عن دفع رواتب الموظفين، والعجز عن السيطرة على العملة المحلية وفقدان الاحتياطيات الأجنبية الضرورية.

خامسًا: تداعيات الإفلاس

لا شك أن التكتم على الإفلاس وتأجيل إعلانه يمكِّن الدولة من تقسيط تأثير التداعيات الداخلية على الأفراد والمؤسسات، ولكنه لا يقدم حلًّا للأزمة ولا يحول دون التداعيات الخارجية على صعيد الأسواق الدولية ووكالات التصنيف الائتماني والمستثمرين. فمن التداعيات الداخلية السريعة لحالة الإفلاس حدوث رجَّة قوية في النظام الاقتصادي من شأنها أن تدفع إلى حركة واسعة لسحب الأموال من البنوك تحوطًا من قبل المودعين من انهيار النظام البنكي، وهو ما حدث، على سبيل المثال، في حالتي اليونان ولبنان وقبل ذلك الأرجنتين. يلي ذلك تدهور سريع لسعر صرف العملة المحلية مع ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار. في هذه الحال، يلجأ أصحاب الأموال المسحوبة إلى ملاذات خارجية أكثر أمانًا. ومن أجل وقف تدهور قيمة العملة والحد من سحوبات الأموال، تلجأ الحكومة المتعثرة في سداد ديونها إلى إغلاق بعض البنوك وفرض قيود على حركة رؤوس الأموال. ومن التداعيات الداخلية كذلك، عجز الدولة عن دفع أجور الموظفين وسداد تكاليف شحن السلع المستوردة من الخارج؛ الأمر الذي يؤثر بشكل كبير على المواطن وعلى قدرته الشرائية.

أما على الصعيد الخارجي فتنعكس الرجة الاقتصادية على مستوى الأسواق المالية الدولية التي تلجأ بالضرورة إلى فرض إجراءات سريعة للتخلص من سندات الدولة المفلسة التي تشهد انهيارًا في قيمتها. يعقب ذلك مفاوضات بين الدولة المفلسة والجهات الدائنة بغرض التوصل إلى إعادة جدولة لديونها بشروط عادة ما تكون مكلفة. فالدولة المفلسة تبحث عن سبل لإنقاذ اقتصادها بأي ثمن كان. ومن التداعيات الخارجية أيضًا، ونتيجة للتعثر في سداد الديون، تصدر وكالات التصنيف الائتماني تحذيرات بشأن الاستثمار في الدولة المفلسة، ما يزيد من صعوبة الاقتراض من جديد.

عندما تفلس دولة وتتخلف عن سداد قروضها، قد تحاول البنوك المركزية جذب مستثمرين أجانب إضافيين من خلال رفع أسعار الفائدة على سندات الدولة. فعلى سبيل المثال، رفع البنك المركزي الأيسلندي سعر الفائدة الأساسي إلى 18% في عام 2008، بينما عرضت فنزويلا فائدة بنسبة 20% على أمل بيع سنداتها. وتؤثر مثل هذه الارتفاعات الكبيرة في أسعار الفائدة سلبًا على التصنيفات الائتمانية للبلدان نفسها، وغالبًا ما تؤدي إلى شطب المقرضين القروض التي لم تعد الدول قادرة على سدادها.

عندما يصل بلد ما إلى مرحلة الإفلاس، فإن التضخم الهائل هو النتيجة المحتملة للمستهلكين والشركات. فغالبًا ما تنخفض أسعار الأسهم وتنهار قيمة العملة الوطنية. وفي بعض الحالات، يمكن أن تحدث اضطرابات اجتماعية، على غرار ما حدث في الأرجنتين، عام 2001، حين قام السكان الغاضبون بأعمال شغب ونهبوا محلات التسوق، أو ما وقع في أيسلندا عام 2008، حيث اضطر رئيس البنك المركزي للاستقالة بعد أزمة كلفت الآلاف من الأيسلنديين وظائفهم ومدخراتهم المالية. لقد تسبب انهيار البنوك الأيسلندية في فقد 50.000 شخص مدخراتهم، وأصبح 25% من مالكي المنازل في حالة تخلف عن سداد الرهن العقاري، ووجد المواطنون أنفسهم أمام إجبارية إعادة تقييم مزايا الإنفاق الباذخ والاقتراض والاستهلاك والمضاربة(13).

يُمثل إفلاس الدولة إعلانًا عن فشل الحكومة في سداد أقساط الديون والفوائد عند استحقاقها. ولا يُشترط للإفلاس الجمع بين عدم سداد الديون المستحقة للدائنين والإعلان الرسمي من الحكومة بأنها لن تسدد الديون المُستحقة؛ إذ تتجه بعض الحكومات إلى عدم التصريح بهذه الحالة تلافيًا لردود الفعل الشعبية. ويمكن أن تبلغ أوضاع بعض الدول، على اختلاف قوتها، مرحلة الإفلاس بتوافر موجبات وفواعل مالية واقتصادية وسياسية دافعة للأزمة ومغذية للفشل. وقد شمل تاريخ الإفلاس خلال القرنين الماضيين ما يقرب من نصف دول القارة الأوروبية و40% من دول إفريقيا و30% من دول آسيا ومعظم دول أميركا الجنوبية.

عاشت بعض الدول عمليات إفلاس متتالية على غرار الإكوادور، التي أعلنت إفلاسها في عشر مناسبات، كما أعلنت كل من البرازيل والمكسيك وأوروغواي وتشيلي وكوستاريكا وإسبانيا وروسيا إفلاسها تسع مرات. أما ألمانيا فقد عرفت الإفلاس ثماني مرات، وبذلك احتلت الصدارة بين الدول الاقتصادية الكبرى التي أفلست، تليها الولايات المتحدة خمس مرات والصين والمملكة المتحدة أربع مرات. أما اليابان فقد أفلست مرتين، وفي العام 2001 أعلنت الأرجنتين أيضًا إفلاسها(1).

حالات إفلاس الدول خلال الفترة بين 1900 و2001

 الدول المُفلسةعدد حالات الإفلاس
1الإكوادور10 مرات
2البرازيلالمكسيكأوروغوايتشيليكوستاريكاإسبانياروسيا9 مرات
3ألمانيا8 مرات
4بوليفيا6 مرات
5الولايات المتحدة الأميركية5 مرات
6الصين والمملكة المتحدة4 مرات
7اليابانمرتين
8الأرجنتينمرة واحدة

المصدر: (The Business Standard)

وقد حذَّر رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 من أن أكثر من 50 من أفقر البلدان النامية معرض لخطر التخلف عن سداد ديونه ومهدد بالإفلاس الفعلي ما لم يقدم العالم الغني مساعدة عاجلة. وبيَّن أن 54 دولة، أي ما يقرب من 28% من دول العالم على قائمة المنظمة الأممية، تواجه ارتفاع احتمالية التخلف عن الوفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية(2). وبما أن الإفلاس قد طرق أبواب معظم الدول في العالم على اختلاف أحجامها وقدراتها الاقتصادية وامتداداتها الجيوسياسية، يجدر التطرق إلى التجارب الحديثة في الإفلاس، واستعراض الدول المُهددة حاليًّا بالإفلاس في كل من أوروبا وأميركا الجنوبية وإفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية.

1. أشهر حالات الإفلاس

تظل أشهر حالات الإفلاس في العقود القليلة الماضية التي كانت لها تأثيرات داخلية عميقة وانعكاسات خارجية كبيرة هي حالات المكسيك والأرجنتين وفنزويلا واليونان ولبنان. فيما يلي استعراض لتلك الحالات وقراءة في أسباب إفلاسها وآثاره:

اليونان

شهدت اليونان في العام 2010، أزمة خانقة بسبب الإفراط في الديون التي بلغت في مجملها 948 مليار يورو، وهو ما يشكِّل نسبة 400% من الناتج الإجمالي للبلاد؛ وهذه نسبة مرتفعة جدًّا، خاصة إذا ما اعتبرنا ما يصاحبها من التزامات وأعباء مالية أخرى تجعلها من أقسى الديون شروطًا وأعلاها فائدة لكونها كانت تتم تحت ظروف اقتصادية وسياسية ضاغطة. اتسمت هذه الأزمة بالإنفاق العالي على التسلح، إضافة إلى التسيب والفساد الإداري والبيروقراطية والمحسوبية السياسية وعجز الدولة عن تطبيق القانون لحسابات سياسية واجتماعية وخشيتها من سطوة النقابات. وبما أن أزمة الديون السيادية اليونانية شكلت أزمة مالية هيكلية هددت المنظومة الاقتصادية والمالية لمنطقة اليورو، فقد طُرحت مسألة خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي توقِّيًا لارتداداتها الإقليمية. في الوقت ذاته، اندفع الاتحاد الأوروبي إلى المسارعة بإنقاذ الموقف تجنبًا للانهيار التام، بالتوازي مع التزام الحكومة اليونانية بخطة تقشف لثلاث سنوات متتالية تهدف إلى خفض العجز في الميزانية إلى غاية عام 2015.

الأرجنتين

شهدت الأرجنتين أزمة غير مسبوقة بين عامي 1998 و2002 عُرفت بأزمة “كساد الأرجنتين العظيم”، أدت إلى تراجع النمو بنسبة 28% واتساع دائرة الفقر وارتفاع معدل البطالة الذي تجاوز 20%. فأعلنت الدولة إفلاسها عام 2001 بعد أن بلغت ديونها 145 مليار دولار وأصبحت عاجزة عن تسديدها. خلال تلك الأزمة وقع التفويت في 40% من الشركات المملوكة للدولة و90% من القطاع المصرفي مقابل إيرادات إجمالية بلغت نحو 49 مليار دولار. ولكن تلك المبالغ لم تنفق لمعالجة أسباب الأزمة أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بل أُنفقت على خدمة الديون التي تعود في أغلبها إلى المستثمرين الأجانب(3). وقد تسببت الأزمة في اضطرابات سياسية واقتصادية عصفت بالبلاد وأدت إلى سقوط الحكومة وفرار الرئيس إلى الخارج. وكان لإفلاس الأرجنتين تداعيات إقليمية حيث تسببت تلك الأزمة في إفلاس دول أخرى مجاورة.

المكسيك

أعلنت المكسيك إفلاسها، عام 1994، إثر أكبر أزمة مالية مرت بها البلاد، إلى جانب عدد من بلدان أميركا اللاتينية؛ ما أثَّر على مجمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي. تفجرت تلك الأزمة عقب إجراءات متسرعة أقدمت عليها الحكومة بضغط من صندوق النقد الدولي، من بينها تعويم مفاجئ وغير مخطط له للعملة الوطنية (البيزو) مقابل الدولار الأميركي؛ ما أدى إلى هروب مكثف لرؤوس الأموال وانهيار العديد من البنوك المحلية، فتفاقمت معدلات الفقر لتتجاوز 60%، ووصلت نسبة البطالة إلى 70%(4). وكانت المكسيك، قبل ذلك، قد تخلفت عن سداد قرض حكومي بقيمة 80 مليار دولار في العام 1982 وسط ارتفاع الدَّيْن العام بوتيرة سريعة بسبب برامج التوسع المالي الهائلة لإدارة الرئيس لويس إتشيفيريا. حدثت تلك الأزمة في أعقاب الصدمة النفطية في أواخر السبعينات وتدهور الأوضاع الاقتصادية، فانخفضت قيمة البيزو المكسيكي بنسبة 50%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11%، ما تسبب في تخلف المكسيك عن سداد ديونها للولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي.

فنزويلا

شهدت فنزويلا بدورها أزمة وُصفت بالاستثنائية من حيث الحجم والتأثيرات التي خلَّفتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. وقد أفرزت معدلات تضخم خيالية وغير مسبوقة في التاريخ الاقتصادي للدول (10 ملايين بالمئة)، وذلك بسبب الاعتماد على اقتصاد ريعي، تحديدًا قطاع النفط، بنسبة 96%. وقد عُرفت تلك الفترة بإدارة سيئة لقطاع الطاقة والاقتصاد عمومًا. ومع الانهيار المفاجئ لأسعار النفط والإفراط في الاستدانة، أعلنت الدولة إفلاسها عام 2016.

لبنان

تعد لبنان الدولة العربية الأولى في قافلة الدول المفلسة أو المتخلفة عن السداد وذلك عقب أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى تراكم الديون التي بلغت نسبة 170% من الناتج الإجمالي الخام. بدأت الأزمة بانهيار القطاع البنكي، العصب الرئيسي للاقتصاد القائم على القطاع الخدماتي بالأساس، ومن ثم انهارت العملة الوطنية، ما انعكس سلبًا على التحويلات المالية للبنانيين المقيمين في الخارج وتفاقم ظاهرة الفقر في المجتمع بشكل غير مسبوق. وقد أدى هذا الوضع المتفجر إلى إعلان الحكومة، أولًا، عن الإفلاس عبر محافظ البنك المركزي(5)، ثم تداركت ذلك بالتراجع عن الإعلان والاستعاضة بعبارة “التخلف عن السداد”، من أجل تخفيف الوطأة وتجنب الهزة التي قد تقود إلى المزيد من الغليان الشعبي والانفجار الاجتماعي. ولكن الأحداث اللاحقة التي مرت بها البلاد أثبتت حقيقة الإفلاس ولم يجد الإنكار نفعًا. ولا يزال لبنان غير قادر على الخروج من عنق الزجاجة ولا تزال مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي بين أخذ وردٍّ لتحديد طريقة توزيع الخسائر بين الدائنين الدوليين والبنوك التجارية والمودعين والدولة ممثلة في المصرف المركزي. ولن تكون عملية الخروج من النفق دون كلفة سياسية نظرًا للشروط المجحفة التي تفرضها الجهات الدائنة عبر صندوق النقد الدولي وتدخله في الشؤون الداخلية بشكل يمس السيادة الوطنية للبلاد.

ويمكن تفسير أزمة الديون في لبنان بسببين تنظيميين وهيكليين، أولهما: السماح للبنوك التجارية اللبنانية بالمضاربة في العملات الصعبة المحولة من المغتربين في الخارج على صكوك الدين السيادية المقومة بالليرة اللبنانية بأسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي يمنحها مصرف لبنان المركزي، وثانيهما: الفساد المستشري في المؤسسات المالية والتنفيذية اللبنانية، خاصة تلك التي تتعلق بمشاريع التنمية لمرحلة ما بعد الحرب(6).

إلى جانب هذه الحالات المشهورة، شهدت عدة دول في مختلف مناطق العالم حالات تخلف عن السداد المفضي إلى الإفلاس، نستعرضها فيما يلي:

2. مسار إفلاس الدول في أوروبا

بالإضافة إلى الحالة اليونانية، تُعد أيسلندا وروسيا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا أبرز الدول الأوروبية التي أفلست أو يتهددها خطر الإفلاس. وتُعرف الدول الثلاث الأخيرة، إلى جانب اليونان وإيرلندا، بمجموعة دول “البيغس” (PIIGS)، وهو مصطلح يُستخدم من قبل محللي السندات الدوليين، للإشارة إلى الدول الأوروبية الأكثر مديونية والمرشحة للإفلاس.

أيسلندا

أفلست أيسلندا في العام 2008 بعدما بلغت ديونها 85 مليار دولار وجفَّت سوق الائتمان العالمية في أعقاب الانهيار الذي شهده القطاع المالي الأميركي. وقد نمت الفقاعة المصرفية إلى درجة أنه بحلول عام 2008، كان على النظام المصرفي ديون تعادل 10 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لأيسلندا. ومع انهيار أكبر ثلاثة بنوك فيما اعتُبر أكبر انهيار مصرفي منهجي في التاريخ، سقطت البلاد في ركود، وانكمش اقتصادها بنسبة 10% خلال العامين التاليين. ومن المثير للاهتمام، أن أيسلندا حققت انتعاشًا قويًّا بعد الأزمة، فاستقر معدل البطالة عند 4%. وبحلول العام 2014، أصبح اقتصادها أكبر بنسبة 1% مما كان عليه قبل عام 2008.

روسيا

تاريخيًّا، أعلنت روسيا إفلاسها 9 مرات، كان آخرها عام 1998 بدين قدره 17 مليار دولار، بعدما بدأت آثار الأزمة المالية الآسيوية وانخفاض الطلب على النفط في الضغط على الاقتصاد الروسي الذي تكبد ديونًا دولية هائلة وكان يعاني أصلًا من انخفاض الإنتاجية الوطنية. وأدت أزمة الروبل في السنة ذاتها إلى خسارة سوق الأسهم الروسية 75% من قيمتها، ووصل التضخم إلى 80% مع فرار المستثمرين من السوق. ولم تتمكن روسيا إلا من سداد أقل من 10 مليارات دولار من ديونها البالغة 17 مليار دولار لصندوق النقد الدولي، فانكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 5.3% ووصلت البطالة إلى 13%.

دول “البيغس” (PIIGS)

“البيغس” اختصار للبرتغال وإيطاليا وأيرلندا واليونان وإسبانيا، وهي الدول ذات الاقتصادات الأضعف في منطقة اليورو خلال أزمة الديون الأوروبية في العام 2012(7). في تلك الفترة، حظيت الدول الخمس باهتمام خاص من قبل الاتحاد الأوروبي بسبب ضعف الناتج الاقتصادي وغياب الاستقرار المالي، ما زاد الشكوك حول قدرة تلك الدول على سداد مستحقات حاملي السندات، وأثار مخاوف من تخلفها عن سداد ديونها. وباستثناء اليونان، التي استطاعت بعد بلوغها حافة الإفلاس التحكم في مديونيتها بفضل المساعدة الاستثنائية التي منحها إياها الاتحاد الأوروبي خشية انتشار العدوى إلى باقي دول الاتحاد، لا تزال أزمة الديون السيادية في باقي دول هذه المجموعة قائمة. فبالرغم من الانخفاض الملحوظ قياسًا بعام 2012، الذي سجل اندلاع أزمة الديون الأوروبية، لا تزال هذه الدول معرضة لتكرار نفس الأزمة بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من جهة، وبسبب السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي المتجهة منذ العام 2022 نحو ترفيع متواصل في سعر الفائدة. وقد أدت تلك السياسة إلى إفلاس ثلاثة بنوك مهمة في الولايات المتحدة، إلى جانب بنك كريدي سويس السويسري في العام 2023. ولا يزال معدل الدين الخارجي بالنسبة للناتج الإجمالي في هذه الدول مرتفعًا جدًّا؛ حيث يبلغ في إيطاليا 144% والبرتغال 113.9% وإسبانيا 113.2%. وهذه المستويات تؤشر على سوء إدارة المديونية في تلك الدول، وعلى بلوغها مرحلة متقدمة عادة ما تسبق مرحلة العجز عن السداد. وقد أشارت دراسة صادرة عن البنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2019، إلى أن ما يقرب من نصف الزيادات في معدلات الديون تنتهي بأزمات مالية. ويعود الأمر بدرجة كبيرة إلى سوء إدارة الديون التي ينتج عنها انهيار في أسعار السلع الأساسية والتباطؤ الاقتصادي الحاد، والتخلف عن السداد ومن ثم التورط في أزمة ديون جديدة(8)، أي الدخول في مسار الإفلاس والدوران في “حلقة الموت”.

3. مسار إفلاس الدول في إفريقيا

كينيا

طبقًا لوكالة موديز، تصنَّف كينيا ضمن البلدان الأكثر عرضة للخطر بسبب حجم الديون المستحقة بالنسبة لاحتياطياتها، وتفاقم التحديات المالية من حيث استقرار أعباء الديون. فكينيا تُنفق ما يقرب من 30% من إيراداتها المالية على مدفوعات الفائدة. وقد فقدت سنداتها التي تقدر بقيمة 2 مليار دولار مستحقة لعام 2024، أي ما يقرب من نصف قيمتها. ولا يمكن لهذه الدولة، في الوقت الراهن، الوصول إلى أسواق المال العالمية(9).

غانا

تمر غانا بأسوأ أزمة اقتصادية؛ حيث ارتفعت ديونها، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، إلى ما يقرب من 85%، وقد فقدت عملتها (السيدي الغاني) نحو 60% من قيمتها في العام 2023. ويتجاوز إنفاقها على مدفوعات فوائد الديون نصف عائدات الخزانة من الضرائب. كما يبلغ معدل التضخم 31%(10). وقد تخلفت في العام 2022 عن سداد غالبية ديونها الخارجية، ولا تزال بحاجة إلى مفاوضات تسوية مع حاملي السندات الدوليين من القطاع الخاص. وفي الوقت الراهن، تتفاوض الحكومة الغانية مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد وإعادة هيكلة ديونها الخارجية. ورغم توصلها لاتفاق أولي مع الصندوق على مستوى الخبراء في ديسمبر/كانون الأول الماضي للحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، إلا أن هذا الاتفاق يشهد تعثرًا؛ ما دفعها إلى التوجه شرقا إلى الصين للبحث عن حل بديل لتسوية ديونها.

مصر

بدورها، تشهد مصر أزمة اقتصادية ومالية عميقة لا يعكسها فقط حجم المديونية العامة التي تُعتبر الأضخم في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، فقد تضاعفت تلك المديونية ثماني مرات خلال العشرية الماضية (من 54 إلى 391 مليار دولار، منها 163 مليار دولار ديونًا خارجية). ويكشف العديد من المؤشرات عن أزمة مالية خانقة وعجز في الموازنة وركود اقتصادي، إلى جانب تضاؤل الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة وانهيار قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي. يضاف إلى ذلك نزوح الأموال الساخنة إلى الخارج وارتفاع أسعار النفط والحبوب، والآثار السلبية للحرب في أوكرانيا على القطاع السياحي.

تؤكد هذه المؤشرات جميعها أن الوضع الاقتصادي المصري بالغ التعقيد؛ ما جعل بعض التقارير الدولية يضع مصر في الترتيب الخامس عالميًّا في قائمة الدول المهددة بشكل جدي بالإفلاس. كما تشير التوقعات إلى أن مصر ستعجز عن سداد ديونها الخارجية خلال الفترة المقبلة بسبب كثرة القروض وفشل الدولة في توفير السيولة مقابل تراكم الدين العام نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. فقد بلغت تلك النسبة 93% عام 2022، وهي أعلى بكثير من الحدود الآمنة. في المقابل، تواصَلَ انهيار الجنيه المصري، فارتفعت الأسعار بمستويات غير مسبوقة وبلغ معدل التضخم 14.9%. وعلى الرغم من الإمدادات المتواصلة من صندوق النقد الدولي لإنقاذ الاقتصاد المصري، فإن مصر تحاول جاهدة الإفلات من فخ الإفلاس بكل الوسائل ومهما كانت التكاليف، بما في ذلك التمادي في عملية تدوير القروض، أي الاقتراض من جديد لتأمين سداد أقساط وفوائد القروض السابقة. وقد بلغت قيمة تلك القروض 28 مليار دولار؛ ما يضع مصر في المرتبة الثانية عالميًّا في حجم الاقتراض من الصندوق بعد الأرجنتين.

تونس

يمر الاقتصاد التونسي بمرحلة حرجة بسبب المصاعب والمشكلات المالية، خصوصًا بعد إعلان الوكالة الدولية للترقيم، موديز، تخفيض الترقيم السيادي للدولة للمرة العاشرة على التوالي. لكن هذه المرة تختلف عن المرات السابقة؛ حيث شمل التخفيض أيضًا المؤسسات المالية الرئيسية بما في ذلك البنك المركزي، إلى جانب أهم أربعة بنوك تجارية، إلى درجة متدنية جدًّا في السلم المعتمد لتصنيف الدول وهي (س أأ2) مع آفاق سلبية. وتبدو سبل الإنقاذ وتفادي الكارثة منعدمة بعدما تخلى صندوق النقد الدولي عن الطلب التونسي لتوقيع الاتفاق الذي كان من المفترض إبرامه، في ديسمبر/كانون الأول 2022. في المقابل، ثمة نوع من التعنت السياسي من أعلى هرم الدولة التونسية في القبول بشروط الصندوق من أجل المرور إلى التوقيع. وبالتالي، لا غرابة أن يكثر الحديث عن قرب الإعلان عن الإفلاس، ويذهب البعض إلى اتهام الحكومة بالتكتم على الوضع الحقيقي للاقتصاد خصوصًا بعد الزيارة المريبة لمدير الخزانة الفرنسية ورئيس نادي باريس المتخصص في إعادة جدولة ديون الدول المفلسة أو على وشك الإفلاس، وهي الزيارة الثانية لتونس في ظل تعتيم رسمي على دواعيها الحقيقية وتداعياتها المستقبلية.

تؤكد هذه المؤشرات أن تونس في طريقها للإفلاس، أو هي في وضع إفلاس غير معلن، وذلك للأسباب الموضوعية التالية:

– تخفيض الترقيم السيادي للبلاد من قبل كبرى وكالات التصنيف العالمية موديز إلى درجة (س أأ2) مع آفاق سلبية، بما يؤشر إلى إمكانية تنزيلها إلى أدنى من ذلك، أي التصنيف الخاص بالدول المفلسة حقيقةً أو حكمًا. ويعتبر هذا التخفيض بمنزلة تحذير للأطراف الدائنة لتونس وللأسواق المالية الدولية والمؤسسات المالية والمستثمرين عمومًا بأن البلاد مرشحة للتعثر في تسديد ديونها باعتبارها “ذات مخاطر عالية جدًّا”.

– ارتفاع الأسعار بشكل فاحش، وهو ما جعل معدل التضخم يتجاوز، لأول مرة، سقف 11% معدلًا عامًّا لكل أصناف المواد ويبلغ 39.8% للمواد الغذائية. وإلى ارتفاع الأسعار، بات التونسيون يعانون من ندرة أو اختفاء عدد متزايد من المواد الأساسية من الأسواق، في مقدمتها الزيت والسكر والأرز والدقيق والحليب، وكذلك المياه المعدنية والمشروبات الغازية والحلويات الصناعية والدواجن، فضلًا عن فقدان أغلب المواد التي تحظى بدعم الدولة. أما إجمالي الزيادات في سعر الوقود فقد بلغ حوالي 20% خلال العام 2013.

– اعتماد مفرط على الجباية وتوسع ملحوظ في النفقات. وقد بلغت نسبة الموارد الجبائية 87% من إجمالي ميزانية 2023، وهي نسبة عالية جدًّا وغير مسبوقة في تاريخ المالية العمومية بالبلاد. ويعود هذا الارتفاع إلى إقرار حزمة من الضرائب الجديدة على الأفراد والمؤسسات أهمها إحداث ضريبة على الثروة والترفيع في ضريبة القيمة المضافة من 13% إلى 19% لبعض المهن الحرة. بسبب ذلك، ارتفع معدل الضغط الجبائي إلى أكثر من 25%، وهو الأعلى عربيًّا وإفريقيًّا. في المقابل، تقلصت نفقات الدعم بنسبة 25% للمحروقات و30% للمواد الأساسية، كما تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة ليصل مستوى 96 يومًا فقط، مع غياب الرؤية الشاملة لمعالجة هذه الأزمات.

– ارتفاع نسبة المديونية بشقيها، الداخلي والخارجي، لتبلغ مستوى غير مسبوق قياسًا إلى الناتج الإجمالي (ما بين 90% و100% حسب مختلف التقديرات). وأصبحت ميزانية الدولة، التي تعاني من عجز يقترب من 10%، في حاجة ماسَّة إلى تعبئة موارد اقتراض بقيمة 24.5 مليار دينار منها 66.2% مرتبطة بالاقتراض الخارجي.

– تفاقم العجز التجاري بشكل قياسي بلغ 25.2 مليار دينار (8.18 مليارات دولار)، في العام 2023، مقابل 16.2 مليار دينار (5.22 مليارات دولار)، في العام 2021، بزيادة قدرها ثلاثة مليارات دولار، جرَّاء الارتفاع الحاد للواردات، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء.

4. مسار إفلاس الدول في آسيا

سريلانكا

أصبحت سريلانكا أحدث مثال على إفلاس الدول بعد فشلها في تسديد القروض الأجنبية. وقد اعترف رئيس الوزراء السريلانكي، رانيل ويكرمسينغ، بالإفلاس وأخبر البرلمان بأن الأزمة الاقتصادية ستستمر حتى نهاية العام 2024 على أقل تقدير. وكانت الحكومة قد أعلنت، في أبريل/نيسان 2023، تعليقًا مؤقتًا لسداد جميع الديون الخارجية البالغة 51 مليار دولار، كما أعلنت أنها تتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن خطة إنقاذ محتملة.

وقد نجم الانهيار المالي الذي واجهته الحكومة جزئيًّا عن التأثير المباشر لأزمة “كورونا” وتراجع مداخيل السياحة، لكنه تفاقم بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي والتخفيضات الضريبية التي أدت إلى تآكل إيرادات الدولة. وكان من أسبابه أيضًا سداد الديون الضخمة للصين وبلوغ احتياطيات النقد الأجنبي أدنى مستوياتها منذ عقد. في غضون ذلك، ارتفع التضخم مدفوعًا بطباعة النقود لسداد القروض المحلية والسندات الأجنبية، فيما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية الصالحة للاستخدام إلى أقل من 50 مليون دولار في بداية مايو/أيار الماضي. أما بخصوص خدمة الدين الخارجي، فعلى سريلانكا أن تدفع نحو 7 مليارات دولار متبقية من عام 2022، إلى جانب 25 مليار دولار مستحقة بين عامي 2024 و2026.

باكستان

تواجه باكستان أزمة مركبة تضعها في نظر المراقبين في قائمة الدول المهددة جديًّا بالإفلاس، على الرغم من إذعانها لشروط صندوق النقد الدولي للحصول على خط إقراضي جديد من جهة، واستمرارها في الاعتماد على الصين لتأمين ما تبقى من حاجياتها التمويلية من جهة أخرى. ومع ذلك، لم تسعف هذه القروض المزدوجة الاقتصاد الباكستاني الذي يعاني من اختلالات هيكلية عميقة. فقد ارتفعت الديون إلى مستوى غير مسبوق لتبلغ 270 مليار دولار، منها أكثر من 100 مليار دولار ديونًا خارجية و30 مليار دولار ديونًا صينية. وتمثل هذه الديون 74% من الناتج الإجمالي المحلي. ويعاني الاقتصاد الباكستاني من مصاعب أخرى، منها ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت مستويات قياسية منذ 50 عامًا لتصل عام 2022 إلى 41%. إلى جانب ذلك، تضاءل احتياطي البلاد من العملات الأجنبية إلى نحو 3.7 مليارات دولار فقط، وهو مبلغ لا يكاد يكفي لسد حاجيات البلاد لبضعة أسابيع من أجل تأمين واردات الطاقة والحفاظ على سير العمل في مؤسسات الدولة(11).

ومع خفض قيمة العملة المحلية (الروبية) أمام العملات الأجنبية ورفع أسعار الوقود وتقليص دعم المواد الغذائية وفرض المزيد من الضرائب وزيادة أسعار الفائدة إلى 20%، تشتد الضغوط المعيشية ويتضاعف مستوى الفقر. وقد أدت هذه المصاعب إلى تخفيض الترقيم السيادي لباكستان إلى أدنى الدرجات (س أأ3)؛ وهو ما يضعها على حافة الإفلاس. وتقدِّر وكالة موديز احتياجات التمويل الخارجي لباكستان بـ11 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز بكثير حزمة الإنقاذ المقترحة من الصندوق (في حدود 1.1 مليار دولار) والقرض الصيني (700 مليون دولار)، وهذا الوضع يجعل الدائنين يستعدون لاحتمال تخلف الدولة عن السداد.

5. سيناريوهات ما بعد الإفلاس: مآلات ومعالجات

مهما كانت صحة التقديرات التي تشير إلى حالة الإفلاس الفعلية لمختلف الدول التي تم التركيز عليها في هذه الورقة، والتي تتباين في حدة الأوضاع وشدة المصاعب التي تمر بها، فإن القاسم المشترك الذي يربط بينها هو طبيعة المناخ المفضي إلى الإفلاس سواء وقع الإعلان عنه أو التكتم عليه لاعتبارات سياسية واجتماعية. وبالتالي، فإن معظم تلك البلدان تتوافر فيها علامات الإفلاس التي شهدها المسار العام الذي سلكته دول عديدة أعلنت سابقًا عن إفلاسها. من الناحية العملية، تبدأ مرحلة ما بعد الإعلان عن الإفلاس بتعليق السداد وإعلام الأطراف الدائنة بذلك ثم الشروع في عملية هيكلة الديون وجدولتها، إلى جانب الدخول في مفاوضات جديدة مع الصندوق النقد الدولي. وعمومًا، لا تخرج الصورة عن السيناريوهات الثلاثة التالية:

سيناريو التحكم

في هذا السيناريو تتمكن الدولة من التحكم في الوضع الجديد عبر تدخل طرف أو أكثر من الدول الصديقة لمساعدتها، على غرار المثال اليوناني، الذي تمكن من التغلب على ظروف الإفلاس بتدخل قوي من الاتحاد الأوروبي. وكان ذلك التدخل ضمن خطة إنقاذ عاجلة خوفًا من توسع دائرة الأزمة وانتقالها إلى بلدان أوروبية أخرى. ودامت تلك الخطة خمس سنوات، ما بين 2010 و2015. ويتطلب هذا السيناريو حكومة وطنية رشيدة تتخذ سياسات اقتصادية فعالة تعالج جذور الأزمة التي أدت إلى الإفلاس، وأن تكون حكومة توافقية بعيدة عن التجاذبات السياسية والنزاعات الحزبية. غير أن سيناريو التحكم في مرحلة ما بعد الإفلاس لا يكتمل بين يوم وليلة، بل يستغرق سنوات للخروج من هذه الأزمة؛ ما يجعل جيلًا بأكمله يعاني لعقود طويلة.

سيناريو الانفلات

يحصل سيناريو الانفلات حين تفشل الدولة في إدارة مرحلة الإفلاس، وغالبًا ما تتوسع دائرة الأزمة في حالة الانفلات، لتتخذ أبعادًا إقليمية ودولية. من أمثلة هذا السيناريو ما حصل في الأرجنتين التي أعلنت إفلاسها عام 2001 إثر أزمة سياسية واقتصادية عنيفة عصفت بالبلاد وأجبرت الرئيس على الفرار إلى الخارج. وأدت تداعيات إفلاس الأرجنتين إلى إفلاس دول أخرى مثل الإكوادور والبرازيل والمكسيك وأوروغواي وتشيلي. ولم تتمكن الأرجنتين من التغلب على الأزمة إلا بتدخل قوي من صندوق النقد الدولي بضخ حوالي 57 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأرجنتيني والحد من تأثيرات الأزمة.

سيناريو التعايش

في هذا السيناريو تتعايش الدولة مع حالة الإفلاس غير المعلن إلى حين، وتحاول إدارة الأزمة الاقتصادية بجملة من الإسعافات الاستثنائية في انتظار اتضاح الأمور والاتجاه نحو أحد الخيارين السابقين، إما التحكم في الأوضاع والتوصل إلى خطة إنقاذ عبر تدخل صندوق النقد الدولي أو مؤسسات مالية أخرى، أو عبر تمويلات ثنائية بطرق خاصة، أو التوجه نحو نادي باريس أو نادي لندن لإعادة جدولة الديون. وفي كل الأحوال لا يتم ذلك إلا بتوجيه من صندوق النقد الدولي وتعليماته، على غرار ما يحدث منذ نحو سنتين مع كل من لبنان وكوستاريكا.

في كل هذه السيناريوهات، تبرز الأهمية المحورية لصندوق النقد الدولي. فالمرور عبره والتفاهم معه على المعالجة المطلوبة أمر لا مفر منه من أجل إعادة هيكلة الديون بشكل يحفظ ضمان مصلحة الجهات الدائنة ويسهِّل تجاوز تداعيات الأزمة.

6. خلاصات

نخلص مما سبق إلى جملة من الدروس المستفادة من تجارب الدول التي وصلت إلى حالة الإفلاس، سواء أعلنت عنها أم تكتمت عليها. فالسبب الرئيس لما قبل الإفلاس هو المديونية، والنتيجة لما بعد الإفلاس هي كذلك المديونية، أي الوقوع في نفس الفخ من جديد وتكرار التجربة عدة مرات. فالمديونية عنوان لخارطة طريق واحدة ومتشابهة في كل الحالات، وبالتالي لا غرابة أن تشهد بعض الدول حالات إفلاس متكررة في التاريخ كما حدث في الإكوادور (10 مرات)، البرازيل (9 مرات)، تشيلي (9 مرات)، كوستاريكا (9 مرات)، إسبانيا (9 مرات)، بوليفيا (6 مرات)، الولايات المتحدة (5 مرات)، وغيرها(13). والواضح من هذا التكرار أن الدول المعنية لم تستوعب الدرس ولم تستخلص العبرة لتبحث عن حلول بديلة لمعالجة أزماتها الهيكلية بدلًا من العودة إلى الوصفات الجاهزة التي يقدمها الصندوق للجميع بغض النظر عن خصوصيات كل بلد وقدراته. فالكثير من تلك البلدان لا يحرص على الاعتماد على الذات وتنمية فرص الاقتدار وتثمين الإمكانات والثروات المحلية التي تستنزفها القوى الأجنبية في أغلب الحالات كما أن كثيرًا من الدول التي بلغت مرحلة الإفلاس فشلت في توسيع شراكاتها الإقليمية والدولية وتنويع مصادر تمويل اقتصاداتها، خلافًا لما قامت به دول صاعدة أخرى عاشت نفس الأزمة وعانت من نفس الصعوبات مثلما كانت الحال في كوريا الجنوبية وماليزيا وتركيا وغيرها.

أما من حيث المقدمات التي تسبق مرحلة الإفلاس، فتتمثل غالبًا في اجتماع ثلاث أزمات (مالية واقتصادية وسياسية) في نفس الوقت، بحيث تغذي كل منها الأخرى فينجم عن ذلك التفاعل أزمة مركبة. وما لم يحصل تفكيك تلك الأزمات والتوجه إلى معالجة كل منها على حدة، لاسيما الأزمة السياسية التي هي رأس الداء ومنبع الدواء، فإن الطريق إلى الإفلاس سيكون مفتوحًا على مصراعيه دون عراقيل.

أما بشأن العلاقة بين أولوية الداخل والخارج في عمليات الإصلاح، فيتبين من تجارب الدول التي أفلست أن أغلبها لم يتجه إلى تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الذاتية النابعة من الداخل، بل اضطر إلى الإذعان لتلك الإصلاحات تحت ضغوط خارجية مفروضة من صندوق النقد الدولي وغالبًا ما تأتي تلك الإصلاحات متأخرة وفي وقت غير مناسب ويتم تنزيلها كرهًا لا طوعًا بعد استفحال الأزمة وتعمقها.

وما يزيد من تعميق تلك الأزمات حالة الإنكار التي تعيشها بعض الدول التي تسير في مسار الإفلاس. فإنكار الواقع وعدم الاعتراف بحقيقة الوضع يجعل التعاطي مع حالة الإفلاس يأتي بنتائج عكسية فلا يقع الإعداد الجيد لتعزيز القدرة على التفاوض مع الدائنين وتحسين شروط إعادة هيكلة الديون والعمل على الحط من الفوائد الباهظة المصاحبة لها وتأجيل البعض. في المقابل، يهيمن الغموض وعدم اليقين على المناخات الداخلية، فيصعب التعامل مع الواقع الجديد والتحكم في مساراته في انتظار التوصل إلى المعالجة المناسبة بأقل كلفة ممكنة.

بقلم محمد النوري و مكرم عمر المسعدي

المصدر الجزيرة الدراسات

(1) The Institute of International Finance (IIF), Consultation on the Definition of Default:

https://www.iif.com/Publications/ID/1078/IIF-Response-to-EBAs-Consultation-on-the-Definition-of-Default/ (accessed on 20/04/23).

(2) Daniel Kurt, Why and When Do Countries Default? Investopedia, 22 March 2022:

 https://www.investopedia.com/articles/investing/102413/why-and-when-do-countries-default.asp/ (accessed on 20/04/23).

(3) Eric Reed, What Happens if a State Goes Bankrupt? Smart Asset Magazine, 30 April 2020.

https://smartasset.com/financial-advisor/state-bankruptcy/ (accessed on 20/04/23).

(4) David McDonald, What Happens When a Country Declares Bankruptcy? An Economic Perspective on the Leading Causes of Financial Instability, Medium Journal, 13 March 2017.

(5) Edward Chancellor, Reflections on the Sovereign Debt Crisis, Value Investing World, 9 July 2010.

https://www.valueinvestingworld.com/2010/07/reflections-on-sovereign-debt-crisis-by.html/ (accessed on 20/04/23).

(6) وقد أشار إلى ذلك بالتفصيل الاقتصادي الأميركي، جون بيركنز، في كتابه الشهير “الاغتيال الاقتصادي للأمم: السياسات الاقتصادية للتحكم في الأضعف”، حين سرد فيه قصة نهب الولايات المتحدة لثروات أميركا اللاتينية، مثل فنزويلا والبرازيل والمكسيك والسلفادور، وهي دول كلها أعلنت إفلاسها فيما بعد:

 Confessions of an Economic Hit Man by John Perkins: https://resistir.info/livros/john_perkins_confessions_of_an_economic_hit_man.pdf/ (accessed on 20/04/23).

(7) ينظر تقرير البنك الدولي 2022: https://www.albankaldawli.org/ar/home/

(8) Jim Collins, Good to Great, Good to Great: Why Some Companies Make the Leap and Others Don’t, Coauthor to the Bestselling, Built to Last, 2001.

(9) Council on Foreign Relations, Greece’s Debt: 1974–2018: https://www.cfr.org/timeline/greeces-debt-crisis-timeline/ (accessed on 20/04/23).

(10) Fitch Ratings, Rating Action Commentary, Fitch Downgrades Ireland’s Sovereign Rating to ‘AA-‘; Outlook Stable, 04 November 2009.

(11) International Monetary Fund, Article IV Consultation, Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Italy, IMF Country Report No. 19/40, 2018.

(12) Karin Hobelsberger, Christopher Kok and Francesco Paolo Mongelli, A Tale of Three Crises: Synergies between European Central Bank Tasks, European Central Bank Occasional Paper Series No 305, September 2022.

(13) Roger Boyes, Meltdown Iceland, Lessons on the World Financial Crisis from a Small Bankrupt Island, Bloomsbury USA, 2009.

5/5 - (31 صوت)

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى