عباس محمد صالح عباس – باحث سوداني في الشؤون الإفريقية.
 هل قضت الأزمة الراهنة بإثيوبيا على عملية الانتقال السياسي حيث يسعي النظام القائم إلى فرض تصوراته السياسية؟ وهل يعيد ذلك إغلاق المجال السياسي والعودة بالبلاد إلى الأحادية، أم أن المراهنين على إصلاحات آبي أحمد ما زالت أمامهم فرص لتطوير الحياة الديمقراطية بالبلد؟

طرحت الأحداث التي شهدتها إثيوبيا مؤخرًا، عقب مقتل الفنان الشاب، هاتشالو هنديسا، في 29 يونيو/حزيران 2020، ومسارعة الحكومة للتحرك ضد المعارضة باعتقال رموزها البارزين، التساؤلَ حول الإصلاحات الجذرية التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي، آبي أحمد، عقب وصوله السلطة، في 2 أبريل/نيسان 2018. ولعل أبرز ما كشفته هذه الأزمة السياسية الراهنة هو الانتكاسة الخطيرة التي تعرضت لها مسيرة الانتقال الديمقراطي التي كانت قد هدفت إليها تلك الإصلاحات؛ مما جعل احتمالات انزلاق البلاد إلى أتون نزاع سياسي سرعان ما تحول إلى نزاع مسلح بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيغراي مما ينذر بعواقب خطيرة.

وقد صاحب اغتيال الفنان المذكور تدابير كاعتقال قادة المعارضة، وإغلاق قنوات إعلامية مستقلة، بجانب قطع شبكة الإنترنت والاتصالات بالكامل، ولعدة أسابيع(1)، وهو ما أعاد إلى الأذهان ما كانت تعيشه إثيوبيا من تعسف في عقود خلت(2).

في ضوء هذه المعطيات، تناقش هذه الورقة الأسباب والعوامل التي قادت إلى هذه الأزمة السياسية الراهنة في إثيوبيا، في ظل زيادة حدة الاستقطاب السياسي بين مختلف الفاعلين الرئيسيين، وصولًا إلى مرحلة الانسداد التام للأفق السياسي في البلاد في الوقت الراهن، خصوصًا بعد وصول البلاد إلى حافة حرب مدمرة بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيغراي شمال البلاد(3).

ملامح الحكم السياسي الإثيوبي

مع إسقاط نظام منغستو هيلا مريام، سنة 1991، تكرست قوة جبهة تحرير تيغراي، مع أنها كانت جزءًا من ائتلاف يسمى: “الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا”، ويضم إلى جانبها: “منظمة شعب الأورومو الديمقراطية”، و”حركة الأمهرا الوطنية الديمقراطية”، و”الحركة الديمقراطية لشعوب وقوميات جنوب إثيوبيا”. لكن جبهة تحرير تيغراي هيمنت على مفاصل هذا الائتلاف، وتميَّز مشروعها السياسي بطرح نظام “الفيدرالية الإثنية”، في سياق فلسفة “الديمقراطية الثورية”(4).

وبخلاف البلدان الإفريقية الأخرى، حيث يُنظر إلى الإثنية على أنها سبب جوهري للصراعات، قامت الفلسفة السياسية للجبهة الثورية على تقديم نظام “الفيدرالية الإثنية” باعتباره العلاج الناجع لماضي البلاد. بينما جاء آبي أحمد حاليًّا بفلسفة جديدة للحكم، تُعرف محليًّا بـ”Medemer” (وتعني باللغة الأمهرية: معًا أو التآزر)(5)، وتسعى لتقديم أطروحة مغايرة تمامًا للقطيعة مع نظام الفيدرالية الإثنية؛ إذ “يجادل آبي أحمد بأن القومية الإثنية يمكن أن تمضي يدًا بيد مع ما يدعوه بـ”القومية المدنية” والتي تركز على الحقوق الفردية”(6).

النظام الفيدرالي وانفجار العوامل المتراكمة

مع عملية اغتيال الفنان هنديسا، أيقونة ثورة شباب الأورومو (القيرو-Qeerroo)، واعتقال رموز المعارضة البارزين وتقديمهم للمحاكمات، بدا “أن طريق إثيوبيا نحو مستقبل أكثر استقرارًا وحرية وديمقراطية يتعرض للخطر بشكل متزايد”(7). ويبدو لهذه التطورات جذور من بينها طبيعة النظام الفيدرالي وتشوهاته المتراكمة.

يُرجع كثير من المراقبين جذور كافة الأزمات السياسية التي تواجه إثيوبيا إلى نظام “الفيدرالية الإثنية”، وهو تصور شائع لدي المراقبين من الخارج، ويتبنَّاه أيضًا تيار سياسي تاريخي متجذر في الداخل(8). وقد أدت الوتيرة السريعة لعملية الإصلاح، ومساحة الحرية التي وفرها الإصلاح السريع الذي طبَّقه آبي أحمد عقب وصوله السلطة، في أبريل/نيسان 2018، إلى تغذية وتيرة الصراع على سرديات التاريخ الإثيوبي، وتحديدًا من قِبل القوميين الأورومو، الذين يعيدون تفسير تاريخ البلاد الإمبراطوري من منظور “الاستعمار الداخلي”(9). لذلك، لا غرو أن يهيمن على خطابهم حضور رموز “منيليك الثاني” (1889-1914)، الذي قاد حملة تمكَّن من خلالها من توسيع حدود الإمبراطورية الحبشية في أواخر القرن التاسع عشر، ومضاعفة حجم الأراضي التي تسيطر عليها وإخضاع القوميات الأخرى، وخاصة أراضي شعب “الأورومو”. كما يستخدم هؤلاء أيضًا مصطلح “نفتجنا-nefitegna “(10) (يعني “حَمَلَة البنادق” من جنود الأباطرة) ولكن يُعني به حاليًّا شعب “الأمهرا”، وللإشارة إلى الطبقة الحاكمة التي سيطرت على السلطة في الإمبراطورية لقرون متوالية وضرورة وضع حدٍّ لاستمرارية هذه الهيمنة.

وفي وقت مبكر جدًّا من عملية الإصلاح، أبدى القوميون الأورومو انتقادًا واضحًا للميل المتزايد لرئيس الوزراء (آبي أحمد ) نحو الأجندة الكبرى المميزة للمشروع السياسي للأمهرا، وتحديدًا رفض نظام الفيدرالية الإثنية كليًّا. وفي المقابل، فيما يرى التيار الرئيس وسط الأمهرا أن صعود آبي أحمد إلى السلطة، قد ساعد على صعود تيار قومي متشدد وسط الأورومو؛ يطلقون عليهم حاليًّا “المتطرفين الإثنيين الأورومو” أو “القبليين الأورومو”(11)، قد يجرُّون البلاد إلى مصير التفكك على غرار يوغسلافيا السابقة(12)، بل نحو “نموذج رواندا”(13).

إن محاولات آبي أحمد لـ”ترويض” تيار القوميين الأورومو، منذ العام 2018، قادت إلى صدام حقيقي بين القوميات الرئيسية. ويمكن تناول ذلك من خلال النموذجين التاليين:

  • القوميون الأورومو

رغم الحديث عن القوميين الأورومو ككتلة متماسكة، إلا أن هذا التيار يضم عدة مكونات تراكم خطابها على مدار التاريخ الحديث منذ نشوء الحركة السياسية هذا الشعب، ولكن ما يميز هذا التيار وحدة الخطاب مع اختلاف كياناتهم التنظيمية؛ إذ إن السرديات الحديثة للقوميين الأورومو مناهضة بشكل جذري لكافة أشكال الهيمنة الأمهرية. وقد واجه آبي أحمد ومشروعه السياسي تحديات جمة، وتحديدًا من القومية التي ينتمي إليها (الأورومو)، من ذلك على سبيل المثال:

  • أن سياسته الملموسة جسَّدت أنه يمكن اعتبار نظام آبي أحمد امتدادًا للحكومات المركزية التي اتسمت بالقمع والإخضاع الممنهج لشعب الأورومو خصوصًا، بجانب تحالفه الوثيق مبكرًا مع دوائر من الأمهرا.
  • عدم الاعتراف الحقيقي به لدى قطاعات واسعة وسط الأورومو كممثل سياسي موثوق يمكن أن يحقق طموحات شعب الأورومو؛ إذ إنه كان قد تحدَّر سياسيًّا من “منظمة شعب الأورومو الديمقراطية” والتي أسستها جبهة تحرير تيغراي بعد وصولها السلطة، 1991، من أسري الحرب السابقين (تحولت إلى حزب الأورومو الديمقراطي، والذي اندمج لاحقًا في حزب الازدهار الحاكم حاليًّا)، فضلًا عن وجود شخصيات ذات خبرة وشعبية منافسة له، من أبرزهم: جوهر محمد، وبيكلا قربا، ولما مقيرسا. فضلًا عن تنظيمات سياسية قوية منافسة لحزبه ومشروعه السياسي، وقد تكتلت ضمن تيار الفيدرالية الديمقراطية.
  • تردُّد آبي أحمد المبكر في تحقيق المطالب التي يعتبرها الأورومو خطوطًا حمراء ومقياسًا للولاء لمشروعهم القومي(14)، وتحديدًا مسألة اللغة الأورومية وحسم التبعية للعاصمة (أديس أبابا) بشكل جذري خلال الفترة الانتقالية (منذ العام 2018 وحتى الآن).

وخَطَا القوميون الأورومو خطوة أكبر وأكثر خطورة، وذلك بإعلانهم -بقيادة القس بيلاي مكونن، في مطلع سبتمبر/أيلول 2019- عن تأسيس ما أطلقوا عليه “كنيسة أوروميا الأرثوذكسية (Oromia Orthodox Church) (15)، وهي خطوة اعتُبرت مساسًا بأحد أهم ثوابت الحياة الاجتماعية والسياسية؛ حيث تُعتبر كنيسة التوحيد الأرثوذكسيةEthiopian Orthodox Tewahedo Church ، ذات نفوذ كبير على الحياة العامة بالبلاد.

وانطلاقًا من حالة الانسداد التي بلغتها الأزمة السياسية بالبلاد حاليًّا، بات القوميون الأورومو يصفون حقبة آبي أحمد بـ”نظام النفتجنا الجديد”(16)، أي إنه يمثل استمرارًا للهيمنة التاريخية لنخب الأمهرا.

القوميون الأمهريون

ينطلق القوميون الأمهريون من افتراض بأن مفهوم الأمهرا ليس مفهومًا عرقيًّا، وينتقدون نظام الفيدرالية الإثنية القائم حاليًّا. ومؤخرًا، كرَّست بعض الدوائر الأمهرية خطابًا قوميًّا لا يختلف كثيرًا عن الخطاب القومي الضيق لدى المجموعات العرقية الأخرى بالبلاد. وهناك تياران يمثلان النزعة القومية وسط الأمهرا، وهما:

أولًا: حركة الأمهرا الوطنية (ناما)(17): تأسست في يوليو/تموز 2018، وتدعو للدفاع عن شعب الأمهرا في وجه الاضطهاد والقمع الذي ظل يتعرض له، كما أنها تسعى جاهدة للارتقاء لتطلعات القومية الأمهرية(18).

ثانيًا: حزب بالاداراس للديمقراطية الحقيقية(19): ويُعرف عند تأسيسه بـ”مجلس بالداراس”، وهو كيان للدفاع عن حقوق سكان العاصمة ومناهضة مزاعم القوميين الأورومو بتبعية العاصمة (أديس أبابا) إلى إقليم أوروميا.

وضمن هذا الخطاب القومي، يجري أيضًا تصوير عمليات القتل ضد الأمهرا على أنها استمرار لنهج التطهير العرقي الذي ظل يُمارَس ضدهم في العقود الأخيرة في مختلف أنحاء البلاد(20).

وخلاصة الأمر، أن النزعة القومية لدى الأمهرا حاليًّا باتت تحمل وجهين بوضوح؛ فهي تدافع عن أجندة وحدوية وطنية، وفي نفس الوقت تدافع عن شعب الأمهرا بالمفهوم العرقي الضيق.

تأسيس حزب الازدهار الإثيوبي

في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أعلن رئيس الوزراء عن مشروع لحل الائتلاف الحاكم سابقًا (الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا)، والذي كان يقوم على مكونات عِرقية. وقد فُهمت تلك الخطوة على أنها معاكسة تمامًا لطموحات قوميات وشعوب البلاد، وأن آبي أحمد يهدف منها إلى العودة للنظام الوحدوي وأنه سيُعيد إخضاع هذه القوميات -مرة أخرى- تحت هيمنة “الأمهرا” وإمبراطوريتهم(21).

كما كانت خطوة تأسيس الحزب بمنزلة طلاق بائن بين آبي أحمد من جهة، وتيار القوميين الأورومو الذين رأوا فيه تراجعًا عن مشروع “الأورومو أولًا”(22)، كما رأوا في تأسيس الحزب تهديدًا لنظام الفيدرالية الإثنية؛ حيث جرى الاعلان عن قيام تحالف يضم التيارات تحت اسم تحالف (الفيدرالية الديمقراطية متعددة الإثنيات)(23)، في 3 يناير/كانون الثاني 2020.

غير أن تأسيس حزب الازدهار الإثيوبي، خطوة نحو تقارب مؤقت بين آبي أحمد والتيار الرئيس وسط “الأمهرا” للسببين التاليين:

  • رفض نظام الفيدرالية الإثنية وكافة الترتيبات الدستورية التي يستند إليها، وبالتالي البحث عن هوية وطنية بعيدًا عن الإثنية الضيقة، وكذلك استعادة أمجاد الأمهرا وتكريس حقوقهم ومكتسباتهم.
  • عرقلة صعود تيار القوميين الأورومو إلى السلطة من خلال الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في مايو/أيار أو أغسطس/آب من العام 2020.

الأزمة الدستورية وانتخابات إقليم تيغراي

كان من الطبيعي بعد بلوغ عملية الإصلاح مرحلة الانسداد التام أن تطفو على الأحداث في البلاد أزمة دستورية حقيقية، خاصة بعد الفشل في إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري. وقد أدى تعليق إجراء الانتخابات إلى دخول البلاد عمليًّا في فراغ دستوري وبالتالي أزمة سياسية كبرى. وفي محاولة لتجنب التداعيات السياسية لذلك الفراغ، تقدمت الحكومة، عبر نائب المدعي العام، في 30 أبريل/نيسان 2020، بأربعة مقترحات لحل الأزمة الدستورية التي تلوح بالبلاد، وهي: 1) حل البرلمان. 2) إعلان حالة الطوارئ. 3) تعديل الدستور. 4) المطالبة بتفسير دستوري(24).

في الخامس من مايو/أيار 2020، اعتمد البرلمان التوصية الرابعة (التفسير الدستوري)، وأوصت لجنة التحقيق الدستوري، في 6 يونيو/حزيران 2020، بتمديد فترة أعضاء البرلمان والمجلس الفيدرالي والمجالس الإقليمية والمسؤولين التنفيذيين والإقليميين وإجراء الانتخابات في فترة تتراوح بين 9 إلى 12 شهرًا. ليعتمد المجلس الفيدرالي، في 10 يونيو/حزيران تلك التوصيات(25). بينما اعتبرت القوى المعارضة الرئيسة بالبلاد أن كافة المؤسسات الفيدرالية، بعد تاريخ الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2020، ستكون غير دستورية، ودعت المعارضة إلى تنظيم حوار وطني شامل لإيجاد مخرج من تلك الأزمة.

مع أن آبي أحمد، ومنذ وصوله للسلطة، قد جعل رئيس الوزراء من “جبهة تحرير تيغراي”(26) إلا أن ذلك لم يمنع من وقوع عمليات تطهير واسعة استهدفت قيادتها. كما أن رفض الجبهة إلغاء الائتلاف الحاكم (الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا) وتأسيس حزب الازدهار الإثيوبي بدلًا عنها، شكَّل مرحلة أخرى من الصراع بينها وبين آبي أحمد. وفي فترة لاحقة، بلغ الصراع بين الطرفين ذروته، على خلفية تعليق إجراء الانتخابات العامة التي كان مقررًا لها في أغسطس/آب (2020)؛ حيث تمسكت حكومة إقليم تيغراي بإجرائها في موعدها الدستوري وأُجريت فعلًا في 9 سبتمبر/أيلول 2020، واعتبرها المجلس الفيدرالي (الغرفة الثانية) “غير دستورية”. وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020، تبنَّت الغرفة الثانية من البرلمان قرارًا يلزم الحكومة الفيدرالية بقطع العلاقات مع حكومة وبرلمان إقليم تيغراي اللذين تشكَّلا وفق انتخابات الإقليم(27).

وفي سياق ذلك الصراع، حذَّرت “مجموعة الأزمات الدولية”(28) من عواقب الخلافات المتصاعدة بين الطرفين، وأن هذا الوضع يدفع الحكومة الفيدرالية للتدخل عسكريًّا في الإقليم، وهو ما وقع مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

ومن المعلوم أن النظام الفيدرالي الإثيوبي يعطي الأقاليم حق تكوين قوات أمنية خاصة بها؛ مما أدى إلى التوسع في إنشاء هذه الأسلاك التي لا تخضع لسيطرة مركزية بالضرورة(29). وبموازاة ذلك، تصاعدت وتيرة الصراع بين التيارات القومية؛ حيث وقع تسابق بين الأقاليم، القائمة على أساس إثني أصلًا، على بناء قواتها الخاصة ومُراكمة الأسلحة وتأسيس الميليشيات المسلحة والانخراط في التسبب في النزاعات(30). وقد زاد ذلك من التعقيدات التي تواجه البلاد، وتجلَّى ذلك في عدة مظاهر، منها على سبيل المثال:

أولًا: تورط القوات الإقليمية في الصراعات داخل الأقاليم، أو مع أقاليم أخرى بسبب تبعية المناطق أو الحدود الإدارية، خاصة مع تنامي قدرات القوات الخاصة لبعض الأقاليم بشكل يتفوق على القوات الفيدرالية ويتحداها.

ثانيًا: اضطرار القوات الفيدرالية، خاصة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (الجيش)، لتولي المسؤوليات الأمنية في المناطق المضطربة، رغم وجود قوات إقليمية تقع تلك المهام في صميم مسؤولياتها.

ثالثًا: ظهور مجموعات مسلحة كـ”فانو” في إقليم أمهرا، و”شنى” في إقليم أوروميا، تنشط ضد حكومات الأقاليم والحكومة الفيدرالية أيضًا.

الآفاق والسيناريوهات المحتملة

في ضوء الأزمة السياسية في إثيوبيا التي وصلت إلى مرحلة خطيرة في الوقت الراهن، ستبقي البلاد عالقة بين هذه السيناريوهات، وهي:

السيناريو الأول: الوحدويون في مقابل القوميين

يتضمن هذا السيناريو إمكانية نجاح رئيس الوزراء في تطبيق فلسفته السياسية الجديدة والتي تقوم على محاولة إرساء نظام سياسي جديد يقوم على المواطنة بدلًا من رابطة الإثنية التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار والتفكك، وهو سيناريو مستبعد على المدى القصير. ولكن يمكن لهذا النظام الجديد أن يخلق جسورًا بين الحزب الجديد (حزب الازدهار الإثيوبي) وبين بعض تيارات الأمهرا التي ترى في الأفكار العامة للفلسفة السياسية التي تُعرف بـ”Medemer” (“مَدَّمَر”، تُقرأ بفتح “الميمين” وتشديد الدال) على أنها ترجمة عملية لخطابها السياسي وتحقيقًا لتطلعاتها في مراحل ما بعد سقوط نظام منغيستو، والذي يُعرف أيضًا أنه ترجمة لرؤية رئيس الوزراء، آبي أحمد: “جعل إثيوبيا عظيمة مرة أخرى”.

غير أن هذا المشروع يواجه تحديًا في سبيل تحقيقه على أرض الواقع؛ إذ ستؤدي محاولة فرضه بالقوة إلى فشله، على غرار المصير الذي انتهت إليه المشاريع السياسية الأخرى التي مرَّت بها البلاد. كما أن الايمان الحقيقي به، ومن ثم تبنيه من قبل التيارات السياسية الرئيسة بالبلاد يتطلب فترة زمنية طويلة.

وفضلًا عن ذلك، يواجه الحزب الجديد الذي أنشأه آبي أحمد تحديًا يتمثل في توازن العلاقة بين المركز والأطراف، فالمركز تميل القوة فيه لصالح النخبة المتحدرة من الشمال، ويُطلَق عليهم من قبل بقية سكان إثيوبيا كلمة “الحبشة”، والأطراف (الأقاليم القومية)؛ حيث تسعي التيارات القومية لتأكيد استقلالها عن المركز بصورة أكبر.

وفي المقابل، فإن أي تقارب بين آبي أحمد والأمهرا على أساس هذا المشروع سيزيد من خطاب التطرف القومي في البلاد، خاصة وسط الأورومو، وهو ما سيدفع الناشطين من كافة القوميات، إلى التمسك بنظام الفيدرالية الإثنية أكثر من أي وقت مضى. وفي إطار هذا السيناريو -كذلك- سوف يتمركز الخطاب السياسي على المدى المنظور على قاعدة: الفيدراليين في مواجهة الوحدويين. وعلى وجه التحديد، يُتوقع أن تميل الحركة السياسية في الوسط الأورومي خصوصًا إلى إعادة طرح أفكار من جديد كخيار الانفصال أو الحكم الذاتي “الموسع”، أو حتى الاستقلال. وفضلًا عن وجود مؤشرات حاليًّا لإمكانية تصعيد المقاومة المسلحة ضد حكومة آبي أحمد فإنها تظل احتمالًا قائمًا لا يمكن استبعاده.

السيناريو الثاني: إعادة إنتاج تجارب الأنظمة السلطوية السابقة

غالبًا ما يؤدي الانسداد السياسي إلى اضطرابات وتأزم، وهو ما قد يعيد إنتاج التجارب الإثيوبية السابقة والأليمة. ويلاحظ المراقبون قمعًا حكوميًّا متصاعدًا للمعارضة، قد تدفع رئيس الوزراء لإعادة النظر في حسابه للمواءمة بين الاحتفاظ بسمعته كقائد سياسي صاعد في إفريقيا وحائز على جائزة نوبل للسلام (2019)، وفوق ذلك حاصل على درجة الدكتوراه في بناء السلام، وبين ثمن استمراره في السلطة عبر سياسات سلطوية وقمعية ستشوه صورته خارجيًّا، ولكن من دون قدرة فعلية على الاحتفاظ بالسلطة في ظل مقاومة سياسية كبيرة ضد نظامه على أكثر من جبهة.

وربما تدفع إجراءات قمع المعارضة لتوحيد تلك المعسكرات القومية المختلفة ضد نظام آبي أحمد خصوصًا إذا استمرت حالة الانسداد السياسي. ويُطرح حاليًّا خيار اللجوء إلى تنظيم حوار وطني شامل كمخرج لهذه الأزمة الحادة. كما أن استمرار الانسداد وتصعيد القمع ربما يعيد تجربة التظاهرات الشاملة التي شلَّت العاصمة تمامًا مما أدى في السابق إلى إثارة النقاش داخل الحكومة والائتلاف الحاكم حول جدوى استخدام القوة في حل الأزمات السياسية، وهو أمر محتمل، لاسيما في إقليم أوروميا الذي يحيط بالعاصمة، ويُعتبر أيضًا معقل لحركة شباب “القيرو”. فضلًا عن ذلك، تعيش دوائر الأورومو -في الوقت الراهن- حالة من الغضب الشديد، جرَّاء فشل العملية الانتقالية وسياسات حكومة آبي أحمد تجاههم.

وقد تتفاقم الأزمة السياسية بسبب حدَّة الصراعات القائمة حاليًّا في أكثر من إقليم بالبلاد، سيما أن البلاد قد شهدت منذ العام 2018 أعلى معدلات نزوح داخلي في العالم. وبحسب تقارير متعددة، شهدت البلاد أيضًا خلال العام الحالي نزوح أكثر من مليون ونصف المليون شخص لعدة عوامل، كان من بينها الصراعات المحلية.

وكما تشير المعطيات الراهنة، سيركز رئيس الوزراء على إضعاف المعارضة وخلق معارضة بديلة “موالية” له، يمكن أن تحقق له هدفين من وراء كل ذلك:

  1. إزاحة القوى التي تنافس حزبه الجديد سواء في أقاليم بعينها (أوروميا وتيغراي) من الساحة تمامًا وإضعافها وتقسيم صفوفها.
  2. قطع الطريق على بعض المواقف السياسية كالمطالبة بإجراء حوار وطني “جديد” أو الدخول في فترة انتقالية تحضِّر لمرحلة سياسية جديدة بالبلاد.

السيناريو الثالث: إجراء انتخابات غير مضمونة النتائج

يبقي هذا الاحتمال راجحًا بشكل كبير، في حالة فشل المشروع السياسي لرئيس الوزراء، وتصاعد وتيرة المعارضة ضده، فمن المحتمل أن يجري اللجوء إلى إجراء الانتخابات كوسيلة لاكتساب شرعية دستورية وللرد على تشكيك المعارضة في شرعيته؛ إذ إنه وصل سدة الحكم عبر إصلاحات داخلية في الائتلاف الحاكم وليس عبر انتخابات شفافة ونزيهة وتنافسية. كما أن تأجيل الانتخابات العامة عبر تدابير أحادية قد يتسبب في أزمة دستورية، كما قد يؤول إلى إعلان حالة الطوارئ لإسكات المعارضة واستهداف رموزها الفاعلين، وهو ما سيعمِّق من الأزمة السياسية بالبلاد، ولن يؤدي إلى إحداث استقرار سياسي ولا حل مشكلة شرعية رئيس الوزراء نفسه.

باختصار، فإن إجراء الانتخابات العامة بالبلاد ربما يعقبه عنف انتخابي قد يزيد من حِدَّة الأزمة السياسية مما سيقود إلى تبني أطروحات من قبيل حكومة وحدة وطنية أو انتقالية أو حتى حكومة إنقاذ وطني. وبمعني آخر، فإن إجراء الانتخابات في ظل الظروف التي تمر بها البلاد حاليًّا قد يحمل مخاطر كبيرة قد تؤثر على أمن واستقرار البلاد. وفي ضوء ذلك، فإنه بدل أن يؤدي اللجوء إلى إجراء الانتخابات إلى تحقيق الاستقرار السياسي، فعلى العكس من ذلك، يُتوقع أن يزيد من وتيرة الاضطرابات السياسية، خاصة في حال تعثر الحزب الحاكم في الحصول على الأغلبية أو تزوير نتائج تلك الانتخابات لصالحه.

وبالتالي، من المتوقع أن تستمر الأزمة السياسة والدستورية بالبلاد في حال لم تجر الانتخابات أو أُلغيت أو حدث نزاع حول نتائجها بعد إجرائها.

خاتمة

تواجه إثيوبيا تحديات مركبة تسببت فيها عوامل محلية عديدة كالمشكلات التاريخية وإرث بنية الدولة وتشكلها كإمبراطورية تضم قوميات وشعوبًا متنوعة بشكل فسيفسائي، بجانب صعوبات الانتقال السياسي في دولة ما بعد الاستعمار بشكل عام في إفريقيا، وكذلك فشل محاولات بناء الأمة/الدولة. فضلًا عن ذلك، فإن ظاهرة صعود “الرجل القوي” أو عودة الأوتوقراطيات في إفريقيا، لاسيما في أعقاب تأثيرات انتشار جائحة وباء كورونا، وكذلك وجود توجهات إقليمية معادية للديمقراطية، قد ألقت بظلالها -بالإجمال- على عملية الإصلاح والانتقال الديمقراطي في إثيوبيا. ويمكن الزعم بأن هذه الأزمة السياسية الراهنة قد ركزت النقاش بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين بالبلاد حول مستقبل النظام السياسي القائم حاليًّا (الفيدرالية الإثنية) وبدائله، غير أنها جعلت المواقف بين أولئك الفاعلين تتباعد إلى مستويات خطيرة من الاستقطاب الوطني، قد يكون من الصعب معها إيجاد أرضية يمكن أن يُبنى عليها إجماع وطني.

مراجع

(1)- “UN experts call on Ethiopia to allow peaceful protests, welcome partial restoration of Internet,” 12/07/2020, https://bit.ly/3enyZlS.

(2)- “Ethiopia Working Group Statement: Ethiopia’s path to a more stable and democratic future is increasingly at risk,” Freedom House, 12/8/2020, https://bit.ly/34sn7f2 (Accessed 12/10/2020).

(3)- “Explainer: What is happening in Ethiopia’s Tigray region?” Aljazeera English, 06/11/2020, https://bit.ly/38mIsZK(Accessed 07/11/2020).

(4) للمزيد حول فلسفة هذا النظام السياسي، راجع: خيري عمر: “الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا: المرتكزات والمؤسسات”، (إسطنبول: المعهد المصري للدراسات”، (دراسات سياسية)، 5 ديسمبر/كانون الأول 2019. ص 12

(5)- Sara Mokkedem “Abiy Ahmed’s ‘Medemer’ reforms: can it ensure sustainable growth for Ethiopia and what are the challenges facing the new government” Rabat (Morocco), Policy Center for the New South. (policy brief:19/08), September 2019.

(6)- “Ethiopia’s Abiy Ahmed: Inside the mind of this year’s Nobel Peace Prize winner,” BBC, 10/12/2020 ,(Accessed 12/10/2020) https://bbc.in/3kv7mtf.

(7)- Ethiopia Working Group (Freedom House) Statement: Ethiopia’s path to a more stable and democratic future is increasingly at risk,”12/08/2020, (accessed 28/10/2020) https://bit.ly/38d7nPp.

(8) عباس صالح عباس، “التطرف الإثني في إثيوبيا… مخاطر البلقنة والصراع العرقي تحدق بالجمهورية”، (تحقيق)، العربي الجديد، 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، (تم التصفح في 7 أكتوبر 2020) .https://bit.ly/3oN3V3H

(9)- For historical prospective of this process see: Brian J. Yates “The Other Abyssinians the Northern Oromo and the Creation of Modern Ethiopia, 1855-1913 (Rochester: University of Press 2020).

(10)- See “Context and Updates on Current Issues in Ethiopia”, press release, Ethiopian Prime Minister’s Office, 8 July 2020.

(11)- See Girma Berhanu, “From a Struggle for Democracy to an Ethno-Fascist Mob How a Genuine Oromo Youth (Queerroo) Movement is Hijacked, Radicalized and Derailed from its Course,”. ]August 2020.[. https://bit.ly/2GyAbXg.

(12)- Florian Bieber, Wondemagen Tadesse Goshu, “Don’t Let Ethiopia Become the Next Yugoslavia,” Foreign Affairs. 15/01/ 2019. (Accessed 12/10/2020), https://bit.ly/35A2Gfx.

(13)- Fitsum Achmayeleh Alemu” Paternalistic Racism and Denial of Genocide Against Amharas, “28/9/2020, (Accessed 12/10/2020). https://bit.ly/3jwfFUo.

(14)- Asebe Regassa Debelo “Ethiopia’s Political Transition at a Crossroads,” kujenga-amani.ssrc.org, 19/3/2019 (Accessed 12/10/2020). https://bit.ly/2Tn1Gpw.

(15)- “Radical ethnic nationalists move to break up Ethiopian Church in pursuit of forming Oromia Orthodox Church, Ethiopian Church Holy Synod responds to it ” borkena, 31/08/2019, (accessed 01/11/2020). https://bit.ly/3jVtzQq.

(16)- Asafa Jalata, “Why Did Ethiopian prime minister blame African- American for their victimization,” Ethiopia- insight, 08/10/ 2020. (Accessed 12/10/2020). https://bit.ly/3oQwZaN.

(17)- “Interview: NaMA is expected to be the guardian of a fully-fledged of Amhara Nationalism: Dr Dessalegn Chanie,” Addis Standard, 19/06/2018, (accessed 12/09/2020). https://bit.ly/3e1p5q6.

(18)- Ibid

(19) “بالاداراس”، هو اسم المكان الذي شهد تأسيس المجلس أول مرة تحت اسم “أديس أبابا مدر بيت”، وتعني سكان أديس أبابا الأصليين)، وأما “بالادارا” فتعني الحكومة البديلة؛ حيث كان المجلس يطالب بانتخاب عمدة مدينة أديس أبابا كما ينص على ذلك الدستور، كما يناهض هذا الكيان مساعي الأورومو لتأكيد تبعية العاصمة إلى إقليم أوروميا.

(20)- See National Amhara movement (NaMA),”recent genocidal violence in Oromia region, A partial documentation of causalities following assassination of Oromo vocalist Hachalu Hundessa,” (October 2020). pdf

(21)- Awol. K. Allo, “Why Abiy Ahmed’s Prosperity Party could be bad news for Ethiopia” Aljazeera English,” 05/12/2019 (accessed 12/10/2019). https://bit.ly/3mlSgXI.

(22)- Awol Allo ‘Are you Oromo first or Ethiopian first?’ Opride.com July 19, 2013, (accessed 28/10/2020) https://bit.ly/3ov5t2m.

(23)- Addis Standard, “News: OFC, OLF and ONP agree to form Coalition for Democratic Federalism”, 04/01/ 2020 (Accessed 12/10/2020), https://bit.ly/3ou2GGI.

(24)- “News Alert: HOF Approves CCI’S Recommendation to Extend Both Houses, State Councils Term Limit; Constitutional Expert Raise Concern,” Addis Ababa, 10/06/2020. (accessed 27/10/2020) https://bit.ly/37Jlsnh.

(25)- Elias Gebreselassie “In Ethiopia, a heated political tug-of-war sparks security fears” Aljazeera, 19/10/ 2020 (accessed 28/10/2020) https://bit.ly/2HJLhJk.

(26)- Mulugeta Gebrehiwot, “Tigray’s Elections: Test of Ethiopia’s Federal Democracy,” African Arguments, 15/10/2020. (accessed 12/10/2020) https://bit.ly/37Gx6Q3.

(27)- “Ethiopia’s parliament votes to sever ties with Tigray region leaders,” The Africa report, 08/10/2020, (accessed 28/10/2020) https://bit.ly/3ov8tLZ.

(28)- See Criss group Africa Report N°283 “Toward an End to Ethiopia’s Federal – Tigray Feud,”14/08/202, )Accessed 15/08/2020). https://bit.ly/329V9Dd. Also, Crisis Group Africa Briefing N°162 “Steering Ethiopia’s Tigray Crisis Away from Conflict,” 30 /10/ 2020. https://bit.ly/36emxRL (Accessed 30/10/2020).

(29)- Ann.M.FitZ-Gerald, “Ethiopia’s Security Dilemma,” the Royal United Service Institute (RUSI), (Commentary), 18/07/2019. (accessed 19/10/2020) https://bit.ly/35OYicX .

(30)- Semir Yusuf, “What is driving Ethiopia’s ethnic conflicts?” Addis Ababa, Institute for Security Studies, (Eastern Africa report: 28). November 2019. p 2.