قضايا أمنيةقضايا اقتصاديةقضايا سياسية

دراسة تحليلية حول مؤسسات بريتون وودز وآثار سياساتها على سيادة الدول النامية

  شهد الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية هزات واضطرابات عنيفة في نظامه النقدي ومعدلات منخفضة لحركة التجارة العالمية، مما دفع بمجموعة من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1943 م للتفكير في خلق نظام نقدي جديد يكون أساسا لعلاقات نقدية دولية لعالم ما بعد الحرب، من شأنه ضمان سلامة واستقرار النظام المالي الدولي، وبذلك تم عقد مؤتمر “بريتن وودس” شهر جويلية 1944م، في ولاية “نيوهامشبير بالولايات المتحدة الأمريكية ضم 45 دولة، حيث تم في ذلك الوقت التوقيع على اتفاقية “بريتن وودس” التي أصبحت فيما بعد أساسا للنظام النقدي الحديث.

        وقد تمخض عن تلك الاتفاقية فكرة إنشاء مؤسستين ماليتين عالميتين هما صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، حيث لعبت كل مؤسسة منهما دورا فاعلا ورائدا في ترسيخ ظاهرة العولمة  التي تعتبر من أبرز التدفقات عبر القومية التي يعرفها النظام العالمي الراهن، والتي تعني الاتجاه المتزايد نحو تدويل السلع والأفكار ورؤوس الأموال على مستوى العالم، والتي تعتبر السيادة الوطنية أول ضحاياها. فالمفهوم التقليدي للسيادة والذي كانت تمارس فيه الدولة سيادتها على إقليمها وعلى مواطنيها بشكل شبه مطلق، لم تعد ممكنة في ظل العولمة وآلياتها المتمثلة في صندوق النقد والبنك العالميين.

        وما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو أنه وعلى عكس السياسات التي تتبعها تلك المؤسسات المالية في تعاملاتها مع الدول المتقدمة، نجدها تطعن وتطغى على سيادة باقي الدول وخصوصا النامية منها بسبب أوضاعها التنموية الصعبة وفقرها وهشاشة اقتصادها ما دفعها للوقوع في دائرة التبعية إلى تلك المؤسسات عن طريق الاقتراض وهو ما جعلها أكثر عرضة للانتقاص من سيادتها والتأثير عليها.

        وسنحاول من خلال هذا المقال الإلمام بصورة مختصرة بكل ما يتعلق بكل من صندوق النقد والبنك العالميين، مع تحليل سياساتهما  وكيفية تأثيرهها على سيادة الدول النامية وذلك من خلال الإجابة على الإشكاليات والتساؤلات التالية:

ـ إلى أي مدى يمكن القول أن سياسات هذه المؤسسات المالية العالمية قد عمقت تبعية الدول النامية، وقلصت من سيادتها؟

ـ هل ضعف واختلال السياسات الاقتصادية للدول النامية هو الذي أدى بها للخضوع لهيمنة هذه المؤسسات؟ أم هذا راجع للسياسة والبرامج الظالمة والتعسفية التي تفرضها تلك المؤسسات؟

أولاتبني نظام “بريتن وودس” ونشأة المؤسسات المالية العالمية:

في شهر جويلية من عام 1944م تم عقد مؤتمر “بريتن وودس” في ولاية “نيوهامشبير” بالولايات المتحدة الأمريكية، ضم 45 دولة، لمناقشة الوضع الاقتصادي والنقدي للاقتصاد العالمي ومشاكل التنمية الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية وإيجاد الأسس السليمة لمعالجتها. وفي ذلك الوقت تم التوقيع على اتفاقية “بريتن وودس” التي أصبحت فيما بعد أساسا للنظام النقدي الحديث، وقد تمخض عنها فكرة إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي كمؤسسات مالية عالمية. وقد كان للولايات المتحدة الأمريكية دورا أساسيا ورئيسيا في إنشاء تلك المؤسسات الدولية بسبب نفوذها وهيمنتها السياسية، الاقتصادية والعسكرية، ونظرا لمركز القوة الذي احتلته على الصعيد العالمي فقد تقرر من خلال اتفاقية “بريتن وودس” جعل الدولار الأمريكي العملة الدولية الرئيسية.

ويعتبر ظهور هذه الاتفاقية من أبرز معالم التطور في النظام الاقتصادي الدولي، إذ على أساسها تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، ويكمن جوهر هذه الاتفاقية فيما يلي:

1ـ العمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والنقدي، والتعاون بين الدول على أسس عادلة تخدم جميع الدول في المجال الاقتصادي.

2ـ  ملء الفراغ الذي نشأ بعد انهيار قاعدة الذهب والعمل بالدولار كعملة دولية رئيسية.

3ـ لقد جاءت هذه الاتفاقية كرد فعل عن الفوضى الاقتصادية والنقدية والتقلبات الحادة في أسعار الصرف، وما إلى ذلك من آثار سلبية على اقتصاديات الدول.

 عبرت اتفاقية “بريتن وودس” من حيث المبدأ عن المصالح الاقتصادية والطموحات السياسية للولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى، بهدف الاستحواذ على ثروات الشعوب وقيادة العالم، من خلال هذه المؤسسات المالية الدولية ووفقا لمصالحها السياسية، الاقتصادية والإيديولوجية (1).

        وتجدر الإشارة هنا إلى أن نظام بريتن وودس مر بعدة مراحل منذ قيامه سنة 1944م، وسنحاول بعد هذه اللمحة الموجزة عن ذلك النظام أن نتطرق إلى أهم نقطة تحول تمخضت عن اتفاقية بريتن وودس وهي إنشاء مؤسستين ماليتين تعملان جنبا إلى جنب من أجل ضمان سلامة واستقرار النظام المالي الدولي وهما: صندوق النقد الدولي والبنك العالمي.

ثانيا: سيادة الدول النامية في ظل هيمنة سياسات صندوق النقد والبنك العالميين:

إن البحث في المفهوم العام للسيادة والتغيرات التي طرأت على هذا المفهوم، لا يعتبر من قبيل البحث القانوني الخالص، وإنما ينبغي أن يمتد ليشمل العديد من فروع العلوم الأخرى، وعلى الأخص العلوم السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، ودراسة موقع ومكانة الدولة، وذلك حتى يمكن التعرف على قدرات الدولة، والفروق بين الدول المختلفة من ناحية الإمكانيات والمؤهلات التي تمكن كل دولة من مباشرة سلطاتها واختصاصاتها السيادية على المستويين الداخلي والخارجي.

من هنا يتبين لنا أن الدول ليست على مستوى واحد أو درجة واحدة من التقدم والتطور في شتى المجالات، وخاصة من حيث القوة، وبالتالي من حيث السيادة، فالقوة هي الدرع الذي يحمي السيادة وهي السلاح الذي يدافع عنها، ولذا فإن ما يشار إليه عادة في فقه القانون العام، بمبدأ المساواة في السيادة، أو مبدأ المساواة بين الدول المستقلة ذات السيادة، يعد مبدأ نظريا، ويعني أساسا المساواة في الخطاب القانوني فيما يتعلق بالتمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات، لأن الواقع العملي يفرض عدم المساواة بين الدول حيث تتفاوت قدراتها الحقيقية على المباشرة الفعلية لمختلف مظاهر السيادة تبعا للموارد والإمكانات المتوفرة لكل منها، إذ أن السيادة ترتبط ارتباطا وثيقا بقدرات الدولة وإمكانياتها.

فالدول إذن، واستنادا إلى مبدأ القوة الذي سبق ذكره، تنقسم إلى قسمين: دول متقدمة ومتطورة، ودول نامية، الأولى هي التي تستأثر بالوضع الأفضل وتعرف تقدما كبيرا في شتى مجالات الحياة، إضافة إلى كونها تمتلك النفوذ، الهيمنة، المكانة، والقوة بمفهومها الشامل بما تتضمنه من مقومات تكنولوجية، اقتصادية، عسكرية وعلمية، وهو ما يسهم في زيادة وتعاظم سيادة تلك الدول. أما الدول النامية فهي تلك الدول التي تضم أكبر نسبة من سكان العالم، وتعيش أوضاعا تنموية صعبة، ويطال الفقر مجتمعاتها ما يدفعها إلى الاقتراض وما ينجر عنه من تبعية وبالتالي تقلص وتراجع في سيادتها.

وكل هذه العوامل والنقائص التي تعاني منها الدول النامية على العموم تؤدي حتما إلى الانتقاص من سيادتها والتأثير عليها، خاصة في ظل عصر العولمة وآلياتها والذي يتميز ويتطلب في ذات الوقت دولا قوية فاعلة على الصعيدين الداخلي والدولي، وهذه الظاهرة التي أطلق عليها مصطلح “العولمة” هي ظاهرة شاملة تأخذ الطابع العالمي، وذلك على اعتبار أن القاعدة التي قامت عليها لا تراعي الحدود الجغرافية للدولة القومية، وشموليتها تصيب كل المجالات الحيوية، حيث تتجلى العولمة في المجالات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الثقافية…..

ويعتبر المجال أو البعد الاقتصادي هو البعد الرئيسي والبارز لظاهرة العولمة، حيث تنطوي العولمة الاقتصادية على ثلاثة نظم رئيسية هي: النظام النقدي الدولي، والنظام المالي الدولي، والنظام التجاري الدولي، ويقوم على إدارة هذه الأنظمة ثلاث منظمات اقتصادية دولية هي على الترتيب: صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، والمنظمة العالمية للتجارة، وهذه المؤسسات تلعب دورا رائدا في ترسيخ هذه العولمة، فتدويل الإنتاج وعولمة التفاعلات المالية، والاستثمارية على الخصوص وسقوط الاستقلالية الذاتية الاقتصادية على العموم، كلها عوامل تساعد على انتشار ظاهرة العالمية، التي يعتبر أول أهدافها إسقاط مفهوم السيادة الوطنية، حيث نجد أن هذه الأخيرة في ظل سيطرة وهيمنة المؤسسات المالية العالمية المتمثلة أساسا في كل من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فقدت بعض معانيها، حيث أضحت تلك المؤسسات الدولية تفرض قيودا معتبرة على سيادة الدول وخصوصا النامية منها بسبب ضعفها وعدم امتلاكها للقوة الكافية التي تعتبر درعا لحماية سيادتها.

وسنحاول التركيز في هذه الدراسة على المؤسستين الدوليتين اللتين انبثقتا عن مؤتمر “بريتن وودس” المنعقد عام 1944م، وهما:صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، باعتبارهما المنظمتين الأسبق ظهورا على مسرح الحياة الاقتصادية الدولية، وذلك بتقسيم الدراسة إلى نقطتين أساسيتين، نتناول في النقطة الأولى: صندوق النقد الدولي وانعكاسات سياساته على سيادة الدول النامية، أما النقطة الثانية فسنخصصها لدراسة البنك العالمي وكيفية تأثير سياساته على سيادة الدول النامية.

         صندوق النقد الدولي وانعكاسات سياساته على سيادة الدول النامية:

        يعتبر إنشاء صندوق النقد الدولي حدثا بارزا في تاريخ الاقتصاد العالمي، نظرا لما يجسده من مظهر للتعاون المالي بين الدول المختلفة، فما المقصود بالصندوق؟ وما أهدافه؟ وما هي شروط تقديم قروضه؟ وفيما تكمن آثار سياساته النقدية على سيادة الدول النامية؟

        ـ نظرة شاملة عن صندوق النقد الدولي:

        يعتبر صندوق النقد الدولي مؤسسة مالية دولية، أحدثت خلال مؤتمر “بريتن وودس” سنة 1944م للسهر على تنظيم المعاملات المالية بين الدول، وكذا تشجيع التعاون الدولي النقدي، وتعزيز استقرار العملات، بالإضافة إلى بيع العملات لمساعدة الدول الأعضاء على مواجهة الصعوبات المؤقتة الخاصة بالمدفوعات الأجنبية وتيسير انتشار قوانين النماء الدولي في التجارة وتحقيق مستويات أعلى في العمالة والدخل والقيام بتقديم الاستشارة والدعم للدول التي تواجه مشاكل مالية واقتصادية، ويتكون الصندوق من مجلس المحافظين والمديرين التنفيذيين ومدير الإدارة والموظفين، ومقره واشنطن (2).

كما يمكن تعريفه على أنه: وكالة متخصصة من منظومة الأمم المتحدة، أنشئ للعمل على تعزيز وسلامة الاقتصاد العالمي، وهو يعد مؤسسة مركزية في النظام النقدي الدولي، هدفه الرئيسي منع وقوع الأزمات، وأطلق عليه اسم “صندوق” حتى يمكن أن تستفيد من موارده الدول الأعضاء التي تحتاج إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما تتعرض له من مشكلات طارئة في ميزان المدفوعات (3).

من خلال التعريفين السابقين يمكن القول أن إنشاء صندوق النقد الدولي لم يستهدف في البداية التنمية الاقتصادية للدول الفقيرة، بل كان اهتمامه منصبا على مساعدة الدول الأوروبية الصناعية والتي عانى اقتصادها من عجز كبير في موازين مدفوعاتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن المتغيرات السياسية والاقتصادية التي واجهت العالم دفعت الصندوق إلى الاهتمام بمشكلات الدول النامية، وذلك عن طريق تقديم القروض ومنح التسهيلات لها، وبذلك اتسعت دائرة نشاط الصندوق لتشمل كل دول العالم تقربيا (4).

ويسعى صندوق النقد الدولي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي حددتها بدقة المادة الأولى من الاتفاقية المنشئة له، والتي نستعرضها فيما يلي:

  • منح الثقة للأعضاء عن طريق إتاحة موارد الصندوق لهم بضمانات ملائمة وبهذا يتم مساعدة الدول الأعضاء على تصحيح الأوضاع غير الملائمة في موازين المدفوعات دون الحاجة إلى اتخاذ إجراءات تضر بالاقتصاد القومي.
  • تشجيع التعاون الدولي في مجال العلاقات النقدية الدولية، بواسطة هيئة أو مؤسسة دائمة تهيئ للدول سبل التشاور والتآزر فيما يتعلق بالمشكلات النقدية الدولية.
  • تقديم المساعدة والمعونة الفنية عن طريق تخصيص بعض موظفي الصندوق وإرسالهم لعدد من الدول لفترات تتراوح بين بضعة أسابيع ومدة تجاوز أحيانا السنة، لتقديم النصائح الفنية في العديد من المشكلات.
  • تسيير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية.
  • العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على ترتيبات صرف منتظمة بين البلدان الأعضاء، وتجنب التخفيض التنافسي في قيم العملات (5).
  • محاولة تجنب الوقوع في الأزمات والكوارث، مثل أزمة دول جنوب شرق آسيا وأزمة الكساد الكبير سنة 1929م، والناتجة عن زيادة حجم الإنتاج.
  • تصحيح الإختلالات في موازين المدفوعات دون اللجوء إلى إجراءات مضرة بالرخاء الوطني أو الدولي، وللوصول إلى هذا الهدف فإن الصندوق يقوم بإمداد الدول الأعضاء بالعملات الأجنبية كي تتغلب على الصعوبات التي تواجهها نتيجة عجز ميزان المدفوعات.
  • تجنب إتباع سياسة إفقار الجار والتي تتبع من قبل بعض الدول.
  • المساعدة على إقامة نظام مدفوعات متعدد الأطراف(6).

وحتى يتسنى للصندوق القيام بتلك الأنشطة وتحقيق الأهداف المرجوة منه، لا بد له من هيكل تنظيمي وأجهزة تتولى مهمة التخطيط والتنفيذ والإشراف وهي:

مجلس المحافظين: ويعتبر أسمى جهاز في صندوق النقد الدولي، ويتألف من عدد من المحافظين ولكل واحد منهم مناوب، ويتولى تعيينهم كل بلد عضو بالطريقة التي راها، وعادة ما يكون المحافظ وزير المالية أو رئيس البنك المركزي للدولة العضو، ويجتمع المجلس عادة مرة في السنة، وفي حالات الضرورة يمكن انعقاده في أي وقت بناء على طلب المجلس ذاته أو طلب المجلس التنفيذي(7).

المجلس التنفيذييعتبر هذا المجلس بمثابة السلطة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، والتي بيدها مسؤولية اتخاذ القرارات، وهو يتألف من 24 مديرا ويرأسه المدير العام للصندوق الذي يعتبر في الوقت نفسه رئيسا لهيئة الموظفين والخبراء العاملين في الصندوق، ولا يحق له التصويت في المجلس إلا في حالات التصويت المرجح. ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات تستغرق كل منها يوما كاملا، وذلك بمقر الصندوق بواشنطن(8).

المدير العام للصندوقوهو في نفس الوقت رئيس المجلس التنفيذي، يتم اختياره من قبل المجلس، من غير أعضائه أو أعضاء مجلس المحافظين، لمدة خمس سنوات، قابلة للتجديد لمدة خمس سنوات أخرى، ومن شروط اختيار المدير أن يكون ذو خبرة واسعة في المجالات المالية والمصرفية، كما يتم تعيين نائب للمدير على أن يكون هذا النائب أمريكي الجنسية(9).

وصندوق النقد الدولي باعتباره مؤسسة مالية دولية يعمل على تحقيق مجموعة من الأهداف كما أسلفنا الذكر، ومن بين أهم تلك الأهداف التي أسس الصندوق من أجل تحقيقها هي تقديم قروض للبلدان المحتاجة لهذه الأخيرة، فمن مسؤوليات صندوق النقد الدولي الأساسية إذن منح القروض لبلدانه الأعضاء التي تواجه موازين مدفوعاتها مشكلات تمويلية فعلية أو محتملة. وتساهم هذه المساعدات المالية في دعم جهود البلدان الأعضاء لإعادة بناء احتياطاتها الدولية، وتثبيت أسعار عملاتها المحلية، والاستمرار في تغطية مدفوعات الاستيراد، واستعادة الأوضاع الملائمة لتحقيق النمو الاقتصادي القوي، مع اتباع سياسات لمعالجة المشكلات التي أفضت في الأساس إلى الوضع القائم، وعلى عكس بنوك التنمية لا يقدم الصندوق قروضا لتمويل مشروعات محددة.

        ويوفر صندوق النقد الدولي موارده بناء على طلب البلدان الأعضاء، ويتم ذلك في العادة بمقتضى اتفاق إقراض قد ينص على سياسات وتدابير اقتصادية محددة يوافق البلد المعني على تنفيذها لحل مشكلة ميزان المدفوعات، ويتولى البلد العضو بالتشاور مع الصندوق تحديد برنامج السياسة الاقتصادية الذي يركز عليه الاتفاق، ثم يعرض في معظم الحالات على المجلس التنفيذي ضمن خطاب نوايا، كما توضح تفاصيله باستفاضة في “مذكرة التفاهم” الملحقة، وبعد موافقة المجلس التنفيذي على الاتفاق تصرف موارد الصندوق أو قروضه المطلوبة وتكون مقسمة في العادة على أقساط مرحلية تتوافق مع التقدم، في خطوات تنفيذ البرنامج. فقروض صندوق النقد الدولي إذن وبناء على ما تقدم تكون مرهونة بتطبيق مجموعة من السياسات أو الشروط التي يضعها الصندوق.

ومن أبرز تلك الشروط: تخفيض النفقات الحكومية كرفع الدعم عن مواد أساسية وغذائية، زيادة الضرائب على المواطنين…، إضافة إلى شرط تحرير العلاقات التجارية لا سيما إلغاء الرسوم الجمركية وتحرير حركة رؤوس الأموال، وأيضا خصخصة مؤسسات القطاع العام، تخفيض سعر العملة الوطنية وتعويمها، إلغاء الدعم عن سعر المحروقات، وكذا تشجيع الاستثمار الأجنبي، وفي كثير من الأحيان تؤدي تلك الشروط إلى ارتفاع معدل البطالة، وانخفاض القدرة الشرائية، والتبعية خاصة الغذائية، ويضاف إليها تفكك الأنظمة الإنتاجية في العديد من الدول(10).

ـ آثار سياسات صندوق النقد الدولي على سيادة الدول النامية:

إن الصندوق الدولي وبعدما كان الهدف الرئيسي له هو ضمان استقرار النظام النقدي العالمي، ومعالجة الاختلالات المؤقتة في موازين المدفوعات، أصبح مسخرا لخدمة مصالح الدول الكبرى والأكثر تقدما، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يقف عاجزا عن إملاء أي سياسة على الولايات المتحدة الأمريكية لا تتوافق مع إدارة هذه الأخيرة، ونفس ما يحدث مع الولايات المتحدة يحدث مع الدول الرأسمالية الكبرى كونها تساهم بالنصيب الأكبر في كل من البنك والصندوق الدوليين.

وعلى عكس السياسة التي يتبعها صندوق النقد الدولي في تعاملاته مع الدول المتقدمة، نجده يطعن ويطغى على سيادة باقي الدول وخصوصا النامية منها في جوهرها، حيث يعمل الصندوق على فرض سياسات اقتصادية تحد من سيادتها، وذلك من خلال تدخله في عمليات الخصخصة وإعادة هيكلة الاقتصاديات، والحد من تدخل الدولة في العديد من الشؤون الاقتصادية، وإلا تعرضت للانهيار والخراب الاقتصادي نتيجة منع القروض عنها أو سحب الاستثمارات الأجنبية المباشرة منها(11)، إضافة إلى تخفيض سعر العملة الوطنية وتخفيض المصاريف المتعلقة بالإنفاق العمومي، مما ينتج عنه زيادة البطالة وتوقف النمو الاقتصادي، وبالتالي زيادة معاناة الأفراد، وبالإضافة إلى ذلك كله، أرهقت المديونية المدارة من قبل صندوق النقد الدولي الدول المدينة، ونتج عنها تهميش الإرادة الوطنية، مما حال دون اتخاذ القرارات السديدة وتصدعت مصداقية الإرادات الوطنية وفتح المجال لتقدم الشرعية الخارجية المستمدة من المؤسسات المالية الدولية على حساب الشرعية الداخلية الوطنية(12).

وبالتالي يمكن القول أن الدول النامية قد أرغمت على تقبل الشروط والبنود الظالمة والتعسفية لصندوق النقد الدولي، حتى تحصل على إعادة جدولة ديونها، والحصول على قروض جديدة، كما سمحت لاقتصاديين أجانب بحث ميزانيتها وقبلت مشورتهم وتوجيهاتهم برضا كامل منها، وقامت بتنفيذ برامج التكييف الهيكلي التي تطلبها المؤسسات الدولية بغرض إدماج اقتصادياتها في الاقتصاد العالمي، تلك البرامج التي يفرضها صندوق النقد الدولي تؤثر وتنال من سيادة هذه الدول وتضع اقتصادياتها تحت السيطرة المباشرة للصندوق، والذي يقوم بتوجيهها وفقا للمصالح السياسية والاقتصادية للدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يشكل نوعا من السيطرة الاقتصادية والسياسية، وقد أسماه بعض الباحثين بالاستعمار السوقي، حيث تتمكن الدول الكبرى عن طريقه من إخضاع الحكومات والشعوب لقوى السوق وهو ما يؤثر بشدة على سيادة الدول الأضعف وينتقص منها لصالح الدول الأقوى(13).

 البنك العالمي وانعكاسات سياساته على سيادة الدول النامية:

لم تكن محاولة تنظيم الشؤون النقدية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية عن طريق إنشاء صندوق النقد الدولي كافية لحل المشكلات الاقتصادية العالمية، وبصفة خاصة مشكلات إعادة بناء الاقتصاديات الأوروبية التي خربتها الحرب، ثم مشكلات تعمير ذلك العدد الضخم من البلدان المتأخرة الفقيرة وتنميتها. وقد كان الأمر يحتاج في الحالتين إلى تيار منتظم من الموارد تقدمها الدول القادرة وقد كانت أهمها في ذلك الوقت الولايات المتحدة الأمريكية، إلى الدول المحتاجة بنوعيها.

        لذلك رأى مؤتمر “بريتن وودس” أن يكمل منظمته الأولى العاملة في ميادين النقد وموازين المدفوعات بمنظمة ثانية أطلق عليها تسمية “البنك العالمي” تعمل في ميدان القروض والاستثمارات طويلة الأجل(14). فما المقصود بالبنك العالمي؟ وما أهدافه؟ وهل يعمل البنك بمفرده أم له مؤسسات تساعده لآداء مهامه؟ وكيف تؤثر سياساته على سيادة الدول النامية؟

        ـ نظرة شاملة عن البنك العالمي:

        توجد عدة تعريفات تخص البنك العالمي كمؤسسة مالية دولية، فهناك من يعرفه على أنه: “المؤسسة الاقتصادية العالمية المسؤولة عن إدارة النظام المالي الدولي، والاهتمام بتطبيق السياسات الاقتصادية الكفيلة بتحقيق التنمية الاقتصادية للدول الأعضاء”، ولذلك فإن مسؤوليته تنصب أساسا على سياسات التنمية والاستثمارات، وسياسات الإصلاح الهيكلي.

 وهناك من يعرفه بقوله: “البنك الدولي هو المؤسسة المتعددة الأطراف والأهداف، وأهم مصدر من مصادر التمويل الدولي في العالم، ويعتبر مؤسسة من مؤسسات اتفاقية “بريتن وودس” التي وقعت عام 1945م”(15).

كما يعرف أيضا على أنه: “مؤسسة مالية نشأت بموجب اتفاقية بريتن وودس بدأت تمارس نشاطها في 25 جويلية 1946م، حيث أنه يعتبر الجهة المسؤولة عن إدارة وتوجيه الاستثمارات الدولية من خلال تحرير الحركات الدولية لرؤوس الأموال كوسيلة لعلاج الاختلالات الهيكلية في موازين المدفوعات للدول الأعضاء”(16).

ويضم البنك العالمي في عضويته 185 دولة، ولكي تصبح أي دولة عضوا في البنك العالمي يجب أن تنضم أولا إلى صندوق النقد الدولي ومؤسسة التنمية الدولية إضافة إلى مؤسسة التمويل الدولية، والتي اتفق على إنشائها مع صندوق النقد الدولي خلال مؤتمر “بريتن وودس” المنعقد عام 1944م بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي دعت إليه هيئة الأمم المتحدة (17).

ويعتبر البنك العالمي أقوى وكالات التنمية والتمويل الدولية، حيث يستعمل أمواله لتمويل مشروعات البنية الأساسية، وتشجيع رأس المال الدولي الخاص، وتسريع وتيرة الخصخصة، وكل هذه الأهداف هي من المبادئ الأساسية للعولمة.

ويقع المقر الرئيسي للبنك العالمي في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو يضم أكثر من 9000 موظف في أكثر من 100 موقع في جميع أنحاء العالم(18).

وتقوم على إدارة البنك العالمي مجموعة من الأجهزة هي كالتالي:

ـ مجلس المحافظين:

        وهو المجلس الذي يشرف على إدارة البنك، حيث تقوم كل دولة عضو في البنك بتعيين محافظ ونائب محافظ لمدة خمس سنوات، ليمثل الدولة العضو في اجتماعات المجلس الذي يجتمع مرة كل سنة خلال شهر سبتمبر في مقر البنك الدائم بواشنطن.

        ويتولى أعضاء مجلس المحافظين الذين يتم تعيينهم من قبل الدول الأعضاء، مهام الإدارة العليا للبنك أي يخول للمجلس وضع السياسة العامة للبنك، ومن بينها زيادة رأس مال البنك والنظر في قبول طلبات العضوية الجديدة التي تقدمها الدول، إلا أنه يعهد بكثير من السلطات إلى المديرين التنفيذيين.

ـ المجلس التنفيذي:

        وعدد أعضائه واحد وعشرون مديرا تنفيذيا، يتم تعيين خمسة منهم بواسطة الدول التي تملك أكبر الحصص في رأس مال البنك وهي: الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا واليابان، أما الأعضاء الستة عشر الآخرون فيجري انتخابهم عن طريق المحافظين الممثلين للأعضاء الباقين(19).

ـ المدير العام للبنك:

        لقد جرت العادة على أن يكون رئيس البنك العالمي من مواطني أكبر الدول المساهمة في البنك، أي الولايات المتحدة الأمريكية، ويقوم المدير التنفيذي الممثل لها بترشيحه، ويتم انتخاب الرئيس بواسطة مجلس المديرين التنفيذيين لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، وهو يرأس بحكم منصبه المجلس المذكور وهيئة موظفي البنك، والرئيس لا يملك حق التصويت داخل المجلس إلا للترجيح في حالة تساوي الأصوات، كما أن له حق حضور جلسات مجلس المحافظين ولكن دون الاشتراك في التصويت، ويعتبر الرئيس مسؤولا عن سير العمل داخل البنك، ويعاونه في ذلك عدد من الموظفين الذين يعملون تحت رئاسته(20).

وقد حددت المادة الأولى من الاتفاقية المنشئة للبنك العالمي أهدافه كما يلي:

1ـ المساعدة على إعمار الدول الأعضاء وتنميتها بتوفير استثمار رأس المال للأغراض الإنتاجية، بما في ذلك بناء الاقتصاديات المدمرة أو المعطلة من جراء الحرب وتحويل الإنتاج إلى حاجات السلم وتشجيع تنمية الإمكانيات والموارد الإنتاجية في البلاد المتخلفة.

         تشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة عن طريق الضمانات والمساهمة في القروض والاستثمارات الأخرى التي يقوم بها الأفراد، كذلك سد النقص في الاستثمار الخاص إذا ما تعذر الحصول عليه بشروط مناسبة، وذلك بتقديم الأموال اللازمة للأغراض الإنتاجية بالشروط المناسبة، وهذا إما من موارد البنك الخاصة أو مما يحصل عليه من أموال.

         العمل على تحقيق النمو المتوازن طويل الأجل للتجارة الدولية والمحافظة على توازن موازين المدفوعات، وذلك بتشجيع الاستثمار الدولي لتنمية الموارد الإنتاجية للأعضاء، وبالتالي المساعدة على رفع الإنتاجية ومستوى المعيشة وظروف العمل في الدول الأعضاء.

        4ـ  تنظيم القروض التي يقدمها البنك.

         إدارة عمليات البنك مع مراعاة ما للاستثمار الدولي من أثر على النشاط الاقتصادي في الدول الأعضاء والمساعدة في سنوات مع ما بعد الحرب مباشرة على الانتقال تدريجيا من اقتصاديات الحرب إلى اقتصاديات السلم(21).

        6ـ إجراء عملية تصنيف المشروعات الاقتصادية الأكثر نفعا من أجل إعطائها الأولوية في الانتفاع من القروض والتسهيلات الاستثمارية.

         يمول البنك العالمي المشاريع في جميع القطاعات، ويقدم المساندة الفنية والخبرات المتخصصة في مختلف مراحل المشروع(22).

ومما سبق يتبين لنا أن تلك الأهداف توضح أن البنك العالمي هو الوكالة الدولية الرئيسية للتمويل من أجل التنمية، وهذا ما يعكس الطبيعة المزدوجة للبنك، حيث يقوم بإصلاح وتجديد وسائل وأدوات الإنتاج التي دمرتها الحروب، وكذلك تنمية الموارد الاقتصادية ورفع مستوى المعيشة للدول الأعضاء النامية.

وسعيا منه لتوفير الموارد اللازمة واستكمال نشاطه وتحقيق أهدافه أنشأ البنك العالمي مؤسسات متعاونة معه ومرتبطة به ارتباطا وثيقا أهمها:

المؤسسة الدولية للتنمية: وهي تمثل ذراع البنك العالمي، الذي يضطلع بمساعدة أشد بلدان العالم فقرا، وتهدف المؤسسة التي أنشئت سنة 1960م، إلى تخفيض أعداد الفقراء من خلال تقديم اعتمادات بدون فائدة، ومنح لبرامج تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي، وتخفيف حدة التفاوت وعدم المساواة، وتحسين الأحوال والظروف المعيشية للشعوب(23).

مؤسسة التمويل الدولية: أنشئت هذه المؤسسة في 24 جويلية1956م، وأصبحت وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة في 20فيفري 1957م، وذلك بهدف تشجيع الاستثمارات الخاصة والفردية، والمشاركة في تمويل المشروعات الجديدة أو المشروعات القائمة ذات الطبيعة الإنتاجية في الدول الأعضاء خاصة الأقل نموا، وتقدم هذه المؤسسة القروض للمؤسسات الخاصة لاستكمال رأس مال المشروع المقترح، بشرط أن لا يتوفر لدى المؤسسة الأموال الكافية للبدء بتنفيذه فعليا أو لا تستطيع الحصول عليها بتكاليف الاقتراض الحالية في سوق رأس المال، ورغم ارتباط المؤسسة بالبنك العالمي وتبعيتها له إلا أن لها شخصية قانونية مستقلة بأموالها المنفصلة عن أموال البنك، وتعتبر العضوية في البنك شرطا للعضوية في المؤسسة(24).

وإلى جانب هاتين المؤسستين توجد مؤسسات أخرى مكلفة بإدارة الاستثمار الأجنبي، وكل هذه المؤسسات تشكل ما يعرف بمجموعة البنك الدولي.

فالبنك العالمي إذن في عالمنا اليوم يمارس سلطة واسعة جدا، ويقوم بنشاط إنساني متعدد الأشكال، وهو يعد أحد أكبر مصادر التمويل الدولي متعدد الأطراف، فهو وحده اليوم الذي يمنح قروضا للدول الأشد فقرا، فخلال العقد الأخير من القرن الماضي منح الدول النامية قروضا طويلة الأجل بمقدار يزيد عن 225 مليار دولار، وتلك القروض تسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتساعد على التخفيف من حدة الفقر خاصة في الدول النامية منخفضة الدخل(25).

        كما يؤمن البنك إنشاء البنى التحتية بقروض الاستثمار، وفي بعض الحالات يغطي العجز في الميزانية كما في حالة النيجر، وهو يمول كل عام مئات من مشاريع التنمية، فالبنك يعتبر الهيأة المقرضة ويستطيع أن يفرض شروطه على مدينيه، ومن غيره يستطيع أن يمنح قرضا لبلاد مثل: تشاد أو الهندوراس، أو مالاوي أو كوريا الشمالية أو أفغانستان.

        لكن إلى جانب هذا الوجه الخير للبنك العالمي هناك وجه آخر له، يتجلى في الشروط القاسية والظالمة التي يفرضها على الدول المقترضة لإجبارها على تغيير اقتصادياتها التقليدية من أجل تنظيم المضاربة الاقتصادية والتجارة العالمية، ومن يرفض الامتثال لهذه الشروط يرفض طلبه(26).

فهذه القروض والمنح التي يقدمها البنك العالمي للدول النامية إذن تعتبر أداة لتحقيق تبعية تلك الدول، وذلك من خلال التزامها بما يترتب على تلك القروض من شروط تكرس تبعيتها تجاه البنك.

ـ آثار السياسات الإقراضية للبنك العالمي على سيادة الدول النامية:

لقد شهد البنك العالمي مرحلة تحولات مهمة في سياسته تجاه الدول النامية، تمثلت بمنهج البرامج القطاعية المعتمدة على مشروعات يمولها البنك لصالح من أسماهم بالسكان الأكثر فقرا، ثم يتحول بسرعة إلى قوة ضغط هائلة على الدول النامية، لكي ترضخ لإجراءات التكييف التي يصر عليها صندوق النقد الدولي، ليصبح بعد ذلك من العسير التفرقة بين سياسات الصندوق والبنك.

        وتلك التحولات الجوهرية في سياسات البنك العالمي جعلته يطور نشاطاته، حيث غطت هذه الأخيرة جميع المجالات الأساسية، وذلك من خلال إقراض البنوك المركزية وكذلك القطاع الخاص والمنظمات ذات الصبغة التطوعية(27).

وتجدر الإشارة إلى أنه وقبل أن يباشر البنك العالمي أي نشاط إقراضي للدول الأعضاء، فإنه يقوم أولا بإجراء دراسة شاملة حول الدولة المعنية بالقرض، وذلك قصد الحصول على حوصلة ومعطيات شاملة عن الوضعية الاقتصادية وآفاق التنمية في تلك الدولة طالبة القرض… كما أنه وقبل منح أي قرض لأي دولة يشترط توافر عدة شروط من أهمها الحصول على صك أو شهادة من صندوق النقد الدولي تشهد بصلاحية السياسات التي تتبعها تلك الدولة فنيا واقتصاديا، هذا بخلاف عدة مفاوضات أخرى تتم بشأن المشروعات التي يقترح تمويلها البنك سواء أكانت قصيرة أو طويلة الأجل، ثم يعقب ذلك عرض نتائج المفاوضات على مجلس المديرين لأخذ التصويت عليها(28).

        فشروط الإقراض المفصلة التي يفرضها البنك العالمي تجعل من تلك القروض عبء على الدول النامية، لأنها في أغلب الأحيان تقيد دور المؤسسات السياسية الوطنية، وتحد من تطور المؤسسات الديمقراطية المسؤولة. والواقع أن محاولة الوفاء بعشرات الشروط قد يصبح عائقا صعبا أمام صنع القرار في عملية الإصلاح، وليس من الممكن فرض الإصلاحات المؤسسية على الدول بواسطة شروط تأتي من الخارج، بل ينبغي تصميم هذه الإصلاحات وتطويرها من الداخل.

        ومع مرور السنين،  اتسع مجال شروط الإقراض بعد أن كان في الأصل مقتصرا على متغيرات الاقتصاد العام. فالدول النامية التي كانت تواجه عددا قليلا من الشروط الهيكلية لكل برنامج طوال عقد الثمانينات، أصبحت في أواخر التسعينات تواجه أكثر من اثني عشرة شرطا مختلفا لكل برنامج في المتوسط. وبالتالي أدت زيادة عدد الشروط إلى زيادة مخاطرة الدول التي تعجز عن الوفاء بتلك الشروط، مما أدى إلى تراجع حكومات عن التفاوض بشأن القروض(29).

فالسياسة المالية التي يتبعها البنك العالمي إذن من خلال المنح والقروض الممنوحة للدول وخصوصا النامية منها أصبحت تعتبر من أهم العوامل التي تكرس مفهوم التبعية، كون تلك القروض مربوطة بقيود وشروط تفرض على الدول المدينة اتباع تعليمات البنك لإمكانية الحصول عليها، حيث تفرض الدول المانحة داخل البنك سياسات وبرامج تعمق من تبعية الدول المدينة لرأس المال الدولي، وذلك وفق الشروط والمعايير التي تحدد مسبقا من قبل البنك وتكون المنح والقروض مرهونة بتطبيقها(30).

        وتكمن خطورة تلك المنح والقروض التي تحصل عليها الدول النامية في تفاقم الديون الخارجية والتي لا تقف آثارها عند الحدود الاقتصادية والاجتماعية، بل تتجاوزها إلى حد تعريض حرية صانع القرار السياسي إلى المزيد من الضغوطات والتدخل الأجنبي في ظل عالم يتميز بهيمنة الدول المتقدمة ومؤسساتها المالية الدولية التي تحاول فرض سيطرتها على الدول النامية ومنها الدول العربية من خلال سياستها المالية، حيث يرى البعض أن تلك الأموال قادرة على التأثير في سيادة الدول وأنها تلعب دور الشرطي الذي يلزم الدول المدينة بتوجهات معينة في سياساتها العامة، وهو ما يشكل مساسا بالسيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي وفرض تبعيتها للبنك العالمي والدول المحركة له(31).

وتجدر الإشارة إلى أن البنك العالمي قد درج على اعتبار المسائل السياسية خارجة بصورة عامة عن نطاق عملياته وذلك مراعاة منه لأحكام صريحة واردة في المادتين 03 و05 من اتفاقية تأسيسه، إلا أن ما يلاحظ في الواقع هو عكس ما ورد بالنصوص، حيث تدخل البنك وبعمق في الشؤون السياسية، بل وفي سيادة الدول الأعضاء دون أخذ الاعتبارات الاقتصادية وحدها في الحسبان، وذلك بحجج منها، أن الأحداث الداخلية والخارجية في بلد ما قد يكون لها آثار اقتصادية مباشرة وهامة يجب أخذها في الاعتبار عند اتخاذ قرارات البنك، إذ يصعب دائما فصل الشأن الاقتصادي عن الشأن السياسي. إضافة إلى ذلك فإن التدخل قد يمتد إلى أمور سياسية بحتة ليس لها علاقة بالقرض المطلوب، فالولايات المتحدة مثلا سنت تشريعا يلزم المدير التنفيذي الممثل لها في البنك بمعارضة تقديم أي قرض قد يقدم إلى أي دولة تنتهك بشكل صارخ حقوق الإنسان، أو توفر ملجأ للإرهاب الدولي، وفق تفسير الولايات المتحدة له. ويعد ذلك تدخلا سافرا بتشريع محلي في سيادة دول أخرى، وأداة تزيد من هيمنتها على الدول النامية وتعزز إحدى أدوات انتهاك سيادتها والتدخل في شؤونها، إلا أن الولايات المتحدة لا تكترث بذلك ولا ترى إلا مصالحها فقط.

        وما يمكن قوله في هذه النقطة هو أن صندوق النقد الدولي والبنك العالمي قاما بتعديل لوائحهما تدريجيا بطلب من الدول الكبرى حتى يتمكنا من التأثير على سيادة الدول الأعضاء عن طريق التدخل في تفاصيل الحياة الداخلية لهذه الدول، عند طلبها لقروض من البنك أو من خلال إشراف الصندوق على برامج التكييف الهيكلي للدول المتعثرة اقتصاديا(32).

خاتمة:

        كخلاصة يمكننا القول أن السيادة الوطنية للدول النامية باتت تواجه وضعا خطرا، شهد تفاقما واضحا خاصة منذ نشأة هذا التوأم المتمثل في صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي اللذين أصبحا بمثابة آلية للتحكم والتوجيه للاقتصاد العالمي، وخاصة فيما يتعلق بتصميم برامج الإصلاح الاقتصادي وسياسات التثبيت والتكيف الهيكلي في الدول النامية، وهو ما أدى إلى فرض قيود حقيقية على سيادة هذه الدول، مما يعني أنه يجب على هذه الأخيرة النضال ضد هاتين المؤسستين الماليتين ودورهما الاستعماري والعمل على حل مشكلة المديونية من خلال تنمية القدرات الداخلية لهذه الدول بما يتيح لها الاستغاء عن طلب المنح والقروض التي تحصل عليها من تلك المؤسسات ضمن شروط وقيود تكرس واقع تبعيتها نتيجة لازدياد دورهما المالي الذي أصبح أكثر أهمية في السياسات المالية العالمية.

قائمة المراجع:

 د/ نجم الدليمي، “دور سياسة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية على اقتصاديات البلدان النامية”،الحوار المتمدن، الجزء الأول، العدد 4165، 07/2013.

2ـ د/غازي حسن صباريني، “الوجيز في مبادئ القانون الدولي العام”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى، 2005م، ص 173.

3ـ إيمان حملاوي، “دور المؤسسات المالية الدولية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، دراسة حالة الجزائر 1990ـ 2012“، مذكرة ماستر في العلوم الاقتصادية، تخصص: مالية واقتصاد دولي، تحت إشراف الأستاذ: “لحسن ردوري”، جامعة محمد خيضر، بسكرة، 2013ـ 2014، ص 12.

  يونس أحمد البطريق، “السياسات الدولية في المالية العامة”، الدار الجامعية، الإسكندرية، 2000م، ص 63، 64.

 د/ نجم الدليمي، مرجع سابق.

 د/ نجم الدليمي، مرجع سابق.

 إيمان حملاوي، مرجع سابق، ص 15.

 د/ محمد إبراهيم عبد الرحيم، “منظمات اقتصادية دولية في زمن العولمة”، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 2008، ص57.

 أحمد فرحات، “صندوق النقد الدولي ودوره في تحديد سياسات الدول” ahmadfar.blogspot.com

10ـ أحمد فرحات، مرجع سابق.

11ـ د/ السيد عبد المنعم المراكبي، “التجارة الدولية وسيادة الدولة، دراسة لأهم التغيرات التي لحقت سيادة الدولة في ظل تنامي التجارة الدولية”، دار النهضة العربية، 2005 م، ص 331، 332.

12ـ د/ محمد مقدادي، “العولمة رقاب كثيرة وسيف واحد”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2000م، ص 88.

13ـ د/ السيد عبد المنعم المراكبي، مرجع سابق، ص 132، 133.

14ـ د/ فارس رشيد البياتي، “الوجيز في العلاقات الاقتصادية الدولية”، دار غار حراء للنشر والتوزيع، دمشق، سوريا، ص73.

15ـ إيمان حملاوي، مرجع سابق، ص 20.

16ـ عاطف السيد، “الجات والعالم الثالث”، الطبعة الأولى، مجموعة النيل العربية، القاهرة، 2002م، ص 21.

17ـ محمد قاياتي، “الصندوق والبنك الدوليين، سياسات الإفقار والتبعية”،www.anntv.tv 

18ـhttp://web.worldbank.org/wbsite/external/extarabichome, 28/01/2008

19ـ أ/ السعيد خويلدي، “أجهزة )آليات( النظام الاقتصادي الدولي”، دفاتر السياسة والقانون، العدد التاسع، جوان 2013م، ص 335.

20ـ أ/ السعيد خويلدي، مرجع سابق، ص 335.

21ـ إيمان حملاوي، مرجع سابق، ص 21.

22ـ د/ فارس رشيد البياتي، مرجع سابق، ص 85.

23ـ بلال علي النسور، “أثر سياسات البنك الدولي على التنمية السياسية في العالم العربي”، دار جليس الزمان للنشر والتوزيع، عمان،2012م، ص 78.

24ـ الشافعي محمد البشير، “المنظمات الدولية، النظرية العامة وأهداف التنظيم الدولي، المنظمات الدولية العالمية، المنظمات الدولية الإقليمية”، منشأة المعارف، مصر، 2002م، ص 227.

25ـ عبيدات ياسين، وبيوض محمد العيد،”تقييم دور مجموعة البنك الدولي في الإقلال من الفقر في البلدان منخفضة الدخل ـ دراسة تحليلية تقييمية لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراءـ”،  مجمع مداخلات الملتقى الدولي حول تقييم سياسات الإقلال من الفقر في الدول العربية في ظل العولمة، 08ـ 09 ديسمبر 2014م، ص 206، 208.

  www.unv-alger3.dz

26ـ أحمد فرحات، مرجع سابق.

27ـ د/ حسن عبد الله العايد، “انعكاسات العولمة على السيادة الوطنية”، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2009م، ص 167، 168، 169.

28- د/ سمير محمد عبد العزيز، “التجارة العالمية بين جات 94ومنظمة التجارة العالمية”، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الإسكندرية2001م، ص 23.

29- ألكسندر شكولنيكوف وجون سوليفان،”شروط الإقراض الدولي، بدائل برامج الإقراض الحالية لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي”، مقال منشور على موقع مركز المشروعات الدولية، غرفة التجارة الأمريكية واشنطن. www.mafhoum.com

30ـ فارس فائق ظاهر، “السياسات الاقتصادية للبنك الدولي وأثرها على تحقيق التبعية”، blog.amin.org

31ـ فارس فائق ظاهر، مرجع سابق.

32ـ د/ السيد عبد المنعم المراكبي، مرجع سابق، ص 334، 336.

الطالبـة: حناشي أميرة

 كلية الحقوق ـ قسنطينة

  تحت إشراف أ.د/ حسنة عبد الحميد

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock