الطالب / محمد زكريا فضل:   الحمد لله ذي المحامد والآلاء, المنعم على عباده بما شاء, والصلاة والسلام على أشرف الرسل والأنبياء, نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هديه إلى يوم الوفاء.

        أما بعد: 

        فإن من المسلّم به أن كل نظام – سواء كان اقتصاديا أو سياسيا – في حالة النظرية والفكر يكون متكاملا أو يكاد, أما في حالة التطبيق على أرض الواقع فإنه من الصعوبة بمكان أن نجده يستقي كل مبادئه وسماته من أصوله التي انبثق منها, ويطابقها تماما دون شوائب أوغبار.

        ولا يوجد نظام اقتصادي بلغ من الدقة والإحكام والاستجابة لطبيعة الإنسان ملبيا لحاجاته, متماشيا وروح كل عصر ومكان دون أن يطرأ عليه تغيير في الأصول أو الفروع. ومعظم النظم الاقتصادية التي عاشت طويلا واستطاعت أن تتجاوز العقبات وتتحدى الصعاب عبر الزمان والمكان بفضل خضوعها للتنقيح والمراجعة والتغيير المستمر, وأحيانا الأخذ ببعض مميزات الأنظمة الأخرى سواء كانت قبلها أو ظهرت بعدها. وفي هذا المضمون يقول الدكتور صلاح الدين نامق: ” إن أي نظام اقتصادي سياسي لا يستطيع البقاء طويلا إلا إذا اتسم بمرونة ما, وباستعداد للتعديل والتسوية والملاءمة بينه وبين الأحوال المتغيرة من حوله” (نامق د . ت)

        وهذه المرونة قد تكون متعارضة أو متناقضة, لكنها تبقى هي الحل الأمثل, لا سيما في فترات الانتقال من نظام اقتصادي إلى نظام آخر, أو في مرحلة التحول من سمة اقتصادية إلى سمة أخرى مع البقاء في النظام نفسه, كالأخذ بمدئ التخطيط المركزي – النسبي- في نظام اقتصادي رأسمالي, والذي يتمثل في تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي وتحويل بعض المنشئات من الملكية الخاصة إلى ملكية الدولة (وهذه من سمات النظام الاشتراكي).

      هذا المزج هو ما يسميه بعض الاقتصاديين بـ “النظام الاقتصادي المختلط” , أو الطريق الثالث, وبهذا يرونه نظاما اقتصاديا جديدا, مع أن البعض لا يراه نظاما اقتصاديا جديدا؛ لعدم اتضاح ملامحه وافتقاره  إلى الأسس المتينة والأطر المتكاملة التي تؤهله أن يكون نظاما مستقلا بذاته.

     وهذا البحث هو دراسة سريعة للتعرف على بعض ملامح النظام الاقتصادي المختلط , والتعرف على سماته وإبراز أهمية دراسته في العصر الحالي؛ لأنه قد يعتبر النظام الواقعي للأنظمة السائدة في دول العالم المعاصر – كما سيأتي في ثنايا العرض – والدراسة لم تكن مركزة أو معمقة في هذا الموضوع, وذلك لأسباب عديدة, منها: ضيق الوقت, وكذلك  قلّة الزاد المعرفي للباحث وبضاعته مزجاة في هذا الموضوع الشائك.

           وتم تقسيم البحث إلى: تمهيد (مقدمة), وخمسة مباحث, وخاتمة, وذلك تسهيلا للعرض, وهو كالآتي:

المبحث الأول: مفهوم النظام الاقتصادي المختلط.

المبحث الثاني: أهمية دراسة النظام الاقتصادي المختلط.

المبحث الثالث: الآراء والاتجاهات الخاصة بالنظام الاقتصادي المختلط.

المبحث الرابع: سمات النظام الاقتصادي المختلط .

المبحث الخامس: مميزات النظام الاقتصادي المختلط وعيوبه.

الخاتمة: وفيها يتم ذكر خلاصة الدراسة , وما توصل إليه الباحث من نتائج, مع إبداء رأييه وملاحظاته.

                                          

المبحث الأول مفهوم النظام الاقتصادي المختلط:

تعريف النظام الاقتصادي:

          هو: ” الأطر الفلسفية والمنهجية والتنظيمية التي تحدد وتنفذ القضايا المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك والتوزيع”   (المنيف 1997م)

تعريف النظام الاقتصادي المختلط:

        هو: ” النظام الاقتصادي الذي يجمع بين سمات عدة أنظمة, أي سمات نظامين أو أكثر, ولم تتحدد في إطاره سمات محددة تجعل منه نظاما اقتصاديا معينا بصفاته النقية (الأصلية) , سواء في جوانبه النظرية أو في جوانبه التطبيقية, أو في الإثنين معا, وبالشكل الذي يتم فيه اعتباره نظاما اقتصاديا مختلطا ” (خلف 2008م)

       من خلال هذين التعريفين للنظام الاقتصادي بصفة عامة, والنظام الاقتصادي المختلط بصفة خاصة, يتضح لنا أن النظام الاقتصادي المختلط (الذي نحن بصدده) لم يستوف شروط النظام الاقتصادي المستقل؛ لأنه لم تنطبق عليه تلك الصفات والسمات الواردة في التعريف, ومن خلال تعريفه الخاص يتبين لنا أنه خليط من سمات متعددة لأنظمة مختلفة, ولم تكن له أسس منطقية, أو أطر فلسفية ينطلق منها, أي: لم تكن له مرجعية وأصول أيديولوجية يستمد منها مناهجه لتنفيذ القضايا المتعلقة بالإنتاج والاستهلاك والتوزيع.

       ولكنه يمثل النظم الاقتصادية الفعلية التي طبقت – ولا تزال تطبق – في اقتصاديات العالم – حسب آراء كثير من الاقتصاديين والسياسيين – وهذا ما يعطيه أهمية بالغة للدراسة والتعرّف على سماته وخصائصه ومعرفة بعض الأسباب المؤدية إلى توظيفه في النظم الاقتصادية المختلفة عبر العصور, و سيتعرض الباحث لهذه النقاط في المباحث الآتية بإذن الله .

المبحث الثاني: أهمية دراسة النظام الاقتصادي المختلط:

         إن دراسة مثل هذا النظام الاقتصادي المختلط  من الأهمية بمكان؛ لأنه يعطينا مؤشرات لمعرفة مجرى الاقتصاد الحديث والاستطاعة للتنبؤ بمستقبله, وتبرز اعتبارات تلك الأهمية في ما يلي:

1- إن الدول الرأسمالية اتجهت في حالات كثيرة على تطبيق هذا النظام في اقتصادياتها- لا سيّما في السنوات الأخيرة وخاصة بعد أزمة ثلاثينات القرن الماضي- حيث أخذت بالعديد من الإجراءات والممارسات المرتبطة بالنظام الاقتصادي الاشتراكي وآليات عمله, كالدور المهم للدولة في الأنشطة الاقتصادية وتحويل بعض المشروعات من الملكية الخاصة إلى ملكية الدولة, واتخاذ طرق للحد من الاحتكار, والعمل على توزيع الدخل بين أفراد المجتمع … الخ.

2- اتجهت – أيضا – دول المنظومة الاشتراكية إلى الأخذ بالعديد من سمات الاقتصاد الرأسمالي ومؤشراته, كتقليل درجة المركزية في التخطيط الاقتصادي المتمثل في نقل  بعض المشاريع من ملكية الدولة إلى الملكية الخاصة أو إصباغها بشيء من الخصوصية, وكذلك الاعتماد على مؤشرات السوق, والأسعار والربحية المالية … الخ. وهو الأمر الذي لا يتماشى مع طبيعة النظام الاقتصادي الاشتراكي ومبادئه التي تنص على أن المجتمع ينبغي أن يمتلك كافة وسائل الإنتاج, وتمارس كافة الأنشطة الإنتاجية من خلال ملكية الدولة لتلك الوسائل وتستخدمها لتلبية احتياجات المجتمع.

3- العديد من الحالات التي تحققت في أكثر الدول, وخاصة التي تمثلها معظم الدول النامية – إن لم تكن جميعها – والتي لم ترسم طبيعة أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل واضح ونهائي؛ إذ إن واقع اقتصادها يتضمن بعض سمات الاقتصاد الاشتراكي, كدور الدولة الواسع في ممارسة الأنشطة الاقتصادية والتدخل في سنّ القوانين الاقتصادية وغيرها, كما تبرز سمات الاقتصاد الرأسمالي في الوقت نفسه في ممارسة الأنشطة الاقتصادية لتلك الدول, كالاعتماد على نظام السوق ومؤشراته, وإعطاء شيء من الحرية للقطاع الخاص. وهذا يعني أن واقع اقتصاديات هذه الدول يترنح بين ملكية الاشتراكية وخصوصية الرأسمالية, وهو ما يبين أن النظام الاقتصادي الذي تحقق في الواقع لهذه الدول هو النظام الاقتصادي المختلط.

4- توجهات بعض الجهات في الدول الرأسمالية, وأبرزها التيارات السياسية المختلفة والتي تسمى بتيارات اليسار, وتمثلها أحزاب عالمية, وكذلك الأحزاب الاشتراكية في العديد من الدول الأوربية , كالحزب الاشتراكي الفرنسي والألماني, وحزب العمال البريطاني وغيرها, حيث تؤكد على إقامة نظام يجمع بين بعض سمات النظام الاشتراكي ( والتي من أهمها العدالة) وبعض سمات النظام الرأسمالي (والتي من أهمها الديمقراطية) وهذا الاتجاه هو ما يسمى بـ ”الاشتراكية الديمقراطية ” وهذا يعني التوجه للأخذ بالنظام الاقتصادي المختلط نظريا, وإلى حد ما عمليا.

5- واستنادا إلى ما سبق, فإن الكثير من الآراء والأفكار والاتجاهات ترى أن النظام الاقتصادي المختلط هو النظام الذي تحقق واقعيا في كل الأنظمة الاقتصادية المتبعة في دول العالم بشقيه – الاشتراكي والرأسمالي – باعتباره النظام الذي يجمع بين سمات الأنظمة المختلفة, بحيث يتم من خلاله تفادي سلبيات كل نظام, أو بمعنى آخر: هو النظام الذي ينتقي إيجابيات الأنظمة المختلفة ويبتعد عن التطرف في النظم الأخرى من أجل اقتصاد مثالي.

المبحث الثالث : الآراء والاتجاهات الخاصة بالنظام الاقتصادي المختلط:

        بعد معرفة أهمية دراسة النظام الاقتصادي المختلط , بقي الحديث عن الآراء ووجهات النظر التي ترى أن النظم الاقتصادية السائدة في العالم تتجه نحو التقارب فيما بينها, حيث يهيمن عليها النظام الاقتصادي المختلط الذي يأخذ ببعض سمات النظام الاقتصادي الرأسمالي وبعض سمات النظام الاقتصادي الاشتراكي, ومن بين تلك الاتجاهات التي تتضمن تلك الآراء ووجهات النظر ما يلي:

1- الاتجاه العقلاني: يرى هذا الاتجاه أن النظامين الاقتصاديين الرأسمالي والاشتراكي يقتربان من بعضهما البعض نتيجة للتطور في التفكير والسلوك العقلاني الذي يهدف إلى إيجاد الحل الأمثل اقتصاديا واجتماعيا لتحقيق الرفاهية, والذي يمكن حصوله بانتقاء سمات من الرأسمالية وسمات من الاشتراكية ودمجها في نظام واحد, وهو النظام المختلط. وبحيث أن الأنظمة الاقتصادية الواقعية توشك أن تكون أنظمة اقتصادية مختلطة, ولا نكاد نجد نظاما اقتصاديا خالصا نقيا؛ بل إنها خليط من النظامين الرأسمالي والاشتراكي.

2- الاتجاه التكنولوجي: يرى هذا الاتجاه أن التطور التقني والتكنولوجي الحديث الواسع والمستمر والمتزايد, وشموله لجميع نواحي الحياة,  تكون نتيجته أن المجتمعات تخضع في عملها وفي ممارسة نشاطاتها عموما, والاقتصادية خصوصا إلى ما تفرضه عليها طبيعة التطورات التكنولوجية من مبادئ وسلوكيات, وتبتعد عن ما تمليه عليها الأيديولوجيات (النظريات الاقتصادية) في عملها وممارسة أنشطتها, وهذا يؤدي في النهاية إلى تلاشي الفروق والاختلافات بين النظم الاقتصادية , وبهذا يتحقق التقارب المذكور. وهذا ما ذهب إليه الدكتور صلاح الدين نامق في تحليله للأنظمة الاقتصادية المعاصرة إذ يقول: ” مما لاشك فيه أن الثورة التكنولوجية حقيقة واقعية في عالمنا المعاصر؛ فالعدد والآلات الكبيرة الباهظة التكلفة ما زالت تظهر من وقت لآخر وتدخل إلى العملية الإنتاجية في عمق بالغ وسرعة جنونية, ويستوي في هذا كل من الرأسمالية والماركسية الاشتراكية, فالكل يجرى وراء التكنولوجيا والكل يحاول التجديد فيها لعله يصل إلى ما لم يصل إليه الآخرون” (نامق د . ت)

3- الاتجاه الإداري: يرى هذا الاتجاه أن المشروعات الحديثة – غالبا تكون كبيرة الحجم – التي تتخذ شكل الشركات المساهمة حيث يقل فيها تأثير أي مساهم على إدارتها, ويصبح المساهمون مجرد مالكين لا يمارسون مهام إدارية, وإنما تدار من قبل أصحاب الخبرة والمهارات والقدرات الإدارية وهم مجرد موظفين, ولكنهم يسيطرون على هذه المشروعات؛ إذ يقومون بتوجيهها والإشراف عليها وتنظيم عملها بغض النظر عن طبيعة النظام, وهذا يعني انتقال السلطة من طبقة ” البرجوازيين”([1]) التي يمثلها مالكي المشروعات, إلى طبقة “الإداريين” التي تعمل على اتباع القواعد العلمية والنظم الإدارية بالشكل الذي يحقق أهداف المشروع, وغالبا ما تكون تلك القواعد خليط من سمات أنظمة اقتصادية مختلفة.

4- الاتجاه التنموي التطوري: ويتم الاستناد إليه في تفسير وتوضيح التقارب بين الأنظمة الاقتصادية, ويتحقق كنتيجة لتنمية الاقتصاديات وتطورها وتقدمها, وذلك في إطار تغيرات هيكلية فيها, م يرافقها من تغيرات في أنماط تخصيص الموارد التي ترافق تطور الاقتصاد وتقدمه بغض النظر إلى النظام الذي يسود في الاقتصاد, سواء أكان رأسماليا أو اشتراكيا, وهذا ما يؤكد التقارب بين النظم الاقتصادية, ويلاحظ هذا النوع من الاقتصاد في كثير من اقتصاديات الدول النامية.

5- الاتجاه القومي:ويرى الباحث أن الاتجاهات القومية المختلفة, كالثقافات والعادات والمبادئ العقدية لها دور كبير في تغيير بعض سمات النظام الاقتصادي وإحلال سمات اقتصادية من نظام آخر محلها, حتى يتماشى و الذوق العام للمجتمع ومبادئه, وهذا ما يتولد منه نظاما اقتصاديا مختلطا. (هذه الفكرة مستقاة من إحدى محاضرات الدكتور عبد الله المالكي)

6- اتجاه العولمة الاقتصادية: ويرى هذا الاتجاه أن ظهور العولمة وسعيها إلى السيطرة على العالم وفرضها مبادئ وقيود علي المجتمعات وتحويل العالم كله إلى قرية صغيرة تسيطر عليها الطبقة الثرية أو البرجوازية, وبالذات في المجال الاقتصادي, له دور كبير في تغيير كثير من السمات الاقتصادية ودمجها مع بعضها البعض لتشكل اقتصادا جديدا سواء في النوع أوالكمّ, وكان للتكنولوجيا والتقنية الحديثة فضل كبير في انتشار العولمة. ويؤكد هذا الاتجاه الكاتب إيهاب الكرداوي : ” فالعولمة إذآ وخاصة الاقتصادية منها تعني أن كل كيان اقتصادي يتكامل ويندمج مع غيره من الكيانات ليتكون من الكل مجموع اقتصادي علي مستوي العالم يخضع للقوانين والقواعد ذاتها’ ولقد شاع استخدام مصطلح العولمة وخاصة بعد التوقيع علي اتفاقية النظام العالمي الجديد الذي أدى إلي إنشاء منظمة التجارة الدولية, والتي بدأت أعمالها في يناير 1995م وهي تنظيم مؤسسي يشرف علي تنفيذ الاتفاقيات “.( [2])

وهناك اتجاهات عديدة لا يسمح المجال لذكرها.

المبحث الرابع : سمات النظام الاقتصادي المختلط الأساسية :

         إن النظام الاقتصادي المختلط الذي أخذت به معظم دول العالم حاليا, حتى الدول الرأسمالية المتقدمة – حسب ما يرى بعض الباحثين – يتسم بعدد من السمات والخصائص, وقد تختلف من زمان لآخر, ومن مكان لغيره, ومن حالة لأخرى, منها:

1- أهمية وجود الملكية العامة للدولة والمشروعات العامة, , وكذلك وجود الملكية الخاصة والمشروعات الخاصة في عمل الاقتصاد وأداء نشاطه.

2- وجود قدر من التخطيط أو التوجيه الحكومي للنشاطات الاقتصادية بمدى معين, مع الاعتماد – بحدود معينة – على السوق , والحرية في القيام بالنشاطات الاقتصادية رغم الاختلاف في مدى كل منهما.

3- من أهداف النظام الاقتصادي المختلط تحقيق المصلحة الخاصة, التي تسعى المشروعات الخاصة نحو الوصول إليها ولكن تحت مراقبة الدولة, وذلك بتنظيم عملها بسن القوانين والأنظمة, وتشجيعها وتحفيزها بالمعونات والمنح من أجل أداء دورها الاقتصادي, وكذلك تحقيق المصلحة العامة التي  تسعي الدولة للوصول إليها من خلال إدارتها للمشروعات العامة في عمل الاقتصاد, رغم اختلاف المدى الذي يتم فيه تحقيق المصلحتين, وهذا غالبا ينتج صراعا بين أصحاب المشاريع الخاصة والحكومة؛ لأنهم لا يفضلون التدخل الحكومي, وهذا يعتبر سمة أساسية من سمات النظام الاقتصادي المختلط.

4- القيام بالدور المهم في توفير البنية التحتية للاقتصاد, والتي لا تستطيع النشاطات الخاصة القيام بها رغم أهميتها كمشروعات الماء والكهرباء, والطرق والجسور, ووسائل النقل العام, وغيرها, إضافة إلى توفير الخدمات العامة التي تؤمن الدفاع الخارجي وتضمن الأمن الداخلي وتحقيق العدالة.

5- من سمات النظام الاقتصادي المختلط, المحافظة على حقوق العمال وتوفير العمل ورعاية العاطلين والعجزة, وذلك بتدخل الدولة في تحسين الظروف العملية ووضع حد للأجور, والتقليل من ساعات العمل, والحد من استغلال العامل, وممارسة الطرد الكيفي, وتوفير التأمين والضمان الاجتماعي للعاطلين عن العمل , والتعويض عن إصابات العمل, والتأمين الاجتماعي وغير ذلك.

6- قيام النظام الاقتصادي المختلط ومن خلال الدولة بتوفير الحرية للمستهلك, بحيث يتم الإنتاج طبقا لرغباته وتفضيلاته, وتوفير الإعانات للمستهلكين غير القادرين على تلبية حاجاتهم الأساسية, وما إلى ذلك. كما يحافظ النظام على حقوق المنتج, من حقوق الملكية, وتوفير القوانين لعمل آلية السوق, وجهاز الأسعار, وحرية التعاقد وغيرها.

v ولابد من الأخذ في الاعتبار أن تلك السمات والخصائص تختلف من دولة إلى أخرى ومن وقت لآخر, وربما في البلد الواحد يختلف من منشأة إلى أخرى, فالأمر نسبيا, ويأخذ كل واحد ما يتناسب مع طبيعة مشروعه. [3]

المبحث الخامس: مميزات النظام الاقتصادي المختلط وعيوبه :

         من المسلم به أن لكل نظام اقتصادي إيجابيات وسلبيات, أو مميزات وعيوب؛ وكذلك كل النظريات أو القوانين الوضعية. وكذلك لهذا النظام الاقتصادي المختلط مميزات وعيوب, نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر, وهي:

أ‌-      المميزات:

1- محاولاته لإيجاد التوافق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة, وذلك بتقسيم الأدوار بين الجهات الخاصة والحكومة, وكل يقوم بممارسة نشاطه الاقتصادي في حدود استطاعته, مراعيا للأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.

2- وجود الرقابة الحكومية على القطاع الخاص, مما يؤدي إلى ضمان الجودة وضبط الأنشطة الاقتصادية, لتحقيق المصالح المشتركة.

3- حماية العمال من استغلال “البرجوازيين” والمحافظة على حقوقهم, وضمان مستقبلهم بعد التقاعد وذلك من خلال التأمين الاجتماعي والضمان الاجتماعي.

4- حماية المنتجين, ورعاية جهاز الأسعار ونظام السوق, والأمن العام, وكذلك  توفير الحرية للمستهلك حيث يتم الإنتاج حسب ذوقه, وتوفير الإعانات له.

ب‌-  العيوب:

1- صعوبة وضع حدود واضحة تفصل بين دور الجهات الخاصة وما تؤديه من أنشطة, وبين دور الحكومة وما تقوم به من نشاط اقتصادي.

2-  صعوبة إيجاد التناسب بين نشاط الجهات الخاصة من خلال المشروعات الخاصة, ونشاط الجهات الحكومية من خلال المشروعات العامة من أجل ضمان عدم سيطرة أحدهما على الآخر, أو إعاقة عمله, وهذا ما يتولد عنه في غالب الأحيان صراع بين الجهات الخاصة والحكومة.

3- صعوبة الوصول إلى الإجراءات والأساليب التي يمكن اتباعها من أجل تحقيق التعاون والتناسق, وإلغاء التعارض والتناقض بين عمل الجهات الخاصة, وعمل الحكومة, وكذلك صعوبة التوصل إلى الكيفية التي يمكن أن يتم من خلالها تحقيق العدالة في توزيع الدخول في ظل اقتصاد تعمل فيه الجهات الخاصة لتحقيق أعلى دخل لمالكي هذه المشروعات, مع أقل تكلفة قد يكون المستهلك ضحيتها.

4- صعوبة تحديد اتجاهات تطور الاقتصاد اللاحقة , ومدى هذا التطور في النظام الاقتصادي المختلط نتيجة لوجود دور مهم للمشروعات الخاصة التي لا يكون التطور هدف أساسي في ممارستها لعملها, وكذلك وجود الدور المهم للحكومة التي يكون التطور من أبجديات أعمالها الاقتصادية, فهذا التباين في الأهداف له دوره الهام في عدم تحديد الاتجاهات التطورية الاقتصادية.

الخاتمة:

        في حقيقة الأمر, إن النظام الاقتصادي المختلط هو سلوك قديم تمارسه النظم الاقتصادية عبر التاريخ في حالات مختلفة, وتتمثل فيما يلي:

1- عند التحول من نظام اقتصادي إلى غيره, كالتحول من النظام الرأسمالي إلى الاشتراكي, والعكس صحيح.

2- عند حل مشكلة أو أزمة اقتصادية والمحاولة لتحسين وضع اقتصادي أفضل, كحل مشكلة البطالة في النظام الرأسمالي والذي يتمثل في تدخل الدولة في بعض أعمال القطاع الخاص, وكالأخذ بنظام السوق وجهاز السعر في نظام اشتراكي.

3- الدول التي لم ينضج اقتصادها وما زال في طور التأسيس, كاقتصاديات الدول النامية والدول المنكوبة اقتصاديا أو حربيا.

4- إخضاع النظام الاقتصادي لبعض مبادئ المعتقدات والتقاليد والثقافات الاجتماعية حسب كل أمة أو مجتمع.

       ولكنه في تلك الحالات كلها لم يكن واضح المعالم أو ظاهرا؛ بل كانت الدول تجري تغييرات في أنظمتها خفية أو تدرّجا, وهي بذلك تسعى للحفاظ على نقاء النظام القائم, لكن مع مرور الزمن والتطور الذي شهده العالم, وظهور الثورات الصناعية والتقنية, وسباقها المستمر, وتنافسها القوى, حيث اتخذت كل جهة صناعية وسائل  مختلفة لتحقيق غاياتها المعلنة والخفية, فنتج عن ذلك تكوين مؤسسات عملاقة تعبر الزمان والمكان, كالمنظمة التجارة العالمية, وصندوق النقد الدولي, وما شابههما, ولم تكتفي بذلك؛ بل وضعت سياجا محكما لحماية تلك المؤسسات, وقامت بتأسيس جهات ذات سلطة عليا ومرجعية قانونية تردع كل من خالفها, كمنظمة الأمم المتحدة وما انبثق منها من منظمات وهيئات,والمحكمة الجنائية الدولية, ومجلس الأمن. كل ذلك أدى إلى تداخل النظم الاقتصادية وأصبح كل نظام اقتصادي يختار ما يتماشى مع وضعه الراهن من سمات ومبادئ مهما كان مصدرها ولم يتقيد بأيدلوجيات نظامه الأساسية وأطره الفلسفية, وهو ما أدى إلى ظهور النظام الاقتصادي المختلط, وقد تنبأ لذلك الدكتور صلاح الدين نامق في السبعينيات عند تحليله للنظام الرأسمالي في كتابه النظم الاقتصادية العاصرة, حيث قال: ” إن الجهاز الرأسمالي المطبق حاليا في الولايات المتحدة ينتابه تغيرات خطيرة قد لا ترى بالعين في وضوح, وإنما هي كامنة تحت السطح, وستؤدي في الأجل الطويل إلى خلق نظام جديد قد لا يتضمن نفس الأسس الاقتصادية والسياسية للنظام الرأسمالي الذي درسناه في الكتب والمراجع الاقتصادية المعروفة, وقد يكون نظاما رأسماليا من نوع جديد, إلا أنه لن يحمل بالقطع كل أوزار النظام الرأسمالي المطبق حاليا ” . (نامق د . ت)

       وعليه ..  يمكننا القول بأن النظام الاقتصادي المختلط هو ليس نظاما اقتصاديا مستقلا بذاته, وإنما هو خليط من الأنظمة الاقتصادية المختلفة أو هجين, وسوف يستمر مع استمرار الحياة؛ لأنه يمثل المرونة التي تساعد على اتخاذ القرار والخروج – أحيانا- من الأزمات, إضافة إلى ذلك إن صعوبة تطبيق الأفكار والنظريات على أرض الواقع كما يراد منها أو كما يبغي أن تكون, أصبح شبه المسلّمات البديهية أو السنن الكونية.

المراجع:

1-    صلاح الدين نامق. النظم الاقتصادية المعاصرة وتطبيقاتها. مصر: مكتبة عين شمس، د . ت.

2-    فليح حسن خلف. النظم الاقتصادية . الرأسمالية, الاشتراكية, الإسلام. عمان: عالم الكتب الحديث – الأردن، 2008م.

3-  ماجد عبد الله المنيف. مبادئ الاقتصاد : التحليل الجزئي. الرياض : فهرست مكتبة الملك فهد الوطنية. المملكة العربية السعودية، 1997م.

4-    ويكيبيديا، الموسوعة الحرة :              //ar.wikipedia.org

5-   موقع نقودي  :                         http://www.nuqudy.com                

الهوامش:

[1] –  البرجوازية: هي طبقة اجتماعية ظهرت في القرنين 15 و 16، تمتلك رؤوس الأموال والحرف, كما تمتلك كذلك القدرة على الإنتاج والسيطرة على المجتمع ومؤسسات الدولة للمحافظة على امتيازاتها ومكانتها بحسب نظرية كارل ماركس.

ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

[2]  – العولمة الاقتصادية: مقال منشور على هذا الموقع http://www.nuqudy.com 

[3] – ينظر في هذا وما قبله :النظم الاقتصادية للدكتور فليح حسن خلف