blank   مقدمة
blank   طبيعة العلاقات الدولية في أفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة
blank   علاقات الولايات المتحدة بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة
blank   علاقات فرنسا بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة
blank   علاقات إسرائيل بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة
blank    علاقات الصين بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة
blank   المصادر والمراجع

 

مقدمة

ليس من الصعوبة تعرف أوجه التدخلات وأساليب هيمنة الدول والقوى الأجنبية في شؤون الدول الأفريقية، فهي موجودة وتفعل فعلها في تغيير المضامين، والسياسات وأنماط السلوك داخل تلك الدول، وعلي مستويات عديدة منها السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغيرها. وتتجسد المشكلة في الظروف الراهنة تتجسد في أن إضعاف أية دولة في تلك المنطقة تحت ضغوط التدخلات الدولية من ناحية، والتأثيرات الكارثية للعولمة من ناحية أخري، يحول دون تحقيق الحدود الدنيا من الاستقرار والتنمية، التي بموجبها يمكن لأية دولة في أفريقيا أن تحافظ على بقائها واستمرارها.

 ثم إنه لا توجد أي من المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، يمكن الاعتماد عليها في هذا المضمار، خصوصاً في ظل أوضاع  وظروف ما بعد انتهاء الحرب الباردة، والتنامي غير المسبوق للمكانة العالمية للولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولاتها الدؤوبة لإخضاع المنظمة العالمية وتوجيهها لما يخدم أغراضها ومصالحها، بغض النظر عما إذا كان ذلك يتوافق مع أهداف الدول الأخرى ومصالحها أم لا. وهو الأمر الذي أفضى إلى إعادة توزيع القوى العالمية، وكذلك إعادة توزيع مناطق النفوذ والمصالح على مستوى العالم بأسره، وفي ظل رغبة أمريكية تبدو خالصةً لاحتكار قيادة العالم من جهة، والهيمنة على مناطق النفوذ والمصالح من جهة ثانية، ولتعظيم مكانتها العالمية وفقاً لمعايير الأحادية القطبية من جهة أخرى.

إن منطقة القارة الأفريقية تعد من أهم المناطق للدول المتدخلة في شؤونها، وذلك لحسابات خاصة ولمنظومة متنوعة من الأهداف والمصالح، ولا تستثنى منها دولة وفقاً لترتيبات وأولويات معينة، بل توظف جميع دول المنطقة وتستثمر بناء على تطلعات تلك الدول المتدخلة وقدراتها وأولوياتها، وقد زاد من حدة التنافس في هذا الشأن عدة عوامل، من بينها انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي لصالح الأخير، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوابعها، وظهور الاكتشافات البترولية والمعدنية الجديدة، وتواصُل الأزمات والمشكلات التي تعاني منها دول المنطقة وتصاعدها، وتنامي التداخلات والتشابكات بين الاعتبارات الوطنية والإقليمية والدولية، وغيرها.

ووفقاً لأوضاع الدول المتدخلة في منطقة القارة الأفريقية ، والتي ستحاول الدراسة التركيز علي بعض جوانبها تركيزاً خاصاً، يلاحظ أن بعضها لم يكن له ماضٍ استعماري في المنطقة كالولايات المتحدة والصين وإسرائيل، وإن كانت هناك اهتمامات دائمة بها، بحسبانها منطقة أهداف ومصالح لكل منها، بينما تعد فرنسا من الدول الاستعمارية السابقة، والتي لم تنقطع صلتها بالقارة الأفريقية حتى الوقت الراهن، سواء في إطار العلاقات الثنائية الممتازة مع مستعمراتها السابقة التي نالت استقلالها، أو في نطاق منظمة الدول الناطقة بالفرنسية (منظمة الفرنكفونية)، أو في إطار مساعيها لتنويع اهتماماتها وعلاقاتها وتوسيعها بالدول غير الفرنكفونية داخل القارة، كما يحدث في الوقت.

طبيعة العلاقات الدولية في أفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

أولاً: الملامح الرئيسة المعاصرة العلاقات الدولية في أفريقيا

  1. مضمون الاهتمام الدولي بمنطقة القارة الأفريقية

مع انتهاء الحرب الباردة، وخروج الاتحاد السوفيتي ومعسكره من مباراة التنافس والصراع على المستوي الدولي، وتفكك النظام العالمي السابق، انتقلت العلاقات الدولية إلي مستوي آخر، هو المنافسات التقليدية بين القوي العظمي حول المصالح العاجلة والآجلة في أفريقيا، وأطراف هذه المنافسات بجانب الولايات المتحدة الأمريكية الدول الأخرى ذات التاريخ الاستعماري مثل فرنسا وانجلترا وايطاليا وبلجيكا والبرتغال وأسبانيا وألمانيا، وسوف يستمر هذا الوضع خلال فترة إعادة الصياغة والتشكيل للنظام العالمي المرتقب، وهي فترة سيولة عامة تتنافس فيها قوي عالمية وقوي إقليمية، ويحكم العلاقات فيما بينها مبدأ المنافسة ومبدأ المشاركة، وستظل المواقف والسياسات والممارسات تتراوح بين هذين المبدأين إلي حين تنضج وتستقر حالة النظام العالمي الجديد، وهو الأمر الذي يجعل هذه الدول وغيرها في حالة تأهب للهجوم أو للدفاع عن ما ترتئيه من أهداف ومصالح و فرص أو محاولات لتهميشها وتهديدها.

لقد شَهدَ عقد التسعينياتِ من القرن الماضي تصاعداً ثابتاً في العنفِ عبر أفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى، حيث ازداد عددِ الدول التي تصنف على أنها في حالة حرب، أَو أنها تعاني من النزاعاتِ المؤثرة، وقد تُضاعفُ عدد تلك الدول مِنْ 11 دولة في عام 1989 إلى 22 دولة في عام 2000. وشملت تلك الدول الصومال، وليبريا، ورواندا، والكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً)، وساحل العاج وغيرها منذ أوائل التسعينيات، و التوتر المتنامي بين إثيوبيا وإريتريا الذي أدى إلى حرب إقليمية رئيسة؛ وكذلك الحروب الأهلية القديمة التي دامت لعقود في كل من أنجولا والسودان وقضت على حياة مئات الآلاف من الأشخاص؛ والكراهية الإثنو ـ سياسية Ethnopolitical في رواندا التي أدت إلى إبادة جماعيةِ راح ضحيتها مليون شخص تقريباً.

وعلى الرغم من أن النزاعات بصفة عامة هي إحدى خصائص المجتمعات الإنسانية منذ أزمان سحيقةِ، إلا أن طبيعة تلك النزاعات وتواصلها لسنوات طويلة، فضلاً عن توسعها وانتشارها في أرجاء القارة المختلفة، والتأثيرات الكارثية الناتجة عنها سواء كانت ذات طابع داخلي أو ذات أبعاد إقليمية ودولية تَجْعلُ من أفريقيا مجالاً مفتوحاً لتعاظم المشكلات، ولتعاظم التنافس والتكالب والتدخل الدولي في شؤونها، وهو ما ينعكس سلباً على حاضر دول القارة ومستقبلها فرادى وجماعات، ويلاحظ أن هذا يحدث بعد انتهاء مواجهات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، والتبشير من قبل المعسكر الغربي ببداية عصر جديد من الأمن والاستقرار والتنمية في مناطق الأزمات الدولية ومنها أفريقيا.

ويبدو أن المقصود هو أمن الدول الغربية واستقرارها ونموها وليس الأفريقية، وهو ما يؤكد واقعية هذا الاستعمار الجديد، ويعزز من ذلك حقيقة أن معظم هذه النزاعات والصراعات والحروب والتي بدأت منذ انتهاء الحرب الباردة – إن لم يكن كلها- لا ترجع في جوهرها لأسباب داخلية بحتة، وإنما كانت الأسباب الدولية متلازمة، إن لم تكن ظاهرة وغالبة فيها، وذلك بسبب التأثيرات الاقتصادية(العولمة)، وتزايد الميول التوسعية ومطامح الهيمنة والسيطرة على مناطق النفوذ والأهداف والمصالح، وخصوصاً في السودان والصومال والكونغو الديمقراطية وغيرها، وبالتحديد عندما تتعارض أو تتصادم أهداف ومصالح الدول الفاعلة.

خلال هذه الفترة الانتقالية تسجل الولايات المتحدة الأمريكية تقدماً ومكاسب متنوعة، نتيجة دخولها لتحل محل نفوذ الاتحاد السوفيتي ومعسكره سابقاً حلولاً عاماً أو جزئياً، طبقاً لأوضاع كل حالة أو كل دولة في أفريقيا، ومن بين هذه الدول يوجد عدد من الدول الفرنكفونية، وهذا يحدث قلقاً واهتماماً في السياسة الفرنسية تجاه القارة الأفريقية، فهي تسعي منذ فترة لطرح وتنفيذ إطار جديد، أو إنشاء توازن مناسب ومنضبط، يحفظ لها نفوذها ووجودها الحالي، كما يعمل بأساليب متنوعة لاستعادة ما فقدته من مراكز ومناطق نفوذ تقليدية.

ويلاحظ أن وزير التجارة الأمريكي -أثناء جولة أفريقية في أواسط عام 1998- أشار في ذلك الحين إلى أن: “أفريقيا تمثل الحدود الأخيرة للمصدرين والمستثمرين الأمريكيين، وفيها إمكانات كبيرة وواعدة، وقد سبق أن ترك رجال الأعمال والمال الأمريكيون الأسواق الأفريقية لزمن طويل لتكون منطقة نفوذ لمنافسينا من الأوروبيين”. وذكرت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في زيارتها لأفريقيا خلال الفترة من 17 ـ 23 أكتوبر 1999، لعدد من الدول الأفريقية في ذلك الحين: “إن التحالفات الاقتصادية مع دول أخرى ستكون من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وإن التجمعات الاقتصادية الجديدة ستكون هي التحالفات العسكرية للقرن القادم”.

إذاً فقد بدأت أنظار القوى الاقتصادية في العالم تتجه نحو الأسواق الأفريقية، وبدأت بعض الدول تغير سياستها تجاه أفريقيا للنفاذ إلى أسواقها والاستحواذ على نصيب كبير منها. ويأتي في مقدمة القوى المتنافسة في أفريقيا: الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين وإسرائيل؛ حيث يلاحظ أن لكل منهم سياسته الخاصة تجاه أفريقيا. ويظل الهدف النهائي لهذه القوى هو زيادة الوجود الاقتصادي التجاري والاستثماري في أسواق أفريقيا؛ وذلك باستخدام كل الوسائل المتاحة من معونات اقتصادية وعسكرية وفنية ومنح تعليمية، والتمهيد لذلك من خلال وسائل الاتصال والبرامج الثقافية والإعلامية والتكنولوجية. وقد تجسد الاهتمام الأمريكي والفرنسي بالأسواق الأفريقية في زيارات كل من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وخليفته جورج بوش، وكذلك الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وخليفته نيكولا ساركوزي للعديد من الدول الأفريقية خلال عقد التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة، وكذلك زيارات كبار المسؤولين في الدولتين.

ويمكن الإشارة إلى أن العديد من الدول أصبح لديها إستراتيجية خاصة للتحرك في الأسواق الأفريقية، وهذا يلقي مزيدًا من الأعباء على الأطراف الأخرى بسبب شدة المنافسة في هذه الأسواق، ولذلك بات من المهم لكل طرف تعرف سياسات الدول المنافسة، ودراسة كيف تتحرك؟ وكيف ستؤثر على وجوده في الأسواق الأفريقية؟ ويمكن ملاحظة حدة هذا التنافس بوضوح بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، حيث يسعى كل منهما إلى توسيع علاقاته الاقتصادية وتعميقها مع دول القارة الأفريقية، وبمعنى آخر توسيع مناطق التعاون والمشاركة والتجارة والاستثمار والمعونات مع هذه الدول، والعمل على تطويق الجهود التي يبذلها الطرف الثاني في هذا المجال.

وعلى الرغم مما يبدو ظاهريًا من وجود تفاهم بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بشأن السياسة الخارجية لكل منهما تجاه أفريقيا، حيث اتفقتا على أن يكون هناك تفاهم أمريكي ـ فرنسي حول التنافس المحكوم والمنضبط في أسواق القارة الأفريقية، طبقًا لمبدأ العرض والطلب في مجال التجارة والاستثمار، وخاصة بعد إقرار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 1997 لمبدأ تجريم عمليات رشوة المسؤولين الأجانب عند عقد الصفقات التي تتنافس فيها شركات دولية النشاط، إلا أن كلتا الدولتين لها سياستها الخاصة تجاه دول أفريقيا، والتي تسعى إلى محاصرة نشاط الدولة الأخرى، والاستحواذ على النصيب الأكبر من الأسواق الأفريقية، وهذا يمكن ملاحظته من خلال التعرض بشيء من التفصيل لسياسات كلتا الدولتين، وغيرهما من القوى الدولية الفاعلة داخل أفريقيا، بحسبانها مناطق أهداف ومصالح ومناطق نفوذ وتوسع للاستحواذ على ثرواتها وأسواقها، واستقطاب دولها سياسياً وثقافياً بصفة عامة.

إن الأساليب المطروحة هي تقديم مستويات من التعاون الثنائي والبرامج المشتركة، والتسهيلات والدعم المالي، وجدولة الديون والمعونات العسكرية، وتأهيل الكوادر وتدريبها وتبادل المعلومات، والميدان الذي يستحوذ على الأولوية في السياسة الفرنسية هو ميدان اللغة الفرنسية، وما يرتبط بها من فنون وتعليم وثقافة وإعلام، والأطراف الأفريقية المنشودة في هذا التعاون هي النخب المسيطرة في السياسة والاقتصاد والثقافة والقوة العسكرية، والهدف النهائي لهذه الحركة متعددة المستويات والأساليب والآليات التي تُوظف في هذا الشأن هو الدفع بمخاوف الهيمنة الأمريكية، والدفع كذلك بالمخاوف الناجمة عن الصراعات والأزمات القومية والدينية والحدودية التي ترمز إلى معالم التهديد الذي تراه السياسة الفرنسية في القارة الأفريقية، ومن الأمثلة الأخيرة على هذا النشاط والتحرك المبكر والمنظم الاتفاقيات التي وقعتها فرنسا وتونس وغيرها من الدول للتعاون في ميادين الاتصال والتعليم والثقافة.

وهكذا تكتسب منطقة القارة الأفريقية أهمية خاصة، نظراً لموقعها الإستراتيجي سواء أكان الحديث عن المنطقة بمفهومها التقليدي الجيوـ سياسي العام الذي يضم المناطق الإقليمية الخمسة شمالاً، وجنوباً، وغرباً وشرقاً ووسطاً، أو بمفهومها التقليدي الجيوـ سياسي الخاص شمال الصحراء وجنويها، أو تلك المناطق المسماة بالعربفونية، أو الأنجلوفونية، أو الفرنكفونية، أو اللوزيفونية، نسبة إلى مناطق النفوذ اللغوي داخل القارة، ومن ثم تتجاوز تلك المناطق أهميتها الإقليمية إلى أخذ حظها من الظهور على الخريطة والإستراتيجية الكونية.

  1. 2.طبيعة التدخلات الدولية في أفريقيا

يرتبط بالملامح العامة للعلاقات الدولية في أفريقيا جانب آخر على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة بالنسبة للدول الأفريقية ألا وهو التدخلات الدولية، والتي تعد تطبيقاً فعلياً لمنظومة مطامع ومصالح الدول المتدخلة، ويمكن الإشارة إلى ذلك كالتالي:

أ. مفهوم التدخل في القارة الأفريقية

ينصرف مفهوم التدخل إلى الأعمال الإرادية المباشرة وغير المباشرة، التي يقوم بها شخص قانوني دولي، والتي يكون من شأنها التأثير على إرادة دولة ما في ممارسة سيادتها على المستويين الداخلي والخارجي، وذلك بصرف النظر عن أداة التدخل، أو قبول الدولة المستهدفة أو عدم قبولها للتدخل. ويشمل المفهوم السابق العناصر الآتية:

(1) أن التدخل ينطوي على عمل إرادي.

(2) أن التدخل قد يكون مباشراً أو غير مباشر.

(3) أن التدخل سلوك يباشره شخص قانوني دولي ( دولة أو منظمة دولية ).

(4) أن التدخل ينصرف إلى الشؤون الداخلية والخارجية للدولة الهدف.

(5) أن التدخل لا يقتصر على استخدام الأداة العسكرية فقط، وإنما يشمل أدوات أخرى سياسية، واقتصادية، وغيرها.

(6) أن وصف التدخل لا يتوقف على قبول أو عدم قبول الدولة المستهدفة منه.

وأصبحت هناك العديد من الأدوات والآليات التي تُسخّر وتوظف من أجل تيسير التدخلات وإتمامها من جانب الدول الفاعلة، وبأساليب متنوعة على المستوى الفردي أو الجماعي. ولتوضيح ذلك يمكن الإشارة مثلاً إلى حقيقة وجود “منظومة رأسمالية عالمية”، أصبحت هي قلب النظام العالمي كله، وتهيمن على توجيه مساره، بما يحقق أهدافها ومصالحها. ولهذه المنظومة خمسة مكونات أسس:

أولها: الدول السبع الصناعية الكبرى، والتي أصبحت تسمى بدول الثمانية (الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وكندا، واليابان وروسيا). وترتبط أجهزة وأنظمة المخابرات والمعلومات لتلك الدول الرأسمالية المتقدمة هذه بالعديد من الروابط والعلاقات الوثيقة مع أجهزة المخابرات في الدول الحليفة لها في المنطقة، كما ترتبط بذات الروابط حتى مع الجماعات المعارضة والمناوئة لأنظمة الحكم غير الحليفة لها في المنطقة. وقد نجحت الولايات المتحدة على سبيل المثال بإقناع هذه المجموعة من الدول بضرورة الالتزام الجماعي فيما بينها بمحاربة ما تطلق عليه الإرهاب الدولي.

ثانيها: المؤسسات الاقتصادية العالمية (البنك الدولي للإنشاء والتعمير – صندوق النقد الدولي – منظمة التجارة العالمية)، وتستغل الولايات المتحدة والدول الغربية نفوذها في هذه المؤسسات العالمية للتأثير على واقع العديد من دول المنطقة ترهيباً وترغيباً.

ويلاحظ من واقع السياسة الدولية التي تنتهج في الوقت الراهن أن كلا المؤسستَين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أضحيا أداتين من أدوات الضغوط الدولية وخصوصاً الأمريكية والأوروبية منها، بغرض تمهيد مساعيهم وتدعيمها في عمليات التدخل الدولية. وهاتان المؤسستان اللتان تأسستا بموجب اتفاقية بريتون وودز Bretton Woods الموقعة في يوليه 1944 على يد دول الحلفاء، لهما نفوذ عظيم على دول العالم الثالث، ومنها دول القارة الأفريقية، تستغلَّانِهِ من أجل:

(1) دفع الفوائد على الديون في المدى القصير؛ حيث إن ما يجنيه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من فوائد الديون لا يوازي ما قدماه من ديون منذ تأسيسهما، لا سيما في ظل استمرار مظاهر تدهور شروط التبادل التجاري بين دول العالم الثالث والدول الغربية (الأمريكية والأوروبية)، والتي من بينها انخفاض أسعار صادرات المواد الأولية، وارتفاع أسعار الواردات، ويعود ذلك إلى اختراع المواد الصناعية البديلة للمواد الأولية الطبيعية (الكاوتشوك الصناعي بدلاً من الطبيعي، والألياف الزجاجية التي حلت محل النحاس، و تواصل منافسة المنتجات الصناعية للألياف النسيجية الطبيعية). وهكذا فإن المنتجات الأساسية (المواد الخام الأولية) التي ظلت رهاناً إستراتيجياً للدول الأفريقية المصدِرة، لم تعد كذلك بالنسبة للاقتصاديات الصناعية في ظل عصر الثورة التكنولوجية.

(2) إعادة تنظيم الاقتصاديات الوطنية بما يتلاءم مع مصالح الشركات العملاقة متعدية الجنسية على المدى الطويل، وفتح المجالات أمام الاستثمارات الأميركية، في الدول التي تتبع سياسة السوق الحرة وتخضع لقوانين صندوق النقد الدولي، بدلاً من سياسة المعونات التي أشارت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة إلى أنها بلغت 15 مليار دولار خلال عشر سنوات، والتي وصلت إلى أدنى حد لها فيما بعد، وهو 650 مليون دولار سنويا. ومن ثم فإن القروض والتعاملات المالية والنقدية في مجملها أصبحت تشكل ركيزة أساسية في الاستغلال الذي ينتهج على النطاق العالمي، ضد دول العالم الثالث عامة وأفريقيا خاصة، وقد باتت أزمة الديون الأفريقية بكل صورها وتأثيراتها السالبة كذلك، بفعل السياسات والممارسات الأمريكية والأوروبية. وهذا ما دفع الأفارقة الذين اجتمعوا في جنوب أفريقيا في أوائل الألفية الثالثة، إلى وصف القانون التجاري الخاص بتنمية أفريقيا،  وممارسات الولايات المتحدة في هذا الشأن بأنها محاولة للاستعمار الجديد في أفريقيا.

(3) توجيه الضغوط من أجل تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي التي شملت الكثير من دول العالم في العقد الأخير من القرن العشرين، ومن ثَم يزداد دورها ازدياداً واضحاً في تسيير أمور النظامَين المالي والنقدي الدوليَّين، وبما يتناسب ويتوافق مع أهداف الدول الفاعلة فيهما ومصالحها وهي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.

(4) يترتب على تزايد أهمية الدور الذي يضطلع به كل من البنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية في إدارة الشؤون المالية والنقدية والتجارية للاقتصاد العالمي المعاصر أن اتسعت دائرة المشروطية السياسية Political Conditionality المرتبطة بالتمويل الدولي، حيث أصبح الاتفاق مع صندوق النقد الدولي من جانب حكومة أية دولة عضو شرطا لازما وضروريا للحصول على موارد مالية من مصادر التمويل الدولي المختلفة، كما أنه يعد شرطا للحصول على الموافقة بإعادة جدولة الديون الخارجية للدول المدينة مع مجموعة الدول الدائنة.

كما استحدث البنك الدولي من جهته نوعاً جديداً من القروض هي قروض التصحيحات الهيكلية، وهذه القروض مشروطة بالتزام الدولة المدينة بإجراء التصحيحات الهيكلية، مثل تطبيق سياسات الخصخصة، وإعادة النظر في أولويات الاستثمار، وتحرير التجارة الخارجية وغيرها. بل وزاد من ذلك ضرورة المشروطية المتبادلة بين المؤسستين الدوليتين، وكذلك امتداد المشروطية إلى المساعدات الرسمية الدولية الثنائية، وهكذا أحكمت الدول الفاعلة في هاتين المؤسستين ضغوطها على دول المنطقة المستهدفة، ومن ثم توظيفهما أداتين من أدوات التدخل الصريح والعلني في صميم الشؤون الداخلية للدول.

ثالثها: الشركات متعددة الجنسية Transnational Corporations، ويجري توظيف قدرات هذه الشركات وإمكاناتها وعلاقاتها للتأثير الاقتصادي والمالي والاستثماري على دول المنطقة، وتزداد خطورة ما تنتهجه هذه الشركات في ظل تبعية معظمها وانتمائها أساساً إلى كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان، فضلاً عن كونها تؤثر بقوة على الاقتصاد العالمي من خلال ما يصاحب نشاطها من استثمارات مباشرة، ونقل للتكنولوجيا والخبرات التسويقية والإدارية، وتأكيد ظاهرة العولمة بكل أشكالها، وعلى المستويات كافة التمويلية والإنتاجية والتوزيعية، لا سيما أنها تسيطر على حوالي 80% من المبيعات على مستوى العالم.

رابعها: الكنيسة العالمية والمؤسسات الفرعية المنبثقة عنها، وجميعها تؤدي أدواراً وأنشطة متنوعة، سواء فيما يتعلق بالترويج لما يسمى بالحرب على الإرهاب، أو للتأثير على صانعي القرار ومتخذيه داخلياً وخارجياً، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نهج اليمين الديني والضغوط التي توجه على المستوى المؤسسي الكنسي، وعلى المستوى الفردي القس جون دانفورث المبعوث الرئاسي الأمريكي للسودان، كذلك بعض الدول الغربية الأخرى كبريطانيا والنرويج والدانمرك، كما أن الجهود المتعلقة بالتنصير في كل من إثيوبيا والصومال والسودان وكينيا وأوغندا هى وجه آخر من أوجه حقيقة ما تقوم به الكنيسة العالمية من جهود مساعدة لعمليات التدخل حتى وإن اتخذت شكلاً إنسانياً.

خامسها: المنظمات الدولية غير الحكومية، حيث تجتهد العديد منها للتمهيد لعمليات التدخل وللترويج والدفاع عنه، وبذرائع تتفاوت بين حماية حقوق الإنسان ضد انتهاكات الأنظمة الحاكمة في دول المنطقة، أو حماية حقوق الأقليات، أو التصدي لحملات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، أو تمكين الجماعات من تقرير مصيرها، أو تشجيع الديمقراطية، أو دعم منظمات المجتمع المدني في دول المنطقة وغيرها.

ويشكل الصراع على الثروات الإستراتيجية والمواد الأولية المهمة التي تذخر بها القارة الأفريقية، كاليورانيوم والمعادن الثمينة والنفط كما هو الحال في السودان، الهدف الإستراتيجي للسياسة الأميركية في المنطقة، وبات الحضور الأميركي في القرن الأفريقي أمراً واقعاً اقتصادياً حيث تشكل التجارة أحد المقومات الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية. ويبدو أن عصر السيطرة والنفوذ الفرنسي في أفريقيا عامة وفي القرن الأفريقي خاصة، وبالذات في جيبوتي والمصالح في السودان، ربما يكونان في طريقهما إلى الأفول، وترافق هذا مع مسعى من نوع آخر من جانب واشنطن بغية صوغ جغرافية سياسية جديدة في القرن الأفريقي وفي وسط وشرق أفريقيا ، ولاسيما بعدما تمكنت من إيجاد قاعدة من الأنظمة التابعة لها، تنضم حول محور كينيا وإثيوبيا وجيبوتي وإريتريا وأوغندا وتنزانيا، باستثناء السودان حالياً، الذي تسعى الولايات المتحدة إلى الإطاحة بنظام الحكم فيه وتقسيمه، والصومال المقسم أصلاً والمسلطة عليه إثيوبيا من جانب الإدارة الأمريكية.

ومن ثَم فإن الحرب الباردة التي انتهت واقعياً بانهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، مرشحة للظهور مرة ثانية، ولو في صورة مختلفة، ويبدو أن نقطة انطلاقها ستكون من القارة الأفريقية، وتحديداً من منطقة القرن الأفريقي؛ فقد شهد الأسبوع الأول من شهر فبراير 2007 حدثين يعطيان أقوى المؤشرات على إمكان حدوث مثل هذا التطور:

أولهما: الاهتمام الصيني المتنامي بأفريقيا، والذي من مظاهره تلك الجولات الأفريقية للزعماء الصينيين في أفريقيا، ومنها تلك الجولة التي بدأها هوجنتاو بالسودان، وشملت ثماني دول وفي محاضرة له بجامعة بريتوريا بجنوب أفريقيا أكد هوجنتاو أن الصين لم ولن تسمح لنفسها بالتصرف مثل المستعمرين الذين عانت منهم دول القارة، لأنها هي نفسها عانت في تاريخها الحديث وعلى امتداد أكثر من 100 عام بسبب القوى الأجنبية، ولهذا فهي لن تفرض معاملات غير متوازنة على دول القارة. وإنه يسعى إلى تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في أفريقيا، خاصة في القطاعات الإنتاجية، وذلك حتى تتمكن دول القارة من تحسين موازينها التجارية مع الصين.

ثانيهما: الاهتمام الأمريكي المتزايد بأفريقيا، والذي من مظاهره ذلك القرار الأمريكي بإنشاء قيادة عسكرية خاصة بالقارة الأفريقية، وذلك بسبب الأهمية الإستراتيجية المتعاظمة لأفريقيا، سواء في مكافحة الإرهاب أو في مواجهة النفوذ الفرنسي التقليدي، أو النفوذ الصيني المتعاظم والإيراني المتنامي في القارة.

إن من التحديات الخطيرة المترتبة على الوجود والمنافسة الأمريكية في أفريقيا ما تقدم عليه الولايات المتحدة الأمريكية من أفعال خطرة سواء كان ذلك بإدراك منها أو عدم إدراك للمخاطر المترتبة على مثل تلك الأفعال ومنها اللعبة المزدوجة التي تنتهجها مع أطراف الصراعات في أفريقيا والمتمثلة في تزويد أطراف الصراعات بالأسلحة وتقديم خدمات التدريب والإمدادات اللازمة لهم، وهو سلوك يتناقض مع ما تزعمه الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن جهودها ومساعيها الحميدة لتسوية النزاعات والصراعات الأفريقية، ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة مسؤولية مباشرةً أو غير مباشرة عن العديد من دوائر العنف والمشكلات الاقتصادية التي تعاني منها القارة الأفريقية، سواء كان ذلك في حقبة الحرب الباردة أو في الفترة اللاحقة على نهايتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

والدليل على ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية سلمت ما قيمته بليون ونصف البليون دولار من الأسلحة إلى أفريقيا خلال حقبة الحرب الباردة وبالتحديد خلال الفترة (1950-1989)، وقدمت العديد من شحنات الأسلحة إلى كل من ليبريا، والصومال، والسودان، وزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية الآن) وهو الأمر الذي أفضى إلى مشكلات العنفِ، وعدم الاستقرار، والانهيار الاقتصادي التي ظهرت تأثيراتها الكارثية في تسعينياتِ القرن الماضي. كما أن حالة الحرب الأهلية المستمرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً)، هي مثال صارخ للميراثِ المُدَمّرِ لسياسةِ مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى أفريقيا، حيث زودت الولايات المتحدة نظام حكم موبوتو سيسي سيكو الاستبدادي بأكثر من 300 مليون دولار من الأسلحة وأكثر من 100 مليون دولار للتدريب العسكري، وهو الأمر الذي استغله موبوتو لقمع مواطنيه ولاستنزاف ثروات البلاد الاقتصادية لمدة ثلاثة عقود من الزمان.

وهكذا بقدر ما كانت فرنسا تتراجع بخطوات سريعة  في شأن القضايا التي كانت تتبناها وتدافع عنها، كانت الولايات المتحدة تتقدم بخطوات أسرع لملء أي فراغ تتركه فرنسا من ناحية، ولتربح مواقع جديدة في القارة الأفريقية وخصوصا في مناطق النفوذ الفرنسية التقليدية في أفريقيا من ناحية أخري، والدليل على ذلك تنامي علاقات التعاون بين كل من الولايات المتحدة والعديد من الدول الفرنكفونية شديدة الارتباط بفرنسا لسنوات طويلة، ومنها السنغال والمغرب والكاميرون وساحل العاج وجيبوتي وتونس ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية، وهكذا فإن القائمة آخذة في التزايد، في الوقت الذي تذهب فيه السياسة الفرنسية للأخذ بسياسة دفاعية تارة، وبسياسة تكيف تارة أخري في محاولة منها لمجرد البقاء.

إن ما سبق يعني أنه في إطار نظام عالمي قديم يختفي ونظام عالمي جديد يتشكل فإن القلق الفرنسي له ما يسوِّغه ( من وجهة النظر الفرنسية) تحسبا وخشية على النفوذ والمواريث والارتباطات التي تعبر عنها مؤسسات المنظمة الفرنكفونية لا سيما أن عددا من المتناقضات والمشكلات الكبيرة تبرز في الساحة الأفريقية وفي الساحة الفرنسية ذاتها، ومن الأمثلة على  ذلك موضوع الهجرة والعمالة الأجنبية في فرنسا، والقيود المفروضة عليها، وترحيل أعداد كبيرة من هؤلاء العاملين إلي بلادهم الأفريقية، وموضوع انهيار النظم السياسية الأفريقية التي تعاونت في فترة الحرب الباردة وتصدعها، وهي تقع حاليا تحت ضغط فرنسي وأمريكي للتحول نحو الحكم المدني الديمقراطي متعدد الأحزاب وحقوق الإنسان، وموضوع الخصومة المستمرة بين اللغة والثقافة الفرنسية وبين اللغات والثقافات الوطنية في عدد من الدول الفرنكفونية وشعور المثقفين الوطنيين في هذه الدول باتجاهات نحو تهميش اللغة والثقافة الوطنية ومن الأمثلة على هذا ما تلاقيه دعوات التعريب وخططه في دول الشمال الأفريقي من ضغوط وعقبات من جانب النخبة المتفرنسة.

لقد ظلت القارة الأفريقية ميداناً للمنافسة بين القوى الدولية الكبرى لعهود طويلة، وعلى الرغم من تراجع أهمية القوى الأوروبية التقليدية ومكانتها وهي التي كانت تسيطر على أفريقيا إلا أن التنافس الدولي في القارة استمر مع تغير الفاعلين الرئيسين، ففي ظل نظام القطبية الثنائية الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية حلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق محل القوى الأوروبية التقليدية، مع اعتراف الولايات المتحدة بمصالح تلك القوى التقليدية في القارة الأفريقية، وقد انتقل الصراع بين القطبين في مرحلة الحرب الباردة إلى الساحة الأفريقية، ولكن اهتمام القطبين بالقارة في تلك الفترة تركز على محاولة استقطاب الدول الأفريقية بهدف العمل على زيادة كل طرف لنفوذه واحتواء الطرف المضاد.

ب. سياسات التدخل والتنافس على مناطق النفوذ في القارة الأفريقية

 في إطار التوضيح لسياسات التدخل والتنافس على مناطق النفوذ في القارة الأفريقية يمكن التركيز على عناصر منها:

(1) أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنتها صراحة أن الألفية الثالثة أو القرن الحادي والعشرين سيكون أمريكيا، وهو ما يعني تحرك الولايات المتحدة المعلن والصريح نحو إقامة إمبراطورية أمريكية في هذا القرن، مع كل ما يعنيه ذلك من استثمار لجميع الفرص المتاحة ومواجهة – إن لم يكن تقويض- أية تهديدات يمكن أن تؤثر على هذا التوجه وبغض النظر عن مدى شرعيته سياسيا أو مشروعيته قانونيا. وعلى ضوء ذلك يبدو الأمر صعبا بالنسبة للمنظمة الفرنكفونية إذا ما حاولت أو اجتهدت في لعب دور سياسي أو اقتصادي.

(2) أنه في إطار التمهيد لتحجيم الدور السياسي والاقتصادي الفرنسي يلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت في اختراق الأجواء والفضاءات الفرنكفونية، ولا سيما تلك الأكثر ولاء وانتماء لسنوات طويلة ومنها الدخول الأمريكي إلى السنغال التي ظلت لعقود من الزمان ملء السمع والبصر لفرنسا، وكانت تمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لفرنسا داخل القارة الأفريقية، والشيء ذاته يمكن أن يذكر بالنسبة للعديد من الدول التي كانت تمثل لفرنسا ركائز أساسية لتحقيق أهدافها ومصالحها في القارة الأفريقية مثل المغرب وساحل العاج والكونغو برازافيل والكونغو الديمقراطية وجيبوتي والقائمة تطول وجميعها مستهدفة أمريكيا، فإذا كان الحال كذلك فيمكن الحكم على مستقبل المنظمة الفرنكفونية بسهولة ويسر.

(3) إذا كانت فرنسا في إطار ممارسة اللعبة السياسية قد قابلت الممارسات الأمريكية بالخروج إلى مناطق غير تقليدية وغير فرنكفونية في أفريقية وأسيا وأمريكا اللاتينية، فإن هذا التوجه وإن كان مقبولاً ومرغوباً فيه سياسيا، فإنه لن يكون مقبولاً ولا مرغوباً فيه اقتصاديا ولا أمنيا، وهو الأمر الذي سيعيد صانع القرار السياسي الفرنسي إلى المربع الأول من جديد.

ما تقدم يشير إلي اهتمام كل من السياستين الفرنسية والأمريكية بقضايا دول أفريقيا، ولكن اهتمام كل منهما يعطي أولوية لشريحة أو لفئة في داخل الطبقة الحاكمة في هذه الدول ويمكن توضيح ذلك كالتالي:

(1) أنه مع اهتمام كل من السياستين الفرنسية والأمريكية بمعادلة الأمن والاستقرار والتنمية، فإن السياسة الفرنسية تعطي الأولوية للفئة السياسية العليا التي تري الأمن والاستقرار مدخلا إلي التنمية الاقتصادية والاجتماعية،   بينما تعطي السياسة الأمريكي الأولوية للفئة الاقتصادية العليا التي تري أن التنمية الاجتماعية والاقتصادية هي المدخل إلي الأمن والاستقرار، وهذا الاتفاق والاختلاف في الأولويات السياسية بين الدولتين هو ترجمة وتعبير عن المصالح القومية لكل منتهما في القارة الأفريقية، ففرنسا لديها قاعدة اقتصادية وثقافية ولغوية موجودة وموروثة وتريد أن تبني فوقها نفوذا سياسيا متناميا، بينما الولايات المتحدة تعمل على توسيع القاعدة الاقتصادية والثقافية اللغوية لتكون قاعدة متينة لبسط النفوذ السياسي المتنامي في أفريقيا جنوب الصحراء، وقد أشار وزير التجارة الأمريكية إلي شيء من هذا المعني عندما ذكر أن أفريقيا تشكل الحدود الأخيرة للمصدرين والمستثمرين الأمريكيين، وفيها إمكانات متينة واعدة، وأنه سبق لرجال الأعمال والمال الأمريكيون أن تركوا أفريقيا لزمن طويل منطقة نفوذ للمنافسين الأوروبيين.

(2) أن أياً من السياستين الفرنسية والأمريكية لم تعد تتقيد بحدود المفهوم الثقافي القديم لتقسيم أفريقيا إلي مناطق أنجلوفون وفرنكفون و لوزفون فالهجمة الاقتصادية الأمريكية لا تتوقف عند الحدود أو هذا المفهوم الموروث، والدليل على ذلك أن زيارات كبار الزعماء والمسؤولين الأمريكيين والفرنسيين لا تلتزم بهذا التقسيم الثقافي الموروث ولا تتقيد به، وينطبق ذلك أيضا على زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وكذلك زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلي أفريقيا عام 1998، كما أن مجمل النشاط لا يتوقف على النشاط الاقتصادي بمجالاته المتنوعة بل امتد إلي مجالات النشاط الثقافي واللغوي والإعلامي في صوره الحديثة مثل الإنترنت وقنوات الإرسال بالراديو والتليفزيون وإنشاء الجامعات والمراكز الثقافية والمنح الدراسية لطلاب الدراسات العليا بالجامعات والتدريب والمعونة الفنية.

(3) أن حفظ السلام وتطويق النزاعات المسلحة الداخلية وبين الدول الأفريقية يشغل بال كلتا السياستين الفرنسية والأمريكية، ولكن المداخل والأساليب فيها تختلف في كثير من الأحيان عن بعضها البعض،ففي حين سبق للسياسة الفرنسية أن اقترحت عقد مؤتمر دولي أفريقي لبحث مشكلات ونزاعات هضبة البحيرات العظمي ووسط أفريقيا عامة بحضور الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، فإن السياسة الأمريكية لأسبابها الخاصة لم تستجب لهذا الاقتراح ، ومن ثم قامت فرنسا بالدعوة لقمة فرنسية/ أفريقية شارك فيها الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية وعرضت في مقدمة جدول الأعمال البحث عن حل سلمي لأزمة الكونغو الديمقراطية والنزاع الإثيوبي/ الإريتري ودور منظمة الوحدة الأفريقية والمنظمات الإقليمية الفرعية في أفريقيا لحفظ السلام في أفريقيا.

(4) أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة سَتُواجهُ مجموعةَ من التحديات التي تَتعلّقُ بالحربِ والعنف في أفريقيا. وسَتَحتاجُ العديد مِنْ جُهودِ السلامِ إلى استمرار التيقظ وعلى أعلى المستويات وسرعة التعامل معها، ومن ثم فإن على الولايات المتّحدة أن تبذل العديد من الجهود المكثفة من المساعي الدبلوماسيةِ الرامية إلى تشجّيعْ عملياتَ السلام في أفريقيا. وهو الأمر الذي يتطلب المتابعة من خلال سياسة دبلوماسية فعّالة، وأن يكون هناك تنسيق كبير مع حلفاء الولايات المتحدة، حيث إن هناك العديد من المشكلات التي تطلب التدخل العاجل لتسويتها ومنها تنشيط تطبيق اتفاقيات السلام الموقعة بين الدول، ودعم عمليات السلام في مناطق الأزمات في أفريقيا.

(5) يرى بعض المهتمين بالسياسة الأمريكية تجاه أفريقيا أن هناك ربطاً بين المشكلات التي تعاني منها دول القارة الأفريقية مثل الفساد السياسي، والحكومات الاستبدادية، وحالة الفقر والتخلف التي تعاني منها دول المنطقة وانعكاسات ذلك على مجمل الأوضاع داخل تلك الدول، وهو الأمر الذي يساعد مساعدة كبيرة على وجود البيئة المناسبة لتنامي الإرهاب، الموضوع الآخر الذي يرى معظم المتخصصين أن لَهُ تأثير جدّي وسلبي على تشكيلِ السياسة الأمريكية، وهو ضعف النشاط الإستخباراتيِ الجيدِ في المنطقة، والذي ربما يعزى إلى المستوى المنخفضِ للدعمِ الدبلوماسيِ الأمريكي في القارة الأفريقية، المقتصر على قنصلياتِ، بدلاً مِنْ أنشطة ومهامِ شاملةِ، في المواقع الأمامية المهمةِ مثل مومباسا في كينيا وزنجبار في تنزانيا، ونقص أعداد موظفي السفارةِ على سبيل المثال في جيبوتي، أَو لا وجود دبلوماسياً على سبيل المثال، الصومال والعديد من الدول الأفريقية. وفي الحقيقة، فإن غياب التمثيلِ الأمريكي القويِ في هذه الأماكن ربما يعود لحقبة الإهمال الأمريكي للشؤون الأفريقية خلال مرحلة الحرب الباردة، وهو الأمر الذي يعيقُ القدرةَ الأمريكية كثيراً لتَقييم التهديداتِ الإرهابية،ِ ولفَهْم طرقِ العَمَل الداخليِ للمجموعاتِ المعقّدةِ، والجماعاتِ الإثنيةِ الهامةِ، ناهيك عن الشبكات الدولية التي تقوم بأدوار مهمة في تَمويل الإرهابِ وتوظيفه.

(6) يلاحظ أن هناك تحولاً في التعامل الراهن للسياسة الفرنسية مع القضايا الأفريقية، وهي تتمحور حول استعداد فرنسا لتعاونٍ جديد مع أمريكا في أفريقيا وإدراكها أن التحرك الأمريكي هناك ليس مؤامرة ضدها، وأن استمرار فرنسا في الاهتمام وتقديم المعونات لأفريقيا لا يمنع من التعاون مع جميع الدول ذات الاهتمام، وأن الوجود العسكري الفرنسي يشهد إعادة الترتيب والتكيف مع الأوضاع العالمية والأفريقية، ولن يترتب عليه وجود مكثف، وإنما سوف يتحول إلي قوات لحفظ السلام وتدريبها وتسليحها وبالتوافق مع ما تأخذ به بريطانيا وأمريكا أيضاً.

(7) أنه على الرغم من هذا التنافس الأمريكي الفرنسي على الأسواق الأفريقية إلا أن البعض يرى أن سيظل لفرنسا وجود وتأثير كبير في الأسواق الأفريقية؛ وذلك بسبب موروثها الثقافي واللغوي في القارة الأفريقية، وبسبب سيطرتها على منظمة الفرانكفونية، وعلاقاتها مع الطبقات الحاكمة في معظم هذه الدول، ولكن هذا سيتوقف على استمرار هذا الدور الفرنسي في المنطقة الفرانكفونية، وعلى فشل الولايات المتحدة الأمريكية في استقطاب دولها سياسيًا وثقافيًا. ولكن وجهة النظر تلك يكتنفها العديد من الصعوبات والتحديات المتنوعة التي تحول بينها وبين الواقع الفعلي؛ إذ إن الولايات المتحدة الأمريكية مصممة على خروج الأوروبيين وعلى رأسهم فرنسا من أفريقيا، ومن ثَم تنتهج سياسات وممارسات في العديد من الدول الفرنكفونية لا تعبر فقط عن مزاحمة فرنسا وإنما عن إزاحتها.

ومعني ذلك إمكان أن يكون هنالك نوع ما من التفهم والتفاهم الفرنسي/ الأمريكي حول هذا التنافس المحكوم والمنضبط في الأسواق الأفريقية طبقا لمبدأ العرض والطلب في الاستثمار والتجارة، لا سيما بعد الاتفاق بين الدول الصناعية الكبرى وموافقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في نوفمبر 1997 على تجريم رشوة المسؤولين الأجانب عند عقد الصفقات التي تعرضها الشركات الدولية أو تتنافس عليها، وكان هذا مطلبا أمريكيا من قبل، كما تظهر مؤشرات التفهم والتفاهم في إبلاغ السياسة الأمريكية الجانب الفرنسي مقدماً بأهداف رحلة الرئيس كلينتون لأفريقيا في شهر مارس 1998 ثم الاتصال الهاتفي بين الرئيسَين كلينتون وشيراك قبل نهاية الرحلة التي زار فيها الرئيس الأمريكي دولة السنغال، والحديث عن النتائج والرؤية لمستقبل التعاون بين الدولتَين، وما سوف يثار من قضايا في اجتماع القمة الاقتصادية للدول الثماني الذي كان مقرراً انعقاده في مايو 1998.

ويلاحظ بصفة عامة أن تحولاً محسوباً بدأت فرنسا في الأخذ به منذ بداية الحضور الجدي للولايات المتحدة الأمريكية ليس في منطقة القرن الأفريقي فحسب، وإنما في جميع أرجاء القارة الأفريقية، وتصميم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تبني استراتيجيات تؤسس لأن يكون هذا الحضور غير محدود من حيث المناطق، ومن حيث الكثافة من ناحية، ومع عدم الأخذ في الحسبان أهداف ولا مصالح  أية قوى دولية أخرى بما في ذلك فرنسا، ولذلك فإن سياسة الحوار والتعبير عن العلاقات الودية وعن إمكان أن يكون هناك تفاهم وتعاون غير مسبوق من جانب فرنسا وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وحول جميع القضايا والمشكلات ذات الاهتمام المشترك، إنما يدخل في إطار السياسات الجديدة لفرنسا في القرن الحادي والعشرين.  

ثانياً: المنظور الأيديولوجي للعلاقات الدولية في أفريقيا

لم يكن من الممكن انتشار الأفكار الليبرالية في مختلف دول القارة الأوروبية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية لو لم تكن متفقة إلى أبعد الحدود مع حرية الفرد التي قادته إلى محاربة الاستبداد على الصعيد السياسي، وإلى العقلانية على الصعيد المعرفي، وإلى العلمانية، وتحرير المرأة، والديمقراطية التي تشكل التخطي الديالكتيكي لهذه الليبرالية. وقد ارتدت المبادئ الليبرالية هذه طابع فتوح دائمة للبشرية، رست في أساس المجتمعات الحديثة (حتى إذا تجاوزت الليبرالية), إلا أن حرية المشروع الاقتصادي التي بدت في ظل المجتمع التقليدي، بمنزلة مبدأ عقلاني، يحرر ولا يضطهد, و يطلق قوى الإنتاج، أصبحت فيما بعد تظاهرة لا عقلانية، و أداة للاستغلال و لمزيد من التفاوت الاجتماعي.

وتختلف الرأسمالية المعاصرة (الليبرالية الجديدة New Liberalism) منذ الربع الأخير من القرن الماضي إلى حد بعيد عن رأسمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ حين شكلت الكينزية النظرية السائدة في العالم الرأسمالي. فمشهد “الرأسمالية المعاصرة” منذ السبعينيات والثمانينيات, بات مشهد “رأسماليات” أو نماذج رأسمالية, وأشكال رأسمالية, بدأت تتحدد وتتمثل في الليبرالية الجديدة” النموذج الأمريكي ـ البريطاني، أي نموذج “السوق الحرة الأنجلوساكسونية”, ونموذج “أوروبا الوسطى”, أي نموذج اقتصاد السوق الاجتماعية الألمانية, أو ما بات يعرف بـ”نموذج الراين” للرأسمالية المختلف اختلافاً أساسياً وجذرياً عن رأسمالية السوق الحرة الأمريكية, ونموذج “الرأسمالية اليابانية” المهندسة على أساس من الترابطات المتبادلة للاقتصاد الياباني, التي تجعله جزءاً لا يتجزأ من حياة المجتمع. وهذا بدوره مثل السوق الاجتماعية الألمانية, يختلف اختلافا كلياً بدوره عن المذهب الفردي، والمغرق في فرديته، المتمثل في نموذج السوق الحرة الأنجلوساكسونية.  ويلاحظ أن الليبرالية الجديدة لا تجيز الأشكال الاجتماعية للسوق أو أي شكل معروف من أشكال الحمائية لصالح مبدأ, أو فكرة “دولة الحد الأدنى”, أي تقليص دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية حتى أقصى حد ممكن, وتدعو إلى سوق حرة ومتحررة من كل قيد أو ضابط و من أي إشراف, أو نظام مراقبة, بدعوى أن السوق الحرة “تنظم نفسها بنفسها”. ولكن الليبرالية الجديدة، جاءت بمنهاج جديد لإدارة الرأسمالية في زمن العولمة. و قد كشفت عن عدد من الحقائق أهمها:

  • تتسم العولمة الرأسمالية المتوحشة الحالية باستقطاب رؤوس الأموال والتدفقات الاستثمارية، ومن ثَم بتركيز الثروة والغنى في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.
  • يزداد إفقار العالم الثالث و تهميشه، وتتخذ عمليات نهبه السافرة والمقنعة طابعاً نمطياً وروتينياً.
  • تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بدور رئيس في صياغة هياكل القوة الاقتصادية من خلال قوتها السياسية والعسكرية.

ومنذ فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها المطلقة على النظام الدولي الجديد في ظل القطبية الأحادية، حاولت أن تصوغ العالم على شاكلتها ومثالها, ونشر سلطتها فيما تسميه بالعالم الفوضوي (أو الدول الفاشلة، أو محاور الشر). والولايات المتحدة لا تثق بالقانون الدولي ولا بالمواثيق الدولية, و هي تنظر إلى تحقيق الأمن, كما الدفاع عن الليبرالية الجديدة, عبر حيازة القوة العسكرية واستخدامها.وهي تزداد ميلا إلى العمل العسكري في شكل أحادي الجانب, وترفض المبادرات أو القرارات التي تتخذ تحت راية مؤسسات دولية على غرار الأمم المتحدة مثلا, وتشك في القانون الدولي وتؤثر العمل خارج نطاقه حين ترى ذلك ضروريا ـ كما هو الحال في حربها على العراق، وما تسمية حربها على الإرهاب سواء في أفغانستان أو في منطقة القرن الأفريقي أو حين تراه مفيداً لمصالحها فحسب.

ثالثاً: المنظور الأيديولوجي السوسيولوجي للتدخل في المنطقة

لقد تكونت الأيديولوجيا الليبرالية وتأسست وفقاً لما هو مطبق في الدول الغربية ذات الطابع الليبرالي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية شيئاً فشيئاً انطلاقاً من نواة أيديولوجية ذات محورين:

الأول: قناعة التكليف برسالة: كانت  الدول الليبرالية على قناعة بأنه ينبغي عليها إنجاز رسالتها التي آمنت بها، وبصدقية كونها مكلفة بها حسب الإرادة الإلهية. ومن أجل تقديم المثال عرضت للآخرين الصورة الرائعة لأمة جديدة مختارة من الله، لهدف واحد هو توزيع رسالة وحيدة لمستقبل تراه مشرقاً لكل الشعوب. وإذا كانت هذه الرسالة لا تظهر مباشرة في لغة الخطاب والتعامل الدولي، وإنما يكون الحديث عن العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة، فيبدو أن هذا في التعامل مع الآخرين في مرحلة انتقالية، إلى أن تتم عملية الاحتواء والاستيعاب، ثم يبدأ عمل البعثات والإرساليات التنصيرية لتبليغ الرسالة إلى العالم أجمع وإلزامه بها.

الثاني: توافر الإمكانات والقدرات لتحقيق الرسالة: لقد كانت  الدول الليبرالية متأكدة من أنها لكي تستطيع أن تنجز هذه الغاية انجازاً جيداً، فإنه يجب أن يكون لديها الطاقات التامة باستخدام كل الوسائل. لذلك اتسمت السياسات الليبرالية بالتصميم على العمل، وبالتمسك بالهدف وبالمحافظة الدائمة على العنصر الأيديولوجي المولد للفعل. وتوصلت هذه السياسة لذروة قوتها في التنفيذ مع مطلع القرن الثامن عشر، وأصبحت في وضع أفضل منذ القرن التاسع عشر (إبان الحقبة الاستعمارية).

ومن هذا المنطلق فقد فهمت الإدارات المتعاقبة على السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية أن التحكم في العالم لا يكفيه فقط امتلاك القوة العسكرية الضاربة والهيمنة على أسواقه وحكامه، بل هو بحاجة لوسائل سوسيولوجية أخرى تصل إلى إخضاع جميع أفراده حتى تنتهي عملية الاستلاب على وجهها الأكمل، وذلك عن طريق محو ذاكرة الشعوب وإبادتها، فطالت هيمنتها عالم الاتصالات والسينما والتلفاز واللباس والجنس والطعام والشراب واللغة… وغيرها. ومن ثَم فإن اعتماد الليبرالية المتطرفة عقيدة تجارية واقتصادية هو الذي فرض هذه السياسات التي تذهب ضحية لها ليس الشعوب فحسب، بل والدول أيضاً. وتبقى الغاية الرئيسة لهذه الليبرالية هو انفتاح الأسواق أمام البضائع الأمريكية والغربية دون أية حواجز دفاعية لحماية المواطنين المحليين، كما أن أصحاب هذه العقيدة يملكون هدفاً واحداً فقط ألا وهو جني وتعظيم الثروات، مستخدمين في ذلك جميع الوسائل المشروع منها وغير المشروع دون أي رادع. وخلال صعود الليبرالية أدركت الولايات المتحدة أن التنوع السياسي والجغرافي والتاريخي في العادات والتقاليد والمعتقدات والقوانين والثقافات يشكل حواجز وروادع إنسانية وأخلاقية أمام انتشارها، لذلك دأبت على وضع الخطط والاستراتيجيات التي اقترنت بالتحالفات وبالتدخلات لفرض الليبرالية أيديولوجية وحيدة لمن أراد البقاء من الآخرين.

    يعزز من التوجه السابق أن الحملة الغربية الصهيونية بزعامة الولايات المتحدة ذات الطابع الديني، وفي مواجهة الإسلام على وجه التحديد بأبعادها العسكرية والسياسية والثقافية، هي بدء انطلاقة لحملة غزو واحتلال، وحرب إبادة، وتدمير، وترويع، وتخويف، وانتهاك لسيادة تلك الدول واستقلالها، بل والسعي لإضعافها وتفكيكها، وترى تلك المجموعات المعادية للإسلام في دوائر صنع القرارات والسياسات في الغرب أن غياب الديمقراطية والحرية (الليبرالية السياسية) في تلك البلدان، هو السبب الرئيس في نمو ظاهرة الإرهاب في العالم، والتي باتت تشكل خطراً على الأمن القومي في الغرب والولايات المتحدة بالتحديد وعلى النماذج الديمقراطية في العالم وفي مقدمتها إسرائيل.

وأن ظاهرة الإرهاب تهدد مصالح الغرب في العالم وخاصة الشرق الأوسط. وربط أصحاب هذا الرأي بين غياب الديمقراطية ورفضها، وتنامي ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي، والشعور بالحقد والكراهية للولايات المتحدة والغرب والكيان الصهيوني وبين الحضارة الإسلامية، وأن الصراع الدولي اليوم لم يعد مجرد صراع إيديولوجيات، بل هو صراع حضارات. فأطلقوا نظرية صدام الحضارات المؤسسة على التصادم الحتمي بين الغرب والإسلام، بسبب ما تحمل كل حضارة من ثقافات متعارضة مع الأخرى. وجرى تعبئة إعلامية وثقافية من قبل القوى المعادية للعرب والمسلمين، لتشن حملة من التحريض المنظم في وسط الرأي العام الغربي على الإسلام وحضارته ومرتكزاته الفكرية والثقافية وبناه التعليمية.

وليس من الغرابة بمكان، أن يكون مبشرو هذه النظرية من غلاة المؤيدين للصهيونية العالمية داخل الإدارة الأمريكية في أوائل الألفية الثالثة وعلى رأسهم جورج بوش الابن ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس وغيرهم من الصهاينة واليهود المعادين للعرب وللإسلام معاً، من أمثال بنيامين نتنياهو وصموئيل هنتجتون إضافة إلى القوى المتصهينة المؤثرة على السياسة الأمريكية من أمثال ريتشارد بيرل وبول وولفويتز وريتشارد ارمتاج وغيرهم.

حيث بدأ نتنياهو قبل عشرين عاماً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن من خلال كتبه: الإرهاب الدولي، والإرهاب كيف يمكن للغرب أن ينتصر؟، ومحاربة الإرهاب كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الإرهابيين المحليين والدوليين؟، بالتحريض على العرب والمسلمين في الغرب، ويفتخر بأنه كان وراء إقناع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان بضرب ليبيا في الثمانينيات من القرن الماضي، وتحسر كثيراً لفوات فرصة ضرب سورية، بعد أن كان أقنع القيادة الأمريكية آنذاك بضربها، إلا أن اندلاع أحداث الخليج عام 1990 منع من تحقيق ذلك. واحتوت كتابات نتنياهو والتي سبقت نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتجتون بعشر سنوات عداءً ضد الإسلام والعروبة، وتحريضاً على مواجهة المسلمين في بلادهم وبلاد الغرب. فكتب عما أسماه بالإرهاب الإسلامي، الذي عده خطراً على ديمقراطية الغرب. وقدم للدول الغربية الوصايا لمحاربة ذلك الإرهاب. وطلب تحجيم القوة العسكرية في البلاد العربية والإسلامية، حتى لا تهدد الغرب والكيان الصهيوني. وفرض حصار على دول كسورية والعراق وإيران وغيرها من الدول الرافضة للمشروع الصهيوني والمناصرة للحق الفلسطيني، بحسبانها دولاً داعمة للإرهاب.

إذن فخلال فترة ما بعد الحرب الباردةِ بات التركيز الاستثنائي الحالي من جانب الإدارة الأمريكية، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الشرقي، ينصب – في إطار بحثهم عن العدو البديل للشيوعية – على الأصولية الإسلاميةِ واتخاذها عدواً جديداً، في إطار ممارساتهم للعلاقات الدولية، وهذا السلوك يَنْجمُ عن حقيقة أنّ صانعي السياسة الأمريكيين هم في شغل دائم في البحث عن مصادر التهديدات المحتملة والممكنة للولايات المتّحدة، وللمصالح الاقتصادية لحلفائها.

وذلك من منطلق أساس مفاده أن صعود الأصولية الإسلامية، في مقابل فشل القومية العلمانية في أفريقيا والشرق الأوسط، يجَعل من الميسور من وجهة نظر صانعي السياسة الأمريكيين والأوروبيين، اختراع الصورة الجديدةَ للعدو الجديدِ للغربِ ورسمها وتشكيلها. وهذا الأمر يفضي إلى نظام دولي جديد، ويقدم السبب الجوهري للحرب الباردةِ الجديدة وهذه المرة مع معسكر آخر هو المعسكر الإسلاميِ وتحت مسمى ومزاعم الأصولية الإسلامية، بحسبان أنها تمثل نقيضاً أيديولوجياً للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية، كما كان الحال مع الشيوعية. ومن ثَم فإن هناك ترويجاً وتوظيفاً كبيرَين في الغرب لما يسمونه بتهديدِ الأصولية الإسلامية لهم على المستويين الداخلي والخارجي، وتصاغ السياسات والممارسات في الوقت الراهن على مستوى السياسة الدولية وفي إطار النظام الدولي الجديد على هذا الأساس.

وعلى سبيل المثال فقد كشفت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في فترة رئاسة بيل كلينتون عن دوافع هذه السياسة الأمريكية في منطقة شرق أفريقيا بتصريحها في يناير 1998، أنه لا ينبغي أن تترك هذه المنطقة دون توجيه استراتيجي أمريكي، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج في مقدمتها قيام عدة دول إسلامية في الشرق الأفريقي.

كما يلاحظ في ظل الإدارة الأمريكية بزعامة جورج بوش (الابن)، وتحديداً منذ مارس 2000، أنه بدأت حملات في واشنطن تقودها جماعات ضغط يمينية وكنسية، وشخصيات في الكونجرس، ومراكز الأبحاث من أجل دفع الإدارة الأمريكية لتبني سياسة جدية تجاه السودان. واستجابت الإدارة الأمريكية لضغوط داخلية مورست من جانب تحالف واسع ومتباين الأطراف، يجمع بين اتجاهات سياسية شتى؛ فإدارة بوش التي تستند في قاعدتها إلى اليمين الجمهوري (المحافظين الجدد خاصة)، ولوبي شركات البترول وقعت تحت طائلة مطالب تبدو متعارضة؛ فهذا اليمين والمنظمات الكنسية تطالب بالمواجهة مع نظام الإنقاذ. أما شركات البترول فتطالب بتطبيع العلاقات مع السودان من أجل الحصول على حصة البترول، ولهذا جاء تعيين القس جون دانفورث في بداية سبتمبر 2001 لطمأنة اليمين بأن مطالبهم ستكون في رأس أولويات المبعوث الرئاسي، وفي الوقت نفسه المضي قدماً في السياسة الجدية القائمة على الضغط من خلال الحوار والتفاوض.

في إطار الانطلاقة لأيديولوجيتهم المعاصرة في التعامل مع ظاهرة الأصولية الإسلامية، يرى الخبراء الأمريكيون والغربيون أنه في منطقة عَرفتْ شعوبها الفاقةِ والقحطImmiseration ، فإن أحد أفضل الأدوات للتعامل مع الإرهابِ في القرن الأفريقي وفي اليمن، والذي تزداد فرص تناميه، هو أَنْ تَعْملَ الولايات المتّحدة الأمريكية بالتنسيق مع البلدانِ في المنطقةِ لتَحسين الشروطِ والفرصِ لمواطنيهم فيما يختص بإشباع الحاجات الإنسانية، وتحسين المستويات المعيشية لهم، والتَعَاوُن من خلال الروابطِ والمنظماتِ المحليّة، ولذلك ينبغي تقديم المساعدة ابتداء من أجل بناء المؤسساتِ المحليّة، وزيادة فاعليتها الحقيقيةِ. كما أنه من الضروري فَهْم مدى قدرةِ حكومات الدول المعنية ونواياها فيما يتعلق بتقديم خدمات الأمن والسلامةِ لمواطنيها، وكذلك مدى قدرة تلك الحكومات ونواياها فيما يتعلق بتقديم الخدماتِ الأساسيةِ الأخرى، و مدى قدرتها ونواياها في ملء الفضاءِ السياسيِ وفقا للقوانين والتشريعات الدستورية.

إن ما يجعل هناك صعوبة حقيقية في اعتماد أيديولوجية مناهضة للأصولية الإسلامية، أن معظم الأفكار والمبادئ ومنظومة القيم المتضمنة في الأيديولوجيا الليبرالية المعاصرة، وخصوصاً في مضامينها الاقتصادية ذات الطابع الرأسمالي، أو في مضامينها السياسية ذات الطابع الديمقراطي والإنساني لا تجد الدول الإسلامية غضاضة في الأخذ بها، بل وتدعي غالبيتها ذلك، سواء كان ذلك بدافع الملاءمة الفعلية لواقعها الديني ولمنظومة أفكارها وقيمها وعاداتها وتقاليدها وسلوك حياتها، أو في ظل ضغوط الترغيب أو الترهيب التي تمارس من جانب الغرب منذ بداية الألفية الجديدة، كما أن الإطار الفكري والإطار الحركي لما يسمى بالأصولية الإسلامية لا يتعارض في جوهره مع الأيديولوجيا الليبرالية المعاصرة، وهو الأمر الذي يرجح أن التنافس والصراع إنما يقومان على أساس أيديولوجي ديني. ربما يرجع في بعض أسبابه إلى نزوع الغرب إلى عدم الاعتراف من جانبهم بالإسلام ديناً سماوياً، وحتى إن اعترفوا فإنهم يشعرون أنهم في إطار تنافس ديني، يستوجب منهم نصرة ما هم عليه، وفي ذات الوقت نزوع الأصولية الإسلامية إلى أنها مستهدفة ومستدرجة إلى هذا التنافس والصراع الأيديولوجي ذي الطابع الديني.

ويشير الخبراء الأمريكيون إلى أن الإسلامُ يقوم بدور مهم في كل من منطقة القرن الأفريقي واليمن، وهو ما يمثل منعطفاً حرجاً للولايات المتّحدةِ الأمريكية، ويصنف هؤلاء الخبراء أنواعاً عدة من الإسلام داخل المظلة الواسعةِ للإسلامِ الشامل، ويذهبون في ذلك إلى أن هناك الإسلام الصوفي Sufi، وأنه هو النمط التقليدي المنتشر في أنحاء القرن الأفريقي كافة، وينظر إليه على أنه أكثر تسامحاً بالمقارنة مع أنماط الإسلامِ الأخرى، وأقل بعثاً وتحفيزاً على الجهادِ الإرهابيِ العالميِ. وأنه على الرغم من هذا، فإن الإسلام الوهابي Wahhabist  يتزايد دوره في المنطقةِ.

ومن ثَم يكون هناك تأثيرِ للوهابيةِ وللعربية السعودية في أنحاء المنطقة كافة. وأن الوهابية ذلك المذهب الإسلامِي موطنه المملكة العربية السعودية ومضمونه الَرْبطُ بين الدينَ والممارسة السياسية. ويصفه هؤلاء الخبراء بأنه أكثر المذاهب الإسلامية انتشاراًأكثرها تشدداً وتصلباً. وأن المنظمات الوهابية الخيريةَ تضطلع بتقديم الخدمات الاجتماعية، والرعاية الصحية والتعليم في منطقةِ القرن الأفريقي التي تتسم بالفاقةِ، وهو ما يَجْعلُ هذا المذهب أكثر قبولاً من جانب السكان المحليين. وأنه في ظل الظروف الاقتصادية المتدنية لدول المنطقة يكون التعليم في المدارسِ هناك تابعاً لهذه المنظمات، حيث لا تكون هناك خيارات أو بدائل أخرى، بحيث تتنامى الوهابيةِ ليس عقيدة أو أيديولوجيا، وإنما بديلاً متاحاً في مجال التعليم. ويشير هؤلاء الخبراء إلى أن الوهابية لا تعني الإرهابَ، لَكنَّها تُجسّدُ الفلسفة الأصولية التي يذهب أتباعها على الأرجح للاقتناع والانجذاب إلى الإرهابِ والجهادِ. وينبغي أن يكون في بلدان المنطقةِ دعم أمريكي، ويَجِبُ أَنْ يُزوّدَ المواطنون في تلك الدول ببدائل Alternatives  للخدمات الاجتماعية تُقابلَ ما تقوم به المنظمات الخيريةِ الوهابيةِ. كما أن الترابط بين البلدانِ الأخرى في المنطقةِ يجب أنْ يبقي أيضاً. وعلى الرغم من أن المملكة العربية السعودية لا تصنف جغرافيا ولا إقليميا ضمن منطقةِ القرن الأفريقي، إلا أن تأثيرها الثقافي يَجِبُ أَنْ يُراقبَ.

وعلى جانب آخر متمم للتوجهات الأيديولوجية الدينية الغربية والأمريكية تحديداً، فقد سعت إسرائيل إلى الإدعاء بأن الانتماء العربي ـ الإسلامي لأفريقيا لا يستند إلى أساس، بزعم أن الجغرافيا لا تصنع رابطة، بل على العكس من ذلك فإنها في هذه الحالة تمثل حاجزاً بين الدول العربية في أفريقيا وبين الدول الأفريقية، وأن دول الشمال الأفريقي العربية تختلف عن دول جنوب الصحراء الزنجية. وأن هذه الدول الشمالية العربية تمثل كتلة إسلامية مقابل الدول الجنوبية التي تغلب عليها المسيحية، وأن بدايات الاتصال العربي بأفريقيا جاءت من خلال تجارة الرقيق، وأن السلوك العربي تجاه أفريقيا تغلب عليه النواحي المصلحية والانتهازية، وأخذت هذه الدعايات تصور الأقليات العربية في شرق ووسط وغرب أفريقيا وغيرها على أنها صورة جديدة للمستعمر الأبيض المستغل.

في الوقت نفسه سعت إسرائيل إلى توطيد علاقاتها مع الحركات الثورية المنشقة مثل حركة الجيش الشعبي في جنوب السودان بقيادة “جون جرانج” وأخذت تصور حركته على أنها تسعى إلى تحرير “المسيحيين” من نير اضطهاد “المسلمين” الشماليين، على الرغم مما في هذه المقولة – وغيرها من المزاعم والادعاءات السابقة – من مغالطات أيسرها أن الجنوبيين المسلمين أكثر عدداً من المسيحيين في هذه المناطق.

وما يحدث في دارفور مثال واضح للتدخل الدعائي والتشويش المتعمد الغربي والإسرائيلي للتفرقة بين أهالي دارفور على أساس عرقي، ومن منطلق التفرقة بين الزنوج والعرب؛ مستغلين الأخطاء المتراكمة التي ارتكبتها الحكومات السودانية المتعاقبة من عدم اهتمام بمشكلات الإقليم، نتيجة ظروف داخلية وإقليمية ودولية فرضت على تلك الحكومات، وتركت تأثيراتها السالبة على سياساتها وممارساتها، ويدحض مثل تلك المزاعم الحياة المشركة التي يحياها مواطنو الإقليم واتحادهم واندماجهم لسنوات طويلة؛ فالكل يدين بالإسلام وعلي المذهب المالكي، كما أن وحدة العادات والتقاليد والثقافة والتاريخ، فضلاً عن علاقات التقارب والتصاهر، وتداخل علاقات المصالح والتعاون، هي عناصر توحيد أكثر من كونها عناصر تفرقة.

ويبدو أن المغزى والمضمون الديني هما الأساس في اختلاق الأعداء وإيجاد الذرائع والمسوغات لأية توجهات وسياسات وممارسات لاحقة، وأن الحروب الصليبية التي يمهد الغرب ويعد لها ـ من قبل ومن بعد ـ تتغير وتتطور أشكالها وهياكلها وأطرافها، على حسب تغير الظروف والأحوال والمستجدات، فقد حدثت عبر قرون مختلفة، كما حدثت في القرن العشرين مع الشيوعية اللا دينية، ويتم الإعداد لها حالياً في القرن الحادي والعشرين مع الإسلامية الدينية، وحتى أيضاً مع الصين ذات الطابع الشيوعي، والتي تتعرض لمحاولات الغزو الديني المسيحي من ناحية، ومن الضغوط بشأن وضعها اللاديني، ولا تكون من ثَم الأهداف والمصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية والثقافية سوى مسوغات منطقية وعملية لإعلان حرب باردة عالمية جديدة.

ويلاحظ في هذا الخصوص أن صامويل هنتجتون حذر من تطور القوى العسكرية الإسلامية والصينية، بل وحذر من تعاون أكيد بين الإسلام والصين لمواجهة الحضارة الغربية، علماً أنها أكذوبة يسوقها هنتجتون للرأي العام الغربي لخلق حالة من الهلع والخوف المستقبلي من هاتين الحضارتين. فالإسلام لا يشكل دولة كالصين، بل دول متعددة الأشكال والأنظمة السياسية، وينتهج معظمها النمط الغربي سياسياً وتشريعياً. أما الدول التي تتبع الشريعة الإسلامية فهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وهذا ما ينسف كل مقولة هنتجتون في التحالف الإسلامي الصيني المستقبلي.

كما أن الصين تنتهج النظام الشيوعي، ولا يقوم نظامها السياسي على تعاليم كونفوشيس. وأخطر ما تحمل أفكار هنتجتون هو تحذيره للغرب من النمو الديمغرافي للمسلمين، وفي رأيه هذا سيؤدي بالشباب المسلم نتيجة البطالة إلى تكوين مجموعات متمردة وعنيفة داخل مجتمعاتها. كما يدفع هؤلاء إلى الهجرة إلى بلاد الغرب الأوربي والأمريكي، وهنا تكمن الخطورة على الغرب من هذه الهجرة. فالإسلام كما يصوره هنتجتون يحرض على العنف وسفك الدماء، وأن المسلمين متورطون في أعمال العنف أكثر من كل شعوب الحضارات الأخرى. والسبب كما يدعي هي صعوبة اندماجهم مع شعوب الحضارات الأخرى. لهذا فالإسلام مصدر عدم الاستقرار في العالم.

كما يرى الخبراء الأمريكيون أن أية سياسة إقليمية تتعلق بالقارة الأفريقية يجري التخطيط لها، يَجِبُ أَنْ تَأْخذَ في الحسبان كل الدول في الشمال الأفريقي (مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، موريتانيا، المغرب) والدول في الغرب الأفريقي (نيجيريا، السنغال، غانا وغيرها)، وكذلك الدول في الجنوب الأفريقي (جنوب أفريقيا، زامبيا، زيمبابوي)، وأيضا الدول في الوسط الأفريقي (الكونغو الديمقراطية، أنجولا، أفريقيا الوسطى وغيرها) وأخيراً الدول في الشرق الأفريقي (السودان، إثيوبيا، الصومال، كينيا، تنزانيا، وأوغندا، وجيبوتي وإرينريا، وجزر القمر أيضاً)، وعلى حد زعم هؤلاء أن بعض مواطني جزر القمر (الكوموريون) قد اشتركوا في تفجيراتِ سفارة الولايات المتحدةَ الأمريكية في عام 1998، وأن هناك العديد مِنْ الروابطِ الثقافيةِ والعرقيةِ بين كل من كينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وهو ما يتطلب مراعاته في التعامل مع دول المنطقة، بالإضافة إلى الترابطِ الجغرافيِ الواضحِ فيما بينهم.

كما أن هناك ضرورة لأن تشمل اهتمامات القوة المشتركة للقرن الأفريقي كل من كينيا والصومال وإثيوبيا والسودان وإريتريا وجيبوتي واليمن بادعاء أن الأسلحةَ، والأموال، والإرهابَ يَتدفّقُ على طول مضيق باب المندب، وأنه من الصعب مُرَاقَبَة الشريط الساحلي لكل من جيبوتي وكينيا بدون أيضاً تضمين تنزانيا إلى ذلك. وتعد أوغندا على قائمةِ اهتمام القوة المشتركة للقرن الأفريقي على الرغم من أن مصدر القلق بالنسبة لأوغندا ينبع من أنشطة جيشَ مقاومةِ الرب المسيحيِ منذ ثماني عشْرة سنةِ. وليس معْرَوفاً إن كانت لتلك الحركة ارتباطات مع تنظيم القاعدةِ أَو الإرهابيين الإسلاميينِ الآخرينِ. وفي هذا الإطار فإن جُهود التطويرِ المدنيةِ يَجِبُ أَنْ تَأْخذَ في الحسبان هذا الترابطِ الإقليميِ أيضاً. كما أن التهديدُات الناجمة عن الدول الفاشلةِ والدول الضعيفة أيضاً يمثل خطراً للمنطقةِ.

حيث يستغل ضعف تلك الدول وفشلها على الأرجح مِن قِبل الإرهابيين مِنْ الدول الأقوى. أما الدول الاستبدادية القوية في أفريقيا التي تُرهبُ سكانَهم وإن كانوا لا يُشكّلونَ تهديدَا فوريَا للولايات المتّحدةِ، لأن سياساتهم وممارساتهم تكون غير مؤثرة (فعالة)  Disaffectedوأيضا غير مجدية Immiserated، إلا أن سكان هذه الدول يُمْكِنُ أَنْ يُشكّلوا تهديداً على المدى البعيد. وهذا الأمر يشكل صعوبة أمام الولايات المتّحدةِ الأمريكية الّتي تجبرها ظروف المنطقة على طلب المساندة والتعامل مع دول معينة معروفة بكونها أنظمة استبدادية. ويفرض عليها ضرورة المراجعة والتعديل والتكيف من أجل المواصلة.

رابعاً: محفزات العلاقات الدولية في أفريقيا

  1. 1.أطماع الدول المتدخلة في القارة الأفريقية

بالنظر إلى الدول الفاعلة المتدخلة في شؤون منطقة دول القرن الأفريقي، فيمكن الإشارة إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا الأولى، بحسبانها على رأس الدول المتدخلة في شؤون المنطقة، وخصوصا في ظل الأحادية القطبية التي مازالت الولايات المتحدة تتمتع بها حتى الوقت الراهن، والثانية – فرنسا – بحسبان أنها تضطلع بدور كبير في عمليات التدخل لأمور تتعلق بتاريخها الاستعماري، وبعلاقاتها وبنفوذها في القارة عموما، وفي المنطقة محل الدراسة على وجه التخصيص، وهي في كل الأمور المتعلقة بذلك اصطدمت بالقوى الدولية صاحبة المصالح سواء كان الاتحاد السوفيتي سابقا إبان حقبة الحرب الباردة أو الولايات المتحدة في الوقت الراهن.

غير أن اللافت للنظر هو أن من بين تلك القوى الصين، قوة كبرى صاعدة، تمتلك قاعدة سياسية واقتصادية راسخة مع العديد من الدول الأفريقية، وإسرائيل التي تحاول وضع مشروعها الصهيوني في أفريقيا موضع التنفيذ الفعلي، إلى جانب قوى دولية أخرى ذات أهداف ومصالح متنوعة مثل اليابان، ثم تأتى الدول ذات التاريخ الاستعماري مثل فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وألمانيا وأسبانيا والبرتغال وبلجيكا، التي تحاول العودة للقارة مرة أخرى، وإن كان في أطر جديدة. وهذه القوى الدولية لهم قدر في عمليات التدخل وفي التأثير على مجريات الأمور والأحداث في ذات المنطقة.

هكذا تعمل القوى الكبرى على تنمية نفوذها في القارة، فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول استغلال أدواتها السياسية والاقتصادية والعسكرية من خلال تفردها بقمة النظام العالمي، بينما تعمل القوى الأخرى من خلال روابطها السابقة مثل الفرانكفونية والكومنولث، أو من خلال إنشاء روابط أو منتديات جديدة بينها وبين أفريقيا مثل الصين واليابان وقانون “الفرص والنمو الأفريقي الأمريكي AGAD، وأيضاً من خلال العلاقات الثنائية في محاولة من الدول الكبرى أن تستغل أية ميزة نسبية لها في هذا المجال، حيث تستخدم جميع القوى الكبرى في هذا السياق العديد من الأساليب والأدوات من تعاون ثنائي والبرامج المشتركة والتسهيلات والدعم المالي وجدولة الديون والمعونات العسكرية وتأهيل وتدريب الكوادر وتبادل المعلومات وغيرها، وذلك من خلال إستراتيجيات الترغيب والترهيب.

  1. 2.استغلالأوضاع الدول في القارة الأفريقية

إن أكثر القضايا أهمية في القارة الأفريقية، والتي تؤثر على حاضرها ومستقبلها وتساعد على استقدام التدخلات الأجنبية بصورها المباشرة وغير المباشرة، يُمْكِنُ أَنْ تُقسّمَ إلى ثلاثة تصنيفاتِ، ويُشار إلى نماذج منها كالتالي:

أ. مشكلة الجفاف

إن مشكلة الجفاف التي تعاني منها دول المنطقة مشابهة لمشكلات السبعينياتِ والثمانينيات من القرن الماضي. وظروف الجفافِ المستمرةِ والتي تعاني منها دول المنطقة، تتسبّبْ دوماً في النَقْص الحادّ في الغذاءِ، وتعريض حياة أكثر من 16 مليون من البشر في القرن الأفريقي للخطر ِوخصوصاً في إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي. لقد طالب مسؤولو الإغاثةِ الدولية الدول والمنظمات المعنية بتقديم ما يعادل 940 ألف طنِ مِنْ تبرّعاتِ الغذاءِ الطارئةِ لتَفادي النوبة المتكررة لهذا الجفاف، بحيث لا تتكرر كارثة أوائِل السبعينياتِ عندما هلكت الملايينِ من الأثيوبيين وعاني مليون آخر الجوّع، ومن ثَم فهذه واحدة من المشكلات الكبيرة في القرن الأفريقي الكبير، ولا يرد توضيح عن ذكرها لحقيقتها الفعلية ولا النتائجِ الحقيقية لما تتسبب فيه من نتائج وتأثيرات في دول المنطقةِ.

والجدير بالذكر أن مشكلات المجاعةِ لا تَقف عند حد تَجْويع الناسِ؛ ولكنها تترك تأثيرات بالغة كانتشار الأمراضِ، وتزايد أعداد اللاجئين، وحدوث مجاعة حيوانية أيضاً، وهكذا فهذه لَيستْ مشكلةً سهلةً الحَلّ، ويستعصي على دول المنطقة في ظل الظروف الراهنة وفي ظل المشكلات الأخرى التي يعانون منها أن يتعاملوا معها.

ب. استمرار النزاعات والصراعات والحروب الأهلية الأفريقية

فضلاً عن النزاعات الداخلية المتعدّدة الوجوه المتَركزة في دول القارة الأفريقية، حيث كانت المنطقة مسرحاً للنزاعات على مدار العقود الخمسة الماضية وجعلت كل دولها والشعوب القاطنة فيها غير مستقرة وغير آمنة. ففي الأوقات الراهنة، يلاحظ بوضوح استمرار تلك الصراعات على سبيل المثال في منطقة القرن الأفريقي كالذي دار في جنوب السودان، أو ظهور نزاعات وصراعات جديدة كما في المنطقتين الغربية والشرقية من السودان، وأيضاً النزاع في الشمال الكيني؛ والنزاع الذي يشمل أغلب مناطق الصومال وأقاليمه، والنزاع في شمال أوغندا، وحالة عدم الاستقرار في كل من إثيوبيا، وفي منطقة غرب تنزانيا، وكُلّها أمثلة على حالاتِ النزاعِ الصعبة في القارةِ.

وبالإضافة إلى تلك النزاعِات ذات الطابع الداخلي، تشهد المنطقةَ نزاعات بين الدول مثل التَوَتّرِ بين السودان وإريتريا، والتَوَتّرات الكينية ـ الصومالية، والعلاقات المضطربة بين أوغندا والسودان، وبين السودان وإثيوبيا أحياناً، والصراع التقليدي بين إثيوبيا والصومال، وجميعها ستبقي على حالة الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقةَ. وقد أدت النزاعات المختلفةِ إلى إنهاك الدول في المنطقةِ وإضعافها بل والوصول بها إلى مرحلة الانهيار كما هو الحال في الصومال، هذا بالإضافة إلى تلك النزاعات والصراعات في باقي المناطق داخل القارة الأفريقية.

إن كُلّ هذه النزاعاتِ ذات صلة مباشرة أَو غير مباشرة بالسلوك الإقليمي لدول القارة فيما بين بعضها بعضاً، أو بالسلوك الدولي متداخلاً مع السلوك الإقليمي ومع السلوك الداخلي للدول فرادى. وعلى سبيل المثال حالة الاستقطاب الإقليمي للصراع في الكونغو الديمقراطية، وكذلك في السودان ففي الوقت الذي تساند السودان المجموعات المتمرّدة في إثيوبيا، وإريتريا، وأوغندا، والصومال، فإن تلك الدول تسعى هي الأخرى إلى تقديم مختلف أنواع الدعم للحركات المتمردة داخل السودان، كما أن التدخل الإثيوبي في الصومال يدفع الحركات المناهضة للنظام الحاكم في إثيوبيا وخصوصاً حركة تحرير الأوجادين إلى تصعيد هجماتها ضده، فضلاً عن تنامي حركة المقاومة الصومالية في مواجهة الوجود الإثيوبي على الأراضي الصومالية، كما أن هذا الوضع دفع إريتريا لتقديم دعمها للحركات الصومالية المناهضة للوجود الإثيوبي في الصومال وذلك في رد فعل لحالة العداء القائمة بينها وبين إثيوبيا، وهو الأمر الذي يقابل بدعم إثيوبي مضاد لجماعات صومالية في مواجهة إريتريا، وهكذا فإن دول منطقة القرن الأفريقي تعيش حالة من النزاعات والصراعات المستمرة والمتجددة، يساعدها على البقاء في تلك الحلقة المفرغة الدعم والتدخل الدولي وفقاً لحسابات ومصالح متعددة ومتنوعة.

ج. أزمة المياه

تعد مشكلة المياه أيضاً أحد مصادر القلق والتوتر المهمّة داخل القارة الأفريقية في منطقة دول القرن الأفريقي الكبير خاصة وبعض مناطق الصحراء الكبرى. ففضلاً عن وجود المجاعات ونوبات الجفاف المتكررة في المنطقة، والتي تعد ذات تأثيرات مهمّة وبالغة على المنطقةِ بكاملها. فإن مشكلة المياه لا تقل في مخاطرها عن ذلك، وبالتأكيد ما لم يتم تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، واستحداث اتفاقيات أخرى بموجب القواعد والقوانين الدولية ذات الصلة بذلك، لترشيد وتوظيف استعمال المياه في القارة الأفريقية، فإن حرباً على تلك المياه مرشحة بأن تحدث في أي وقت.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من الجهود المستمرة والمفاوضات بين بلدانِ حوض النيل َ Nile Basinمن أجل الاستفادة العادلةِ والمشتركة من مصادرِ المياه، ويحْدث ذلك في مواجهة ميراث تاريخي معقّد مِنْ المعاهداتِ الاستعمارية التي وضعتها كل من بريطانيا ودول أخرى من بينها إيطاليا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا. وهذه المفاوضات المستمرة بين دول حوض النيل بَلغتْ ذروتها مَع توسع الموضوعات التي يجري التباحث والتفاوض بشأنها والتي لا تقتصر فقط على استعمال مياه نهر النيلِ، وإنما تشمل أيضاً مياه المصادرِ الإقليميةِ الأخرى مثل النيل الأزرقِ ونهركاجيرا Kagera، ونهر السيميليكيSemliki ، ونهرإيسانجو Isango، ونهرالسوباط Sabot، وبحيرة تانا Tsana. والدول المطلة على ضفاف تلك المسطحات المائية هي كينيا وأوغندا وتنزانيا وإثيوبيا والسودان ومصر. ولا شك إن إجراء المفاوضات حول موضوعات المياه إنما يدخل في إطار الاهتمام الدولي بأزمة المياه، وبما يمكن تسميته بحرب المياه العالميةِ” بين الدول.

هذه الأنواع الثلاثة مِنْ أنماط المشكلات التي تواجه دول القارة الأفريقية وهي المجاعة، والنزاعات والصراعات والحروب الأهلية، والمياه، كُلّها مشكلات كبرى تُؤدّي إلى العديد من المشكلاتِ الأخرى. وهو الأمر الذي يعرض ملايين البشر لكثير من الأخطارِ، كما أنه يهدد بهلاك الملايين ودول المنطقة ذاتها أشد عرضة للتهديد إذا لم تجد تلك القضايا والمشكلات لها حلولاً وتسويات مناسبة وحاسمة في القارة الأفريقية.

  1. 3. العوامل المشجعة على التدخل في القارةالأفريقية

إذا كان السبب الرئيس في عمليات التدخل الدولي المختلفة في القارة الأفريقية يعزى إلى السياسات والإستراتيجيات الأجنبية تجاه تلك المنطقة، فليس بالإمكان إغفال حقيقة مساعدة الأنظمة الحاكمة لدولها لهم على ذلك بطرق مباشرة وغير مباشرة من خلال العوامل التالية التي عملت القوى الكبرى على الاستفادة منها وتوظيفها، من أجل تحقيق أغراضها وهى:

أ. تنامي الانتماءات والولاءات التحتية (الدونية) على الانتماءات والولاءات الوطنية، وهو الأمر الذي يساعد القوى صاحبة الأهداف والمصالح على إحداث الاختراقات المناسبة، ومن ثم التدخل المباشر وغير المباشر في تلك الدول الأفريقية.

ب. تباين المستويات الثقافية والحضارية والاقتصادية بين دول المنطقة وارتباط العديد منها بالدول الأفريقية التي كانت مستعمرة، سواء كانت ذات طابع أنجلوفوني أو فرنكفوني، وهو الأمر الذي يسهم في دوام العلاقات مع تلك الدول ومن ثم تواصل تدخلها في شؤون دول المنطقة، ومواصلة بذل جهودها من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها، وفقاً لسياسات وآليات وممارسات جديدة.

ج. افتقاد الشرعية السياسية الحقيقية في تلك الدول الأفريقية مع تعاظم المشكلات الداخلية وتنوعها، ومن ثم اعتماد أنظمتها الحاكمة في بقائها في السلطة على الظهير الأجنبي، مقابل تقديم التسهيلات والمشاركة في تيسير التدخل، ليس هذا فحسب وإنما في تثبيته وتوطينه داخل تلك الدول.

د. عدم قدرة دول القارة الأفريقية على إحداث التكامل السياسي الحقيقي سواء الرأسي منه أو الأفقي، لأسباب كثيرة ذات طابع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وتاريخي وغير ذلك، ومن ثم فإن شيوع الصراعات والحروب الأهلية، يمثل سمة من السمات الرئيسة لدولها، وهو الأمر الذي يؤدى إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، ويعطي الذرائع والمسوغات للدول الأجنبية للتدخل السافر بوجهيه المباشر وغير المباشر في صميم الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

هـ. سوء الأوضاع الاقتصادية التي تعاني منها دول القارة الأفريقية، وحاجتها الملحة للدعم الأجنبي من أجل التنمية وتوفير الحاجات الضرورية لشعوبها، الأمر الذي يؤدى إلى حالة من التبعية للدول المانحة، ما يوجد المسوغات للتدخل في الشؤون الداخلية.

و. استغلال القوى الكبرى خاصة الولايات المتحدة موضوع “الحملة الدولية ضد الإرهاب” مسوغاً لإدانة بعض دول القارة توطئة للتدخل المباشر وغير المباشر بها، كما حدث ويحدث في الصومال، والسودان، والترتيبات والاتفاقيات مع دول أخرى كجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وأوغندا.

ز. عدم ارتباط هذه  الدول الأفريقية بروابط أمنية إقليمية مباشرة، (باستثناء الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا) وإن كان هناك توجه في هذا الشأن من خلال المنظمة شبه الإقليمية المسماة الهيئة الحكومية للتنمية (الإيجاد) ذات الصبغة السياسية والاقتصادية، حيث تحاول تلك المنظمة تطوير اهتماماتها لتشمل موضوعات أخرى أمنية بخلاف التنمية: كالعمل على تسوية النزاعات بين أعضائها، وأيضا عمليات إحلال السلام فيما بينها، غير أنها لا تمتلك آليات عسكرية للقيام بهذه الأدوار التي اقتصرت على الجهود السياسية في المشكلتين السودانية، والصومالية وعلى الرغم من سعى قمم الإيجاد المختلفة لزيادة تعاونها الإستراتيجي والأمني و تطويره لمواجهة المخاطر المحيطة بالإقليم، واتفاقها على تشكيل عناصر أمنية وعسكرية. ومن أمثلة ذلك التركيز على آلية الإنذار المبكر والاستجابة للصراع، وفرقة الانتشار السريع في شرق أفريقيا.

ولكن يبقى ارتباط منظمة الإيجاد بما يسمى بمنتدى شركاء الإيجاد، الذي يضم في عضويته دولاً أوروبية وأمريكية، يمثل ذريعة ووسيلة للتدخل في شؤون منطقة القرن الأفريقي، أكثر من كونه يسعى إلى تحقيق أهداف واستراتيجيات ومصالح أمنية لدولها.

و. كما أنه من اللافت للنظر أن ميثاق الاتحاد الأفريقي في إطار تناوله لمسألة التدخل في شؤون الدول الأفريقية، استحدث على غير المعهود في ظل المنظمة القارية السابقة (منظمة الوحدة الأفريقية) إمكان التدخل كالتالي:

(1) حق الدول الأعضاء في طلب التدخل من الاتحاد لإعادة السلام والأمن ورفض التغييرات غير الدستورية للحكومات.

(2) التدخل بدون طلب في الحروب التي تشمل جرائم ضد الإنسانية، أو جرائم حرب أو إبادة جماعية.

(3) كما أن اعتماد السياسة الدفاعية للاتحاد لموضوعات تخص المجتمع المدني مثل حقوق الإنسان والبيئة ودور المرأة وتمكينها، وذلك تمشياً مع الأيديولوجية المعاصرة للنظام العالمي الجديد يساعد مساعدة مباشرة وغير مباشرة في استغلالها وتوظيفها للتدخل في الشؤون الداخلية لدول القارة الأفريقية.

علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

لقد شهدت القارة الأفريقية العديد من التدخلات إبان حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، وخضعت دول تلك المنطقة لمحاولات شتي من الاحتواء، والاستيعاب وتأثرت بالصراع الدولي المحتدم وبالتدخلات السافرة في أرجاء تلك المنطقة. وفي إطار تناول التدخل الأمريكي في تلك المنطقة سيُعطى قدراً أكبر من الاهتمام بالمقارنة مع التدخلات الدولية الأخرى، وذلك لأسباب منها:

  1. الأهمية غير المسبوقة للولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة مقارنة بفترات سابقة، وكثافة العلاقات مع دول المنطقة، ومحاولات الربط بينها وبين مناطق وقضايا ومشكلات عالمية، كالحرب على الإرهاب وحرية الملاحة البحرية وأمنها، وسلامة الانتقال الآمن والدائم للتجارة الدولية وضمانه وغير ذلك من القضايا، لها ولحلفائها.
  2. تعاظم منظومة التأثيرات التي ترى الولايات المتحدة الأمريكية أنها ترتبط بحاضرها وبمستقبلها، سواء كان الأمر يتعلق بمكانتها العالمية، أو بحجم المخاوف من التهديدات ذات الصلة بأمنها واستقرارها وبمصالحها على المستويين الداخلي والدولي وتعدد هذه المخاوف وتنوعها.

أولاً: الإطار العام للتوجهات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة

إن الإطار العام الذي يحكم توجهات الولايات المتحدة الأمريكية منذ انتهاء الحرب الباردة، وتحديداً منذ أوائل الألفية الثالثة، يتمثل فيما يلي:

  • أن الولايات المتحدة الأمريكية ترى، وفقاً لإستراتيجيتها للأمن القومي، أن الصراعات الكبرى للقرن العشرين انتهت بين الحرية والدكتاتورية بانتصار حاسم لقوى الحرية، وبقيام أنموذجٍ واحدٍ للنجاح القومي قابل للاستدامة والمتمثل في الحرية، والديمقراطية، والأعمال والأسواق الحرة (الحرية السياسية والاقتصادية). وأنه في القرن الواحد والعشرين سوف لن تتمكن إلاّ الدول التي تشارك في الالتزام بحماية حقوق الإنسان الأساسية، وضمان الحرية السياسية والاقتصادية من إطلاق قدرات شعوبها وتأمين رخائها في المستقبل. يتوق الناس في كل مكان إلى حرية الكلام والتعبير؛ واختيار من سيحكمهم؛ وحرية العبادة؛ وتعليم أولادهم، ذكوراً وإناثاً؛ وتأمين الملكية الخاصة؛ والاستفادة من جهدهم. هذه القيم صحيحة، وصادقة بالنسبة لكل إنسان، وفي كل مجتمع، ويمثل واجب الدفاع عن هذه القيم ضد أعدائها هدفاً مشتركاً للشعوب المحبة للحرية عبر العالم وعبر العصور.
  • كما تدعي الولايات المتحدة الأمريكية، وفقاً لإستراتيجيتها عن الأمن القومي، أنه على الرغم من أنها تتمتع بامتلاك قوة عسكرية كبيرة وبنفوذ اقتصادي وسياسي عظيمين. إلا أنها لا تستخدم تلك القوة للضغط باتجاه تأمين أفضلية أحادية. وإنما تسعى بدلاً من ذلك إلى خلق توازن قوى يساند الحرية الإنسانية، ويساعد في خلق الظروف التي تتمكن في ظلها جميع الدول والمجتمعات من اختيار المكافآت والتحديات التي تطرحها الحرية السياسية والاقتصادية. ففي عالم آمن، يستطيع الناس جعل حياتهم أفضل. وأنها سوف تدافع عن السلام من خلال محاربة الإرهابيين والطغاة. والمحافظة على السلام من خلال إقامة علاقات جيدة بين الدول الكبرى. وتوسيع أفق السلام من خلال تشجيع المجتمعات الحرة والمنفتحة في كل قارة.
  • وتعتقد الإدارة الأمريكية أن الدفاع عن الولايات المتحدة الأمريكية ضد أعدائها هو الالتزام الأول والأساس للحكومة الفدرالية. وأن طرائق أداء هذه المهمة تغيرت بدرجة كبيرة في الوقت الراهن؛ فقد كان الأعداء في الماضي يحتاجون إلى جيوش جرارة وقدرات صناعية هائلة ليتمكنوا من تهديد أمن الولايات المتحدة. أما الآن فتستطيع شبكات مستترة من الأفراد الزج بالفوضى والألم عبر شواطئ البلاد بثمن يقل عن ثمن شراء دبابة واحدة. كما أمسى الإرهابيون منظمين للتغلغل في المجتمعات المنفتحة واستغلال التكنولوجيات العصرية.
  • ومن أجل دحر هذا التهديد، تهدد الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام كل أداة متوافرة في الترسانة الأمريكية وفي قوتها العسكرية، وأن تكون هناك أنظمة دفاعية أفضل، وأن يفرض تطبيق القوانين، وتطوير أداء الاستخبارات، وبذل جهود نشطة لقطع التمويل المالي عن الإرهابيين. وذلك من منطلق أن الحرب ضد الإرهابيين الذين يملكون قدرات عالمية هو مشروع على مستوى عالمي شامل ولا حدود زمنية له. وأن الولايات المتحدة سوف تساعد الدول التي تحتاج إلى المساعدة في محاربة الإرهاب. وسوف تحاسب الولايات المتحدة الدول التي تتورط في الإرهاب، ومن ضمنها تلك التي تمنح ملاذاً آمناً للإرهابيين ـ لأن حلفاء الإرهاب هم أعداء الحضارة. ويجب أن لا تسمح الولايات المتحدة ولا الدول المتعاونة معها للإرهابيين بتطوير قواعد انطلاق جديدة. والسعي معاً لحرمانهم من الملاذ الآمن في كل حالة ومن كل ناحية.
  1. التوجهات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لإستراتيجيتها للأمن القومي

منذ انتهاء الحرب الباردة وخروج الاتحاد السوفيتي (السابق) من أفريقيا، وما أدى إليه ذلك من تغير في علاقات القارة بالقوى الدولية على ضوء التوازنات الجديدة التي أحدثها تربع الولايات المتحدة الأمريكية على قمة النظام العالمي الجديد والإقرار بأنها الفاعل الرئيس على مستوى العالم، فقد انتقلت علاقات القارة الأفريقية بالولايات المتحدة والقوى الكبرى إلى مستوى آخر من التعاون أحياناً والمنافسة التقليدية أحياناً أخرى، بين تلك القوى وبعضها البعض حول مصالحها المتنوعة في القارة، وفي المناطق المستهدفة على وجه الخصوص.

أ. أهداف إستراتيجية التدخل الأمريكي في القارة الأفريقية وأبعادها:

تتركز أهداف إستراتيجية التدخل الأمريكي في القارة الأفريقية وأبعادها فيما يلي:

(1) أهداف إستراتيجية التدخل الأمريكي في منطقة القارة الأفريقية

تَبنّتْ وزارة الخارجيةَ الأمريكية في أوائل الألفية الثالثة خمسة أهدافَ، ذكرت أنها ستُوجّهُ جُهودَ سياستها لمُوَاجَهَة الأسباب التي تُؤدّي إلى فشل الدولة القومية في أفريقيا بصفة عامة، وفي منطقة القرن الأفريقي بصفة خاصة:

(أ) التحرك نحو ترسيخ الديمقراطية، والحكم الجيد، والاحترام لحكم القانون.

(ب) محاربة انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) والأمراض المعدية الأخرى التي تهدّد بتدمير المواطنين في دول المنطقة.

(ج) التوسّعْ في التجارةً والاستثمار الأمريكي مَع دول المنطقة لدَفْع التنمية الاقتصادية وتَحسين الإرادة لدى شعوبها.

(د) حماية البيئة في دول المنطقة لأن المؤسسات والشعوب لا يَستطيعونَ أن ينجحوا في ممارسة الحكم وإدارة شؤونهم متى كان الهواءَ ملوثا وغير صحي، والماء غير متوافرُ، والغابات والأراضي الزراعية تتَحوّل إلى أرض جرداء.

(هـ) إنهاء الحروب في دول المنطقة، واعتبار هذا من الأمور المهمة والضروريةُ.

(2) أبعاد إستراتيجية التدخل الأمريكي في القارة الأفريقية

بعد فترة من التهميش الأمريكي للقارة الأفريقية، عاد الاهتمام الأمريكي بالقارة مرة أخرى منذ انتهاء الحرب الباردة، عبر اعتماد إستراتيجية ذات أبعاد منها:

(أ) التوسع الخارجي في سياق الصبغة الإمبراطورية للقرن الحادي والعشرين، وبحسبانه من جانب بعض الأمريكيين (كولن باول وزير الخارجية السابق) أنه سيكون قرناً أمريكيا خالصاً.

(ب) البعد الاقتصادي المتمثل في النفط (خاصة في السودان وغيره من المناطق) وباقي ثروات القارة وكونها كذلك سوقاً كبيرة واعدة.

(ج) القرن الأفريقي الكبير المسيطر على خطوط الملاحة البحرية من الشرق للغرب والعكس، بوصفه كذلك أحد المداخل لقلب أفريقيا الذي بالسيطرة عليه يمكن تهديد معظم القارة.

(د) الدور الأفريقي في الحملة الدولية ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة (وخصوصا في شرق أفريقيا وبالتحديد القرن الأفريقي)، وذلك على ضوء نظرية بوش التي أعلنها في سبتمبر 2002. وأبرز خطوطها كالآتي:

  • اقتراب استراتيجي يبلور شكل العالم والتهديدات بالنسبة للولايات المتحدة في مشكلتين هما “الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل”.
  • اعتماد إستراتيجية العمل الوقائي، بمعنى شن حرب استباقية ضد هذه التهديدات، وفي مواجهة لمن حاولوا فرض إرادتهم على الولايات المتحدة أو حلفائها أو أصدقائها”، سواء كانوا في ذلك دولاً أو جماعات أو تنظيمات تتبنى مثل تلك التهديدات، وثمة عنصران أساسيان في هذه الإستراتيجية:

– تأكيد فكرة “العمل الاستباقي المنفرد في حالة هجوم وشيك”مؤكد، بمعنى توقع استخدام القوة في مواجهة أي هجوم وشيك Imminent Attack، وهى فكرة، يدعمها القانون الدولي.

– توسيع مفهوم الحرب الوقائية لتشمل إمكان استخدام القوة، حتى بدون دليل واضح على إمكان هجوم وشيك ضد الولايات المتحدة، فليس ثمة ضرورة للتأكد من أن هناك هجوم خطير تتجمع نذره ضد الدولة الأمريكية.

ب. أولويات السياسة الأمريكية وفقاً لإستراتيجيتها للأمن القومي

في هذا السياق قامت الولايات المتحدة الأمريكية بترتيب إستراتيجيتها الكونية، واتجهت إلى أوروبا أولاً، ثم إلى وسط آسيا، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 خاصة، وإعلان الولايات المتحدة الحملة الدولية ضد الإرهاب، الأمر الذي أدى إلى تأخر أسبقية القارة الأفريقية في سلم أولويات الإستراتيجية الأمريكية، إلا أن طبيعة المستجدات والمتغيرات الدولية وواقعها وإلحاح الأهداف والمصالح الأمريكية وتنوعها، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية، وباقي الدول الحليفة لها صاحبة المصالح في القارة، إلى إعادة تنشيط اهتماماتها وأدوارها فيها، وذلك نظراً للآتي:

(1) احتمالات تحول تنظيم القاعدة من أفغانستان إلى أفريقيا واتخاذها ملجأ للتنظيم هرباً من الملاحقة في أفغانستان.

(2) الاكتشافات النفطية الواعدة في السودان تحديداً، إضافة للمعادن الإستراتيجية الأخرى.

(3) الموقع الإستراتيجي المسيطر على خطوط الملاحة الدولية، سواء في باب المندب على البحر الأحمر، أو من طريق رأس الرجاء الصالح (الكيب) بجنوب أفريقيا، إضافة إلى جوار شمال أفريقيا لدول جنوب المتوسط.

وفي إطار مقارنة النظام العالمي وتحليله أثناء الحرب الباردة وما بعدها، يشير الواقع السياسي الدولي إلى حرص الإدارات الأمريكية المتعاقبة على خلق واقع سياسي عالمي جديد، تنفرد فيه الولايات المتحدة بمكانة الدولة القائدة والمسيطرة، في ظل الأحادية القطبية، التي مازالت تميز النظام الدولي في الوقت الراهن، كما يرى البعض أن هناك بُعداً آخر لهذه الظاهرة الاجتماعية المعقّدة، يرتكز على استنتاجين مُتَرابَطين:

أولهما: أن السياسة الخارجية الأمريكية – وإن كانت هي العاملُ الرئيس في تَقْرير النظام العالمي الجديد- لا يمكنها أن تواجه تحديات القرن الحادي والعشرين بمفردها، وذلك وفقاً لرؤية بعض الإستراتيجيين في الإدارة الجمهورية أنه لا توجد أي دولة في العالم تستطيع تحقيق ذلك. حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى سبيل المثال نجد أن تحقيق النصر في الحرب ضد الإرهاب يحتاج إلى وجود شبكة عمل بين الولايات المتحدة وحلفائها.

ثانيهما: أن المصلحة الاقتصادية الأمريكية هي الركيزة الأساسيةُ في تَشكيل النظام العالمي الجديد.

ومن هذا المنطلق فإن الإدارة الأمريكية في تحركها تجاه منطقة القرن الأفريقي تحرص على التأكيد أن مصالحها في تلك المنطقة بصفة عامّةَ، ووفقا لمزاعمها، تَتضمّنُ:

(1) ضمان الأمن والدفاع عن العالم وسلامه، في إطار التعاون والتضامن داخل منظومة المجتمع الدولي.

(2) ضمان الحصول على الإمدادات النفطية، لها ولحلفائها، وخصوصاً من منطقة الخليج العربي، أو من أية مناطق أخرى.

(3) ضمان تأمين خطوطَ الاتصال والانتقال عبر طرق ومسارات التجارة الدولية، وخصوصا في المحيط الهندي، وصوب طريق رأس الرجاء الصالح، وعبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس .

(4) ضمان أمن شركائها التجاريين، سواء الأوروبيين أو في المناطق المختلفة في العالم واستقرارهم.

ثانياً. آليات ومتطلبات سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا

  1. آليات التدخل الأمريكي فيالقارةالأفريقية

أ. إستراتيجية التدخل العسكري ـ الأمني

تستند الإستراتيجية الأمريكية للتدخل العسكري/ الأمني في أفريقيا على ما يلي:

(1) المراجعة والتصرف العسكري التلقائي والوقائي

لقد اعترفت إدارة بوشَ بأنّ هناك العديد من الحاجاتَ لمراجعة سياسة الولايات المتحدة تجاه أفريقيا، وخصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لذلك فإن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2002، على سبيل المثال ركزت على تُشجّيع الأمنَ الجَماعي، ودعمَ البلدان الأخرى في التعامل مع مشكلات أفريقيا، ومن ثم فإن أفريقيا القادرة وإصْلاح أوضاع دولها، وتقوية المنظمات الإقليمية والفرعية يجب أنْ يرقى إلى التعامل مع التهديدات العالمية. وأنه بدون التركيز على مثل تلك الأمور فسيكون من الصعب إنجاز الأهداف المبتغاة. وتضيف إستراتيجية الإدارةَ الأمريكية أساساً واضحَاً أيضاً، أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيةَ سَتَتصرّفُ تلقائياً ووقائياً بالقوة العسكرية ضدّ الجماعات الإرهابية أَو الدول المارقة التي تحاول الحصول على أسلحة الدمار الشاملَ.

لكن تلك القواعد والوسائل المقترحة لإحداث التغيير الحقيقي في النوايا الإستراتيجية في التعامل مع أفريقي غير واضحة؛ لقد أظهر الرّئيس جورج بوش رغبة إدارته في تخصيص مصادر أكثر لمساندةً إستراتيجية خاصة بأفريقيا في الإطار العام للإستراتيجية العالمية الأمريكية، وبموجب ذلك زادتْ الولايات المتّحدةُ الأمريكية زيادة ملحوظة المساعدات المقدمة إلى الدول الأفريقية لمُسَاعَدَتها على الَتعاملُ مع مرض الإيدز، بالإضافة إلى أن اقتراح الرئيسَ بوش المتعلق بحسابَ تحدي الألفيةَ جاء في صفة مبادرةَ لمُخَاطَبَة حالات فشل برامج المساعدات التقليدية، وزاد من أهمية الاتجاه في هذا النهج الرغبة الأمريكية وتصميمها على مكافحة الإرهاب، ولذلك قدمت الولايات المتحدة الأمريكية مبلغ مئة مليون دولار أمريكي لدول معينة معنية بهذا الأمر في شرق أفريقيا، خطوة في الاتجاه الصّحيح من المنظور الأمريكي، وفي إطار التحرك نحو وضعه موضع التنفيذ الفعلي.

(2) ضمان الوجود العسكري المناسب في المنطقة المستهدفة

إن الإستراتيجية العسكرية الأمريكية تفترض وجود الكم والنوع المناسب من القوّات المُسَلَّحة التي يمكنها إنجازُ الأهدافَ المتضمنة في إستراتيجية الأمن القومي، وخصوصاً ما يتعلق بمناطق الأزمات التي تؤثر على المصالح الوطنية الأمريكية. ويلاحظ أن الولايات المتّحدة الأمريكية، وفي إطار مراجعاتها لإستراتيجيتها العسكرية الوطنية الرسمية، ابتداءً من عام 2001، جعلت تفضيلات وأولوياتَ وزارة الدفاع الأمريكية تتحرك باتجاه التركيز على بناء قدرة الشركاء الأفريقيين، لزيادة قدراتهم العسكرية والأمنية؛ وذلك لضمان الأداء المناسب فيما يتعلق بقضايا الأمن الجَماعي ومشكلاته.

بمعنى أن القيادة الحالية في وزارة الدّفاع الأمريكية، بل والإدارة الأمريكية وعلى أعلى مستوياتها، حريصة على التحديد الدقيق والتَشكيل الواضح للسياسات والمواقف الأمريكية تجاه أفريقيا، بعامة وتجاه منطقة القرن الأفريقي بخاصة. ولذلك فإن الممارسات الرسمية تعتمد على هيئة الأركان المشتركة في القيام بمهام الإشراف التامّ على النشاطات العسكرية الأمريكية في أفريقيا، وتبعاً لذلك أيضا يكلف القادةَ الميدانيون المقاتلونَ بمهمّات متنوعة لتَطوير خططهم الميدانية في المناطق التي تخضع لمسؤولياتهم. أما في الإطار العام للإستراتيجية العسكرية الأمريكية في المناطق الأفريقية المختلفة وخصوصا في مناطق أفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى فإنه يَتضمّنُ عدّة أهداف مثل:

(أ) التَرويج للاستقرار في المنطقة.

(ب) التَرويج لضرورة الالتزام بالديمقراطية في دول المنطقة.

(ج) الحرص على اكتساب المهارات العسكرية. وخصوصاً ما يتعلق منها بأنشطة التدريب على أعمال حفظ السلام الأساسية وواجباته، وتقديم المساعدات الإنسانية، وأساليب السيطرة المدنية، وخصوصاً في مواجهة العمليات الإرهابية الدولية.

(3) ضمان التنسيق والتنفيذ الفعلي للإستراتيجية العسكرية

على الرغم من أن أعمال التنسيق واتساق النشاطات في الخطط الميدانية في المناطق المستهدفة في أفريقيا مع الإستراتيجية الوطنية الأمريكية، فإن القضية الحقيقية تظل مرتبطة بكيفية الإبقاء على وضع تلك الإستراتيجية موضع التنفيذ الفعلي؛ حيث إن جميع الخطط الميدانية تَفتقرُ إلى الأموال الكافية، والتخطيط المنظّم، والتنسيق الكافي بين الأجهزة والجهات المختلفة، والإجراءات العملية والفعّالة لجعل الخطةَ المتعلقة بأفريقيا مؤثرة وإيجابية، مع ضرورة مراعاة أيضاُ الظروف والمخاطر الداخلية في المناطق الأفريقية المستهدفة التي يواجهها القادة الميدانيون، ولذلك -وفي إطار الاهتمام بالوجود في أفريقيا وبتطوير العلاقات معها- فإن الأمر يحتاج لمزيد من التخطيط، وتقديم الدعم الأفضل اللازم لأداء المهام والأدوار المحددة، واستمرار التيقظ والانتباه من جانب جميع الأجهزة ذات الصلة، بما فيها أجهزة الاستخبارات، وتوفير المصادر الملائمة لضمان تحقيق الأهداف والمصالح المحددة.

(4) ضرورة الربط بين مناطق الأهداف والمصالح الأمريكية

إن الحقائقَ الجيوـ إستراتيجية Geostrategic في الوقت الحاضر، ومن المنظور الأمريكي، تشير إلى أنّ لأفريقيا مصالح مع البلدان في الشرق الأوسط والشرق الأدنى المرتبطتان بالقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) ، وخصوصاً فيما يتعلق بالأمور المرتبطة بالتهديدات العالمية، والقضايا الاقتصادية مثل الطاقة (تحديداً النفط) والتجارة، وأنه بدون الحاجة لتوضيح الثقل السكاني الإسلامي في أفريقيا، فإن هناك أسباباً جيدة للنَظْر إلى أفريقيا والشرق الأوسط مجمعاً ملائماً لمصالح الأمن الأمريكي. وأن خطورة احتمال أن يكون هناك صراع ديني بين الشمال الأفريقي الإسلاميَ وأفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى المسيحية، يتطلب من الولايات المتّحدة مُراقبة هذا الوضع والتعامل معه، بوصفها القوة الدولية الوحيدة القادرة على ذلك، من أجل تحقيق أهدافها ومصالحها وحمايتها في أفريقيا وفي العالم.

إن المخاوفُ الفعلية المتزايدةُ المرتبطة بأحداث ومجريات الأمور في الشرق الأوسط، بما في ذلك احتلال العراق، تجعل هناك ضرورة حقيقية للربط بين ثلاث مناطق رئيسة في ظل قيادة مركزية موحدة وهي منطقة الشرق الأوسط، ومنطقة الشرق الأدنى، ومنطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى، بمعنى أن تكون هناك قيادات فرعية، للكل منطقة منها، وترتبط جميعها بقيادة المنطقة المركزية CENTCOM، وبالتنسيق أيضا مع القيادة الجنوبية الأمريكية، التي تُديرُ الارتباط العسكري في مناطق أمريكا اللاتينية، كما أن إعادة تنظيم القيادة الأوروبية يُمْكنُ أَنْ يوظف للمُسَاعَدَة على تَأسيس قيادةَ أفريقيا. وذلك في مجمله لضمان إدارة الأزمات والمشكلات والمخاوف الأمنية المشتركة بأساليب وبآليات عملية، ومع مراعاة ضرورة وأهمية التقليل من الاعتماد على التدخلات الأمريكية المباشرة. إن هذا يعني ببساطة أن هناك إستراتيجية كونية للولايات المتحدة ترتبط بجميع مناطق العالم، وأن هناك استراتيجيات فرعية تتعلق بتلك المناطق، وأن الاهتمام الأمريكي بأفريقيا، ووضع إستراتيجية وقيادة فرعية خاصة بها يدخل في إطار الدمج بين مناطق الأهداف والمصالح الأمريكية العالمية.

من هنا فإن أي قيادة أمريكية فرعية في أفريقيا يجب أن تَبقي أقربَ ما تكون من المنطقة، وأن تساعدها في أداء مهامها أجهزة استخباراتية ممتازة، وأن تعْملُ مباشرةً مَع الزعماء المدنيين والعسكريين في المنطقة، ويُمْكنُ أَنْ يكون هناك موظّفون ومختصون داخل الأجهزة ذات الصلة بتلك القيادة، يكون من مهامها الرئيسة التَركيز على التعامل مع المشكلات السياسية والأمنية/ العسكرية والاقتصادية الرئيسية التي تعاني منها دول القارة. وعلى مستوى القيادة ينبغي أن يجري تنسيقُ التدريبات، وإجراء المناورات المشتركة داخل الدول والمناطق المستهدفة داخل القارة الأفريقية، والتخطيط تخطيطاً دورياً وثابتاً لحالات الطوارئ المُخْتَلفة. وسيترتب على ذلك أن تلك القيادة سَتَكُونُ في موقع أفضل لإعْلام القيادة السياسية في واشنطن بالحالة على أرض الواقع، بما يمكنها من أن تكون أكثرَ إقناعاً لصُنّاع السياسة عند تقديم النصح والمشورة. ومن شأن ذلك تجنيب القادة السياسيين احتمالات الإقدام على اتخاذ قرارات بالتَدَخُّل المباشر في عمليات عسكرية طائشة أَو خاطئة.

(5) الاستعداد الدائم للرَدّ العسكري المناسب

يرى الخبراء الأمريكيون أن الجيش الأمريكي أنجز مجموعة منْ الأدوار في اليمن والقرن الأفريقي. بالإضافة إلى تعقّبَ الكثير من الإرهابيين Terrorist وأسرهم وقتلهم. ويَشْتركُّ، الجيش مع الدول المضيفة في العمل على تحسين قدرتها  Capacityعلى مُرَاقَبَة النشاط الإرهابي واحتوائه، ويسهم في مشروعات التنمية في المنطقة. ولعل التأخر عن الحضور المناسب في المنطقة مرده إلى التخطيط لغَزْو العراق، فضلاً عن دخول قوات أمريكية إلى أفغانستان، فالجيش الأمريكي لَمْ يُردْ فتح مُوَاجَهَة أمامية ثالثة في شرق أفريقيا. وهو الأمر الذي يفسر تأخر عمل القوّة المشتركة المشتركة في القرن الأفريقي The Combined Joint Task Force Horn of Africa (CJTF-HOA)  حتى عام 2002، من أجل مواجههَ الإرهابيين مباشرة هناك، ولمُسَاعَدَة دول المنطقة في التعامل مع الإرهابيين، ولمُسَاعَدَة البلدان المضيّفة في السيطرة على المساحات والفضاءات غير المسيطر عليها من جانب حكوماتها، خصوصاً المناطق الحدودية والأشرطة الساحلية.

وعلى سبيل المثال فإن حوالي 1400 فرد تقريباً من الأمريكيين يُشرفونَ على المناطق المحيطة بكل من كينيا، والصومال، والسودان، وإريتريا، وجيبوتي، واليمن، وإثيوبيا، والمياه الساحلية للبحر الأحمر، وخليج عدن، والمحيط الهندي. ويتمركز مقرّ هذه القوة في جيبوتي، بسبب موقعها على مضيق باب المندب، وعلى مشارف واحد من أهم طرق الملاحة البحرية في العالم والذي يعد من الأهداف المحتملة للنشاط الإرهابي.

ويرى الأمريكيون أنه في مستهل عمل القوة المشتركة للقرن الأفريقي The Combined Joint Task Force Horn of Africa (CJTF-HOA) ، كان هناك عدد يراوح بين ثلاثة إلى خمسة منظمين Terrorist Organizers  من الإرهابيين، وحوالي خمسة وعشرين داعمين لهم. وأنه بحلول عام 2004، فإن خمسة وستّين إرهابيا كَانَوا بين أسير أَو قتيل، وأن لجنةَ العمل الخاصة التابعة للقوة تَفْحصت عدد 550 فردَ آخرينَ وصنفتهم إرهابيين أَو داعمين محتملين لهم. وأن أغلب هؤلاء المشتبه بهم اعتقلوا Apprehended وحبسوا في البلدان المضيّفة بدلاً منْ نقلهم إلى الولايات المتّحدة. كما بَدأَت القوة المشتركة للقرن الأفريقي العَمَل داخل جيوش الدول المضيفة في المنطقة لتَحسين قدرتها لمحاربة الإرهاب في المناطق الأقلّ تقدماً وفوق وأسفل المناطق المتاخمة للسواحل.

وعلى سبيل المثال فإن القوات البحرية الكينية دُرّبتْ لتَعمَلُ بكفاءة أكبر في مراقبة السواحل، وعلى إجراءات الإيواء الملائمة. كما تلقت القوات اليمنية كلاً من المعدات اللازمة والتدريبات المناسبة لمُرَاقَبَة شريطه الساحلي، ودخلت كل من إثيوبيا وإريتريا في مشاريع تدريبية عسكرية. وتركز القوة المشتركة للقرن الأفريقي من وراء عملية تدريب الجيوش المحليّة إلى التأسيس لبنية تحتية قوية وفعالة، أكثر من مجرد امتلاكها للتكنولوجيا العسكرية المتقدّمة بدون التدريب على استعمالها عملياً، ومن ثَم فإن هناك هدفاً أساسياً للقوة المشتركة يتمثل في زيادة قدرة القوات المحلية وكفاءتها وإحلالها محل قوّات التحالف تدريجياً.

إن الإدراك والتحرك الأمريكي ينطلقان من حسبان أن منطقة القرن الأفريقي تعادل ثلثي حجم الولايات المتّحدة تقريبا، وأن أحد التحديات الكبرى في تلك المنطقة من العالم، هو تلك المناطق من الأراضي غير المسيطر عليها من جانب دول المنطقة، ولذلك تحاول القوة المشتركة التَرويج للاستقرار والأمن في الفراغات غير المَحْكُومة، خطوة أولى نحو بذل مزيد من الاهتمام بقضايا النمو الاقتصادي والتنمية الوطنية. وأنه في المنطقة أيضاً بَعْض المراكز المأهولة بالسكان Populated، لكن هذا الوضع ليس في كل دول المنطقة فمُعظمها عكس ذلك، وأن السكان في هذه المناطقَ متناثرين في أغلب الأحيان في مناطق شتى وتَرْبطُهم علاقات وانتماءات قوية بالمجموعات العرقية المحليّة، أَو بالجماعات الدينية بدلاً منْ ارتباطهم وانتمائهم القومي للدولة الوطنية.

ومن هنا -ومن منظور جغرافي- يجب الاهتمام بالبنية الأساسية Infrastructural كما يجب أن تعاد صياغة العلاقات الاقتصادية الداخلية لرَبْط الحدود والمناطق المهمشة بالعواصم الوطنية. بهدف زيادة قدرة الحكومات الوطنية على إحكام سيطرتها على تلك المناطق، وبأَنَّ تكون هذه المناطق مُتّحدةً بالدولة القومية، بدلاً منْ تصورات البعض بضرورة احتلالها.

إن القوة المشتركة للقرن الأفريقي تَعْملُ مَع الزعماء المحليّين لمُسَاعَدَتهم على تعرف منافعَ وجودها بينهم في مناطقهم لتَحسين ظروف التنمية والتطوير، والاهتمام بالبنية الأساسية؛ ليساعد ذلك على زيادة تدفق الفرص الاقتصادية. وعلى أية حال، يَبْقى هناك تحد أساس أمام بلدان المنطقة أنفسهم، وهو التَركيز على إحكام السيطرة على فراغاتهم غير المَحْكُومة، من خلال تَمْكين الحكومات الإقليمية للإنْجاز بمستوى وظيفي عالي منْ الثقة داخليا، ومن خلال التفاهم والتنسيق والتعاون المشترك إقليمياً. مع مراعاة أنه ربما يعيقهم في سبيل إنجاز ذلك مصادرَهم المحدودةَ، وقضاياهم الأكثرَ إلحّاحاً، مثل الأزمات الداخلية وحروب الحدود وغيرها.

ومع أن الحَلول في هذا الشأنّ سَتستغرقُ سَنَواتَ، وعلى الرغم منْ فداحة العقبات الظاهرة وذات الصلة بذلك، لكن يمكن إنجاز تلك المهمة في ظل علاقات التكيفً والشراكةَ بوصف ذلك أفضل طريق للتعامل معها. إن اهتمام القوة المشتركة للقرن الأفريقي بمشروعات التنمية المدنية في منطقة القرن الأفريقي لا ينبغي أن يتوقف عندها بمفردها، وإنما بالتعاون مع سفارات الولايات المتحدة والقوات العسكرية للدول المضيفة، وهذا العمل المشترك سيكون له  تأثير إيجابي. وترى القوة المشتركة للقرن الأفريقي أن جهودها يجب أن تكون على المدى القريب، وأنه على المدى البعيد يجب أن يسند الأمر المتعلق بالتنمية والمساعدة الإنسانية إلى المؤسسات والوكالات المدنية الأمريكية.

ب. التوظيف المناسب لإستراتيجية التدخل الاقتصادي 

يلاحظ أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الألفية الثالثة ليست انتقائية كسابق عهدها خلال حقبة الحرب الباردة، وإنما هي سياسة وإستراتيجية عامة تجاه أفريقيا بأسرها، كما أنها ليست انتقائية في جانب أو جوانب محددة من الأهداف والمصالح، وإنما هي منظومة مفتوحة من تلك الأهداف والمصالح، فهي وإن كان لها تركيز أو أولوية في التعامل مع منطقة القرن الأفريقي بمفهومه الكبير، إلا أن هذا يتداخل أيضا مع نظرتها المتكاملة عن أفريقيا شمال وجنوب الصحراء. 

وعلى سبيل المثال فإن تقريراً أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عام 1999 قد أكد أن النهج الاستقلالي الذي تتجه إليه دول شرق ووسط أفريقيا، وسعيها إلى إنشاء السوق الأفريقية المشتركة، سيؤثر على المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن الهدف الأمريكي هو إحداث تغيير سياسي سريع في المنطقة، وعلمنة الحكم في السودان ليرتبط مع دول البحيرات العظمى في إطار تحالف قوي يضم كلاً من أوغندا، وإثيوبيا، والكونجو الديمقراطية، والسودان الجديد، ومن ثم التحكم في منطقة حوض النيل، وإخضاع الدول الواقعة عليها للسياسيات الأمريكية.

وهو ما يعني أن ليست الدول الأفريقية فحسب هي المستهدفة من وراء السياسة الأمريكية الراهنة، وإنما ينصرف الأمر أيضاً إلى التكتلات الاقتصادية الإقليمية، وعلى رأسها الجماعة الاقتصادية الأفريقية، التي ربما كان السعي إلى تفريغها من محتواها والحد من فعاليتها، خصوصاً مع التأسيس للاتحاد الأفريقي، والذي لم تتضمن الاتفاقية المؤسسة له تحديداً واضحاً لعلاقة الاتحاد بتلك الجماعة، بل لم يرد ذكرها إلا من خلال الإشارة إلى أن الاتحاد يستهدف التعجيل بتحقيق أهدافها، أما ما عدا ذلك فقد كان هناك تغييب لها، ولو كان الأمر غير مقصود وأن الجماعة غير مستهدفة بهذا التغييب الصريح لأفسحت الاتفاقية مجالاً أمام توضيح الوضع القانوني للجماعة في ظل الاتحاد خصوصاً وأنه كان ينظر إليها بوصفها التنظيم الاقتصادي القاري، وطبيعة العلاقة المباشرة بينهما، لكن هذا لم يحدث. ومن ثَم فإن ما يسري على تلك الجماعة يسري على الجماعات الاقتصادية الفرعية(المنظمات الاقتصادية شبه الإقليمية) التي كان من المؤمل أن تعمل في كنف تلك الجماعة وتحت مظلتها.

وتتمثل الإستراتيجية الاقتصادية الأمريكية تجاه منطقة القرن الأفريقي في الآتي:

(1) توسيع قاعدة النفوذ الاقتصادي الأمريكي في القارة الأفريقية، وفي منطقة القرن الأفريقي، وخصوصاً في السودان وكينيا وإثيوبيا وأوغندا.

(2) استقطاب الدول الأفريقية ثقافيًا وسياسيًا وإعلاميًا لخدمة الأغراض الاقتصادية، وهو ما يحدث بالفعل في العديد من دول المنطقة مثل كينيا وإثيوبيا وجيبوتي وأوغندا.

(3) العمل على إحداث تغييرات اقتصادية وسياسية في دول منطقة القرن الأفريقي، وبما يتوافق ويخدم الأهداف والمصالح الأمريكية.

ويهدف هذا التوجه الأمريكي في النهاية إلى التعبير عن مدى الأهداف والمصالح الاقتصادية التي تركز عليها الولايات المتحدة وحجمها، والتي تراها لازمة وضرورية ليس لها وحدها، وإنما لصالح الدول الأفريقية أيضاً، ومنها  إقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة والدول الأفريقية عامة؛ على أن يكون ذلك مع بداية عام 2020، وأن يدعم ذلك إنشاء بنك لتمويل الصادرات والواردات بين الطرفين، وقد جاء ذلك في “وثيقة تنمية أفريقيا والفرص المتاحة ونهاية الاعتماد على الغير” التي صدرت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1996.

كما يهدف هذا التوجه أيضاً إلى تطويق التحركات الفرنسية والصينية، حيث يلاحظ أن الولايات المتحدة تحاول تطويق التحركات المنافسة؛ وذلك لتوسيع قاعدة الوجود الأمريكي في الأسواق الأفريقية، وهو ما اتضح بصوره جلية في سعي الولايات المتحدة الأمريكية لعقد مشاركة مع بعض دول المغرب العربي؛ وذلك لتطويق الدور الأوروبي في شمال أفريقيا وخاصة الدور الفرنسي، وكذلك لعرقلة محاولة الصين أن تجد موضع قدم في بعض دول منطقة القرن الأفريقي كالسودان مثلاً، كما تدعم الولايات المتحدة كل هذه الجهود أمنيًا من خلال مشاركتها في تدريب ما أطلق عليه قوات حفظ السلام في أفريقيا، ودعمها للمناورات العسكرية التي تجرى في هذا الإطار، وخاصة ما عرف بمناورات “جيد يامانا 1998” على الحدود المشتركة لكل من السنغال ومالي وموريتانيا.

  1. متطلبات التدخل الأمريكي في القارة الأفريقية

هناك العديد من الضرورات والمتطلبات الأمريكية التي تراها الولايات المتحدة مناسبة ولازمة قبل الإقدام على أية عملية من عمليات التدخل في منطقة القرن الأفريقي، وزاد إلحاحها وحرصها في هذا الشأن خصوصاً منذ أن بدأت تحركاتها الرامية لشن هجمات انتقامية في إطار حملتها العالمية في مواجهة ما تسميه الحرب على الإرهاب الدولي، ويتعين على الدول الأفريقية وخصوصاً تلك التي تبدي صداقة تجاهها، وتطمع في التحالف معها والحصول على دعمها، وبالتحديد في المناطق الرئيسة من القارة الأفريقية، أن تتجاوب وتتعاون معها، في أمور وحالات محددة ومتنوعة، ومن أهمها:

أ. المشاركة الكاملة للدول الأفريقية الصديقة في التحالف الأمريكي الدولي للحرب ضد الإرهاب.

ب. التعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية بتزويدها بالمعلومات المطلوبة كافة، وتسهيل مهام البعثات الاستخباراتية الخاصة الموفدة إليها.

ج. تشديد أنظمة أمن الحدود، وفرض مزيد من الرقابة لمراقبة التحركات والمنافذ.

د. التعاون في القبض على المشتبه فيهم الموجودين داخل البلاد الأفريقية، وتسليمهم للولايات المتحدة الأمريكية.

هـ. المشاركة الجادة في تعقب خلايا منظمات إرهابية ومتعاونين معها.

و. وضع بعض التيارات الأصولية التي لها “نوايا عدوانية” ضد الولايات المتحدة ومصالحها داخل عدد من الدول الأفريقية موضع ملاحظة أجهزة الاستخبارات، لمراقبة تحركاتها ونشاطاها واتصالاتها.

ومن المنظور الأمريكي، فإن منطقة القرن الأفريقي بصفة خاصة وشرق أفريقيا بصفة عامة، هي إحدى المناطق المتهمة بالإرهاب، أو المرشحة لأن تكون كذلك، في ظل إمكان لجوء الإرهابيين إليها وإيوائها لهم، وخاصة في كل من: جيبوتي، إريتريا، أثيوبيا، الصومال، السودان، كينيا، وغيرها. ويرجع السبب في ذلك حسب الزعم الأمريكي إلى أنها منطقة خصبة لتنامي الإرهاب بها، كما أن بها صراعات كثيرة تساعد على تورط الإرهاب فيها0 كما أنها منطقة تقع على طريق الأساطيل الأمريكية الذاهبة للخليج، ومن ثم يكون وجود الإرهابيين في تلك الدول مناسبة لمحاولة النيل من مظاهر الوجود الأمريكي في المنطقة. ومن أهم مظاهر وأدوات الحركة  الأمريكية لمقاومة الإرهاب في المنطقة، ما يلى:

  • تخصيص 100 مليون دولار لعمليات مقاومة الإرهاب.
  • بناء بعض القواعد العسكرية، وقد بدأت بجيبوتي في أوائل 2003، حيث سمح رئيسها عمر جيله بناء قاعدة أمريكية كامب ليمونيه (900 جندي) بهدف مقاومة الإرهاب، هذا إضافة إلى التسهيلات المقدمة في كينيا وإثيوبيا وغيرها.
  1. 3.إعطاءأولوية لمحاربة الإرهاب العالمي في أفريقيا

أ. الترويج لمحاربة الإرهاب العالمي في منطقة القرن الأفريقي

من التوصياتَ التي يحرص الخبراءَ الأمريكيون على الترويج لها لمحاربة الإرهاب في منطقة القرن الأفريقي والمناطق المجاورة لها، ما يلي:

(1) أن اليمن والبلدان في القرن الأفريقي تُشكّلُ منطقة للإرهاب، وينبغي أن ترتبط سياسة مكافحة الإرهاب بهذه المنطقة ارتباطاً وثيقاً؛ بحيث تنبع من المنطقة وتطبق فيها ويكون ذلك مسؤولية كلة دولة من دولها.

(2) أن الجهد المبذول في محاربة الإرهاب في القرن الأفريقي واليمن يجب أن يكون جهداً متصلاً متواصلاًعلى مدى طويل، وليس كما هو الآن محدوداً وقصير المدى.

(3) التفاعل الجاد والضروري مع أية رؤية فعّالة ومتماسكة، تكون قادرة على ضم أطراف ودول إلى جانب الدبلوماسية الأمريكية ومبادرات الأمن.

(4) أن الفاقة، وعدم الرضا، واليأس ليست الأسباب المباشرة للإرهاب، لكنها تقدم البيئةً المناسبة لتنشئة الإرهابيين، كما تساعد على إمكان تجنيّدهم، والترويج للإرهاب؛ ولذلك فإن على المؤسسات والوكالات المدنية الأمريكية أَنْ تُركّزَ على تَقْوية  الحكومات، وتحسين شرعيتها داخل دول المنطقة، والمساعدة في عملية إعادة البناء للمؤسسات وللبنى التحتية، والمساعدة في خْلقُ الوظائفَ، وتطوير التعليم ، ومحاولة تشجيع الحكومات على ضرورة الأخذ بحكم القانون في البلدان في المنطقة.

(5) أنه على الولايات المتّحدة والحكومات المحليّة أَنْ يعملا سويا وبتنسيق وتعاون مشترك من أجل استمالة الجماعات الإسلامية في أنحاء المنطقة كافة، وأن يسعيا من أجل الحد من عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين السكان المسلمين وغير المسلمين، وخاصة في كل من إثيوبيا، وإريتريا، وكينيا، وأوغندا حيث تحكم في تلك الدول حكومات لا يُسيطر عليها مسلمون.

(6) العمل من أجل مساعدة إثيوبيا وإريتريا على حَلّ خلافهما الحدودي ووضع نهاية للحرب بينهما.

(7) من الضروري السيطرة على تدفقَ الأسلحة الخفيفة داخل المنطقة، وكذلك مُراقبة حظرَ التسلح على الصومال، ومواصلة فرض المقاطعةَ على انتقال الأسلحة إلى السودان.

(8) ضرورة مواصلة الجُهود العسكرية الأمريكية وتشجيعها، وأن يكون ذلك بقدر من التنظّيم والتنسيق داخل منطقة القرن الأفريقي. كما يجب على الولايات المتّحدة الأمريكية أَنْ تُواصلَ دَعْم أمن دول المنطقة وتقويته وتحفيزها على مكافحة الإرهاب وكذلك تُشجّيعُ التعاون الإقليمي  Transregionalفي هذا الشأن.

(9) أهمية تَحسين مقدرة أفراد المخابرات الأمريكية، على التحليل، وصنع السياسة بكفاءة، فعلى الموظفين الأمريكيين أنْ يتعلموا اللغات، وأن يكونوا على دراية ومعرفة كافية بالتاريخ، والأديان، والثقافات، وبشعوب هذه المنطقة.

ويلاحظ أن الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن -وهي بصدد التعامل مع الملف الأفريقي ووضع الإستراتيجية المناسبة لهذا الغرض- وجدت أنها ليس بإمكانها تحقيق أهدافَها ومصالحها في أفريقيا بدون إستراتيجية عسكرية أمريكية، والمطلوب من تلك الإستراتيجية ما يلي:

ب. التحرك لزيادة الجهود لاتخاذ التدابير الأمنية المتعلقة بمخاطر الإرهاب

تحركت إدارة بوش على أساس أن عليها أَنْ تَزيدَ جُهودَها لتَنسيق التدابير الأمنية المتعلقة بمخاطر الإرهاب في البلدان الأفريقية. وأن على الولايات المتّحدة الأمريكية أيضاً أَنْ تكون مستعدة دوماً لاتخاذ الإجراءات الوقائية، لا سيما أن بعض مصادر الاستخبارات الأمريكية تُشيرُ إلى إمكان قيام الجماعات الإرهابية بالإعداد لاستعمال أسلحة الدمار الشامل. وأنَّ مثل هذا التهديد الإرهابي، يتطلب ضرورة ضربات إجهاضية معللة بسبب الدفاع عن النّفسَ.

ج. الاستعداد للتَدَخُّل المباشر لحماية المصالح الأمريكية

في إطار حماية الأهداف والمصالح الأمريكية يرى الأمريكيون أن الولايات المتحدة الأمريكية أنْ لا تخشى استخدام قواتها بحسم في حالة تهديد مصالحها الوطنية الحيوية، ومن الناحية الأخرى، وحتى إذا لم تكن المصالح الأمريكية الحيوية مهدّدة بالضياع، فالولايات المتّحدة يَجبُ عليها أَنْ تَكُونَ حذرةَ، وأن لا تتوانى أبداً عن تقديم المساعدات العسكرية إلى دول المنطقة ليس فقط من أجل الحيلولة دون حدوث الإبادة الجماعية، بل التحرك من أجل منعها.

لقد كَانتْ الولايات المتّحدة راضيةَ رضى كبيراً عن الدور الذي تقوم به في أفريقيا في عقد التسعينيات من القرن الماضي،. باستثناء التدخّل الأمريكي في الصومال، وعلى الرغم من أن هذا التدخّلَ كان الوحيد الذي يتسم بالأهمية على مستوى القارة في ذلك العقد. إلا أن النتائج السيئة المتمخضة عنها العملية العسكرية الأمريكية في مقديشيو أضعفتْ عزيمةَ إدارة كلينتون عن القيام بدور أكثر فاعلية.

د. حث دول المنطقة لضمان مشاركتها في محاربة الإرهاب

يتم التركيز في هذا الشأن على ما يلي:

(1) تنبيه دول المنطقة لمخاطر وتهديدات الإرهاب الدولي

يرى بعض من الخبراءَ الأمريكيين أنّه على الرغم من أن تزايد النشاط الإرهابي ممكن بدرجة كبيرة في المنطقة، إلا أنه من الصعب التسليم بوجود “معاقلَ” للإرهاب في البلدان المعنية. ويرى البعض أن الذي يَفتقرُ إليه في القرن هو الحافزُ والدافع للاقتناع بمواجهة الإرهاب، وكذلك قوة الإطار الأيديولوجي بين الإسلاميين وخصوصا في حشد وتعبئة الكثيرين من المواطنين في دول المنطقة ليَكُونوا مجاهدينَ قادمَين. وفي مناطق تتسم بضعف أنظمة الحكم وإمكان وجود نشاط جيد لمهربي الأسلحة Gunrunners، وتزايد أعداد الإرهابيين (سواء كانوا أجانب أو أصليين).

وفي ظل أعمال التهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي..، لبعض الشرائح المجتمعية في تلك الدول فإن المشاهد على ضوء هذا الواقع التنامي لأعمال التمرّد المحليّة على جميع صور الحياة الداخلية، وتوافر الحافز والدافع للانخراط في أية نشاطات، ومن ثَم فإن إساءة فهم هؤلاء وتوظيفهم بطرق مناسبة، يؤدي إلى تزايد إمْكان أَنْ يُصبح هؤلاء قاطراتَ للإرهاب الدولي، وإن كان الأمر لم يصل بعد إلى هذا الحد حتى الوقت الراهن.

وبناء على هذا فإن مستويات التهديدَ يجب تناولها والتعامل معها آنياً، وبوضوح ومن خلال الطرق المختلفة، وبدون فَصْل الأهداف قصيرة الأمد وطويلة المدى، ويتطلب هذا مراجعة داخل النظام السياسي الأمريكي بسبب الميول المتأصّلة فيه، وبسبب السياسات التي تنتهج، والقرارات التي تتخذ وتعطي انطباعاً بالامتعاض لدى الكثير من الجماعات التي ترى ضرورة الضغط على هذا النظام من أجل تفهم مطالبهم.

من ناحية أخرى على الولايات المتّحدة الأمريكية أَنْ تَدرك أنّ بَعْض البلدان في المنطقة تُحاولُ محاربة التهديدات الإرهابية الداخلية الموجهة إليها هي ذاتها، وتحاول استغلال التوجه الدولي الرامي لمحاربة الإرهاب للتورط في أعمال قمع داخلية للمعارضين والمناوئين لها. ومن ذلك على سبيل موقف رئيس الوزراء الأثيوبي ميليس زيناوي  Meles Zenawiالذي أعلن منذ البداية انضمامه إلى جانب الولايات المتّحدة في الحرب على الإرهاب، معللاً ذلك بأن إثيوبيا ظلت لسنوات عديدة ضحية لهذا الإرهاب. وهو أمر يعني توظيف البلدان لحملة محاربة التهديدات الإرهابية العالمية واسَتعمالُها ذريعة لتَنفيذ جداول أعمال ترتبط بالقمع الداخلي؛ ولذلك فإن على الولايات المتّحدة الأمريكية أَنْ تَتعاونَ مع الجُهود المحليّة لتلك الدول، ولكن مع مراعاة عدم التورط في محاولات الابتزاز والمقايضة الذي يمكن أن تلجأ إليه بعض الدول في هذا الشأن.

(2) تقديم المساعدات العسكرية لزيادة فاعلية الدول على مواجهة الإرهاب

(أ) المساعدة والدعم العسكريً خلال مرحلة المواجهة

في هذا الشأن يركز الإستراتيجيون الأمريكيون على أن الدور الأكثر ملاءمة للقوات الأمريكية في حالة ضرورة التدخّل في أفريقيا، أن يكون مستنداً بدرجة أساسية على تقديم الدعم المناسب من جانب جيوش الدول الأفريقية على المستوى الإقليمي، بما في ذلك الإمدادات وتسهيلات النقل الجوي والبحري؛ والاستخبارات المتقدّمة، والمراقبة، وعمليات الاستطلاع؛ والاتصالات؛ وربما بَعْض الأصول لحماية القوة المتدخلة. فعلى سبيل المثال، في عام 1999، احتاج الأمريكيون إلى الدعم اللوجستي للتدخّل الدولي في تيمور الشرقية. ومن ثم فإن نموذج تيمور الشرقية يَجبُ أَنْ يَعْملَ به نموذجاً لأية قوات أمريكية يُمْكنُ أَنْ تتدخل بفائدة وبفعالية لدَعْم العمليات الإنسانية الحيوية. مع مراعاة أن الاستعمال الواسع النطاق للقوات المقاتلة الأمريكية في أفريقيا لَيسَ مرغوباً فيه على إطلاقه. وإنما ينبغي توظيف القوّات المُسَلَّحةَ لتَلْبية مطالب الحرب العالمية على الإرهاب.

وعلى الولايات المتّحدة الأمريكية في هذا الشأن أَنْ تَقيسَ دورَها بعناية في عمليات صنع السلام، فمثل هذه العمليات يمكن أن تورط الولايات المتّحدةَ في النزاعات التي تَتطلّبُ مصادر وإمدادات عسكريةَ كبيرةَ. ومن ثَم فإن على الولايات المتّحدة أيضاً أَنْ تدخر قواتَها لمهمات القوة العظمى العالمية التي لا يكون عندها سوى القوَّة العسكرية القادرة على القيام بذلك، وبناءً على ذلك فيجبُ على الولايات المتّحدة أَنْ تحدد وتقدم مساعدتَها العسكريةَ لأفريقيا بطريقة أفضل تعْكسُ حاجاتَ أفريقيا، بما يساعد على سد الثغرات والفجوات في قدرات جيوش الدول المعنية بالاهتمام الأمريكي، والقادرة على مساعدة الولايات المتحدة في مساعيها من أجل تحقيق أهدافها ورعاية مصالحها، ووضع سياساتها موضع التنفيذ الفعلي كلما كانت هناك ضرورة تستدعي ذلك.

(ب) تقديم المساعدات العسكرية  للدول الموالية للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة

يرى الخبراء الأمريكيون أن أفضل طريق للولايات المتّحدة لمَنْع إبادة ملايين الأفريقيين هو منع حملاتَ الإبادةَ عن طريق كبح التهديدات والصراعات الخطيرة قَبْلَ أَنْ تصبح جدّيةَ. والذي يساعد بطريقة عملية في هذا الشأن هو مُسَاعَدَة الدول الأفريقية، ومنها كينيا وإثيوبيا وجيبوتي وأوغندا على أَنْ تُصبحَ أعضاء أكثرَ إنتاجاً في نطاق الأسرة العالمية. وتقديم المُسَاعَدَة لاعتماد تطوير الجيوش الأفريقية هو من الأمور الضرورية، وهو منْ الأهمية بمكان للولايات المتحدة الأمريكية لمساعدتها على تَحسين قدرتها على التدخل لإيقاْف الإبادة الجماعية، والتعاملُ مع الأزمات الإنسانية، ومُكافحة الإرهاب.

  1. ضمان مشاركة المؤسسات الوطنية والإقليمية في الحملة على الإرهاب

أ. ضمان مشاركة  المؤسسات الوطنية في الحملة العالمية على الإرهاب

في التصور الأمريكي، وتحديداً في إطار التعامل مع الحرب على الإرهاب، فإنه لا يجب على الجيشَ أن يتصدى وحده أو أَنْ يَأْخذَ مركز الصدارة في التصدي لها، بل على العكس من ذلك فإن جهود المؤسسات والوكالات المدنية وعملياتها يمكن أن تكون أفضل تجهيزاً وقبولاً في تقديم الدعم على المدى الأطول أجلاً للمجتمع المدني داخل دول المنطقة. وتجدر الإشارة أنه في يناير 2005 تشكلت لجنة استشارية كبيرة تابعة لوزير الدفاع الأمريكي -في ذلك الحين- دونالد رامسفيلد وقد خرجت تلك اللجنة بتوصية مماثلة، حيث حَثت على ضرورة التوسّع وأهميته منْ جانب وزارة الخارجية في التعامل مع التحديات الدبلوماسية، من أجل بناء واقع جديد وبناء في تلك المنطقة، وأنه ليس بالإمكان أنْ تتحمل وزارة الدفاع الأمريكية تلك التحديات بمفردها.

إذن فبالإضافة إلى الجُهودَ العسكريةَ في المنطقة، هناك تأكيدات من جانب الخبراء والمستشارين بأن دوراً أكبر يَجبُ أَنْ يسند لوزارة الخارجية ووكالات أخرى، من أجل تَحسين العلاقات وأساليب التعامل مع الدول في المنطقة ومع أنظمتها الحاكمة وتطويرها، بما في ذلك تطوير نظم الحكم، والبنى التحتية، والخدمات الصحية، والتعليم. ومع مراعاة ضرورة تأكيد عدم الوقوف فقط عند بناء الطرق، والعيادات، والمَدارس، لكن على ضرورة تَبنّي تلك الدول للمؤسسات وللممارسات الديمقراطية وأن تدرب الجماعات المحليةَ على تَطبيق الحكم الجيد وعلى الالتزام بتقديم الخدمات الاجتماعية، وهو ما يعني أن الأمر لا ينصرف إلى اتجاه بناء المَدارس وغيرها من المرافق فحسب، ولكن إلى بناء العقيدةَ التي تَترافق مع إعادة البناء المادي لمجتمعات تلك الدول. وهو ما يتطلب على سبيل المثال إعداد المعلّم وتأهيل المَدارس لتكون بديلاً عالمياً وعلمانياً وفعّالاً في مجال قطاع التعليم، ومن هنا فإن أي إسهام أو مشاركة من جانب الولايات المتّحدة والحكومات المحليّة يَجبُ أَنْ يكون في هذا السياق، ولمواجهة الدور المتنامي للمنظمات الخيرية الوهابية في مدارس العديد من تلك الدول.

ومن ناحية أخرى فإن إضفاء الديمقراطية على أنظمة تلك الدول وإن كان أمرا مرغوباً فيه وضرورياً بوصفه ناحية تطوير إيجابية في إطار عملية إعادة البناء والتأهيل، لَكنَّ يجب أنْ يُقدّمَ ذلك الطرح بديلاً موثوقاً به في نجاعته، ومقترناً بضرورة إحداث نمو اقتصادي حقيقي في دول المنطقة والإعلاء من شأن مواطنيها ومكانتهم وتحسين مستوياتهم المعيشية.

ومن ثَم فإن تَحفيز النمو الاقتصادي سيساعد بدرجة أساسية في تخفيض حدة الاستياء العام بين كثير من القطاعات المجتمعية بخاصة، كما يساعد في إعادة البناء بعامة، ومن ثَم فإن البرامج والسياسات المعتمدة يَجبُ أَنْ تَعطى الأولوية وأن تمنح الفرصةَ لقابلية الحركة accelerate خارج نطاق الفاقة. وعلى الولايات المتّحدة الأمريكية أَنْ تُروّجَ للسياسات التي تُشجّعُ على نمو التوظيف، وتخفّيضُ عددَ الشباب العاطلين والساخطين وإتاحة المجالات أمامهم من أجل حرية التعبير، كما يجب على الولايات المتحدة أن تأخذ في الحسبان أنه في الوقت الذي تعاني فيه دول المنطقةُ عُموماً منْ الفاقة البالغة، فإن عدمَ التكافؤ بين أوضاع المسلمين وغير المسلمين في بَعْض تلك البلدان يعد من الأخطار الحقيقية على المدى البعيد، حيث ينجم عنه حالة من حالات عدم الرضا مع إمكان تصاعد ردود الفعل العَنيفة. ومن ثَم فإن الدول شركاء الولايات المتّحدة في المنطقة يَجبُ عليها أَنْ تَعْملَ من أجل الحد من الخلل في المساواة الاجتماعية والاقتصادية بغض النظر عن كون السكان مسلمين وغير مسلمين.

ب. ضمان مشاركة  المؤسسات الإقليمية في الحملة العالمية على الإرهاب

إن هناك حاجة للتنسيقَ بسرعة بين الوكالات الأمريكية العسكرية والمدنية، بالإضافة إلى التعاون الكامل مع جموع المواطنين والشركاء الدوليين المحتملين، بما في ذلك البلدان في المنطقة، والأُمم المتّحدة، والإتحاد الأوربي، والإتحاد الأفريقي، والبلدان على المستوى الدولي فرادى وجماعات، والمنظمات غير الحكومية.

والمنطلق أن يكون هناك شراكة حقيقية، بوصفها ضرورة من أجل النَجاح، مع مراعاة عدم إمكان نجاح الجُهود في هذا الخصوص بدون تحسين فعلي لقدرة البلدان في المنطقة على التعامل مع التهديدات الإرهابية، وذلك خلال الوجود العسكري وتشديد وسائل المُرَاقَبَة وتنويعها للأوضاع في المنطقة، ومن خلال تَزويد دول المنطقة بأنظمة حكم أفضل، ومن خلال المُسَاعَدَة من أجل توليد فرص اقتصادية أنفع. وما يدفع إلى ذلك أن الولايات المتّحدة الأمريكية وشركاءها لا يَستطيعونَ تَحَمُّل غَزْو كُلّ البلاد التي يُخشى من كونها تشكل تهديدا إرهابيا لها. وطالما أنها حرب عالمية على الإرهاب، فإن على الولايات المتّحدة وشركائها أَنْ يَتعاونوا مع الجماعات المحلية ويَستثمروا في القدرة الإقليمية في المستويات المدنية والدبلوماسية والعسكرية.

  1. تدعيم قوة التدخّل الأفريقية والتنسيق مع المناطق الأخرى

تحركت إدارة بوش للَعْملَ مباشرةً وبالتنسيق مع الحكومة البريطانية للاستفادة من جُهودها وتاريخها في أفريقيا، خصوصاً وأن لَها خبرة طويلة في مجالات التدخّل، وللمُسَاعَدَة أيضاً على تَكوين القوة الأفريقية وتدريبها تلك التي يُمْكنُ أَنْ تَتدخّلَ في حالات الأزمات داخل القارة الأفريقية. وأنه يمكن للولايات المتّحدة أَنْ تُشجّعَ دولاً أفريقيةَ مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا لمُوَاجَهَة أعباء حفظ السلام في القارة، مع ملاحظة أن جهود الدولتين اصطدمت بَتضاربُ القرارات والسياسات، ومن ثم أنماط السلوك والممارسات ذات الصلة بالماضي، كما أن العديد منْ جُهودهما كَانتْ محبطة، ومعوّقَة بالأجهزة السيّئة، ونقص المصادر والإمكانات، وافتقاد القدرة على السيطرة[1].

ولذلك فإنّ التصور الأمريكي في الوقت الراهن يتمثل في إعادة المراجعة والتقييم الدقيق والموضوعي لهذا الوضع، وبذل المزيد من المساعي والجهود من أجل نجاح إستراتيجيتها في هذا الشأن، واعتمادا على هؤلاء بحسبانهم حلفاء يمكن الاعتماد عليهم والوثوق في جهودهم وثقلهم داخل القارة الأفريقية.

ويلاحظ في ظل هذا التوجه التركيز على أن أفريقيا لديها قوة بشريةُ عسكريةُ كبيرة لمُقَابَلَة احتياجاتها الأمنية بل وتفوق تلك الاحتياجات. وأن المشكل في الوقت الراهن يتمثل في أنّ القوات الحالية ذات تدريب سيئ وهي فاسدة في أغلب الأحيان، وهي تَميلُ إلى مُهَاجَمَة البلدان المجاورة بدلاً منْ مُسَاعَدَتهم. ومن ثم فإن الولايات المتّحدة يُمْكنُ أَنْ تعتمد اعتماداً أفضل على مُسَاعَدَة الحلفاء الأفريقيين للحُصُول على دعمهم العسكري في إطار من التنسيق والتنظيم وباستخدام وسائل جديدة. ومن تلك الوسائل تُزوّيدُ البلدانَ الأفريقية بأساليب الإنذار المبكر وأجهزته والمعونات التقنية، بالإضافة إلى تزويدهم بنظم التربية العسكرية الدوليةً وتقديم المنح الَتدرّيبية في الولايات المتّحدة الأمريكية.

إن هذا التحدي وإن كان سَيَستغرقُ العديد منْ السَنَوات، لكن تأثيراته ونتائجه في النهاية ستكون أفضل من سلسلة التدخّلات المباشرة في مناطق الأزمات المختلفة. وأن سياسة الولايات المتّحدةَ العسكريةَ المتعلقة بأفريقيا(وفقاً للأمريكيين) تتطلب مزيداً من المراجعة والاهتمام. ومن ثم فإن أية قيادة موحّدة فرعية لأفريقيا ينبغي أن تمنح الجيشَ الأمريكي آليةَ للقيام بمهمات عملية في القارة، وأن تُخفّضُ في الوقت ذاته من إمكان التدخل الأمريكي المباشر إلا عند الضرورة.

ثالثاً: علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول الحليفة في أفريقيا

إن تزايد الاهتمام الأمريكي بالقارة الأفريقية، وفي الواقع الفعلي، ربما مرده إلى كون هذه الأخيرة مصدراً رئيساً للمواد الخام والموارد الطبيعية، إلى جانب كونها سوقاً استهلاكية هائلة ـ كما سبق الإشارة من قبل ـ حتى إن الإدارة الأمريكية الحالية ـ إدارة بوش الابن ـ صارت تتحدث عن ” النظام الأفريقي الجديد ” وفقاً للمواصفات الأمريكية، حيث تريد أمريكا ربط أفريقيا بها، وتخلي هذه الأخيرة عن ارتباطاتها السابقة والتاريخية، لكن المأزق الذي يواجهه المسؤولون الأمريكيون هو طبيعة الصراعات الداخلية وحدتها وتعقيدها، فتجربة الصومال كانت درساً قاسياً للأمريكيين يجعلهم يفكرون ملياً قبل الإقدام على ما يسمى بالتدخل العسكري المباشر في شؤون القارة، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية غالبا ما تريد ضمان وجودها بدون مغامرات عسكرية ولا خسائر بشرية، وتكتفي واشنطن في الوقت الحاضر باستعدادها لتدريب قوات أفريقية من داخل القارة للقيام بمهام حفظ السلام و إعدادها لإدارة الأزمات . وهكذا انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ المشروع الفرنسي – البريطاني في “خلق قوة سلام أفريقية” واحتواء هذا المشروع واستقطابه.

ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن السياسات والممارسات الأمريكية، أخذت طابعا استراتيجياً عاماً، يحكم منطقة القرن الأفريقي بأسرها وفقا للتصور الذي سبقت الإشارة إليه، فضلاً مجموعة من السياسات والإستراتيجيات الفرعية في التعامل مع دول المنطقة، والتي تظهر درجة ما من الإصرار على تدخلات أمريكية صريحة في شؤون دول المنطقة. ولتعزيز الوجود العسكري الأمريكي فيها، حيث يكون التحرك عبر عدة محاور في مجال التعاون العسكري الأمريكي الأفريقي والتي تشمل “اتفاقيات – برامج – مبادرات” وهى غالباً ما تدور حول دعم قدرات بعض الجيوش الأفريقية، وتأهيلها لعمليات حفظ السلام، والإسهام في نشر القيم والمبادئ الأمريكية مع السماح بوجود دوري للقوات الأمريكية بدول القارة، وعقد اتفاقات للتعاون الأمني وتبادل المعلومات مع كل دول القرن الأفريقي.

رابعاً: علاقات الولايات المتحدة مع الدول المناوئة لها في أفريقيا

لا تقتصر أهمية القرن الأفريقي على حسابات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، خاصة النفط الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في السودان، وهو ما يعد أحد أسباب سعى واشنطن تحديداً لإيجاد حل لقضية الجنوب. وكذلك في الصومال. ولعل أحد تفسيرات تدخل واشنطن في الأزمة الصومالية هو بداية ظهور النفط في الأراضي الصومالية ، إضافة لسيطرة المحاكم الإسلامية على معظم الأراضي الصومالية، وما تتردد عن وجود علاقات لها بتنظيم القاعدة، الأمر الذي دفعها لإعطاء الضوء الأخضر في فبراير 2007 لإثيوبيا لاجتياح الصومال. وكذلك لأن القرن الأفريقي يحتل موقعاً مهما في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية؛ فهو يأتي من بين أربع مناطق كانت تدخل في نطاق اهتمام القيادة المركزية الأمريكية قبل أن تحل محلها القيادة الجديدة التي ستكون مسؤولة عن الأمن في القارة.

إن التصور العام لصانعي ومتخذي القرار والسياسة الأمريكيين أن الأوضاع في كل من الصومال والسودان تمثل تهديداً حالياً ومستقبلياً للمصالح الأمريكية في المنطقة، ومن ثم فهما في منزلة الدولتَين المناوئتَين للولايات المتحدة الأمريكية، وتعاملت مع كل منهما، بإستراتيجية ووفقاً لسياسات ولممارسات تتناسب مع ظروف كل منها وأوضاعها، وقد اعتمدت في هذا الصدد على حلفائها في المنطقة، من خلال أدوار ومهام محددة، يجري التنسيق المسبق بشأنها، كما يجري توظيف القدرات العسكرية والأمنية المشتركة من أجل نجاح الأهداف الموضوعة، ويلاحظ أن الحشد الأمريكي في هذا الشأن لم يتوقف على الحلفاء الإقليميين أو حتى الدوليين فحسب وإنما ذهب إلى أبعد من ذلك إلى اختراق الجبهات الوطنية داخل الدولتَين، ومن ثم أصبح للولايات المتحدة حلفاء محليين لا تقل أدوارهم وخدماتهم عن الحلفاء الآخرين

خامساً: معوقات إستراتيجية لسياسة الولايات المتحدة في أفريقيا

لقد واكب إستراتيجية التدخل الأمريكي في القارة الأفريقية العديد من التحديات والتهديدات المحتملة لها، ومن ثم فإن الأمر لا يبدو سهلاً بالنسبة للولايات المتحدة؛ فثمة عوائق قد تحول دون مضى الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في طريقها، أبرزها ما يلي:

  1. يواجه البعد العسكري في هذه الإستراتيجية تحديات كبيرة، فإن في عدم القدرة على القضاء على المقاومة العراقية وأيضاً المقاومة الأفغانية درساً للقوات الأمريكية في التدخل العسكري، ويدفعها للمزيد من الحرص والحذرعند أية فكرة للتدخل من جديد في القارة.
  2. يمثل النفوذ الفرنسي في عشرين دولة أفريقية فرنكفونية عائقاً أمام الولايات المتحدة؛ فباريس ذاتها بدأت في تعديل سياستها التي خسرت بسببها كثيراً في أفريقيا؛ حيث ألغت الشروط السياسية للمعونات، واستبدلت بها شروط المصلحة؛ كما رفعت مساعداتها لأفريقيا إلى ما يزيد عن 0.7% من دخلها القومي بدون ربطها بالديمقراطية.
  3. استمرار عدم الاستقرار في أفريقيا يصعب من تطبيق الإستراتيجية الأمريكية، فأفريقيا مثقلة بالديون والفقر والمرض، كما أن الصراعات السياسية والعرقية ما زالت موجودة بدول القارة، حتى الذي خمد منها يصعب ضمان عدم تصاعده من جديد. يضاف إلى ذلك الرأي العام الأفريقي المناهض للولايات المتحدة في كثير من دول القارة، ويكفي الإشارة إلى المظاهرات التي خرجت في كينيا وتنزانيا والكاميرون لتعبر عن غضبها من الغزو الأمريكي للعراق.
  4. أن قتل ثمانية عشر جندياً أمريكياً من قوات البحرية الأمريكية (المارينز) في الصومال، والتمثيل بجثثهم في شوارع مقديشيو لا يزال عالقاً في أذهان الرأي العام الأمريكي. ومن ثم فإن مجرد وجود إستراتيجية أمريكية لا يعنى ضمان نجاحها نجاحاً كاملاً والدليل على ذلك ما حدث في كل من العراق وأفغانستان وعدم القدرة على حسم الموقف العسكري بهما.

ويرى كثير من المحللين أن فشل التدخل الأمريكي في الصومال قد أعاد إلى أذهان الساسة والشعب في الولايات المتحدة ذكرى حرب فيتنام، وأدى إلى ترسخ الاعتقاد بعدم وجوب تدخل الولايات المتحدة مستقبلاً في أي عملية لحفظ السلم في أفريقيا، وخاصة العمليات التي تعتمد على القوات البرية، نظراً لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جمة، وفي هذا الإطار أصدر الرئيس كلينتون القرار الرئاسي الرقم 25 في مايو 1994، والذي حظر استخدام القوات البرية الأمريكية خارج البلاد، كما أدى إلى تخفيض حاد في الميزانية الأمريكية المخصصة لعمليات حفظ السلم. ومن جهة أخرى دفعت الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة لإقرار تقييد عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلم وضبطها في المستقبل، خاصة بعد أن حملت الولايات المتحدة المنظمة الدولية مسؤولية الإخفاق في الصومال، حيث وضعت الولايات المتحدة شروطاً لدعم عمليات حفظ السلم في المستقبل ومنها:

أ. أن يكون هناك تقدير مسبق لمدة العملية.

ب. أن تكون العملية موجهة ضد تهديد حقيقي للسلم العالمي.

ج. أن تكون ذات ميزانية دقيقة.

ورغم الانتقادات والتحفظات التي أثيرت حول الاقتراح الأمريكي، فقد عزمت الولايات المتحدة على تنفيذ اقتراحها، حيث أرسلت 120 خبيراً عسكرياً إلى أوغندا في يوليه 1997، وذلك في إطار برنامج لتدريب قوات الدول الأفريقية على عمليات التدخل في الأزمات، وذلك بتكلفة تقدر بنحو 15 مليون دولار. كما أرسلت 120 خبيراً عسكرياً إلى السنغال، لتدريب 750 جندياً سنغالياً على المهارات اللازمة لحفظ السلم والعمليات الإنسانية، وذلك بتكلفة تقدر بنحو 15 مليون دولار أيضاً. وقد تأكدت الرغبة الأمريكية في إنشاء قوة أفريقية لحفظ السلم الإقليمي بصفة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، ومن ثم، خصصت الولايات المتحدة 15 مليون دولار لصالح مبادرة مواجهة الأزمات الأفريقية في ميزانياتها القومية لعام 2002. كما شاركت القوات الأمريكية في تدريبات عسكرية مشتركة مع كينيا في المنطقة الساحلية.

لقد عدت الولايات المتّحدةَ القرن الأفريقي، ولأكثر من عقد من الزمان، مصدرا رئيسا للإرهاب العالمي. وعندما استولت الجبهة الإسلامية القومية على السلطة في السودان في 1989 ووضعت مشروعها المتمثل في إقامة الدولة الإسلامية، فإنها شجعت بذلك الجماعات الإسلامية الأصولية حَول العَالَم. ووفقا للزعم الأمريكي فإن السودان مَثَّل بوضوح ملجأً آمناً للإرهابيين بما في ذلك أسامة بن لادن والقاعدة خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو الأمر الذي لفت الانتباه إلى المخاطر الكامنة في منطقة القرن الأفريقي الكبير، أضف إلى ذلك فإن بعض الأمريكيين يرى أن الإرهابيين الإسلاميين متورطين في قتل 18 جنديا أمريكياً في مقديشيو بالصومال عام 1993, وأنهم نفذوا أيضا بعد ذلك بخمسة أعوام بعمليات في مناطق أخرى، حيث فجَّروا السفارتَين الأمريكيتَين في نيروبي بكينيا، وفي دار السلام بتنزانيا، وقتل من جراء ذلك أكثر من 200 شخص وجْرحُ أكثر منْ 4000 شخص. وأنه في أكتوبر 2000 ضُربَت مدمرة الولايات المتّحدة USS Cole، من قبل إرهابيين من اليمن، قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا في هجوم أودى بحياةَ 17 بحّاراً أمريكياً. وأنه أيضاً في نوفمبر 2002 وبدعم من القاعدةَ فإن الإرهابيين قَصفوا فندقاً وحاولوا إسقاط طائرةً إسرائيليةً بواسطة قذيفة أرض/ جوّ بالقُرْب من مومباسا Mombassa بكينيا.

لسَنَوات عديدة ظلت مناطق حوض النيل، والقرن الأفريقي، والبحيرات العظمى تعاني من الضعف، والفساد، والتناحر بين الدول، وهو ما مثل أرضاً خصبة للإسلاميين على حد الزعم الأمريكي. وكان رد الفعل الأمريكي يتمثل في محاولة وضع حد للإرهاب الإقليمي، ومن ثم فقد نفذت الهجوم العسكري على السودان في أعقاب تفجيرات السفارةَ على أهداف محددة داخل العمق السوداني. وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ضدّ الولايات المتّحدة، فقد زاد ذلك ليس فقط تعاظم الاهتمام بضرورة مكافحة الإرهاب، وإنما مثل ذلك نقطة البدء الرئيسة لاعتماد الولايات المتحدة إستراتيجية تشنُّ بموجبها الحرب ضدّ الإرهاب، في أنحاء متفرقة من العالم.

علاقات فرنسا بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

إذا كان للولايات المتحدة سياسة عامة تجاه أفريقيا، وسياسة خاصة تجاه منطقة القرن الأفريقي تسعي إلي وضعها موضع التنفيذ الفعلي، فالشيء الجدير بالوقوف عنده و إعطاؤه قدراً من العناية، هو التوجه والسلوك الأمريكي تجاه الدول الفرنكفونية على وجه التحديد، ومنها السلوك الأمريكي تجاه جيبوتي مثلاً، والذي اجتهد البعض في تفسيره وعدوه نوعاً من الضغوط على فرنسا للخروج Outgoing من مناطق نفوذها التقليدية، وهو الأمر الذي يتلاقي مع تصريحات كبار الساسة الأمريكيين، والتي ترمي إلي أن السياسة الأمريكية المعاصرة تجاه أفريقيا لا تعرف حدودا تقف عندها.

واستنادا إلي ذلك، وخلال هذه الفترة الانتقالية للعلاقات الدولية الأفريقية ، تسجل الولايات المتحدة الأمريكية تقدما ومكاسب ملحوظة وكبيرة، نتيجة دخولها لتحل محل تأثير نفوذ الاتحاد السوفيتي ومعسكره السابق عامة أو جزئياً، طبقا لأوضاع كل حالة أو كل دولة في أفريقيا، ومن بين هذه الدول يوجد عدد من الدول الفرنكفونية، وهذا يحدث قلقا واهتماما في السياسة الفرنسية تجاه القارة الأفريقية، فهي تسعي منذ فترة لطرح إطار جديد ومحاولة تنفيذه أو إنشاء توازن جديد منضبط يحفظ نفوذها ووجودها الحالي، كما يعمل بأساليب متنوعة لاستعادة ما فقدته من مراكز ونفوذ.

وفي ظل هذا التوجه والسلوك الأمريكي تجاه أفريقيا، يكون من المناسب تناول التوجهات والتدخلات الفرنسية في القارة الأفريقية وذلك كالتالي:

أولاً: طبيعة التوجهات الفرنسية تجاه أفريقيا

  1. انتهاء الحرب الباردة وتأثيرها على الوجود الفرنسي

لقد كان لانتهاء الحرب الباردة انعكاسات مؤثرة على الوجود والمصالح الفرنسية ليس فقط في منطقة القرن الأفريقي فحسب، وإنما أيضا في أفريقيا بعامة، وبدل أن كانت فرنسا تهيئ نفسها لتحل محل الاتحاد السوفيتي سابقا في مناطق نفوذه التقليدية، وأن تملأ الفراغ السياسي الذي نشأ بعد انهياره، وهو الأمر الذي كانت فرنسا تعول عليه في إطار التنافس الدولي داخل أفريقيا من أجل بقائها قوة عظمى، ومن أجل تعظيم مكانتها العالمية، إلا أن الولوج الأمريكي إلى أفريقيا وتعاظم الاهتمام بها، أملى على صانعي ومتخذي القرار في فرنسا ضرورة إعادة تقييم سياسات فرنسا وأفعالها في هذا الشأن، ومثل هذا الوضع أفرز العديد من التأثيرات ومنها:

أ. مخاوف الفشل من التدخل في المنطقة

مع نهاية الحرب الباردة، أصبح هناك قدر كبير من التردد من جانب الدول الأوروبية في التدخل العسكري في الصراعات الداخلية الأفريقية، حيث تولدت قناعة لدى حكومات الدول الأوروبية بخطورة التدخل في تلك الصراعات، سواء على حياة جنودها، وربما على مستقبلها السياسي أيضاً، خاصة بعد الفشل الأمريكي والفرنسي في الصومال ورواندا على الترتيب. وهنا دأبت بريطانيا وفرنسا على تأكيد عدم رغبتهما في التدخل في تلك الصراعات، كما اتخذ البرلمان الألماني عام 1996 قراراً بعدم مشاركة الجنود الألمان في مهام دولية دون تفويض من مجلس الأمن الدولي.

وقد فسرت الحكومة الألمانية ذلك القرار بعدم قدرتها على تحمل المخاطر السياسية التي يمكن أن تنجم عن المشاركة بقوات عسكرية خارج الحدود الألمانية، دون وجود ضرورة تفرضها المصالح الوطنية للبلاد. ومن جهة أخرى، أعربت الحكومة النمساوية عن ذات الموقف عندما أكدت رفضها استخدام قواتها البرية خارج حدودها الدولية. وفي ظل التغير الذي طرأ على الموقف الأوروبي من التدخل في الصراعات الداخلية الأفريقية، تحمست العديد من الدول الأوروبية لفكرة إنشاء قوات أفريقية لحفظ السلم. وفي هذا الإطار كان الموقف البريطاني والفرنسي هو الأبرز في إطار الموقف الأوروبي العام، وذلك بحكم عضويتهما الدائمة في مجلس الأمن الدولي حالياً، وأيضاً بسبب العلاقات القوية للدولتين بدول أفريقيا منذ العهد الاستعماري.

ب. مخاوف الاصطدام مع الوجود الأمريكي المتنامي في المنطقة

يبدو أن فرنسا لا تتدخل إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في اتخاذ مواقف سياسية معادية لبعض الدول الأفريقية مثل: الصومال والسودان وغيرها، وذلك حتى لا تضر بمصالحها الاقتصادية في الأسواق الأفريقية. وهذا واضح في عدم مشاركة فرنسا للولايات المتحدة في موقفها من الدول السابق الإشارة إليها أو حتى من الدول التي تتعاطف معها الدول الأفريقية ولو كانت خارج القارة الأفريقية مثل العراق.

ومن ناحية أخرى فإن فرنسا تعلن أنها لا تمانع في التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في الأسواق الأفريقية، ولا تنظر إلى التحركات الأمريكية الأخيرة في الأسواق الأفريقية على أنها ضد المصالح الفرنسية، ولكنها ترحب بدور للسياسة الأمريكية في أفريقيا لأن فرنسا لا تستطيع وحدها تحمل أعباء مساعدة الدول الأفريقية في التنمية الاقتصادية. كما تهدف فرنسا إلى تحقيق مشاركة جديدة ومزيد من التعاون، ووضع حد للتنافس الضار، وذلك من أجل توسيع مناطق الصداقة والمشاركة والتجارة والاستثمار والمعونات.

ج. محاولة توظيف المكانة الدولية والقدرات الفرنسية

يُعد الوجود والتحرك الفرنسي المعاصر في منطقة دول القرن الأفريقي، من المسائل المصيرية لفرنسا، وربما لا يغيب عن ذاكرة صانعي ومتخذي القرارات والسياسات الفرنسيين مقولة الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنه لاوجود لفرنسا في القرن الحادي والعشرين بدون أفريقيا، ومن ثَم فإن سياسة فرنسا وسلوكها يتوجها بوصفها إحدى الدول الأوروبية ذات العلاقات التقليدية من ناحية، وأنها الدولة التي تسعى إلى تحقيق أهداف ومصالح محددة لها في تلك المنطقة الهامة من أفريقيا، وبوصفها كذلك إحدى دول الاتحاد الأوروبي وبتحديد أدق إحدى الدول الفاعلة فيه، حيث ظلت فرنسا لسنوات طويلة تعد الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة والفعل في الساحة الأفريقية، حيث ظلت حوالي عشرين دولة أفريقية تدور في فلكها لسنوات طويلة، حتى قيل إن أفريقيا تمثل أحد عوامل ثلاثة لمكانة فرنسا الدولية، بجانب مقعدها الدائم في مجلس الأمن وقدرتها النووية، وقد حافظت فرنسا على علاقاتها بالدول الأفريقية التي استقلت عنها نتيجة لسياسة تعاونية محكمة ودقيقة طبقتها مع هذه الدول في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية، ومنذ انتهاء الحرب الباردة تأثر النفوذ الفرنسي في أفريقيا نتيجة عدة عوامل أهمها: انخفاض الأهمية الإستراتيجية لأفريقيا لدى القوى الغربية بصفة عامة، والنشاط الأمريكي المتزايد المنافس لفرنسا في القارة.

ومن ثم فإن فرنسا ترى في تعاظم الوجود الأمريكي داخل القارة الأفريقية إضرارا ليس بأهداف فرنسا ومصالحها خاصة، وإنما بأهداف الاتحاد الأوروبي ومصالحه عامة. كما أن التركيز على حالة التدخل الفرنسي في منطقة دول حوض النيل والسودان هو محاولةُ للإجابة على السؤال التالي: هَلْ سياسة فرنسا الأفريقية حقاً هي الانتقال من النمط القديم للاستعمار الجديد ونمط السياسات الموروثة Patrimonial التي اتسمت بها العلاقات العميقة وشبه العائلية بين الفرنسيين ونُخَب Francophone الفرنكفونية الأفريقية واعتماد سياسة جديدة تكون فيها الفرنكفونية الأفريقية مصممة ضمن سياسة عالم ثالث أوسع؟ وإلى أي مدى وصل التطبيع لهذه العلاقات Normalisee. وبمعنى آخر، فهل فرنسا تَبتعدُ عن سياستها التقليدية بحزم نحو سياسة تحرر مالي واقتصادي وعسكري ودبلوماسي وسياسي؟ وهل هي عملية إعادة انتشار في أفريقيا؟ وباختصار، هَلْ سيشاهدُ حقاً تصفية استعمار العلاقات الفرنكُو ـ أفريقية؟

  1. مسارات التحرك الفرنسي فيما بعد الحرب الباردة

تعد فرنسا نفسها أكبر مانح للمعونات الاقتصادية في أفريقيا، وأنها تمتلك أكبر قدر من الاستثمارات الأجنبية في القارة الأفريقية. وتقوم السياسة الفرنسية تجاه الأسواق الأفريقية على أساس استغلال ما تمتلكه فرنسا من رصيد ثقافي ولغوي ـ فرانكفوني ـ في أفريقيا في توسيع نفوذها الاقتصادي في الأسواق الأفريقية. وتسعى فرنسا في الوقت الراهن إلى اتخاذ مسارات جديدة للتكيف مع الأوضاع الاقتصادية والسياسية في أفريقيا ومنها:

أ. الاستقطاب خارج نطاق الفرنكفونية

لم تعد السياسة الفرنسية تجاه الأسواق الأفريقية تكتفي بالتركيز على المناطق التي لها فيها موروث ثقافي ولغوي، ولكنها تمتد إلى دول إفريقية أخرى. حيث إن من الملاحظ على السياسة الفرنسية تجاه الدول الأفريقية أنها تحاول استقطاب هذه الدول بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما فعلته بطريقة ذكية عندما نظمت مؤتمر القمة الفرنسية ـ الأفريقية في ديسمبر 1998 كما استضافت العاصمة الفرنسية يوم 7 ديسمبر 1999 مؤتمر وزراء خارجية الدول الأفريقية وفرنسا؛ والذي بحث قضايا الأمن والتنمية في الدول الأفريقية، وركز على دعم مسيرة التنمية، وحل النزاعات الحالية في بعض دول القارة.

ب. التركيز على النخب الحاكمة

يلاحظ أن السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا تعطي أهمية للفئة السياسية والثقافية العليا، أو النخب الحاكمة التي ترى أن الأمن والاستقرار مدخل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي عكس السياسة الأمريكية التي تعطي أولوية للفئة الاقتصادية العليا التي ترى أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي المدخل للأمن والاستقرار.

ج. تفكيك محاولات التكامل الأفريقية

إن توجهات كل القوى الاقتصادية الغربية المتنافسة في الأسواق الأفريقية، فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية خاصة تسعى إلى إحداث تغييرات في التوجهات الحالية للدول الأفريقية، حيث تهدف هذه القوى إلى إعادة ترتيب عملية التكامل الاقتصادي بين هذه الدول، والتحول نحو إقامة اقتصاد إفريقي بطريقة مختلفة، وذلك عكس ما هو قائم حاليا من وجود تجمعات وكيانات اقتصادية متجاورة سوف تكون أساسًا لبناء الجماعة الاقتصادية الأفريقية. وهذه المحاولات والتوجهات نحو التغيير لأسس وخطط التعاون الاقتصادي الأفريقي تدعو إلى التخوف بشأن مستقبل هذا التعاون وسيره بطريقة سلسة، وذلك لأن كل محاولات التغيير يمكن عدها محاولة فك وإعادة تركيب لعملية التكامل الاقتصادي في أفريقيا، وكل طرف يعيد التركيب وفقا لمصالحه في إطار هذا التنافس الحاد، وهو ما يهدد مستقبل هذا التعاون الأفريقي.

ثانياً: تطور وآليات التدخل الفرنسي في أفريقيا

  1. تطور التدخل الفرنسي في القارة الأفريقية

إن المتتبع لسياسة فرنسا في أفريقيا يلاحظ أنها تطورت خلال فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، مرورا بثلاث مراحل يمكن تناولها بإيجاز كالتالي:

الأولي: ويمكن تسميتها بسياسة الإهمال الحميد (المرغوب فيه )Benign Neglect وقد امتدت منذ عام 1989 وحتى عام 1994، وخلال تلك المرحلة اعتمدت فرنسا على رصيد علاقاتها بالعديد من الدول الأفريقية التي ترتبط معها بعلاقات قوية، مع إعطاء الأولوية لمصالحها الاقتصادية، ومن هذا المنظور فقد شهدت فترة التسعينيات من القرن الماضي تخفيضا لقيمة الفرنك في منطقة الفرنك الأفريقي، وقد عللت فرنسا لهذا الإجراء بأنه جاء نتيجة اختلاف القيمة الاسمية عن القيمة الفعلية للفرنك، ما دفعها إلى تخفيض قيمة الفرنك في المنطقة الفرنكفونية المالية الأفريقية لتقليص الأعباء على اقتصادها، وهو الأمر الذي أدى إلى إحداث نوع من التوتر في العلاقات الفرنسية الأفريقية في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران.

الثانية: ويمكن تسميتها بسياسة رد الفعل الدفاعيDefensive Reaction وهو ما يعني من وجهة النظر الفرنسية أن منظومة مصالحها في أفريقيا، تمثل لها مسألة تستأهل الدفاع عنها، ومن ثم فإنها تحتفظ لنفسها بحق الدفاع عن تلك المصالح وبالكيفية وبالآلية التي تراها مناسبة.

الثالثة: ويمكن تسميتها بسياسة الواقعية النشطة Active Realism (التكيف الإيجابي مع الواقع) وتتزامن تلك المرحلة مع تنامي الاهتمام الأمريكي بالقارة الأفريقية وطبيعة التوجهات والسياسات والممارسات الأمريكية والتي تتحرك جميعها باتجاه الحد من الوجود الفرنسي في القارة الأفريقية إن لم يكن السعي للخروج الفرنسي منها، وأمام مثل هذه الأوضاع تجد فرنسا نفسها في حالة لا تمكنها من التصدي للتطلعات والمطامح الأمريكية في أفريقيا ومن ثم فإنها أخذت في محاولة التكيف مع هذا الوضع، وبالطريقة التي تحافظ بها، ولو على الحدود الدنيا لمصالحها في أفريقيا، من خلال السعي لإيجاد قواسم مشتركة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بأفريقيا، ومن خلال الترويج بأنه لا يوجد تعارض أو تهديد أمريكي لمصالحها هناك، وأن التعاون والمصالح المشتركة يمكن أن تكون البديل المناسب للصراع.

  1. آليات التدخل الفرنسي في القارة الأفريقية

تحافظ فرنسا على الروابط الأمنية المتعددة، وعلى بقائها وتنميتها، والتي قد تضعف أحياناً، وقد تقوى أحياناً أخرى، وذلك في سياق المتغيرات الدولية، ومدى المعونات الفرنسية المقدمة، ثم التنافس الفرنسي الأمريكي في القارة، وأبرز الاتفاقيات الأمنية الفرنسية تتمثل فيما يلي:

أ. القواعد العسكرية

تُعد قاعدة جيبوتي قاعدة بحرية، وهى تعمل نقطة ارتكاز متقدمة للقوات الفرنسية، كما أنها تقوم “بالعمليات الأمنية الخفيفة Soft Security Issues”، وتُعد هذه القاعدة من أهم القواعد الفرنسية في أفريقيا وأكبرها، حيث يتمركز بها ثلاث سفن إنزال، وتستطيع استقبال العديد من القطع البحرية، وبها 2850 جندي فرنسي، وسريتا دبابات، و26 مركبة مدرعة للاستطلاع، وست مدفع عيار 155 مم وسرب جوى ميراج (عشر طائرات) وطائرة نقل وطائرتا بحث وإنقاذ عمودية.

ب. اتفاقيات الدفاع المشترك

تناقص عدد اتفاقيات الدفاع المشترك التي كانت عقدتها فرنسا مع الدول الأفريقية في الستينيات، وبلغ حالياً “ثماني اتفاقيات” فقط ومنهم جيبوتي[1]. ورغم ذلك فقد أتاحت فرنسا للدول الأفريقية التي لم توقع مع فرنسا مثل هذه الاتفاقيات الحق في طلب المساعدة العسكرية الفرنسية في الأزمات الطارئة، ويعد طلب حكومتي تشاد وزائير “الكونغو الديمقراطية” عام 1996 مثالين على ذلك.

ج. اتفاقيات التعاون العسكري والمعونة الفنية

هى اتفاقيات ثنائية تشمل عدة مجالات: المساعدات العسكرية والفنية، المساعدات المباشرة لجيوش الشرطة وأجهزتها – المنح الدراسية العسكرية وبرامج التدريب للضباط الأفارقة، وتختلف مدة سريان هذه الاتفاقيات من دولة إلى أخرى، ويمكن تجديدها أو إلغاؤها طبقاً لاتفاق الطرفَين الفرنسي والأفريقي، وتشمل هذه الاتفاقيات الثنائية إحدى وعشرين دولة أفريقية[2] منها جيبوتي في منطقة القرن الأفريقي.

ترى فرنسا أنها تَتحرك باتجاه المُحَافَظَة على السلام، وأنها تتخذ موقفاً محايداً في منطقة القرن الأفريقي؛ لكي تَحْمي مصالحَها فيها بعامة، وفي جيبوتي بخاصة. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا قدمت مساعدةً إلى الصومال لدَعْم التعليم والاستقرار السياسي والاقتصادي أثناء حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، كما تَوسّطتْ فرنسا في محادثات السلام أيضاً بين إثيوبيا والصومال في عام 1988، ولعل التوجهات الفرنسية وخصوصا في عهد رئاسة جاك شيراك تجْعلُ فرنسا قوَّة نالت قدراً من الاحترام من جانب جميع الأطراف، بالإضافة إلى كَسْب بَعْض قوة الدفع السياسية في المنطقة، ولعل هذا ما يفسر لماذا تدعم فرنسا خطةَ حفظ سلام الإتحاد الأفريقي بالكامل للصومال؟

  1. الإستراتيجية الفرنسية المعاصرة تجاه القارةالأفريقية

إن فرنسا تسعى في إستراتيجيتها الجديدة في القارة إلى توسيع شبكة علاقاتها؛ بحيث تتخطى مناطق نفوذها التقليدية إلى دول أفريقية جديدة كانت تابعة للنفوذ البريطاني والبرتغالي والبلجيكي والسوفيتي، وتهتم فرنسا عامة بوجودها في نفس مناطق الاهتمام الأمريكي؛ ولذلك تحتدم المنافسة بين البلدين في مناطق البحيرات العظمى والقرن الأفريقي والغرب الأفريقي، بالإضافة إلي اهتماماتها بالشمال والشرق الأفريقي، كما أن سياستها الجديدة ترمي إلي فتح الحوار مع دول الجنوب الأفريقي أيضا، ولذلك فإن السياسة الفرنسية الحالية ـ بشقيها السياسي والاقتصادي ـ تنبع من المشروع الذي أعدته وزارة الخارجية الفرنسية عام 1997، وعُرف باسم “مشروع أفريقيا”، وكانت أهم ملامحه:

أ. تأييد إقامة أنظمة سياسية جديدة في الدول الأفريقية وفق مبادئ الديمقراطية (بالطبع وفقًا لمعايير المصلحة الفرنسية).

ب. دعم العلاقات بأنواعها مع الحكومات المدنية، والعمل على تقليص دور المؤسسات العسكرية في أفريقيا.

ج. إعداد كوادر سياسية واعية من الشباب، وتثقيفهم وتدريبهم سياسيًّا وحزبيًّا؛ لكي تكون النخبة السياسية الحاكمة في المستقبل تابعة لباريس.

د. دعم برامج التنمية والإصلاح الاقتصادي، مع التركيز على الدول التي تمتلك بنية أساسية معقولة.

هـ. إعادة تنظيم الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا، بحيث يضم الخبراء والمستشارين أكثر مما يضم وحدات عاملة. وبالفعل قامت فرنسا بتقليص عدد قواعدها العسكرية في القارة إلى ست قواعد فقط في دول: جيبوتي، تشاد، السنغال، كوت ديفوار، الكاميرون، الجابون، وكانت آخر قاعدة تمت تصفيتها هي قاعدة بونجي في أفريقيا الوسطي أواخر عام 1997، وذلك بعدما كانت تُستخدم للهيمنة على مناطق أفريقيا الوسطى والبحيرات العظمى.

و. إعادة النظر في العلاقات التقليدية الفرنكفونية، والسعي لتنفيذ إعادة انتشار واعتماد إستراتيجية دبلوماسية وسياسية فرنسية تعلي من شأن مصالح فرنسا الاقتصادية بعيداً عن الفرنكفون الأفريقي وتذهب إلى مناطق جديدة في أفريقيا مثل نيجيريا، وأنجولا، وناميبيا، وزمبابوي وجنوب أفريقيا، وبلدان أخرى من العالم الثالث مثل البرازيل، والهند، وفيتنام الخ.

ويلاحظ أن هذه الخطة التي اعتمدتها فرنسا – ويظهر منها حرصها الرسمي على الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان – جاءت بعد الانتقادات الدولية الحادة التي وُجهت لحكومة باريس؛ بسبب إصرارها على دعم الأنظمة الفاسدة، خاصة نظام موبوتو في الكونجو الديمقراطية، وبعد سقوط نظام موبوتو (مايو 1997) عملت فرنسا على صياغة هذه السياسة لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي.

ويرى البعض على سبيل المثال أن سياسة فرنسا الأفريقية المعاصرة قد تأثرت بالعديد من العوامل ومنها:

(1) التغيرات في البيئة العالمية التي حدثت في أعقاب نهاية الحرب الباردة.

(2) العولمة.

(3) أن السياسة الفرنسية نحو أفريقيا لَمْ تَعُدْ مُحدَّدة بالعوامل الدبلوماسية والجغرافية السياسية، والحسابات السياسية البحتة وإنما ارتبطت بالنواحي الاقتصادية والمالية أيضاً.

(4) الواقعية الجديدة للتوجهات الأفريقية، وخصوصا في ظل القيادات الجديدة وفي ظل سياسات الترغيب والترهيب الأمريكية في التعامل مع الواقع الأفريقي.

(5) تعاظم التنافس على أسواق العالم الثالث، وفي هذا الصدد يبدو أنّ الولوج الأمريكي إلى الأسواق الأفريقية أمر لا فكاك عنه.

(6) الانشغال وتركيز الاهتمام الفرنسي وصب اهتمامه على مسألة الوحدة الأوربية، مما لاشك فيه أن التطورات التي حدثت في أوروبا الشرقية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي (سابقا)، ومحاولة استقطاب تلك الدول والسعي لضمها لعضوية الاتحاد الأوروبي، والنظر إليها على أنها مناطق جاذبة للاستثمارات الآمنة والمربحة، لكل ذلك وغيره من الأسباب فقد آثرت فرنسا الانشغال بالشأن الأوروبي، حتى وإن كان على حساب الفرنكفون الأفريقية ومطامحها الأفريقية.

(7) كما تأثرت تلك السياسة أيضا بوفاة رئيس ساحل العاج فيليكس هوفويه بونييه Houphouet Boigny في ديسمبر عام 1993، وهو الذي ظل منذ توليه السلطة في أغسطس 1960 من أشد المناصرين للفرنكفونية الأفريقية والحليف الرئيس لفرنسا في المنطقة، لروابطه الشخصية بعدّة أجيال من الزعماء الفرنسيين، كما تأثرت تلك السياسة برحيل الفرنسي جاك فوكارت Foccart في مايو 1997 والذي كان مسؤولاً رئيساً عن ملف العلاقات الفرنسية ـ الأفريقية لسنوات طويلة، وقد مثل هذا نهايةَ عصر حقيقي في علاقات فرنسا الأفريقية. وزاد من ذلك تخفيض قيمة الفرنك الأفريقي CFA في مواجهة نظيره الفرنسي، والنكسات التي منيت بها سياسة فرنسا في منطقة البحيرات الكبرى، وفي الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا) والتقارب الفرنسي من الجنوب الأفريقي، وسياسة الهجرة الفرنسية التقييدية، التي انعكست تأثيراتها في غالب الأحوال بالسالب على واقع العلاقات الفرنسية ـ الأفريقية.

من خلال تناول السياسات والممارسات الفرنسية والأمريكية تجاه الدول الأفريقية تعميماً، ومنطقة القرن الأفريقي تخصيصاً، يلاحظ أن كلتا الدولتين تستخدمان العديد من الأساليب في إطار التنافس بينهما في القارة الأفريقية، ومنها استخدام الدولتين لأسلوب انتقائي يتعلق بموضوعات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون في تدخلاتها في الدول الأفريقية بوجه عام.

ويلاحظ في هذا الشأن تحرك السياسة الأمريكية باتجاه محاولة التأثير داخل منطقة الفرنكفون الأفريقي ذاتها، ومنها دعوة المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في عام 1999 للحكومة في ساحل العاج للإفراج عن زعماء المعارضة من حزب التجمع الجمهوري الذين اعتقلتهم الحكومة، وذكر أن الإجراء الحكومي هدفه إسكات صوت المعارضة، وأن الولايات المتحدة سوف تعيد تقييم علاقاتها مع الحكومة إذا انحسرت أو تراجعت فيها الموجة الديمقراطية وأن استمرار الحكومة في هذا الاتجاه يمكن أن يؤدي إلي حرب أهلية ويؤثر في أوضاع الاستقرار والتجارة والاستثمار، وهو الأمر الذي ترتب عليه رد حكومة ساحل العاج الذي تمثل في اتهام الولايات المتحدة بالتدخل والدعوة لإثارة العنف الداخلي.

وإذا كانت كل من فرنسا والولايات المتحدة تستخدمان مثل تلك الأساليب لتعليل تدخلهما في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية بطريقة أو بأخرى ، فإن استخدام الولايات المتحدة لهذا الأسلوب في ساحل العاج التي تعد إحدى القلاع الفرنكفونية الأفريقية، وللمرة الأولى، إنما هو دلالة على مدى مسار التوجهات والتحركات الأمريكية في أفريقيا.

وهذا يعني أن السياسة الأمريكية تتحرك في مناطق الاهتمام والمصالح خطوات محددة، بغير اكتراث للقوى الفاعلة الأخرى، ووفقاً لقاعدة أنه على المتضرر اللجوء إلى الولايات المتحدة، وقد استوعبت فرنسا هذ النهج والتحرك الأمريكي، وقد اختارت لنفسها نهجاً وتحركاً ودياً وتعاونياً غير مسبوق عبر عنه ساركوزي خلال زيارته للولايات المتحدة، عند إلقائه خطاباً أمام الكونجرس الأمريكي أوائل عام 2008.

ثالثاً: حالات للعلاقات الفرنسية في أفريقيا

تعد فرنسا من أكثر الدول الأجنبية تدخلا في القارة الأفريقية، إذ لا تزال فرنسا تتمتع بنفوذ كبير في العديد من مناطق القارة، وساعد على ذلك وجود القواعد العسكرية واتفاقيات الدفاع والتعاون العسكري والفني، وهو الأمر الذي يساعد على إتمام عمليات التدخل كلما كان ذلك الأمر مطلوباً. ومنذ بداية تسعينيات القرن الماضي شهدت المنطقة محل الدراسة العديد من حالات التدخل الفرنسي، وتباينت الأهداف المعلنة حول تلك التدخلات مابين التدخلات الإنسانية، والتدخلات بغرض حفظ السلام والأمن أو التدخل بغرض مواجهة عدوان خارجي على دولة ما، والمحافظة على النظام الحاكم بها، أو التدخل بغرض مكافحة الإرهاب وغيرها من التدخلات.

وفي إطار تناول جوانب تدخل السياسة الفرنسية في منطقة القرن الأفريقي سيكون التركيز على حالتين لهما صلة بالأحداث في تلك المنطقة ولهما تأثيرات مباشرة وغير مباشرة عليها، كما أن لهما ارتباط بالنفوذ والمصالح الفرنسية فيها وهما منطقتا القرن الأفريقي وحوض النيل ذواتا التأثير على دول الجوار في المنطقة كالتالي:

  1. 1. العلاقات الفرنسية مع جيبوتي

علي الرغم من حصول العديد من الدول الأفريقية على استقلالها مع حلول أوائل ستينيات القرن الماضي، وعلي الرغم من السوء الذي اتسم به الاستعمار الفرنسي، فقد تمكنت فرنسا من التكيف مع الواقع الجديد وبدلاً من أن تنقلب الدول الأفريقية المستقلة على الماضي الاستعماري الفرنسي بكل مآسيه، أغرتها فرنسا بأهمية العلاقات الفرنسية -الأفريقية وضرورة مواصلتها، وفقا لتصورات جديدة وبعيدا عن السياسات والممارسات الاستعمارية، وقد نجحت فرنسا، فعلاً، ليس فقط في استمالة معظم تلك الدول وإنما أضافت لها دول جديدة.

وقد ظلت فرنسا لسنوات طويلة تعد الدولة الأوروبية الأولى من حيث قوة نفوذها وقدرتها على الحركة والفعل في الساحة الأفريقية، حيث ظلت حوالي عشرين دولة أفريقية تدور في فلكها لسنوات طويلة، حتى قيل إن أفريقيا تمثل أحد عوامل ثلاثة لمكانة فرنسا الدولية، بجانب مقعدها الدائم في مجلس الأمن وقدرتها النووية، وقد حافظت فرنسا على علاقاتها بالدول الأفريقية التي استقلت عنها نتيجة لسياسة تعاونية محكمة ودقيقة طبقتها مع هذه الدول في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية، ومنذ انتهاء الحرب الباردة تأثر النفوذ الفرنسي في أفريقيا نتيجة عدة عوامل أهمها: انخفاض الأهمية الإستراتيجية لأفريقيا لدى القوى الغربية بعامة، والنشاط الأمريكي المتزايد المنافس لفرنسا في القارة.

إذن ففي منطقة القرن الأفريقي تتنافس فرنسا مع الولايات المتحدة من خلال نفوذها التقليدي، ولسنوات طويلة في جيبوتي، وهي أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا، ويعد التدخل والوجود الفرنسي في دولة جيبوتي، هو امتداد للحقبة الاستعمارية الفرنسية، حيث كانت جيبوتي تسمي في تلك الحقبة الصومال الفرنسي، وبعد استقلال هذا الإقليم لم يُضم إلى الصومال على الرغم من مطالبته وسعيه لذلك، وإنما أعلن دولة مستقلة عنه، وظل منذ ذلك التاريخ تربطه علاقات وطيدة بفرنسا، على مستويات متنوعة ومتعددة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، حيث كانت توجد قاعدة لفرنسا على إقليم الدولة، كما أن جيبوتي هي إحدى دول منظمة الفرنكفونية، إلا أن الوقت الراهن يشير إلى تنامي الاهتمام والوجود الأمريكي، والعسكري خاصة في جيبوتي، في إطار السياسة والإستراتيجية الأمريكية العامة الرامية إلى تعظيم مصالحها ونفوذها ومكانتها العالمية، وأيضاً مزاحمة الوجود الفرنسي حتى في مناطق نفوذه التقليدية، بل ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد وإنما يتجاوزه إلى التضييق على الوجود الفرنسي من أجل دفعه إلى الخروج النهائي.

  1. 2. العلاقات الفرنسية مع اريتريا

يبدو أن باريس في موقف جد صعب، لا سيما فيما بعد التحولات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وانتهاء مرحلة التنافس القطبي مما كان يترك لها مجالاً للمناورة في إطار التنافس على مناطق النفوذ بين الكتلتين الشرقية والغربية . ولكن تغير الظروف الدولية ولا سيما بعد حرب الخليج أظهر الولايات المتحدة أنها القوة الدولية العظمى في العالم وباقي حلفائها يدورون في فلكها، أو ينبغي عليهم أن يكونوا كذلك، كما أنها ذهبت إلى مراجعة الكثير من تحالفاتها وعلاقاتها الدولية وإعادة صياغتها وفق أهدافها ومصالحها الكونية. وفي منطقة القرن الأفريقي تتنافس فرنسا مع الولايات المتحدة من خلال نفوذها في جيبوتي، وهي أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في أفريقيا. بالإضافة إلى العلاقات الطيبة التي تربطها بنظام أسياسي أفورقي في إريتريا؛ حيث تدعمه فرنسا باستثمارات ومساعدات فنية ومالية. كما كان لها موقف إيجابي مع جبهة التحرير الإريترية منذ عام 1982. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن فرنسا عضو في نادي أصدقاء الإيجاد.

من ناحية أخري وفي إطار المراجعة الفرنسية لسياساتها وممارساتها، ولا سيما فيما يتعلق بفشل سياسة فرنسا السابقة في كل من رواندا والكونجو الديمقراطية، إلى سعي باريس لإحداث نقلة شكلية في إستراتيجياتها في منطقة البحيرات العظمى، هذه النقلة تتمثل في استخدام وسائل السياسة الخارجية الأمريكية نفسها من إعلان دعمها لحقوق الإنسان وتأييد النظم الحاكمة، أيًّا ما كانت توجهاتها.

أو بمعنى آخر: هل تمثل الأغلبية أم الأقلية، ولعل هذا يفسّر أسباب حرص وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين في جولته خلال الفترة ما بين 12 – 14 أغسطس 2001 على الاتصال بالدول التي تساند المتمردين في الكونجو، وهي رواندا وأوغندا، وحرصه على لقاء زعماء المتمردين الذين ينطلقون من هذه الأراضي لشنّ هجماتهم ضد نظام الرئيس الكونغولي الحالي جوزيف كابيلا، في الوقت ذاته اعترض فيدرين خلال جولته على استخدام النظام في كينيا أسلوب الحسم العسكري، ومن ثَم تمثَّل الطرح الفرنسي في هذا الشأن تأكيد أهمية تنفيذ بنود اتفاق لوساكا للسلام الذي كان توقيعه في يوليه عام 1997، ويقضي بسحب القوات الأجنبية الموجودة في الكونجو سواء المساندة للنظام (أنجولا ـ زيمبابوي ـ ناميبيا) أو تلك المؤيدة للمتمردين (رواندا ـ أوغندا) ونشر قوات مراقبة تابعة للأمم المتحدة بعد جمع الأسلحة من الميليشيات المتقاتلة، ودمج هذه الميليشيات في الجيش الوطني. ولقد عرضت فرنسا أن تشارك بالقسم الأكبر من القوات التي سيجري نشرها في الإقليم.

وهكذا يلاحظ أن باريس تسعى لحفظ نفوذها في المنطقة من أجل مواجهة النفوذ الأمريكي من ناحية، وضمان الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية من ناحية ثانية، حتى وإن تطلَّب ذلك إحداث نقلة شكلية في أدوات تنفيذ سياساتها الخارجية في المنطقة، وهكذا تؤكّد فرنسا كغيرها من الدول الكبرى أن مفهوم المصلحةInterests les Réseaux سيظل هو الحاكم لتوجهات هذه الدول. وثالث هذه العوامل وأهمها على الإطلاق هو صراع النفوذ في داخل القارة الأفريقية بين فرنسا والولايات المتحدة.

ويلاحظ أن فرنسا اضطرت لتخفيض معوناتها للدول الأفريقية، وخاصة الدول الناطقة بالفرنسية تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا واتساع نفوذ اليمين المتطرف، وترافق ذلك مع تخفيض الوجود العسكري الفرنسي في هذه الدول، حتى إنه من بين 22 دولة تربطها معاهدات دفاعية مع فرنسا، انحصر الوجود العسكري الفرنسي في عدة دول فقط. ومن الطبيعي أن تقود مثل هذه الإجراءات إلى التقليل من ارتباط هذه الدول ونخبها السياسية بفرنسا، ومن ثم بحثها عن مصادر جديدة للمعونات والدعم السياسي والعسكري. ويبدو أن الولايات المتحدة تحرص على أن تقدم نفسها بديلاً للنفوذ الفرنسي، كما أنها شجعت بروز أجيال جديدة من القيادات السياسية مستفيدة من غياب أي ماضٍ استعماري لها، ورافعة لشعارات التنمية والتحديث والديمقراطية والتعددية.

إن هناك عدد منْ الأحداث توضح أنّ سياسة فرنسية جديدة تَتشكّلُ حالياً تجاه أفريقية، وفي نفس الوقت، فإن هناك عواملُ هيكلية داخلية تشير إلى تفضيل سياسة الوضع الراهن. وهكذا، فبينما يُشيرُ بَعْض المراقبين إلى وجود عملية تحرر وإعادة انتشار جذري للسياسة الفرنسية، يُشدّدُ آخرين على ميلَ فرنسا لإبْقاء الوضع الراهن. وبصفة عامة يمكن الإشارة إلى أنّ سياسةَ فرنسا الأفريقية حقاً هي في مرحلة انتقالية تتراوح بين محاولة الَتعايشُ والتأقلم بين محاولة التغيير والاستحداث لتوجهات جديدة انطلاقا من العادات والوضع الراهن القديم.

  1. 3. العلاقات الفرنسية مع السودان

أ. أهمية السودان بالنسبة لفرنسا

تعد السودان من الدول التي توليها فرنسا أهمية كبيرة في إطار التنافس على مناطق النفوذ والمصالح ، كما أنها تدخل ضمن إستراتيجيتها لفترة ما بعد الحرب الباردة والرامية إلى التوسع خارج النطاق التقليدي للدول الفرنكفونية، ومن هنا نشأت في السودان المنافسة الفرنسية للولايات المتحدة الأمريكية في البداية من خلال مساندة فرنسا لنظام البشير في السودان، والذي كان العدو الأول للولايات المتحدة في المنطقة. وقد ساندت فرنسا النظام الإسلامي في السودان لعدة أسباب أهمها الرغبة في إيجاد مرتكز لها في منطقة البحيرات العظمى، بعد أن تراجع نفوذها في هذه المنطقة (وخصوصاً فيما يتعلق بالكونغو الديمقراطية وجيبوتي)، واستخدام فرنسا لحكومة الإنقاذ – خاصة في فترة وجود حسن الترابي في الحكم ـ في الوساطة بين الجماعات الإسلامية في الجزائر وفرنسا التي كانت تسبب لفرنسا الكثير من المشكلات الأمنية والاجتماعية في الداخل بالإضافة إلى تدفق النفط في بحر الغزال واحتمالات وجوده في الشمال أيضاً.

وقد استطاعت فرنسا بمساندتها لحكومة الإنقاذ أن تعيق نسبياً ومرحلياً الاندفاع الأمريكي نحو السودان ؛ إلا أن السلوك الفرنسي لم يصمد أمام الدور الأمريكي والتدخل المتعاظم والمكثف في تلك الدولة، حيث تراجع الدور الفرنسي واقتصرعلى التصريحات الدبلوماسية بشجب الحرب وتأييد مبادرة الإيجاد، بل وتحول نحو التأييد الكامل للموقف الأمريكي وخصوصاً في السياسات والممارسات التي تقترن بهذا الموقف وتدعم أيضا داخل مجلس الأمن فيما يتعلق بجميع القرارات التي صدرت بشأن مشكلات وأزمات السودان وفي مواجهة نظامه الحاكم.

إن مواصلة السياسة الفرنسية تجاه السودان هي السمة الرئيسة لها من الجانب الفرنسي على الرغم من تعاقب الحكومات والرؤساء وليست هناك حاجة للتذكير بأن النظام في السودان ظل دون تغيير. وتعاقبت تشكيلات الحكم في فرنسا بدءاً بالاشتراكيين حتى عام 1993 حيث انفرد الحزب الاشتراكي بالحكم بالرئيس فرانسوا ميتران في رئاسة الجمهورية وحكومات الأغلبية الاشتراكية في البرلمان المتعاقبة من ميشيل روكارد إلي بيير بيرغوفوا مرورا بإديت كريسون والذي وضع أسس العلاقات السودانية الفرنسية في المرحلة الجديدة بعد انقلاب 30 يونيو. ثم تلت ذلك فترة التعايش بين الرئيس فرانسوا ميتران الاشتراكي وحكومة إدوارد بلادور اليمينية في عام 1993 التي طورت التعاون السوداني الفرنسي ليشمل الجوانب الأمنية والعسكرية. بعده جاءت مرحلة اليمينيين مع انتخاب الرئيس جاك شيراك لرئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة ألان جوبيه الائتلافية التي أوصلت هذه العلاقات لقمتها.

ويبدو أن الليبرالية بأوجهها السياسية والاقتصادية ليست السبب الوحيد لعودة الاهتمام الأمريكي بالقارة الأفريقية، بوصفها قاسماً مشتركاً مع التوجه والوجود الفرنسي فيها، ولا سيما بالنسبة للمناطق الإستراتيجية فيها كمنطقة القرن الأفريقي، وهو الأمر الذي شجع وزير الدفاع ومدير مخابرات وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق، جيمس شليزنجر للإشارة إلى إن هدف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، هو اجتذاب أفريقيا جنوب الصحراء، في إطار النفوذ الأميركي، أي أن الإرادة والهدف ـ حتى في عهد جورج بوش (الابن) وبتصميم أشد وطأة ـ تتحركان باتجاه إحلال النفوذ الأمريكي بمفهومه الواسع سياسيا وأمنياً، واقتصادياً وثقافياً ودينياً مكان أية مظاهر للنفوذ بما في ذلك النفوذ الفرنسي. وهكذا تحولت أفريقيا وتحديداً منطقة القرن الأفريقي إلى ميدان آخر للتحديات وللمواجهات المباشرة منها وغير المباشرة بين الولايات المتحدة وأوروبا وعلى وجه الخصوص فرنسا بوصفها العنصر الأوروبي الفاعل في الوقت الراهن.

ويعد السودان وما يدور بداخله من سياسات وتفاعلات وممارسات ميداناً فعليا للمناورات الأمريكية والفرنسية، وتحاول فرنسا جاهدة أن تستثمر هذا الوضع باعتباره فرصة من أجل البقاء ليس في السودان ولا منطقة القرن الأفريقي فحسب بل في القارة الأفريقية، وذلك من خلال إحداث أكبر قدر من التقارب مع الولايات المتحدة، وأيضاً من خلال إظهار أكبر قدر من التفاهم والتعاون والتضامن معها، طالما بات الأمر يقترن بالبقاء والاستمرار.

ب. العلاقات الفرنسية ـ السودانية

لقد اتسمت العلاقات بين فرنسا والسودان في مراحلها المبكرة بحذر، وباندفاع. ففرنسا لم تخف على الإطلاق رغبتها في أن تظل علاقاتها مع النظام السوداني بعيدة عن العلانية لحسابات تتعلق بوضعها في داخل الاتحاد الأوربي وعلاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية مثل مصر والمملكة العربية السعودية وفوق هذا وذاك من منظور علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تتوقف عن ممارسة الضغوط على باريس للحد من علاقاتها مع السودان. وقد قاومت الدبلوماسية الفرنسية محاولات فرض العقوبات على السودان أو إدانته في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لكنها كانت على الدوام تنتهي بالتصويت لصالح تلك العقوبات أو القرارات تحت ضغط الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

بالمقابل، كان للخرطوم منظور مناقض للموقف الفرنسي ولحسابات خاصة بها هي أيضاً، مرتبطة أساساً بصورة النظام الحاكم في الخارج ورغبته في تقديم نفسه ضحية للسياسة الأمريكية، ومن ثم يظهر أنه يتمتع بعلاقات عادية مع الدول غير الخاضعة للنفوذ الأمريكي وفي مقدمتها فرنسا. لكن النظام الحاكم السوداني استجاب لرغبة فرنسا في إبعاد علاقاتهما عن العلانية وظلت ملفات العلاقات تدار من قبل القنوات السرية بين البلدين لفترة من الوقت امتدت حتى أوائل الألفية الثالثة. بل إن فرنسا أصرت على رفض استقبال أي مسؤولين سياسيين سودانيين علناً وشمل ذلك رفض استقبال وزير الخارجية الأسبق على عثمان محمد طه، ورفضها دعوة السودان للمشاركة في قمة الدول الفرنكفونية في باريس عام 1998. في موازاة ذلك استقبلت باريس خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي مسؤولين من الصف الثاني ووزراء سودانيون مكلفون بملفات مهمة مثل النفط والاقتصاد، كما استقبلت وتحت جنح السرية مختلف القيادات الأمنية والعسكرية.

وجاء التغيير في المنهج الفرنسي في أغسطس عام 1998 وقبل أيام من القصف الأمريكي لمصنع الشفاء في الخرطوم بحري عندما استقبلت العاصمة السودانية وزير التعاون الفرنسي شارل جوسلن في إطار مهمة استكشافية، استبقها بلقاءات مع قيادات المعارضة، وفي مقدمتهم الدكتور جون جرانج في القاهرة. وفتحت الزيارة الأبواب أمام إقامة علاقات عادية بين البلدين، لا سيما وأن ذلك تزامن مع ارتخاء القبضة الأمنية للنظام السوداني ومحاولته تقديم صورة جديدة لنفسه تقوم على أساس تطبيع العلاقات والأوضاع الداخلية. وزار وزير الخارجية السوداني د مصطفي عثمان إسماعيل باريس نهاية عام 1999 في أول زيارة في إطار العلاقات الثنائية بهذا المستوى وكان يمكن أن تكون أنجحها لولا ما نقل عن رفض الرئيس الفرنسي جاك شيراك استقبال المسؤول السوداني، وبقاء لقاءاته على المستوى الوزاري مع العلم أن الرئيس البشير كان قد استقبل وزير التعاون الفرنسي عند زيارته للخرطوم.

ويلاحظ أن مرحلة التعايش بين الرئيس جاك شيراك اليميني وحكومة ائتلاف اليسار بقيادة الحزب الاشتراكي والتي تضم الحزب الشيوعي وحزب الخضر ويرأسها ليونيل جوسبان، والتي واصلت السياسة نفسها مع السودان مع اختلاف طفيف هو إخراجها للعلن وقيادتها للحوار الأوربي السوداني. إذن يمكن الاستنتاج من هذا الاستعراض السريع لتشكيلات الحكم في فرنسا وإتباعها لذات النهج والسياسة مع السودان طوال سنوات التسعينيات من القرن الماضي إلى أنه على العكس مما تروج له بعض الدوائر في فرنسا من أن سياستها السودانية طارئة ومرتبطة بمتطلبات آنية وأن السودان يوجد خارج الأولويات الإستراتيجية للدولة والدبلوماسية الفرنسية ، يبدو واضحا أن هذه السياسة التي لاقت توافقا من كل أطراف اللعبة لها أسسها ومبرراتها في البناء الإستراتيجي الفرنسي وأن فرنسا وجدت هوى إستراتيجياً وأمنياً في هذه السياسة لذا واصلتها دون انقطاع على مدى عشر سنوات. أما فيما يتعلق بعلاقة فرنسا الرسمية وشبه الرسمية بالتجمع الوطني الديمقراطي الإطار الجامع للمعارضة السودانية، وبفصائل التجمع الرئيسة كل على انفراد، فيلاحظ ما يلي:

(1) أن فرنسا فضلت، وما زالت تفضل، التعامل مع فصائل التجمع كل على حدة. لذا فإن باريس استقبلت كل قيادات فصائل التجمع في الخارج بدءاً من العقيد جون جرانج ومنصور خالد ودينق الور من الحركة الشعبية، والصادق المهدي والتيجاني سيسي من حزب الأمة ، وحاتم السر من الحزب الاتحادي وعز الدين على عامر والتيجاني الطيب والشفيع خضر من الحزب الشيوعي بالإضافة للعديد من الشخصيات المستقلة المعارضة من الشمال والجنوب. لكن كل محاولات دعوة وفد جماعي يمثل قيادة التجمع باءت بالفشل وهو ما يفسر جزئيا أسباب عدم قيام السيد محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع بزيارة رسمية للجمهورية الفرنسية.

(2) أن فرنسا ظلت تنظر للجيش الشعبي لتحرير السودان والذي يمثل الفصيل العسكري الرئيس في التجمع على أنه جزء من الإستراتيجية الأمريكية المنافسة في منطقة البحيرات ومن ثم اعتمدت موقفا حذرا منه، وهو ما بادله إياها الجيش الشعبي بعد تداول المعلومات عن التعاون الأمني والعسكري بين السودان وفرنسا. كما أن لباريس نظرة مطابقة للدول الداعمة للجيش الشعبي وللمعارضة السودانية وفي مقدمتها أوغندا وإريتريا التي تعدها مخالب للإستراتيجية الأمريكية.

(3) أن المعارضة السودانية تعاملت برد الفعل المباشر مع السياسة الفرنسية ( ما عدا بعض الفصائل ) واتخذت موقفا ناقدا ومتشددا من فرنسا بدلا عن اتخاذ موقف هادئ وفتح حوار مع باريس في إطار تفهم نظرتها الإستراتيجية وأخذ مصالحها في الحسبان كما فعلت مع مصر على سبيل المثال مما قاد إلى صعوبات في علاقتها مع باريس استفاد منها النظام.

(4) أن فصائل المعارضة لم تستفد بالصورة المثلى من تضامن المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني مع قضيتها، لجهلها أو تجاهلها لدور هذه المنظمات في الضغط على الحكومة الفرنسية في اتجاه تغيير سياستها تجاه السودان. آخر الملاحظات، أن الحكومة الفرنسية والمعارضة السودانية ستكونان عاجلا أم آجلا مضطرتان للدخول في حوار طالما أن للأولى مصالح في السودان والمنطقة المحيطة به وطالما أن المعارضة تقدم نفسها بديلاً للنظام الحاكم؛ لذا فإن الإسراع بمثل هذا الحوار يجنب الطرفين الكثير من الجهد والمشقة في المستقبل.

ثالثاً: أزمة الوجود الفرنسي في أفريقيا

  1. التحدي الأفريقي

تشكّل القارة الأفريقية إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية الفرنسية، وهو الأمر الذي عبَّر عنه الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران في القمة الفرنسية – الأفريقية التي عقدت في بيارتيز بفرنسا (نوفمبر 1994)، حيث أكَّد للحاضرين أنه بدون أفريقيا فلن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الحادي والعشرين، وهو الأمر الذي يدلل على مدي الاهتمام الفرنسي بأفريقيا ومدي التعويل عليها في بناء وبقاء مكانة فرنسا الدولية، وهو ما يعني أيضا أن تلك العلاقة مع أفريقيا بلغت من وجهة النظر الفرنسية إلي مستوي العلاقة المصيرية. ويبدو أن هذا الإدراك ليس مقصورًا على ميتران فقط، بل هو مواصلة لسياسة ثابتة، حيث سبقه في ذلك الجنرال ديجول، الذي أرسى تقليدًا لا يزال ساريًا، يشرف بموجبه رئيس الدولة الفرنسية ومستشاريه على ملف الشؤون الأفريقية، ويصنف هذا الملف على أنه “بالغ السرية”. كما ربطت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وزارة التعاون الدولي مع أفريقيا بوزارة الخارجية لضمان فاعلية التواصل مع قضايا.

لقد شهد عام 1998 والربع الأول من عام 1999 إصدار القانون الأمريكي الخاص بالتجارة والفرص مع أفريقيا ثم زيارة الرئيس كلينتون لدول في القارة وعقد قمة مع عدد من القادة الأفارقة في عاصمة أوغندا، وبعد ذلك قدمت الإدارة الأمريكية مقترحا بإنشاء سوق مشتركة مغاربية/ أمريكية في إطار شراكة مع تونس والجزائر والمملكة المغربية كما توالت زيارات المسؤولين الأمريكيين الكبار من مدنيين وعسكريين لدعم الروابط والعلاقات مع دول أفريقيا بما في ذلك جمهورية جنوب أفريقيا في إطار الشراكة الإستراتيجية بين الدولتَين.

وتجدر الإشارة إلى انعقاد مؤتمر في 16 مارس 1999 في واشنطن تلبية لدعوة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ـ وبرئاسته ـ التي وجهت إلي 46 دولة أفريقية وتركز موضوع المؤتمر على السياسة الأمريكية لبناء الشراكة الأفريقية/ الأمريكية من أجل النمو والتجارة والفرص الاقتصادي واقتراح الرئيس الأمريكي بإلغاء مبلغ 70 مليار دولار قيمة ديون مستحقة على الدول الأفريقية الفقيرة وإنشاء مركز أمريكي كبير للدراسات الأفريقية في أفريقيا وأيضا اعتماد اقتراح بيع جزء من الرصيد الذهبي لدي صندوق النقد الدولي لتمويل المساعدات للدول الأفريقية وتخفيض أعباء ديونها.

  1. التحدي الأمريكي

في إطار المزاحمة الأمريكية للوجود الفرنسي في أفريقيا، فقد سبق لوزير الخارجية الأمريكية الأسبق وارن كريستوفر إبان جولته الأفريقية عام 1995 أن رفع التحدي علناً في وجه الدبلوماسية الفرنسية ذات الحضور القوي في أفريقيا آنذاك ، وذكر ” لقد انتهى الزمن الذي كانت بعض الدول تقرر تقسيم أفريقيا إلى مناطق نفوذ ” و أضاف ” إن أفريقيا بحاجة إلى دعم كل أصدقائها وليس إلى رعاية حصرية من قبل البعض”. ثم اختتم تصريحه بأن زيارته عززت ثقته وقناعته بأن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تحافظ على وجودها ونشاطها في هذه القارة ” وقد عملت أمريكا بالفعل على زيادة وتيرة التبادلات التجارية وزيادة نسبة الاستثمارات في جنوب القارة وفي مناطق جنوب الصحراء.

واتساقا مع هذا التوجه فقد أعلنت الولايات المتحدة أنها عازمة على التخلص من القيود التي كانت تحد من حريتها في القارة الأفريقية أثناء الحرب الباردة، وقد عززت تحالفها مع جوناس سافيمبي زعيم الاتحاد الوطني لاستقلال أنجولا (يونيتا) الذي كان يقود المعارضة المسلحة بدعم أمريكي مباشر ضد النظام الموالي للاتحاد السوفيتي سابقاً . وتقوم الولايات المتحدة بتقديم الدعم لدول أفريقية أخرى مثل أوغندا وبوروندي ورواندا وإثيوبيا في إطار علاقات ثنائية يجري تطويرها بهدوء.

كذلك فقد سعت إدارة كلينتون السابقة وبعدها إدارة جورج بوش الابن حالياً إلى تقوية النفوذ الأمريكي في القارة الأفريقية حتى لو كان ذلك على حساب النفوذ الفرنسي التقليدي في جميع المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية بعد أن رسخت الهيمنة الأمريكية على شؤون الكوكب وقيادة النظام العالمي، وقد سبق لواشنطن أن أنشأت صندوق دعم لأفريقيا بقيمة 350 مليون دولار لمساعدتها في تنفيذ مشاريع البني التحتية للقطاع الخاص، وتشجيع الاقتصاد الحر، وتفكيك منظمة الاقتصاد المخطط والمركزي، وإنهاء ما يسمى بالقطاع العام لكي يسهل على مؤسساتها الخاصة التغلغل في النسيج الاقتصادي الأفريقي، وقد أعلنت مؤسسة الاستثمار الأمريكية الخاصة عبر البحار أنها ستستثمر 41 مليون دولار في خمسة مشاريع في أنجولا وليسوتو وناميبيا وجنوب أفريقيا، وأنشأت صندوق البنية التحتية لأفريقيا لتقديم المساعدات والمعونات في مجالات النقل والاتصالات والطاقة والمياه والتجهيزات الصحية لتوفير 7 آلاف فرصة عمل إضافية بتكلفة 350 مليون دولار وهذه هي الترجمة الفعلية والعملية لجولة بيل كلينتون في آذار مارس 1998 التي أشرنا إليها قبل قليل.

لقد أصبحت مسألة التعامل مع النفوذ الأمريكي المتزايد في القارة ومواجهته، خاصة بعد الحرب الباردة، وبعد تراجع مكانة بريطانيا، تمثل عبئاً على صانعي ومتخذي القرارات والسياسات الفرنسيين، وهذا ما يلاحظ من تصريحات المسؤولين الفرنسيين والأمريكيين، ففي أثناء زيارة وليام ديلي وزير التجارة الأمريكي الأسبق للقارة في ديسمبر 1998، أي بعد انعقاد القمة “الأفريقية ـ الفرنسية” العشرين بأيام قليلة، أكَّد أن هناك دولاً عديدة أصبحت مؤهلة للخروج من دائرة نفوذ الأوروبيين ـ فرنسا تحديدًا ـ وأن بلاده مصمّمة على الالتزام بشكل قاطع وعلى مدى طويل بعملية الاستثمارات الجارية في أفريقيا. وفي المقابل فقد انتقد الرئيس شيراك في القمَّة الأفريقية – الفرنسية العشرين السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، ورأى أنها تقوم على مبدأ المصلحة فقط، وليس مبدأ التكافؤ، كما انتقد الشعار الذي رفعه الرئيس الأمريكي السابق كلينتون، وهو: “شراكة لا تبعية مع أفريقيا”، ويرى في المقابل أهمية تقديم المساعدات بجانب الاستثمارات.

ومن هذا المنطلق فقد شعر المسؤولون الفرنسيون بخطورة الهجمة الأمريكية ضد مصالحهم في أفريقيا، ولكنهم شعروا أنهم عاجزون عن الوقوف في وجهها بمفردهم، ما دعا أحد المسؤولين الفرنسيين إلي توضيح أنه “على الشركاء الأوروبيين أن يقفوا إلى جانب بلاده في توازن القوى القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا في أفريقيا”، وشدد أيضاً على “أن فرنسا ينبغي أن تكون واثقة من الاعتماد على شركائها الأوروبيين لأنها لا تستطيع أن تفعل ذلك وحدها”، كما ذكر” أن تفاقم الوجود الأمريكي في أفريقيا يتطلب دوراً أوروبياً موحداً لمواجهته، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يضطلع بدور مهم في أفريقيا “. و أشار المسؤول الفرنسي إلي ” أن الذي يحدو بأمريكا للشروع بمثل هذا التحدي ليس لدوافع سياسية بحتة فحسب، بل هناك دوافع اقتصادية” وأوضح كذلك ” أن نتائج الأبحاث والتنقيبات النفطية تحمل على الاعتقاد أن خليج غينيا يحوي احتياطات هائلة من النفط قد توازي في حجمها احتياطات الخليج العربي وهذا ما يثير شهية وأطماع الولايات المتحدة”.

وهكذا بقدر ما كانت فرنسا تتراجع بخطوات سريعة في شأن القضايا التي كانت تتبناها وتدافع عنها، كانت الولايات المتحدة تتقدم بخطوات أسرع لملء أي فراغ تتركه فرنسا من ناحية، ولتربح مواقع جديدة في القارة الأفريقية ولا سيما في مناطق النفوذ الفرنسية التقليدية في أفريقيا من ناحية أخري، والدليل على ذلك تنامي علاقات التعاون بين كل من الولايات المتحدة والعديد من الدول الفرنكفونية الشديدة الارتباط بفرنسا لسنوات طويلة ومنها السنغال والمغرب والكاميرون وساحل العاج وجيبوتي وتونس ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية، وهكذا فإن القائمة آخذة في التزايد، في الوقت الذي تذهب فيه السياسة الفرنسية للأخذ بسياسة دفاعية تارة، وبسياسة تكيف تارة أخري في محاولة منها لمجرد البقاء.

علاقات إسرائيل بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

أولا. جذور الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية ودوافعه

  1. جذور الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية

أ. الاهتمام بالمنطقة وطناً قومياً مقترحاً لليهود

لم تكن أفريقيا بالبعد المكاني أو الجغرافي المستحدث على خريطة الاهتمام الصهيوني؛ فما كان يُعرف “بمشروع أوغندا Oganda project أو إقامة مستعمرة يهودية في أفريقيا في بدايات القرن العشرين مستقراً للوطن اليهودي المقترح، تم بحثه فيما بين القيادة الصهيونية ممثلة في ثيودور هرتزل واللورد تشمبرلين وزير المستعمرات البريطاني. وقد كان من ضمن البدائل التي ناقشتها المؤتمرات الصهيونية وتبناها قطاع من الصهيونيين الذين يعرفون بالعمليين، وبعد أن منحت بريطانيا، دولة الانتداب على فلسطين، اليهود الحق في إقامة دولة لهم في فلسطين بموجب وعد بلفور 1917، ثم تأسيس دولة الكيان الإسرائيلي واعتراف عدد من دول العالم بها، فقد اتجهت نحو محاولة الاتصال بالنطاق القاري الأفريقي والآسيوي والاهتمام به، بحسبان أن ذلك من الأولويات الرئيسة للقيادة الصهيونية لكسر عزلتها والخروج إلى نطاق الارتباط العالمي، مع عدم إغفال الأبعاد الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن يحققها ذلك الأمر.

وبناءً على هذا التصور المبدئي، فقد كانت السيطرة على إيلات وإقرار الملاحة في خليج العقبة والبحر الأحمر في أعقاب العدوان الثلاثي (البريطاني والفرنسي والإسرائيلي) عام 1956 تمثل هدفاً لإقرار هذا الأمر وتدعيمه؛ حيث يُسهل عملية الاتصال بالقارتين. وقد أعطت معطيات الارتباط الغربي بإسرائيل دفعة قوية لهذا التوجه الصهيوني المبكر، وإذا كانت إسرائيل قد استطاعت أن تحدث اختراقاً مبكراً لعقل المجتمع الغربي وفكره فإن عملية إدارة الصراع الإقليمي فرضت عليها بذل أقصى درجات الحرص على دعم علاقاتها بالدول المختلفة وخاصة الدول الأقرب، والتي يمكنها تقبل بالوجود الإسرائيلي في المنطقة، وكانت دول القارة الأفريقية هى المرشحة لهذا التقارب.

ب. الاهتمام بالمنطقة كبديل احتياطي

لقد واصل مؤسسو الصهيونية التفكير في أفريقيا على أنها امتداد ممكن للكيان الصهيوني، أكثر من كونها وطنًا لليهود، ولمّا كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا في مناطق يستطيعون فلاحتها بأنفسهم، ويسمونها وطنًا مشتركًا، فقد عدت فلسطين مكانًا غير مناسب لكل اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا بهذه الطريقة. ولذلك فإن هرتزل رأى أن شرق أفريقيا يعد مكاناً مناسباً للموجة الثانية من الاستعمار اليهودي لا الموجة الأولى”.

وهكذا يتضح مما تقدم أن دولة الكيان الصهيوني تشكل ما يمكن تسميته “الفاتيكان المسلح”، حيث أصبح لليهود مركز قيادة مستقل للصهيونية العالمية في أرض فلسطين، يتولى تنسيق نشاطات الجماعات اليهودية في مختلف أرجاء العالم، والتي من المتصور أن يبقى معظمها خارج الكيان الصهيوني ليتولَّى مهمة تعبئة التأييد السياسي والمالي لها، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود مركز تبادلي أو احتياطي للمركز في شرق أفريقيا.

ويبدو أن منطقة شرق أفريقيا ـ والتي كانت مطروحة في السابق وطناً قومياً لليهود تشكّل المركز “الاحتياطي” أو “التبادلي” للحركة الصهيونية، ويظهر ذلك جليًا من النشاط الصهيوني المكثف في المنطقة بعون أمريكي، في كل الظروف والمتغيرات، وهو نشاط استهدف في جانب كبير منه تطويق العالم العربي من الجنوب، وتقليص المد الإسلامي على أطرافه، بالتعاون مع المسيحية العالمية، ابتداء من افتعال الصراع الموريتاني ـ السنغالي والتهديد بضرب القدرات العسكرية للجزائر، والوجود العسكري الأمريكي- الصهيوني في تشاد، والمساعدات لحركة التمرد في جنوب السودان من جانب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ومجلس الكنائس العالمي، ثم التدخل في أحداث القرن الأفريقي لترتيب الأوضاع لصالح الإمبريالية الأمريكية والصهيونية. وكل ذلك تمهيد لتعزيز مركز “تبادلي” أو احتياطي آمن للحركة الصهيونية يحقق لها الأغراض الدفاعية المذكورة من جهة، والأغراض الهجومية المتمثلة في تقليص الوجود الإسلامي في أفريقيا، والتحكم في منابع مياه النيل، ومدخل البحر الأحمر من جهة ثانية.

ج. الاهتمام بالمنطقة كمرتكز للتواصل مع الأقليات اليهودية في أفريقيا

يقوم اليهود الأفارقة بدور رئيس في دعم العلاقات الأفريقية ـ الصهيونية, لا سيما أن أي يهودي في العالم له الحق في الحصول على جنسية دولة الكيان والهجرة إليها والاتصالات مع يهود أفريقيا مستمرة, سواء عن طريق الكيان نفسه أو عن طريق الوكالة اليهودية. لقد شكلت الهجرة اليهودية الأفريقية إلى فلسطين ما نسبته 16% من مجموع السكان اليهود, وارتفعت هذه النسبة إلى حوالي 18,5% بعد قدوم يهود الفلاشا وغيرهم, ومن ثم فإن هذه النسبة كفيلة بأن تكون جسرا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بين الكيان وأفريقيا. وينفرد التعامل الصهيوني مع القارة الأفريقية بدرجة عالية من الخصوصية يتَّضح ذلك في جانبين؛ أولهما: يتمثَّل في عملية الربط الأيديولوجي والحركي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنوجة، وثانيهما: يتمثّل في التعمد الصهيوني التعامل مع جماعات إفريقية بعينها تدعيمًا لاستمرارها في السلطة إن كانت حاكمة، أو توسيعًا لدورها في نشر حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول الأفريقية، ويمكن الإشارة إلى ذلك كالتالي:

(1) عملية الربط الأيديولوجي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنجية

تظهر علمية الربط الأيديولوجي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنجية والتي حاكتها الصهيونية العالمية في عدة أوجه منها:

(أ) الزعم بخضوع كل من اليهود والأفارقة (الزنوج) لاضطهاد مشترك، فكلاهما ضحايا للاضطهاد وللاثنين ماضٍ مؤلم، وأنهما من ضحايا التمييز العنصري، وبينهما من هنا تفاهم متبادل، ويزيد من تلاقي تطلعاتهما أن لهم جذورًا ممتدة في ماضيين متشابهين جوهراً، ومن ثم فإن سياسة الكيان في أفريقيا تعدّ تطلعاً أصبح يتمثل في الرغبة الصهيونية في مساعدة الذين عانوا المآسي كالشعب اليهودي.

ويؤكد موسى ليشم ـ والذي كان رئيسًا للإدارة الأفريقية في الخارجية الصهيونية ـ على أن العلاقات القوية التي تطوَّرت بين دولة الكيان وأفريقيا إنما تتصل بالروابط التي قامت بين اليهود والأفريقيين، فجذور التعاطف بينهما تتمثل أساسًا في أن المدنية السائدة صنفت اليهود الزنوج أجناساً منحطة، وأن التجربة التاريخية والنفسية متشابهة بينهما، وتمثَّلت في تجارة الرقيق وذبح اليهود، وهذا التماثل ليس ذا طبيعة تاريخية أو مجردة فقط، ولكنه يتأكد من خلال التطلع اليهودي لتجديد ما أسماه وجودهم القومي، وكذلك من خلال كفاح الأفريقيين للتعبير عن أنفسهم في ظل الاستقلال، أي من خلال رغبة كل من الشعبين في حفظ قيمه الثقافية.

(ب) إضفاء المسحة الصهيونية على حركة الجامعة الأفريقية، فمنذ أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي ومع أخذ الحركة الصهيونية، وحركة الجامعة الأفريقية إطارهما التنظيمي فقد أطلق على حركة الجامعة الأفريقية اسم “الصهيونية السوداء”، وأطلق على أحد زعمائها المتصدرين لفكرة “عودة الزنوج الأمريكيين إلى وطنهم الأصلي أفريقيا” -وهو ماركوس جارفي اسم- “النبي موسى الأسود”، بل إن تشبه الزنوج بالكيان الصهيوني وإضفاء طابع ديني على حركتهم للعودة إلى أفريقيا يوضّح هذا التأثير بالفكر الصهيوني إلى حد بعيد. فقد كان الأسقف ألكسندر وولترز ـ أحد أساقفة كنيسة صهيون الأسقفية الميثورية الأفريقية ـ أكبر سند لسلفستر ويليامز -أول داعية لحركة الجامعة الأفريقية-، والذي نظَّم أول مؤتمراتها في لندن عام 1900 بمساعدة من كنيسة صهيون ودعمها، وكان معروفًا أن زعماء هذه الكنيسة يستندون إلى العهد القديم من الكتاب المقدس، وخاصة عندما “عدوا للهروب من العبودية على مثال ما حدث لبني إسرائيل، واستعانوا بالآيات الخاصة بالحياة الأخرى من موت وبعث وخلود ليسبغوا على حركاتهم نوعًا من هالة قدسية، أو رضىً إلهي”.

(ج) أن عملية الربط بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية قد استهدفت من بين ما استهدفت مواجهة الإسلام في أفريقيا من جهة، وضرب العلاقة بين حركة التحرر العربية والأفريقية من جهة أخرى؛ إذ صرح عديد من القيادات الدينية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية مبكرًا أن الهدف من تهجير الزنوج الأمريكيين إلى أفريقيا إنما يستهدف نشر المسيحية فيها من خلالهم، والوقوف أمام انتشار الإسلام في القارة.

وبعد الحرب العالمية الثانية فقط، أدركت دولة الكيان والقوى الاستعمارية أهمية “القيادات الوطنية” والمثقفة في أفريقيا مع المد التحرري الذي بدت عليه الحياة السياسية الأفريقية؛ فكان اقترابها البارز في البداية من نكروما ونيريري وسنغور أكثر من غيرهم. وقد كان وزن هؤلاء في حركة التحرر الأفريقية ضروريًا للكيان والغرب عامة لتحجيم صلة هذه الحركة بحرية التحرر العربية، وبالطبع فقد أفاد في هذا الأمر ميراث الصهيونية والزنوجية المبكر من جهة، بل وطبيعة ميراثهم من الفكر الليبرالي، وحتى اليساري الأوروبي في توجهه نحو الكيان الصهيوني من جهة أخرى.

(د) كان من نتائج ما تقدم أن ظهرت دولة الكيان إلى الوجود متمتعة برصيد من التعاطف المنبثق عن العوامل الدينية والثقافية، دون أن يثقل كاهلها شيء من سلبيات الصدام أو التعامل العدائي بينها وبين القارة الأفريقية وأهلها، على عكس العرب الذي اتُّهموا في هذا السياق بمزاولة تجارة الرقيق في أفريقيا. وقد كانت استجابة الزعماء الأفريقيين للتعامل مع الكيان الصهيوني في المجالات كافة سريعة وودية، فمن المعروف أن ليبريا كانت أول دولة إفريقية تعترف بالكيان الغاصب، وثالث دولة اعترفت بها في العالم (بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) عام 1948.

(2) التركيز على دعم العلاقات مع جماعات أفريقية محددة

تتضح هذه الخصوصية في التعامل الصهيوني مع القارة الأفريقية، والتي تعدّ من ثوابت السياسة الخارجية الصهيونية في أفريقيا، والتي تتجاوز التعامل المؤقت مع أنظمة الحكم الأفريقية – بافتراض عدم استقرارها- إلى التعامل المستقر وشبه الدائم مع جماعات بعينها تتَّسم بثقل عددي وسياسي، فتقوم بمساندتها إذا كانت تشكّل قاعدة للسلطة القائمة دعمًا للاستقرار السياسي، وتوطيد الأواصر والعلاقات مع الكيان، أو تقوم بمساندتها إذا كانت خارج السلطة السياسية لإشاعة حالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي في دولة تعدّ معادية للكيان. ولم تغفل دولة الكيان في هذا المقام أهمية الربط الأيديولوجي بين التقاليد الصهيونية وتقاليد هذه الجماعات، كما هو الحال مع جماعة الدينكا في جنوب السودان، وجماعة الأمهرا في إثيوبيا.

  1. دوافع الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية

لم يكن التوجه الصهيوني نحو أفريقيا فجائياً أو غير مخطط له، إنما ظهر هذا التوجه في بدايات تكوين الدولة اليهودية والتي سعت لتوثيق علاقاتها بدول العالم، ولم تكن لتتردد عن التقدم إلى الدول المختلفة عارضة عليها نفسها، كما حدث مع الصين الشعبية عندما أرسل “موشى شاريت” أول وزير خارجية لدولة إسرائيل إلى “شواين لاى” رئيس الوزراء الصيني في 9 يناير عام 1950، عارضاً الاعتراف الإسرائيلي بالصين، ولكن الصين رفضت الطلب الإسرائيلي في حينه لحسابات خاصة برغبتها في عدم إغضاب العرب.

ولذلك فإن الدوافع التي حدت بإسرائيل إلى التوجه إلى أفريقيا تمثلت أساساً في أن أكثر من 15% إلى 17% من سكان إسرائيل من اليهود قدموا أساساً من أفريقيا في الفترة الحرجة للدولة اليهودية الممتدة من عام 1948 حتى عام 1967. واستمرت حتى تهجير يهود إثيوبيا الفلاشا في ثمانينيات القرن الماضي. وهذا الأمر المرتبط بالوضع السكاني في إسرائيل دفع إلى الاهتمام بالواقع الأفريقي وبالقطع فقد لعب هؤلاء المهاجرون من أفريقيا لإسرائيل دوراً كبيراً في دفع عجلة الاهتمام بالوضع الأفريقي.

فإذا كان معظم المهاجرين الأوائل من أفريقيا من يهود البلاد العربية الأفريقية وخاصة دول الشمال الأفريقي، فإن عملية تهجير يهود أثيوبيا، وما ارتبط بها من أحداث أظهرت أن النشاط الصهيوني في أفريقيا يعتمد الانتقائية في عمليات التهجير. فهؤلاء اليهود من الفلاشا – والذين يشكك كثير من الإسرائيليين أنفسهم في حقيقة يهوديتهم ومن ثم عدم استيفائهم لشروط حق العودة وما يمكن أن يسببه ذلك في انتفاء نظرية الاختصاص اليهودي عليهم التي روجت لها الدعايات التاريخية منذ أمد بعيد.

ولكن إسرائيل عندما ركزت عليهم، رغم الشكوك التي أحاطت بهم، كانت ترى أن هؤلاء الأفارقة يمكن أن يحلوا عمالةً مكان الفلسطينيين وأيضاً يمكن تجنيد العديد منهم في جيش الدفاع الإسرائيلي، وبطبيعة الحال فإن واقع الحياة في أثيوبيا ساعد كثيراً على هجرة هؤلاء الأثيوبيين إلى إسرائيل. ومع ذلك فإن إسرائيل لم تلعب الدور نفسه مع الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا، حيث صنفتها من الجاليات التمويلية كيهود الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً فإن وضع هؤلاء اليهود ساعد إسرائيل كثيراً في تدعيم مركزها في الجنوب الأفريقي، وهو ما سنتعرض له لاحقاً، وإقامة مزيد من التعاون مع النظام العنصري هناك، قبل انتقال الحكم إلى الوطنيين الأفارقة بقيادة “نيلسون منديلا”.

ولكن الدافع الإسرائيلي للتوجه إلى أفريقيا لم يقتصر على ذلك فقط، إنما معطيات الواقع الأفريقي أعطت اهتماماً كبيراً لدوافع الارتباط الإسرائيلي مع القارة، ولا سيما العامل الجغرافي الذي يفصح عن أن أفريقيا هى البعد المكاني الأقرب إلى إسرائيل. وهذا الأمر حاولت من خلاله إسرائيل الالتفاف حول النطاق العربي المحيط بها وما يسببه من تضييق على الاقتصاد الإسرائيلي، وكان الأمل نحو الارتباط الأفريقي يحدوها في التغلب على معوقات البناء والتنمية الإسرائيلية ويوفر مورداً للاحتياجات، وخاصة المواد الخام، وسوقاً كبيرة؛ وأيضاً فإن إسرائيل، وعلى ضوء الموقف الإستراتيجي الذي فرضته الحركة المصرية في تأييدها لثورة اليمن عام 1962 من ميزة إستراتيجية نسبية للمصريين والعرب في صراعهم مع إسرائيل، سارعت إلى الاهتمام بالارتباط بدولة أثيوبيا الجار غير العربي على سواحل البحر الأحمر، لا سيما أنها كانت ثاني دولة أفريقية تعترف بها (أول دولة أفريقية اعترفت بإسرائيل هي ليبيريا وذلك عام 1948).

ومن الدوافع المهمة التي ساعدت ومهدت على التركيز الإسرائيلي على التغلغل والارتباط بالقارة الأفريقية ومهدت له، هو النجاح النسبي للحركة الإسرائيلية أفريقيا عنها آسيوياً، حيث إن قارة آسيا بها عدد أكبر من الدول الإسلامية التي تقف عائقاً في سبيل الارتباط والتغلغل الإسرائيلي هناك، كما أن القوى الكبرى الآسيوية مثل الصين صدت التقارب الإسرائيلي معها ولم تسمح لإسرائيل، بالنفوذ إلى مؤتمر باندونج عام 1955، وشعرت القيادة الإسرائيلية أن المردود الإسرائيلي في أفريقيا سوف يكون أسرع ارتباطاً بتسويق المشروع الصهيوني هناك، وتصوير اليهود على أنهم المعانون والمضطهدون مثل الزنوج الأفارقة. وإن إسرائيل بلد صغير ليس له أطماع الدول الاستعمارية الكبرى التي جثمت عقوداً طويلة محتلة بلدان القارة الأفريقية.

ثانياً: الأهداف والمصالح الإسرائيلية في أفريقيا

1. أهداف السياسة الإسرائيلية في أفريقيا

يرى أ د. إبراهيم نصر الدين أن أهداف السياسة الخارجية الصهيونية في أفريقيا تكاد تنحصر فيما يلي:

أ. الدفاع عن بقاء دولة الكيان ووجود وضمان أمنها، وذلك من خلال فك طوق العزلة العربية المفروضة عليها سياسيًا واقتصاديا، كي تتمكن من الخروج من هذه العزلة المفروضة عليها إقليميا (عربيًا) لتتجاوز المسرح الإقليمي إلى ما وراءه (أفريقيا) والحصول على أكبر تأييد دولي لوجودها وسياساتها من جانب؛ ثم العمل على تطويق الدول العربية ومصر خاصة لتهديد أمن مياه النيل، وتأمين موانئ البحر الأحمر، والتأثير على اقتصاديات الدول العربية وعرقلة نموها من جانب ثانٍ. فضلاً عن السعي لخلق تيار مناهض للعرب ومؤيد للكيان الصهيوني في أفريقيا من جانب ثالث.

ب. خلق مجال حيوي لطاقاتها وإمكاناتها الإنتاجية والفنية، على نحو يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من زيادة التبادل التجاري، وخلق سوق واسعة للصادرات الصناعية الصهيونية، وضمان مورد مهم للخامات، وخلق مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لدى الكيان الصهيوني.

ج. توثيق الروابط بينها وبين الاستعمار لضمان المصادر التمويلية، وخدمة مصالح الاستعمار ومواجهة نشاط الكتلة الشيوعية في أفريقيا.

غير أنه يلاحظ أن الكثيرين في تحديدهم لأهداف السياسة الخارجية للكيان في أفريقيا قد تجاهلوا وضع هذه الأهداف في منظومة أولويات السياسة الخارجية الصهيونية بعامة من جهة، ثم إنهم أغفلوا فرز هذه الأهداف لتحدد أيها ذو طبيعة تكتيكية مرحلية، وأيها ذو طبيعة إستراتيجية طويلة المدى من جهة أخرى، خاصة بعد أن أصبح وجود الكيان الصهيوني مؤكدًا، وأمنه مضمونًا، بل وأصبح يهدّد أمن الآخرين والاعتراف به قائمًا، وعزلته الاقتصادية والسياسية مقوَّضة، وعلاقاته الاقتصادية مع الدول الأفريقية مؤمَّنة ومتنامية. ومن ثم يرى البعض أن الأهداف الإستراتيجية للسياسة الخارجية الصهيونية بصفة عامة تتمثل في ثلاثة أهداف هي:

أولها: ضمان حماية الأمن القومي الإسرائيلي

يتركز هذا الهدف على ضرورة التأكيد على “تأمين الوجود والبقاء للكيان الإسرائيلي”، حيث يتسم هذا الوجود بخاصتين:

الأولى: أنه يسعى إلى المحافظة على الشخصية النقية للدولة (دولة دينية).

الثانية: أنه وجود ديناميكي متمدد وتوسعي تحت ضغط الهجرة المتزايدة التي تأتي إعمالاً “للوعد الإلهي” وفكرة “أرض الميعاد”.

وبناء على ذلك فإن الأمن القومي الإسرائيلي يستهدف في حالة منطقة القرن الأفريقي البعُد الإستراتيجي المتمثل في تحقيق السيطرة الإقليمية بغرض الالتفاف على أشكال العزلة التي تفرضها الدول العربية حول إسرائيل، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وذلك بضمان الوجود الإسرائيلي من خلال الدولة الأفريقية الوحيدة على البحر الأحمر إثيوبيا ووريثتها بعد ذلك اريتريا، في إطار ضمان تلبية احتياجات إسرائيل الاقتصادية وخاصة في مجالات التسويق والعمالة والمواد الخام، وأيضاً ضمان تحقيق الاتصال بالأقليات اليهودية الأفريقية وتشجيعها على الهجرة إلى إسرائيل وهو ما تحقق بالنسبة ليهود الفلاشا في أثيوبيا، ومن قبل يهود الشمال الأفريقي العربي الذين غادر معظمهم بلدانهم التي كانوا يعيشون فيها تحت تأثير الدعاية الإسرائيلية التي أثارت الفزع فيما بينهم، أو من خلال التضييق الذي اعتمدته بعض الأنظمة العربية حول يهودها خوفاً من اتصالهم بإسرائيل.

ثانيها: ضمان اكتساب الشرعية الدولية للكيان الإسرائيلي

ينطوي هذا الهدف على تأمين القبول والرضا وضمانه من جانب دول المجتمع الدولي لوجود الكيان الإسرائيلي، وكذلك ضمان الاعتراف القانوني والواقعي بالوجود الصهيوني وأمنه في المنطقة العربية، ومن قبل الدول العربية. لقد عبر دافيد بن جوريون أول رئيس لوزراء إسرائيل عن أهمية ذلك وأكد “أن الطريق الأكثر ضمانة للوصول إلى السلام والتعاون مع جيراننا لا يكون بدعوة شعب إسرائيل ووعظه بالسلام كما يفعل بعض محبي السلام من البسطاء ولكن عن طريق الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصدقاء في آسيا وأفريقيا الذين سيفهمون أهمية إسرائيل وقدرتها على الإسهام في تقدم الشعوب النامية والذين سينقلون ذلك المفهوم إلى جيرانهم العرب”. ويعبر أحد الكتاب الإسرائيليين عن نفس الفكرة في قوله: “إن إسرائيل لا تقوم بعمل خيري في أفريقيا وأن النشاط الإسرائيلي ليس منزهاً تماماً عن المصلحة العامة والصريحة، لتحطيم الحصار العربي وأن نجد جيراناً صالحين يستطيعون أن يعملوا في الوقت المناسب للتقريب بين إسرائيل والبلاد العربية”.

ولذلك استمد التحرك الإسرائيلي في أفريقيا زخماً لتأمين اعتراف سياسي وتسويق المفاهيم الإسرائيلية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال إظهار إسرائيل بمظهر الدولة الضعيفة غير الطامعة، والتي تطلب من هذه الدول الأفريقية التوسط بينها وبين الطرف العربي. هذا إلى جانب أن إسرائيل – كما أسلفت – سعت مبكراً إلى ضمان كسب أصدقاء لها وخاصة في المحافل الدولية كالأمم المتحدة في إطار سعيها الدؤوب للحصول على مركز دولي بارز يكسبها مزيداً من الشرعية الدولية، وهى تسعى إلى ذلك بالقطع معتمدة على أصدقائها في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثها: ضمان تحقيق الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية

يعدّ الأمن والشرعية مقدمات ضرورية لا غنى عنها لتحقيق الهدف الأساس طويل المدى للوجود الصهيوني، وهو ما يمكن تلخيصه في الهيمنة على الإقليم باعتباره يمثّل “المجال الحيوي” للوجود الصهيوني من ناحية، ولضمان ألا يتجاوز في نموه وتوجهاته حدًا يعرّض المصالح الغربية لخطر أو لتهديد جديد. ويبدو أن ترتيب أولويات أهداف السياسة الخارجية الصهيونية في منطقة القرن الأفريقي يختلف من مرحلة إلى أخرى، كما يختلف الوزن النسبي لكل منها في إطار المرحلة نفسها. فالترتيب السابق لأهداف دولة الكيان الإسرائيلي الإستراتيجية ـ الأمن فالشرعية ثم الهيمنة- يعكس إلى حد كبير تدرجاً تاريخياً في أولويات الحركة الصهيونية، فالفترة اللاحقة لقيام الدولة حتى منتصف الستينات تقريباً كان التركيز فيها على مطلب الأمن، أما الفترة الممتدة من منتصف الستينيات حتى مطلع السبعينيات فهي تتسم بالتركيز على مطلب الشرعية بعد توطيد دعائم الأمن.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن قطع الدول الأفريقية العلاقات الدبلوماسية مع الكيان في غمار حرب أكتوبر 1973 لم يرتفع مطلقًا إلى حد التشكيك في “شرعية” الوجود الصهيوني، وعلى ضوء ذلك يمكن التركيز على أن المرحلة الراهنة واللاحقة ستشهد تركيزًا صهيونياً على مطلب الهيمنة. ولعل ذلك يدفع إلى نتيجة مفادها أن تطبيق مفهوم “الإمبريالية الفرعية” أو “الصغرى” على الوضع الراهن للكيان هو أكثر المفاهيم صدقاً، حيث هو يفسّر الطبيعة العالمية للحركة الصهيونية في أعلى مراحلها، وعلاقتها البنيوية ـ مجسَّدة في دولة الكيان ـ بالنظام الإمبريالي الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، ويفسّر أيضًا الاختلاف الذي يبدو أحيانًا مع المركز، ونتائج كل ذلك في الدور الإقليمي للكيان وعلاقاته في العالم الثالث وخاصة أفريقيا.

إذن فالتركيز الإسرائيلي على التغلغل في أفريقيا يحقق أهدافاً مهمة للمخطط الإستراتيجي تتحدد في محاور محددة أولها الأمن وكسب الأصدقاء في إطار ضمان الشرعية لتحقيق السيطرة على المجال الإقليمي وصولاً للهيمنة المطلوبة والتغلب على أية عقبات محتملة قد يثيرها العرب في سبيل ذلك. لقد وعت إسرائيل حقيقة ما تمثله أفريقيا من تأثير في المجال الدولي والإقليمي فالدول الأفريقية غير العربية تصل إلى أربعة وخمسين دولة أعضاء في الأمم المتحدة يمثلون حوالي ثلث أعضاء المنظمة الدولية، وهم يمثلون عاملاً مهماً في ضمان تأمين الأغلبية في أي قرار يعرض على الجمعية العامة، والمثل الواضح في ذلك هو قرار الجمعية العامة الذي اتخذته في نوفمبر عام 1975 والذي نص على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، وقد أيدت القرار 20 دولة أفريقية، وعارضته خمس دول، وامتنعت عن التصويت 12 دولة.

وهنا يمكن القول إن موقف كل من الدول التي امتنعت عن التصويت أو عارضت القرار ذهب لصالح إسرائيل أى 17 دولة وقد جاء هذا القرار في فترة ولاية كورت فالدهايم السكرتير العام للأمم المتحدة. ولكن في سابقة لم تحدث في الأمم المتحدة من قبل، وفي ظل ولاية بطرس غالي سكرتيراً عاماً للأمم المتحدة، ثم ألغي القرار عام 1992 بتأييد أفريقي ملحوظ، بعد أن سوقت إسرائيل دعايتها مستغلة المناخ الدولي والإقليمي ممثلاً في تأييد أمريكي للموقف الإسرائيلي، والضغط الشديد على الدول الأفريقية من ضمن دول العالم للتصويت لصالح إلغاء القرار، والمناخ الإقليمي المتمثل أساساً في اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر الدولة المحورية العربية الأفريقية، فضلاً عن انطلاق عملية السلام من مدريد في أكتوبر عام 1991.

ويلاحظ أن إسرائيل في تحركها نحو أفريقيا سوف تظل محتفظة بثوابت أهدافها ولكن مع إعادة ترتيب الأولويات داخل الهدف الواحد نفسه؛ ففيما يخص الأمن على سبيل المثال فإن إسرائيل سوف تسقط من أولوياتها موضوع “الهجرة”؛ لأنها قد حققت أهدافها في هذا الأمر مرحليا حتى الآن، وأيضاً فإن موضوع المقاطعة العربية وكسر طوق العزلة سوف يتراجع، لا سيما أن الدول العربية نفسها قد كسر العديد منها هذه العزلة بإقامة علاقات دبلوماسية أو تجارية مع إسرائيل، فهناك ست دول عربية غير مصر لها علاقات مع إسرائيل تختلف من دولة إلى أخرى. كما أن النظام العالمي الجديد وطبيعة العلاقات دفعت العديد من الدول العربية إلى التعامل الاقتصادي المباشر وغير المباشر مع إسرائيل.

ولذلك فإن هناك أهدافاً فرعية جديدة، أو أخرى قديمة سوف يكون التركيز عليها، كموضوع فتح الأسواق الأفريقية والإنفراد بها على المستويات كافة، وأمن البحر الأحمر، وخاصة على ضوء تجربة منع الملاحة في وجه إسرائيل بعد قفل باب المندب في عام 1973، وهى أمور لها اهتمام بالغ إسرائيلياً في ضوء مفاهيم إدارة الصراع والأمن القومي، من ناحية، وهدف الهيمنة الإسرائيلية، التي تعمد إليه بالأصالة أو بالوكالة، من ناحية أخرى. فقد استغلت إسرائيل ارتباطها بالغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وركزت على إبراز أهميتها بالنسبة للسياسة الغربية وتحركها على المستوى الإقليمي (العربي) والأفريقي في إطار دورها في النظام العالمي الجديد الذي يرسخ مبدأ الهيمنة الإسرائيلية وكيف أنها مهمة لهذا النظام لتأكيد هيمنته في القارة الأفريقية.

  1. الأهداف والمصالح الإسرائيلية في القارة الأفريقية

أ. الأهداف الإسرائيلية في القارة الأفريقية

يمكن الإشارة إلى أن المخططات الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الأفريقي تمثل تهديداً للأمن القومي العربي بعامة، والأمن الوطني المصري بخاصة، حيث تهدف إسرائيل إلى تدعيم علاقاتها بدول الجوار العربي الأفريقي بغية الالتفاف حول الأمة العربية في شكل حزام يمتد من إثيوبيا، وإريتريا، مروراً بكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، ورواندا، وبوروندي، والكونغو الديمقراطية، بما يهدد منابع النيل في أول هدف إستراتيجي، ثم الالتفاف حول السودان عبر جمهورية أفريقيا الوسطى، مع تطويق المغرب العربي عبر تشاد والنيجر ومالي والسنغال، بل إن هناك محاولات للتغلغل في أقصى جنوب القارة، ومن ثم فإن أبرز تلك المخططات تتركـز في الآتي:

(1) التأثير على الأمن المائي والغذائي العربي

تسعى إسرائيل لاستخدام المياه ورقة ضغط على مصر والسودان، وعلى مصر خاصة، ومن ثم فإن التنسيق الإسرائيلي مع دول منابع النيل، إثيوبيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية خاصة يمثل تهديداً للمصالح المصرية والسودانية.

(2) تهديد الملاحة في البحر الأحمر

يمثل الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي والجزر الواقعة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر تهديداً خطيراً للمصالح الإستراتيجية والأمنية والتجارية للدول العربية والأفريقية في البحر الأحمر. ولذلك فإن الوجود الإسرائيلي في المنطقة يمكنها من ترتيب الأوضاع بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

(3) إضعاف التأييد الأفريقي للقضايا العربية

تسعى إسرائيل من خلال دورها المتنامي في أفريقيا إلى إضعاف التأييد الأفريقي للقضايا العربية، وكسب الرأي العام الأفريقي إلى جانبها، خاصة في قضايا الصراع الإسرائيلي، الأمر الذي قد يفقد العرب رصيداً كبيراً من التأييد السياسي الأفريقي.

(4) محاولة الربط الأيديولوجي والحركي بين إسرائيل وأفريقيا

تركز إسرائيل على عملية الربط الأيديولوجي والحركي بين الصهيونية وحركة الجماعات الأفريقية، وذلك بالإشارة إلى أن كلاً من اليهود والأفارقة “الزنوج” قد عانوا من اضطهاد مشترك، وأنهما من ضحايا التمييز العنصري، هذا بالإضافة إلى العمل على إضفاء المسحة الصهيونية على علاقاتها الأفريقية.

(5) تدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الأفريقية

عملت إسرائيل على تدعيم علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول الأفريقية، وفتح أسواق إسرائيلية بها لطاقاتها وإمكاناتها الإنتاجية والفنية، على نحو يؤدى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، مع زيادة التبادل التجاري وضمان مورد مهم للخامات، وخلق مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لدى إسرائيل.

(6) تنفيذ السياسات الغربية وخاصة الأمريكية في القارة

تعد إسرائيل هى الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية في القارة، والمنفذ لسياساتها، حيث تعمل حلقة اتصال أو وسيط يسهم في دعم العلاقات الغربية الأمريكية.

ب. المصالح الإسرائيلية في القارة الأفريقية

تتعدد المصالح الإسرائيلية في أفريقيا وتتنوع ويمكن الإشارة إلى بعض جوانبها وفقاً لما يلي:

أ. المصالح السياسية

يتمثل الهدف الرئيس لسياسة إسرائيل الخارجية في اكتساب عناصر الشرعية السياسية والاعتراف القانوني بها لا سيما أن امتناع الدول الأفريقية عن الاعتراف بإسرائيل يعنى التشكيك في شرعية وجودها، ومن ثم تسعى إسرائيل لتحقيق المصالح السياسية الإسرائيلية في أفريقيا وهى كالآتي:

(1) تطوير علاقاتها الدبلوماسية مع الأطراف الأفريقية، لترسيخ مفهوم الوجود الإسرائيلي بوصف كيانها دولة ذات سيادة وعضواً بالمجتمع الدولي.

(2) التأثير على الأصوات الأفريقية بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لصالح تأييد المواقف الإسرائيلية في مواجهة الجانب العربي بخاصة، وعدم المساس بمركزها الدولي بعامة.

(3) التقارب الإسرائيلي مع القارة الأفريقية وتخطيطها الدقيق لإيجاد مصالح أفريقية في إسرائيل ما يؤدى إلى إحراج الأطراف الأفريقية عند إدانة إسرائيل دولياً.

(4) الاستغلال الجيد للنفوذ الإسرائيلي في القارة لشرح وجهة النظر الإسرائيلية فيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط عامة والمسألة الفلسطينية خاصة.

ب. المصالح الأمنية والإستراتيجية

تولى إسرائيل اهتماما خاصاً لضمان تحقيق مصالحها الأمنية، وذلك انطلاقا من حسابات متعددة لا تنبع فقط من القرب الجغرافي لإسرائيل من القارة الأفريقية، وإنما أيضاً لتحقيق مصلحتها الإستراتيجية في القارة والمتمثلة في الآتي:

(1) في إطار الإستراتيجية الإسرائيلية، احتلت القارة أهمية بارزة، بحسبان أنها تمثل جزءاً من المجال الحيوي الإسرائيلي.

(2) منع تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية.

(3) محاولة السيطرة على باب المندب.

(4) استغلال وجودها في شرق القارة، لمحاولة النفاذ إلى محور غرب أفريقيا لتشكيل حزام يطوق الدول العربية تهدد من خلاله العمق الإستراتيجي للمغرب العربي.

(5) البعد المائي في علاقاتها بدول حوض النيل، للضغط على مصر واستغلال قرب موقعها الأفريقي من مصر في التلويح بإمكانات تهديد المنشآت المائية الرئيسة “السد العالي”.

(6) السعي لاستغلال موارد القارة الأفريقية من أجل متطلبات التنمية ودعم جوانب الاقتصاد الإسرائيلي، مع ربط الموانئ والمطارات والمنافذ الأفريقية بشبكة من الخطوط الملاحية والبحرية والجوية الإسرائيلية.

(7) تمثل سياسة تشجيع الهجرة عموماً لإسرائيل أحد أهم محاور الاهتمام ببعض المناطق الأفريقية، انطلاقاً من صغر تعداد سكان الدولة، وبالشكل الذي أولت معه اهتماما بتهجير تجمعات يهودية في كل من “أثيوبيا- الفلاشا، وجنوب أفريقيا وزيمبابوي وكينيا”، فضلا عن استثمار بقاء تجمعات أخرى حتى الآن في أفريقيا وتوظيفهم لتحقيق المصالح الإسرائيلية الأخرى بعامة، وما في ذلك محاولة دعم ثقلهم للتأثير الإيجابي على توجهات الأنظمة الأفريقية تجاه إسرائيل.

ثالثاً: أساليب وآليات تفعيل العلاقات الإسرائيلية مع أفريقيا

  1. 1. استغلال العلاقات السياسية مع دول المنطقة

تعتمد إسرائيل في تحركها نحو تحقيق غاياتها اعتماداً على ضرورة توسيع دوائر علاقاتها الخارجية واستناداً إلى مجموعة من الفرضيات ترتكز أساساً على عدة مبادئ من أهمها ضمان تحقيق مبدأ “الأمن” والأمن ليس مفهوماً أحادى الجانب يرتبط بالنواحي العسكرية منفصلة، إنما هو ذو أبعاد متعددة يهدف في نهايته إلى تنمية قدرات الدولة وكما عبر عن ذلك روبرت مكنمارا “إن الأمن ليس هو المعدات العسكرية وإن كان يتضمنها”.

والأمن عموماً ليس هو القوة العسكرية وإن كان يشملها. والأمن ليس هو النشاط العسكري التقليدي وإن كان ينطوي عليه؛ إن الأمن هو التنمية، وبدونها لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية لا تنمو في الواقع، ويجب أن تظل آمنة، ومن ثم فإن نظرية الأمن في حد ذاتها ليست “استاتيكية” (ثابتة) بل هي “ذات طابع ديناميكي” (متغير) يرتبط بعدد من المحددات منها:

أ. التغير المرتبط بالعوامل والظروف الداخلية والخارجية للدولة ويؤثر على تغير الموقف الأمني، ولذا فالأمن حالة متغيرة وليست ثابتة، تتأثر بنظام الحكم والأيدولوجيا وغيرها من العوامل.

ب. نسبية الأمن، فأمن دولة ما يختلف نسبياً عن أمن دولة أخرى، وفقاً لمنظور كل منهما إليه، وإن كان يجمعهما إقليم واحد.

ج. إن تحقيق حالة الأمن المطلق – افتراضاً– يعنى في المقابل، تحقيق التهديد المطلق لدول الجوار.

إن إسرائيل تسعى سعياً دؤوباً إلى تحقيق مفهوم الأمن، وتحاول أن تصل فيه إلى الأمن المطلق، وبالقطع فإن هذا الأمر لن يكون إلا على حساب دول الجوار الإقليمي، وهى الدول العربية، تساعدها في ذلك المواقف العالمية السائدة ومن أهمها العلاقات الإستراتيجية التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تعطى إسرائيل التغطية الدولية اللازمة للنفاذ إلى الساحة العالمية. يساعد في ذلك تدنى الموقف العربي وحالات عدم الاستقرار السياسي والعسكري التي تسود المنطقة.

يضاف إلى ذلك الإدراك الإسرائيلي بضرورة بناء عملية التنمية الذاتية والسعي الجاد لتملك مقوماتها، لأنها لن تظل تستعير قوتها الأمنية، وإنما عليها أن تبنى هذه القوة الذاتية، حتى أصبحت إسرائيل الآن واحدة من أكبر عشر دول مصدرة للسلاح في العالم. وقد استغلت إسرائيل الوضع العالمي وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية التي أعطتها زخماً كبيراً في الولوج إلى الساحة الأفريقية، ومن قبل فعلت فرنسا وإنجلترا ومازالتا. وأيضاً استغلت الوضع على الساحة الإقليمية وما حدث على موقف الصراع من تطورات، وعقد مصر- وهي من أكبر الدول الأفريقية- اتفاق سلام مع إسرائيل في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، والأردن وحتى السلطة الفلسطينية (اتفاق أوسلو). وبدأت إسرائيل تركز على بناء قاعدتها الاقتصادية الضخمة في تعاملها الأفريقي لتستطيع تحقيق التنمية لمواجهة تحديات الحرب والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من ناحية، وصولاً لإستراتيجية الأمن المطلق من ناحية أخرى.

وهو ما يبرز الدور المهم لأفريقيا تجاه لإسرائيل لتحقيق متطلبات التنمية بما تحويه القارة من ثروات تساعد في توفير الخامات والاستثمار والأسواق، وأيضاً لتوفير المجال الإستراتيجي الحيوي لإسرائيل للتغلب على معوقات الوصول للأمن المطلق. ولذا فإن الأمن القومي ومفهوم إدارة الصراع الدولي والإقليمي هما جناحا التحرك الإسرائيلي الأفريقي، وتسعى إلى التنسيق الدائم الأكبر بينهما، وخاصة في الشق الخاص بالأمن القومي حيث يمثل هذا الأمر الاهتمام الأكبر للقيادة الإسرائيلية، ويرتبط كذلك بحالة التنمية الذاتية بوصفها عنصرا أساسيا ومكملاً لعنصر الأمن.

وقد شهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بصفة عامة تطورات مهمة في جوانبها كافة (السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، العسكرية، الأمنية)، خلال العقدين الأخيرين، على ضوء عوامل كثيرة، لعل أبرزها، صعود العولمة، ونمو ظاهرة الإرهاب الدولي بعد أحداث سبتمبر 2001، بالإضافة لنمو العلاقات السياسية والاقتصادية المتنامية بين إسرائيل وعدد من دول القارة، وغيرها من العوامل الإقليمية والعالمية. كما يعد العامل الاقتصادي هو الأبرز في النفوذ الإسرائيلي إلى القارة الأفريقية. ويوجد لإسرائيل علاقات دبلوماسية متنوعة مع العديد من الدول الأفريقية، ويقدر عدد الدول الأفريقية التي يوجد بها تمثيل دبلوماسي مقيم بدرجة سفارة 13 دولة، وتمثيل غير مقيم 30 دولة، ومكتب رعاية مصالح، مكتب اتصال، وهو ما يعنى أن معظم علاقات إسرائيل الأفريقية هي علاقات تمثيل غير مقيم.

  1. 2. توظيف القدرات الإسرائيلية للنفاذ داخلللقارة الأفريقية

يمكن طرح أبرز أساليب وأدوات إسرائيل في النفاذ للقارة الأفريقية في الآتي:

أ. أنشطة السفارات والبعثات الدبلوماسية في الدول التي لإسرائيل علاقات مباشرة معها مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا وإريتريا، فضلاً عن أنشطة الأجهزة والمؤسسات الاستخباراتية في الدول التي لها علاقات أو لاتوجد علاقات رسمية معها في المنطقة.

ب. تبادل الزيارات واللقاءات على مستوى القيادات السياسية والمسؤولين الرسميين وغير الرسميين.

ج. استثمار العلاقات الإسرائيلية الغربية الممتازة، وذلك لصالح تطوير العلاقات الأفريقية الإسرائيلية، بالإضافة لاستثمار الدور الأمريكي في أفريقيا خاصة بعد تزايد الاهتمام الأمريكي مؤخراً بقضايا ما يسمى بالإرهاب الدولي، بعد تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001.

د. استثمار حاجة الدول الأفريقية للدعم العسكري والأمني والاقتصادي، مثل الدعم ببعض النوعيات من الأسلحة والذخائر والخبرات الإسرائيلية في مجال الاستخبارات وجمع المعلومات.

هـ. استثمار مجالات التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، وخاصة التقنية التي تحتاجها الدول الأفريقية لتطوير مجالات التنمية المختلفة (زراعة – صناعة – سياحة – صحة – تعليم – رياضة).

و. دعم أنظمة الحكم الأفريقية، ودعم تلك الأنظمة في مجال السيطرة الداخلية وتأمين استمرار وجودها وذلك من خلال (مجالات الاستخبارات ـ تقديم المعلومات ـ تدريب الحرس الخاص بالنظم الأفريقية ودعم فاعليته وقدراته).

ز. استثمار عدم وجود إستراتيجية عربية منسقة تجاه القارة الأفريقية.

ح. استغلال إسرائيل للظروف الدولية في الارتباط بالقارة الأفريقية، وهناك مجموعة من الظروف الدولية التي عملت على تسهيل الحركة الإسرائيلية داخل أفريقيا.

ط. تقديم المنح الاقتصادية والتدريبية والتعليمية: عملت القيادة الإسرائيلية على استحداث العديد من الوسائل التي تساعدها على مد مظلة الارتباط بالقارة الأفريقية واستمرارها. ومنها الشركات العاملة في المجالات الاقتصادية والتي لا يتعدى الكثير منها أن يكون فرعاً من أفرع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وأيضا لجأت إسرائيل إلى اجتذاب الكثير من الدارسين والفنيين الأفارقة ومنحت العديد منهم الفرصة للدراسة في المعاهد والكليات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه أسست في وقت مبكر العديد من الهيئات العلمية وربطت أنشطتها لصالح دفع العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، كما قامت إسرائيل بإيفاد الخبراء في المجالات المختلفة (إلى الدول الأفريقية) وخاصة في مجالات التدريب العسكري والفني والذين عملوا على تنشيط الدور الإسرائيلي الفاعل في أفريقيا مبكراً.

وتعددت الأشكال والأساليب التي سعت إسرائيل من خلالها لتأكيد الارتباط بأفريقيا سواء عن طريق الحكومة الإسرائيلية، أو عن طريق الهيئات والإدارات العاملة في مجال التعاون الأفريقي مثل الهستدروت. أو عن طريق أصدقاء إسرائيل من الدول الكبرى خاصة وتقديم الدعم اللازم لمواصلة التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا عن طريق اشتراط هذه الدول الكبرى على الدول الأفريقية شراء معدات وأسلحة من إسرائيل والتعاون معها. بل وصل الأمر إلى أن أصدرت الخارجية الأمريكية أمراً إلى سفاراتها في الخارج في الثمانينيات من القرن العشرين – بوضع إمكاناتها كافة لتسهيل عمل الممثلين الرسميين الإسرائيليين وغير الرسميين. كما شكلت الخارجية الأمريكية، لجنة أمريكية إسرائيلية مشتركة؛ لتنسيق العمل في العالم الثالث، وتسهيل تحقيق أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية في أفريقيا.

ي. استغلال الأداة الاتصالية والدعائية الإسرائيلية في القارة الأفريقية: في إطار الاستغلال الإسرائيلي للمتغيرات الدولية. وفي سياق أنها تعمل وسيطاً لقوى أخرى لتأكيد سيطرتها وهيمنتها في القارة الأفريقية، كان على إسرائيل أن تنشئ وسطاً دعائياً واتصالياً يضمن نجاح سياستها في القارة الأفريقية.

  1. العوامل التي دعمت علاقات إسرائيل بدول القارة الأفريقية

ارتبط التعاون الإسرائيلي مع دول القارة الأفريقية بحسابات ومحددات من أهمها:

أ. واقع تطور الدول الأفريقية

كما هو معلوم فإن نهاية الخمسينيات وعقد التسعينيات كانا من أهم الفترات التي شهدت حركة التحرر الأفريقية وسيطرة الكوادر العسكرية في معظم البلدان الأفريقية على السلطة وحاجتها إلى الخبرة الأمنية الإسرائيلية، قليلة التكاليف، وساعد على ذلك حالة عدم الاستقرار الأمني والعسكري على الساحة الأفريقية سواء على الصعيد الداخلي للدول، أو في الإطار الإقليمي واستغلال إسرائيل لذلك في تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية.

ب. شكل وطبيعة النظام العالمي

فقد استغلت إسرائيل التنافس الدولي على مناطق النفوذ والمصالح الإستراتيجية في ظل ثنائية القطبية منذ بداية الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات لتعزيز تعاونها العسكري مع الدول الأفريقية باستغلال علاقاتها الممتازة مع العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، ومع انقضاء مرحلة الحرب الباردة وما واكبها من تقلص للوجود الشرقي بالدول الأفريقية، وحاجة القوى الدولية والولايات المتحدة الأمريكية خاصة للشريك الإستراتيجي القادر على تأمين مصالحها بأفريقيا لا سيما مع تراجع الاهتمام الغربي عموماً بالقارة الأفريقية وتصاعد الصراعات الإقليمية بها، وسياسات تقليل الإنفاق الدفاعي للقوى الغربية والولايات المتحدة.

ومن ثم فقد سارعت إسرائيل إلى ملء الفراغ خدمة لمصلحتها ومصلحة حلفائها الغربيين، مستغلة الحاجة الأفريقية لإعادة بناء مؤسساتها العسكرية، والقدرة على تسويق إنتاجها وخبرتها في هذا المجال. وأيضاً الدعم الأمريكي لتحركها في القارة بحسبان أنها تحقق أهدافاً غربية مهمة في ظل التحول الديمقراطي وتفجر قضايا اللاجئين وظاهرة الإسلام السياسي إلى جانب الخلافات الحدودية والصراعات العرقية والقبلية، إضافة إلى انفراج عملية السلام العربي/ الإسرائيلي، مقابل ضعف فاعلية التعاون العربي الأفريقي.

ج. الاحتياجات العسكرية في القارة الأفريقية

لقد أسست إسرائيل إستراتيجيتها للتحرك على الساحة الأفريقية من خلال مجموعة من المبادئ والركائز الأساسية التي ترمى أولاً إلى تحسين الوجه الإسرائيلي في القارة الأفريقية وجعله مقبولاً من دولها ، وإظهار أهمية اعتماد هذه الدول على إسرائيل في إعداد كوادرها العسكرية وتأهيلها إضافة إلى تقديم التسهيلات كافة التي تتيح بناء علاقات مع الأنظمة الأفريقية وإظهار مدى قدرتها على خدمة أهداف هذه الدول علمياً وعسكرياً. وفي الوقت نفسه فقد درست إسرائيل الواقع الأفريقي وتابعت المتغيرات المستمرة على الواقع المحيط بالقارة الأفريقية وارتبط ذلك بوضوح الأهداف والتحديد الدقيق لأسبقيات التنفيذ وتطويع علاقات التعاون العسكري لصالح تحقيقها؛ والعمل على اختراق الأجهزة الأمنية للدول الأفريقية وبناء علاقات قوية بالمؤسسات العسكرية. وتنشيط الأعمال الاستخباراتية خدمة لهذه الأهداف وجمع المعلومات اللازمة عن دقائق الدول الأفريقية.

وفي إطار تحقيق إستراتيجيتها سعت إسرائيل إلى تقسيم القارة الأفريقية لمجموعة من دوائر الاهتمام وفقاً لأسبقيات الأهداف؛ لتحقيق أقصى مردود إيجابي لحركتها أفريقيا، فقسمت القارة جنوب الصحراء إلى أربعة دوائر هي شرق أفريقيا وغرب أفريقيا ووسط أفريقيا وجنوب أفريقيا. وفي نفس الوقت حاولت إسرائيل الانتشار في الدول الأفريقية كافة خلال المرحلة الأولى من التوجه للقارة، ثم التركيز حالياً على عدد من الدول المحورية بكل دائرة إقليمية. ففي البداية ركزت إسرائيل على مثلث إثيوبيا (شرق أفريقيا)، وغانا (غرب أفريقيا)، وجمهورية جنوب أفريقيا (جنوب أفريقيا). في مرحلة الفتور التي سادت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية تم التركيز على جنوب أفريقيا وكينيا وزائير، ومع إعادة القارة علاقاتها مع إسرائيل ركزت على جنوب أفريقيا وشرق أفريقيا ووسط القارة على التوالي في أسبقيات الاهتمام.

ومع اختلاف أولويات المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية نجد التركيز مع الدوائر والدول المختلفة فعلى سبيل المثال نجد في المراحل الأولى للعلاقات الإسرائيلية بأفريقيا أعطت إسرائيل اهتماماً بأثيوبيا لتأمين الوجود في البحر الأحمر ونجدها اليوم تعطى اهتماماً بأثيوبيا وإريتريا ولكن في اتجاه التعاون الاقتصادي والعسكري نظراً للوجود الغربي لا سيما من جانب الولايات المتحدة الأمريكية سواء في البحر الأحمر أو الخليج العربي وتأثير ذلك على الأنشطة العسكرية المتضادة للقوى الإقليمية في المنطقة وانعكاس ذلك على أمن إسرائيل بالإيجاب.

وقد ساعدت إسرائيل، في تحركها الإستراتيجي في أفريقيا لإقامة علاقات التعاون العسكري مع دولها، مجموعة من الآليات والأجهزة الرسمية وغير الرسمية. فتضم وزارة الخارجية الإسرائيلية أقساماً وإدارات تهتم بالتعاون الإسرائيلي الأفريقي. وأما المؤسسة العسكرية فإنها تمارس دورها من خلال أجهزة الاستخبارات العسكرية (أمان) والذي يضم قسماً خاصاً بأفريقيا يتبعه مندوبون بالدول الأفريقية للحصول على المعلومات عنها وعن النشاط العربي بها وتتعاون “الموساد” مع كل من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع في هذا الاتجاه.

وتسهم في هذا الشأن أنشطة للهستدروت، ومؤسسات التعليم والتدريب المدنية، كما أن الشركات الإسرائيلية العاملة في أفريقيا في المجالات المختلفة كثير منها يعمل في اتجاه تحقيق أهداف الإستراتيجية الإسرائيلية في أفريقيا، وخاصة في اتجاه المعلومات والاستخبارات . كما أن الجاليات اليهودية المقيمة في الدول الأفريقية كانت تعمل في اتجاه تحقيق الإستراتيجية الإسرائيلية والالتزام بها. علاوة بالقطع على الدعم الكبير الذي كانت تتلقاه هذه الإستراتيجية من جانب القوى الغربية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

د. التخطيط للتعاون العسكري الإسرائيلي مع دول القارة الأفريقية

اتخذت إسرائيل العديد من الأساليب منها توقيع اتفاقيات وبروتوكولات التعاون العسكري، وتخصيص بعثات للعمل في الدول الأفريقية، كما فعلت مع إريتريا حيث ساعدتها في بناء القوات الخاصة والبحرية والقوات الجوية، ومع أثيوبيا حيث ساعدتها في بناء قواتها الجوية وإعادة إصلاح العاطل من سلاحها الجوي. ومع زائير حيث ساعدتها في تكوين الحرس الجمهوري الزائيري، وكذلك الحال مع كينيا وغينيا وغيرها من البلدان الأفريقية.

بالإضافة إلى إرسال إسرائيل الخبراء العسكريين لتدريب الكوادر العسكرية الأفريقية وتأهيلها للمساعدة في بناء وتطوير العديد من القواعد الجوية والمشاركة في بناء الأجهزة الأمنية والإستخباراتية العسكرية بالدول الأفريقية وإنشاء محطات الاستطلاع والإنذار ببعض دول القارة الأفريقية ولا سيما تلك التي تخدم أهداف الإستراتيجية الإسرائيلية.

كما أن إسرائيل صدرت إلى أفريقيا العديد من أساليبها التي اعتمدتها في بناء نظمها الدفاعية ومنها نظام المزارع التعاونية العسكرية على غرار ما هو معمول به لعناصر الناحال والجدناع في إسرائيل. وفي إطار تسويق منتجاتها العسكرية اعتمدت إسرائيل على إدراج منتجاتها للعديد من الدول الأفريقية في إطار برنامج مساعدات الدول الغربية لهذه الدول لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتمدت على إسرائيل في هذا المجال، وخاصة في فترة الحرب الباردة. وتعد إسرائيل حالياً من أهم الدول المصدرة للسلاح إلى أفريقيا وتعتمد إسرائيل في الترويج لمبيعات السلاح سياسة إعلامية تبرز التفوق العسكري الإسرائيلي سواء من خلال وسائل الإعلام أو بتنظيم الزيارات للقادة والقيادات العسكرية الأفريقية لإسرائيل للإطلاع على أنشطة الإنتاج الحربي هناك . كما أنها تتبع سياسة تخفيض أسعار منتجاتها عن مثيلاتها في الدول الأخرى ، وتسعى دائماً إلى الالتزام بمواعيد التوريد في المواعيد المحددة.

وقد عد أحد الخبراء العسكريين الإٍسرائيليين “أن هذه السياسات الإسرائيلية تستفيد منها الدول الأفريقية أكثر من إسرائيل وأن شراء هذه الدول للسلاح الإسرائيلي ليس في إطار المجاملة إنما لأنه الأجود والأرخص”. وقد لعبت إستراتيجية تصدير السلاح الإسرائيلي لأفريقيا دوراً بديلاً عن العلاقات الدبلوماسية أو مكملاً لها ، وعملت على تدعيم العلاقات الأفريقية الإسرائيلية. ولم تكتف فقط بسياسة البيع إنما قامت بإنشاء برامج للإنتاج المشترك مع الدول الأفريقية لكي تربطها بها لأجيال طويلة، ولكنها جعلت من نفسها المتحكم الرئيس في هذا الإنتاج وخاصة في جانبه التقني. كما قامت بإبرام العديد من العقود لتحديث الأسلحة التي في حوزة الجيوش الأفريقية التي تتعاون معها. وفي إطار إدراكها لطبيعة الدول الأفريقية وكثرة الانقلابات العسكرية، سارعت إسرائيل بتدعيم تعاونها بعناصر المعارضة في الدول الأفريقية ضماناً لدوام علاقاتها بهذه الدول في حالة تغير الأوضاع السياسية بالدولة.

رابعاً: الممارسات المرتبطة بعلاقات إسرائيل بأفريقيا

ترتبط إسرائيل بعلاقات متفاوتة مع معظم دول منطقة القرن الأفريقي، ويؤثر في هذه العلاقات الأهداف المرجوة وأولويات تنفيذها. ويشمل التعاون العسكري مع دول القارة مجالات متعددة من التدريب إلى إقامة القواعد ومراكز المخابرات والاشتراك في تأمين بعض الأنظمة والاشتراك في تنظيم وتسليح الجيوش الأفريقية. وتأتى هذه الدول على سلم الأولويات الإسرائيلية نظراً لأهميتها في تأمين نطاق الأمن الحيوي الجنوبي لإسرائيل (المدخل الجنوبي للبحر الأحمر) واكتساب وسيلة ضغط على الدول العربية بالمنطقة (مصر والسودان والسعودية واليمن).

ويحقق الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة لها تطويق البلدان العربية وعزلها عن القارة الأفريقية، مع إمكان التأثير على القرار الأفريقي من خلال وجود منظمة الوحدة الأفريقية سابقاً والاتحاد الأفريقي حالياً في أثيوبيا. كما أن توثيق علاقات إسرائيل مع دول منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل يمكنها من استغلال ذلك مستقبلاً في الضغط على مصر والسودان في تحقيق مصالحها بالمنطقة ومياه النيل. فضلاً عن أن المنطقة تعد نقطة ارتكاز لتحقيق الاتصال بوسط وجنوب القارة من ناحية وتحقيق مصالحها الاقتصادية، لسهولة الاتصال بها، من ناحية أخرى.

خامساً: التحديات التي تواجه علاقات إسرائيل بأفريقيا

  1. تقييم التدخل الإسرائيلي في القارة الأفريقية

لقد سعت إسرائيل إلى زيادة نفوذها في القارة الأفريقية حتى تغلغلت في مجالات الاهتمام الأفريقي كافة. واستخدمت إسرائيل جميع الوسائل المتيسرة لتحقيق أهداف تغلغلها أفريقيا في نظام متكامل مستفيدة من الظروف الدولية والإقليمية في ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً، وضعف الموقف العربي ولا سيما بعد حرب الخليج. وقد استهدفت إسرائيل من تحركها الأفريقي التغلب على واقعها الإقليمي الرافض لها والوصول إلى الوضع المناسب لتطويق البلدان العربية، وإفشال أية تحركات عربية على الساحة الأفريقية والوقيعة بين العرب والأفارقة في إطار تحقيق أهداف إسرائيل سواء على المستوى الإستراتيجي أو الأمني، علاوة على أهدافها الاقتصادية والمتمثلة في ضمان الأسواق الأفريقية مفتوحة أمام منتجاتها العسكرية، وساعد إسرائيل في تحركها الأفريقي طبيعة ارتباطها مع الغرب ذي الارتباط التاريخي بالقارة الأفريقية في ظل العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وعمل إسرائيل بصفة وسيط لصالح القوى الغربية في القارة الأفريقية.

تمثل منطقة القرن الأفريقي وإقليم البحر الأحمر، بوصفهما وحدتين متكاملتين، أهمية كبيرة في إطار تحقيق الأمن القومي العربي، وبصفة خاصة في دائرته الخليجية من ناحية، والأمن القومي للدول العربية الأفريقية، ولا سيما مصر والسودان من ناحية أخرى لعلاقتهما الوثيقة بدوائر الأمن المباشر لكل منهما ارتباطاً بالآتي:

  • إن منطقتا القرن الأفريقي وإقليم البحر الأحمر تمثلان الجدار الجنوبي للأمن القومي العربي وحزام الأمن الغربي والعمق الإستراتيجي لمنطقة الخليج العربي (طبقاً لما أكدته حرب الخليج) بوصفهما الاتجاه الرئيس لعبور التجارة النفطية وحلقة الاتصال بين النظم الإقليمية بالمنطقة، فضلاً عما يضمانه من دول عربية.
  • على صعيد الأمن القومي المصري والسوداني فإن، منطقتا القرن الأفريقي والبحر الأحمر، تمثلان الحزام الأمني للعمق الإستراتيجي للبلدين، علاوة على تحكمهما في مناطق تأمين الملاحة عبر قناة السويس، وتركيز الثروة النفطية المصرية والسودانية الناشئة بالبحر الأحمر والمساس بهما يؤثر في الأمن القومي المصري والسوداني والذي هو أحد ركائز الأمن القومي العربي.

باستعراض الأهداف الإٍسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي، فإنه يمكن تقدير التهديدات المنتظرة على النحو التالي:

أ. تهديد نطاق الأمن الحيوي العربي

تتمثل أساساً في تهديد نطاق الأمن الحيوي للاتجاه الإستراتيجي الجنوبي من خلال الوجود الإسرائيلي بالقرن الأفريقي والدول الأفريقية المتاخمة للدول العربية. وبناء على ذلك فإن الصراع على الممرات والمناطق الإستراتيجية وخاصة في البحر الأحمر حيث التناقض سيظل قائماً وجدياً بين متطلبات الأمن الإسرائيلي ومتطلبات الأمن القومي العربي؛ فإسرائيل تسعى من خلال حصولها على تسهيلات بحرية بالمداخل الجنوبية بالبحر الأحمر عن طريق الوجود بإريتريا، إلى إقامة نقاط ارتكاز للاستطلاع ومتابعة الأنشطة العربية، واستغلال المنطقة عند الضرورة وسيلةً للضغط وتشتيت الجهود عند إدارة صراع مسلح بين إسرائيل والعرب، فضلاً عن إمكان استخدام المنطقة نقاط انطلاق لتوجيه ضربات وقائية سواء تجاه مصر أو تجاه أحد الأهداف العربية.

ب. التأثير على الأمن القومي المصري والسوداني

حيث تركز إسرائيل في تحركها على التأثير على الأمن القومي المصري والسوداني من خلال أحد أهم روافده، وهى تهديدات تطال مياه النيل من خلال سعى إسرائيل لاستغلال علاقاتها بدول حوض النيل للضغط على مصر عند إدارة أي مواجهة بالمنطقة، وذلك بغرض التأثير على الموقف المصري خلال مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية، والسعي لتحقيق مطامحها في الحصول على مياه النيل، وعرقلة أي جهود قد تقدمها مصر للسودان والدول المحيطة للخروج من أزمة التمرد في إقليم دارفور السوداني، والمحافظة على وحدة تراب تلك الدولة.

كما أن إسرائيل تعمل على عرقلة أية مشروعات مصرية لتنمية الموارد المائية بأعالي النيل، وتسعى جاهدة إلى إثارة الاتجاهات المطالبة بإعادة النظر في اتفاقية مياه النيل، كما أن إسرائيل تسعى إلى تقديم خبرتها واستثماراتها في اتجاه تنفيذ مشروعات تضر بالصالح المصري والسوداني في مياه النيل، كسعيها إلى تحويل نسبى لتغيير اتجاهات المصب لأفرع النيل لتتجه إلى البحر الأحمر، وقد عطلت الحرب الإريترية الأثيوبية هذه الجهود في الوقت الراهن. كما أن إسرائيل لا تتردد في دعم الاتجاهات المضادة للحركة المصرية السودانية للتنسيق والتعاون بين دول الحوض والمنظمات والتجمعات الإقليمية ذات الصلة بهذا الأمر. ومن ناحية وفي إطار حروب المياه القادمة، فإن إسرائيل تطمع في مياه النيل، وتدرك أن أمن مصر مرتبط بها ارتباطاً عضوياً، ولذلك فهي تركز وجودها في دول حوض النيل، وتزاول العديد من السياسات والممارسات التي تؤدى إلى خلق تناقضات عدائية عربية ـ أفريقية تصل إلى حد اختراع مشروعات في بعض الدول الأفريقية والاستعداد الغربي لتمويلها للتأثير على حصة مصر والسودان من مياه النيل.

ج. التأثير على الأوضاع في الصومال

إذا كانت هذه بعض الانعكاسات السلبية الإسرائيلية على الأمن القومي العربي ممثلاً في التأثير على دولتين فيه هما مصر والسودان. فإن البعض يشير إلى دور مؤثر لإسرائيل في دعمها اللوجستي للقوات المتقاتلة في الصومال، ودعمها لاستمرار الصراع، وحالة عدم الاستقرار من خلال مناصرة فريق على آخر. حيث تدخل الفوضى والاقتتال العام في الصومال ضمن مخططاتها، ويعزز من ذلك التصور تعاونها الوثيق مع ما يسمى بجمهورية أرض الصومال.

د. التأثير على علاقات الدول الغربية بالدول الإسلامية في المنطقة

تدعي إسرائيل أنها خط الدفاع الأول للغرب ضد الخطر الجديد، المتمثل في التطرف الديني والإرهاب. وتقدم نفسها إلى الدول الأفريقية على أنها الخبير الأول في مقاومة هذا التطرف والإرهاب. ولا شك أنها ستقدم -أى إسرائيل- سابقة أعمالها في ممارساتها القمعية ضد الفلسطينيين مصورة إياهم للبلدان الأفريقية على أنهم إرهابيون ولا سيما منظمتا المقاومة “حماس” و”الجهاد” من ناحية، فضلاً عن كفالة الحماية الذاتية لنظم الحكم في العديد من الدول الأفريقية ضد محاولات التورط ضدها من ناحية أخرى.

إن التحرك الإسرائيلي في القارة الأفريقية يتطلب من الدول العربية في المنطقة والمجاورة له، وتخصيصاً مصر والسودان لأن تكون هناك إستراتيجية طويلة المدى للتعامل مع مجمل الأوضاع فيها، ويدخل في هذا السياق ضرورة اعتماد سياسة ردع عسكري، تستهدف الردع المتدرج المرن تجاه دول أفريقية تمثل تأثيراً حيوياً على محاور الأمن العربي مثل حوض النيل لضمان حفظ مصالح مصر والسودان المائية، وتأمينها من خلال امتلاك القدرات العسكرية اللازمة للتدخل (عند الضرورة) ضد أية أعمال من شأنها المساس بمصالحهما في حوض النيل. وإشعار دول الحوض بهذه القدرة العربية، وأنها لا يمكن أن تقبل مساساً بمصالح الدول العربية في هذا الشأن.

علاقات إسرائيل بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

أولا. جذور الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية ودوافعه

  1. جذور الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية

أ. الاهتمام بالمنطقة وطناً قومياً مقترحاً لليهود

لم تكن أفريقيا بالبعد المكاني أو الجغرافي المستحدث على خريطة الاهتمام الصهيوني؛ فما كان يُعرف “بمشروع أوغندا Oganda project أو إقامة مستعمرة يهودية في أفريقيا في بدايات القرن العشرين مستقراً للوطن اليهودي المقترح، تم بحثه فيما بين القيادة الصهيونية ممثلة في ثيودور هرتزل واللورد تشمبرلين وزير المستعمرات البريطاني. وقد كان من ضمن البدائل التي ناقشتها المؤتمرات الصهيونية وتبناها قطاع من الصهيونيين الذين يعرفون بالعمليين، وبعد أن منحت بريطانيا، دولة الانتداب على فلسطين، اليهود الحق في إقامة دولة لهم في فلسطين بموجب وعد بلفور 1917، ثم تأسيس دولة الكيان الإسرائيلي واعتراف عدد من دول العالم بها، فقد اتجهت نحو محاولة الاتصال بالنطاق القاري الأفريقي والآسيوي والاهتمام به، بحسبان أن ذلك من الأولويات الرئيسة للقيادة الصهيونية لكسر عزلتها والخروج إلى نطاق الارتباط العالمي، مع عدم إغفال الأبعاد الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن يحققها ذلك الأمر.

وبناءً على هذا التصور المبدئي، فقد كانت السيطرة على إيلات وإقرار الملاحة في خليج العقبة والبحر الأحمر في أعقاب العدوان الثلاثي (البريطاني والفرنسي والإسرائيلي) عام 1956 تمثل هدفاً لإقرار هذا الأمر وتدعيمه؛ حيث يُسهل عملية الاتصال بالقارتين. وقد أعطت معطيات الارتباط الغربي بإسرائيل دفعة قوية لهذا التوجه الصهيوني المبكر، وإذا كانت إسرائيل قد استطاعت أن تحدث اختراقاً مبكراً لعقل المجتمع الغربي وفكره فإن عملية إدارة الصراع الإقليمي فرضت عليها بذل أقصى درجات الحرص على دعم علاقاتها بالدول المختلفة وخاصة الدول الأقرب، والتي يمكنها تقبل بالوجود الإسرائيلي في المنطقة، وكانت دول القارة الأفريقية هى المرشحة لهذا التقارب.

ب. الاهتمام بالمنطقة كبديل احتياطي

لقد واصل مؤسسو الصهيونية التفكير في أفريقيا على أنها امتداد ممكن للكيان الصهيوني، أكثر من كونها وطنًا لليهود، ولمّا كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا في مناطق يستطيعون فلاحتها بأنفسهم، ويسمونها وطنًا مشتركًا، فقد عدت فلسطين مكانًا غير مناسب لكل اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا بهذه الطريقة. ولذلك فإن هرتزل رأى أن شرق أفريقيا يعد مكاناً مناسباً للموجة الثانية من الاستعمار اليهودي لا الموجة الأولى”.

وهكذا يتضح مما تقدم أن دولة الكيان الصهيوني تشكل ما يمكن تسميته “الفاتيكان المسلح”، حيث أصبح لليهود مركز قيادة مستقل للصهيونية العالمية في أرض فلسطين، يتولى تنسيق نشاطات الجماعات اليهودية في مختلف أرجاء العالم، والتي من المتصور أن يبقى معظمها خارج الكيان الصهيوني ليتولَّى مهمة تعبئة التأييد السياسي والمالي لها، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود مركز تبادلي أو احتياطي للمركز في شرق أفريقيا.

ويبدو أن منطقة شرق أفريقيا ـ والتي كانت مطروحة في السابق وطناً قومياً لليهود تشكّل المركز “الاحتياطي” أو “التبادلي” للحركة الصهيونية، ويظهر ذلك جليًا من النشاط الصهيوني المكثف في المنطقة بعون أمريكي، في كل الظروف والمتغيرات، وهو نشاط استهدف في جانب كبير منه تطويق العالم العربي من الجنوب، وتقليص المد الإسلامي على أطرافه، بالتعاون مع المسيحية العالمية، ابتداء من افتعال الصراع الموريتاني ـ السنغالي والتهديد بضرب القدرات العسكرية للجزائر، والوجود العسكري الأمريكي- الصهيوني في تشاد، والمساعدات لحركة التمرد في جنوب السودان من جانب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ومجلس الكنائس العالمي، ثم التدخل في أحداث القرن الأفريقي لترتيب الأوضاع لصالح الإمبريالية الأمريكية والصهيونية. وكل ذلك تمهيد لتعزيز مركز “تبادلي” أو احتياطي آمن للحركة الصهيونية يحقق لها الأغراض الدفاعية المذكورة من جهة، والأغراض الهجومية المتمثلة في تقليص الوجود الإسلامي في أفريقيا، والتحكم في منابع مياه النيل، ومدخل البحر الأحمر من جهة ثانية.

ج. الاهتمام بالمنطقة كمرتكز للتواصل مع الأقليات اليهودية في أفريقيا

يقوم اليهود الأفارقة بدور رئيس في دعم العلاقات الأفريقية ـ الصهيونية, لا سيما أن أي يهودي في العالم له الحق في الحصول على جنسية دولة الكيان والهجرة إليها والاتصالات مع يهود أفريقيا مستمرة, سواء عن طريق الكيان نفسه أو عن طريق الوكالة اليهودية. لقد شكلت الهجرة اليهودية الأفريقية إلى فلسطين ما نسبته 16% من مجموع السكان اليهود, وارتفعت هذه النسبة إلى حوالي 18,5% بعد قدوم يهود الفلاشا وغيرهم, ومن ثم فإن هذه النسبة كفيلة بأن تكون جسرا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بين الكيان وأفريقيا. وينفرد التعامل الصهيوني مع القارة الأفريقية بدرجة عالية من الخصوصية يتَّضح ذلك في جانبين؛ أولهما: يتمثَّل في عملية الربط الأيديولوجي والحركي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنوجة، وثانيهما: يتمثّل في التعمد الصهيوني التعامل مع جماعات إفريقية بعينها تدعيمًا لاستمرارها في السلطة إن كانت حاكمة، أو توسيعًا لدورها في نشر حالة عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول الأفريقية، ويمكن الإشارة إلى ذلك كالتالي:

(1) عملية الربط الأيديولوجي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنجية

تظهر علمية الربط الأيديولوجي بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية والزنجية والتي حاكتها الصهيونية العالمية في عدة أوجه منها:

(أ) الزعم بخضوع كل من اليهود والأفارقة (الزنوج) لاضطهاد مشترك، فكلاهما ضحايا للاضطهاد وللاثنين ماضٍ مؤلم، وأنهما من ضحايا التمييز العنصري، وبينهما من هنا تفاهم متبادل، ويزيد من تلاقي تطلعاتهما أن لهم جذورًا ممتدة في ماضيين متشابهين جوهراً، ومن ثم فإن سياسة الكيان في أفريقيا تعدّ تطلعاً أصبح يتمثل في الرغبة الصهيونية في مساعدة الذين عانوا المآسي كالشعب اليهودي.

ويؤكد موسى ليشم ـ والذي كان رئيسًا للإدارة الأفريقية في الخارجية الصهيونية ـ على أن العلاقات القوية التي تطوَّرت بين دولة الكيان وأفريقيا إنما تتصل بالروابط التي قامت بين اليهود والأفريقيين، فجذور التعاطف بينهما تتمثل أساسًا في أن المدنية السائدة صنفت اليهود الزنوج أجناساً منحطة، وأن التجربة التاريخية والنفسية متشابهة بينهما، وتمثَّلت في تجارة الرقيق وذبح اليهود، وهذا التماثل ليس ذا طبيعة تاريخية أو مجردة فقط، ولكنه يتأكد من خلال التطلع اليهودي لتجديد ما أسماه وجودهم القومي، وكذلك من خلال كفاح الأفريقيين للتعبير عن أنفسهم في ظل الاستقلال، أي من خلال رغبة كل من الشعبين في حفظ قيمه الثقافية.

(ب) إضفاء المسحة الصهيونية على حركة الجامعة الأفريقية، فمنذ أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي ومع أخذ الحركة الصهيونية، وحركة الجامعة الأفريقية إطارهما التنظيمي فقد أطلق على حركة الجامعة الأفريقية اسم “الصهيونية السوداء”، وأطلق على أحد زعمائها المتصدرين لفكرة “عودة الزنوج الأمريكيين إلى وطنهم الأصلي أفريقيا” -وهو ماركوس جارفي اسم- “النبي موسى الأسود”، بل إن تشبه الزنوج بالكيان الصهيوني وإضفاء طابع ديني على حركتهم للعودة إلى أفريقيا يوضّح هذا التأثير بالفكر الصهيوني إلى حد بعيد. فقد كان الأسقف ألكسندر وولترز ـ أحد أساقفة كنيسة صهيون الأسقفية الميثورية الأفريقية ـ أكبر سند لسلفستر ويليامز -أول داعية لحركة الجامعة الأفريقية-، والذي نظَّم أول مؤتمراتها في لندن عام 1900 بمساعدة من كنيسة صهيون ودعمها، وكان معروفًا أن زعماء هذه الكنيسة يستندون إلى العهد القديم من الكتاب المقدس، وخاصة عندما “عدوا للهروب من العبودية على مثال ما حدث لبني إسرائيل، واستعانوا بالآيات الخاصة بالحياة الأخرى من موت وبعث وخلود ليسبغوا على حركاتهم نوعًا من هالة قدسية، أو رضىً إلهي”.

(ج) أن عملية الربط بين الصهيونية وحركة الجامعة الأفريقية قد استهدفت من بين ما استهدفت مواجهة الإسلام في أفريقيا من جهة، وضرب العلاقة بين حركة التحرر العربية والأفريقية من جهة أخرى؛ إذ صرح عديد من القيادات الدينية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية مبكرًا أن الهدف من تهجير الزنوج الأمريكيين إلى أفريقيا إنما يستهدف نشر المسيحية فيها من خلالهم، والوقوف أمام انتشار الإسلام في القارة.

وبعد الحرب العالمية الثانية فقط، أدركت دولة الكيان والقوى الاستعمارية أهمية “القيادات الوطنية” والمثقفة في أفريقيا مع المد التحرري الذي بدت عليه الحياة السياسية الأفريقية؛ فكان اقترابها البارز في البداية من نكروما ونيريري وسنغور أكثر من غيرهم. وقد كان وزن هؤلاء في حركة التحرر الأفريقية ضروريًا للكيان والغرب عامة لتحجيم صلة هذه الحركة بحرية التحرر العربية، وبالطبع فقد أفاد في هذا الأمر ميراث الصهيونية والزنوجية المبكر من جهة، بل وطبيعة ميراثهم من الفكر الليبرالي، وحتى اليساري الأوروبي في توجهه نحو الكيان الصهيوني من جهة أخرى.

(د) كان من نتائج ما تقدم أن ظهرت دولة الكيان إلى الوجود متمتعة برصيد من التعاطف المنبثق عن العوامل الدينية والثقافية، دون أن يثقل كاهلها شيء من سلبيات الصدام أو التعامل العدائي بينها وبين القارة الأفريقية وأهلها، على عكس العرب الذي اتُّهموا في هذا السياق بمزاولة تجارة الرقيق في أفريقيا. وقد كانت استجابة الزعماء الأفريقيين للتعامل مع الكيان الصهيوني في المجالات كافة سريعة وودية، فمن المعروف أن ليبريا كانت أول دولة إفريقية تعترف بالكيان الغاصب، وثالث دولة اعترفت بها في العالم (بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) عام 1948.

(2) التركيز على دعم العلاقات مع جماعات أفريقية محددة

تتضح هذه الخصوصية في التعامل الصهيوني مع القارة الأفريقية، والتي تعدّ من ثوابت السياسة الخارجية الصهيونية في أفريقيا، والتي تتجاوز التعامل المؤقت مع أنظمة الحكم الأفريقية – بافتراض عدم استقرارها- إلى التعامل المستقر وشبه الدائم مع جماعات بعينها تتَّسم بثقل عددي وسياسي، فتقوم بمساندتها إذا كانت تشكّل قاعدة للسلطة القائمة دعمًا للاستقرار السياسي، وتوطيد الأواصر والعلاقات مع الكيان، أو تقوم بمساندتها إذا كانت خارج السلطة السياسية لإشاعة حالة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي في دولة تعدّ معادية للكيان. ولم تغفل دولة الكيان في هذا المقام أهمية الربط الأيديولوجي بين التقاليد الصهيونية وتقاليد هذه الجماعات، كما هو الحال مع جماعة الدينكا في جنوب السودان، وجماعة الأمهرا في إثيوبيا.

  1. دوافع الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية

لم يكن التوجه الصهيوني نحو أفريقيا فجائياً أو غير مخطط له، إنما ظهر هذا التوجه في بدايات تكوين الدولة اليهودية والتي سعت لتوثيق علاقاتها بدول العالم، ولم تكن لتتردد عن التقدم إلى الدول المختلفة عارضة عليها نفسها، كما حدث مع الصين الشعبية عندما أرسل “موشى شاريت” أول وزير خارجية لدولة إسرائيل إلى “شواين لاى” رئيس الوزراء الصيني في 9 يناير عام 1950، عارضاً الاعتراف الإسرائيلي بالصين، ولكن الصين رفضت الطلب الإسرائيلي في حينه لحسابات خاصة برغبتها في عدم إغضاب العرب.

ولذلك فإن الدوافع التي حدت بإسرائيل إلى التوجه إلى أفريقيا تمثلت أساساً في أن أكثر من 15% إلى 17% من سكان إسرائيل من اليهود قدموا أساساً من أفريقيا في الفترة الحرجة للدولة اليهودية الممتدة من عام 1948 حتى عام 1967. واستمرت حتى تهجير يهود إثيوبيا الفلاشا في ثمانينيات القرن الماضي. وهذا الأمر المرتبط بالوضع السكاني في إسرائيل دفع إلى الاهتمام بالواقع الأفريقي وبالقطع فقد لعب هؤلاء المهاجرون من أفريقيا لإسرائيل دوراً كبيراً في دفع عجلة الاهتمام بالوضع الأفريقي.

فإذا كان معظم المهاجرين الأوائل من أفريقيا من يهود البلاد العربية الأفريقية وخاصة دول الشمال الأفريقي، فإن عملية تهجير يهود أثيوبيا، وما ارتبط بها من أحداث أظهرت أن النشاط الصهيوني في أفريقيا يعتمد الانتقائية في عمليات التهجير. فهؤلاء اليهود من الفلاشا – والذين يشكك كثير من الإسرائيليين أنفسهم في حقيقة يهوديتهم ومن ثم عدم استيفائهم لشروط حق العودة وما يمكن أن يسببه ذلك في انتفاء نظرية الاختصاص اليهودي عليهم التي روجت لها الدعايات التاريخية منذ أمد بعيد.

ولكن إسرائيل عندما ركزت عليهم، رغم الشكوك التي أحاطت بهم، كانت ترى أن هؤلاء الأفارقة يمكن أن يحلوا عمالةً مكان الفلسطينيين وأيضاً يمكن تجنيد العديد منهم في جيش الدفاع الإسرائيلي، وبطبيعة الحال فإن واقع الحياة في أثيوبيا ساعد كثيراً على هجرة هؤلاء الأثيوبيين إلى إسرائيل. ومع ذلك فإن إسرائيل لم تلعب الدور نفسه مع الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا، حيث صنفتها من الجاليات التمويلية كيهود الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً فإن وضع هؤلاء اليهود ساعد إسرائيل كثيراً في تدعيم مركزها في الجنوب الأفريقي، وهو ما سنتعرض له لاحقاً، وإقامة مزيد من التعاون مع النظام العنصري هناك، قبل انتقال الحكم إلى الوطنيين الأفارقة بقيادة “نيلسون منديلا”.

ولكن الدافع الإسرائيلي للتوجه إلى أفريقيا لم يقتصر على ذلك فقط، إنما معطيات الواقع الأفريقي أعطت اهتماماً كبيراً لدوافع الارتباط الإسرائيلي مع القارة، ولا سيما العامل الجغرافي الذي يفصح عن أن أفريقيا هى البعد المكاني الأقرب إلى إسرائيل. وهذا الأمر حاولت من خلاله إسرائيل الالتفاف حول النطاق العربي المحيط بها وما يسببه من تضييق على الاقتصاد الإسرائيلي، وكان الأمل نحو الارتباط الأفريقي يحدوها في التغلب على معوقات البناء والتنمية الإسرائيلية ويوفر مورداً للاحتياجات، وخاصة المواد الخام، وسوقاً كبيرة؛ وأيضاً فإن إسرائيل، وعلى ضوء الموقف الإستراتيجي الذي فرضته الحركة المصرية في تأييدها لثورة اليمن عام 1962 من ميزة إستراتيجية نسبية للمصريين والعرب في صراعهم مع إسرائيل، سارعت إلى الاهتمام بالارتباط بدولة أثيوبيا الجار غير العربي على سواحل البحر الأحمر، لا سيما أنها كانت ثاني دولة أفريقية تعترف بها (أول دولة أفريقية اعترفت بإسرائيل هي ليبيريا وذلك عام 1948).

ومن الدوافع المهمة التي ساعدت ومهدت على التركيز الإسرائيلي على التغلغل والارتباط بالقارة الأفريقية ومهدت له، هو النجاح النسبي للحركة الإسرائيلية أفريقيا عنها آسيوياً، حيث إن قارة آسيا بها عدد أكبر من الدول الإسلامية التي تقف عائقاً في سبيل الارتباط والتغلغل الإسرائيلي هناك، كما أن القوى الكبرى الآسيوية مثل الصين صدت التقارب الإسرائيلي معها ولم تسمح لإسرائيل، بالنفوذ إلى مؤتمر باندونج عام 1955، وشعرت القيادة الإسرائيلية أن المردود الإسرائيلي في أفريقيا سوف يكون أسرع ارتباطاً بتسويق المشروع الصهيوني هناك، وتصوير اليهود على أنهم المعانون والمضطهدون مثل الزنوج الأفارقة. وإن إسرائيل بلد صغير ليس له أطماع الدول الاستعمارية الكبرى التي جثمت عقوداً طويلة محتلة بلدان القارة الأفريقية.

ثانياً: الأهداف والمصالح الإسرائيلية في أفريقيا

1. أهداف السياسة الإسرائيلية في أفريقيا

يرى أ د. إبراهيم نصر الدين أن أهداف السياسة الخارجية الصهيونية في أفريقيا تكاد تنحصر فيما يلي:

أ. الدفاع عن بقاء دولة الكيان ووجود وضمان أمنها، وذلك من خلال فك طوق العزلة العربية المفروضة عليها سياسيًا واقتصاديا، كي تتمكن من الخروج من هذه العزلة المفروضة عليها إقليميا (عربيًا) لتتجاوز المسرح الإقليمي إلى ما وراءه (أفريقيا) والحصول على أكبر تأييد دولي لوجودها وسياساتها من جانب؛ ثم العمل على تطويق الدول العربية ومصر خاصة لتهديد أمن مياه النيل، وتأمين موانئ البحر الأحمر، والتأثير على اقتصاديات الدول العربية وعرقلة نموها من جانب ثانٍ. فضلاً عن السعي لخلق تيار مناهض للعرب ومؤيد للكيان الصهيوني في أفريقيا من جانب ثالث.

ب. خلق مجال حيوي لطاقاتها وإمكاناتها الإنتاجية والفنية، على نحو يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من زيادة التبادل التجاري، وخلق سوق واسعة للصادرات الصناعية الصهيونية، وضمان مورد مهم للخامات، وخلق مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لدى الكيان الصهيوني.

ج. توثيق الروابط بينها وبين الاستعمار لضمان المصادر التمويلية، وخدمة مصالح الاستعمار ومواجهة نشاط الكتلة الشيوعية في أفريقيا.

غير أنه يلاحظ أن الكثيرين في تحديدهم لأهداف السياسة الخارجية للكيان في أفريقيا قد تجاهلوا وضع هذه الأهداف في منظومة أولويات السياسة الخارجية الصهيونية بعامة من جهة، ثم إنهم أغفلوا فرز هذه الأهداف لتحدد أيها ذو طبيعة تكتيكية مرحلية، وأيها ذو طبيعة إستراتيجية طويلة المدى من جهة أخرى، خاصة بعد أن أصبح وجود الكيان الصهيوني مؤكدًا، وأمنه مضمونًا، بل وأصبح يهدّد أمن الآخرين والاعتراف به قائمًا، وعزلته الاقتصادية والسياسية مقوَّضة، وعلاقاته الاقتصادية مع الدول الأفريقية مؤمَّنة ومتنامية. ومن ثم يرى البعض أن الأهداف الإستراتيجية للسياسة الخارجية الصهيونية بصفة عامة تتمثل في ثلاثة أهداف هي:

أولها: ضمان حماية الأمن القومي الإسرائيلي

يتركز هذا الهدف على ضرورة التأكيد على “تأمين الوجود والبقاء للكيان الإسرائيلي”، حيث يتسم هذا الوجود بخاصتين:

الأولى: أنه يسعى إلى المحافظة على الشخصية النقية للدولة (دولة دينية).

الثانية: أنه وجود ديناميكي متمدد وتوسعي تحت ضغط الهجرة المتزايدة التي تأتي إعمالاً “للوعد الإلهي” وفكرة “أرض الميعاد”.

وبناء على ذلك فإن الأمن القومي الإسرائيلي يستهدف في حالة منطقة القرن الأفريقي البعُد الإستراتيجي المتمثل في تحقيق السيطرة الإقليمية بغرض الالتفاف على أشكال العزلة التي تفرضها الدول العربية حول إسرائيل، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، وذلك بضمان الوجود الإسرائيلي من خلال الدولة الأفريقية الوحيدة على البحر الأحمر إثيوبيا ووريثتها بعد ذلك اريتريا، في إطار ضمان تلبية احتياجات إسرائيل الاقتصادية وخاصة في مجالات التسويق والعمالة والمواد الخام، وأيضاً ضمان تحقيق الاتصال بالأقليات اليهودية الأفريقية وتشجيعها على الهجرة إلى إسرائيل وهو ما تحقق بالنسبة ليهود الفلاشا في أثيوبيا، ومن قبل يهود الشمال الأفريقي العربي الذين غادر معظمهم بلدانهم التي كانوا يعيشون فيها تحت تأثير الدعاية الإسرائيلية التي أثارت الفزع فيما بينهم، أو من خلال التضييق الذي اعتمدته بعض الأنظمة العربية حول يهودها خوفاً من اتصالهم بإسرائيل.

ثانيها: ضمان اكتساب الشرعية الدولية للكيان الإسرائيلي

ينطوي هذا الهدف على تأمين القبول والرضا وضمانه من جانب دول المجتمع الدولي لوجود الكيان الإسرائيلي، وكذلك ضمان الاعتراف القانوني والواقعي بالوجود الصهيوني وأمنه في المنطقة العربية، ومن قبل الدول العربية. لقد عبر دافيد بن جوريون أول رئيس لوزراء إسرائيل عن أهمية ذلك وأكد “أن الطريق الأكثر ضمانة للوصول إلى السلام والتعاون مع جيراننا لا يكون بدعوة شعب إسرائيل ووعظه بالسلام كما يفعل بعض محبي السلام من البسطاء ولكن عن طريق الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصدقاء في آسيا وأفريقيا الذين سيفهمون أهمية إسرائيل وقدرتها على الإسهام في تقدم الشعوب النامية والذين سينقلون ذلك المفهوم إلى جيرانهم العرب”. ويعبر أحد الكتاب الإسرائيليين عن نفس الفكرة في قوله: “إن إسرائيل لا تقوم بعمل خيري في أفريقيا وأن النشاط الإسرائيلي ليس منزهاً تماماً عن المصلحة العامة والصريحة، لتحطيم الحصار العربي وأن نجد جيراناً صالحين يستطيعون أن يعملوا في الوقت المناسب للتقريب بين إسرائيل والبلاد العربية”.

ولذلك استمد التحرك الإسرائيلي في أفريقيا زخماً لتأمين اعتراف سياسي وتسويق المفاهيم الإسرائيلية لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال إظهار إسرائيل بمظهر الدولة الضعيفة غير الطامعة، والتي تطلب من هذه الدول الأفريقية التوسط بينها وبين الطرف العربي. هذا إلى جانب أن إسرائيل – كما أسلفت – سعت مبكراً إلى ضمان كسب أصدقاء لها وخاصة في المحافل الدولية كالأمم المتحدة في إطار سعيها الدؤوب للحصول على مركز دولي بارز يكسبها مزيداً من الشرعية الدولية، وهى تسعى إلى ذلك بالقطع معتمدة على أصدقائها في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

ثالثها: ضمان تحقيق الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية

يعدّ الأمن والشرعية مقدمات ضرورية لا غنى عنها لتحقيق الهدف الأساس طويل المدى للوجود الصهيوني، وهو ما يمكن تلخيصه في الهيمنة على الإقليم باعتباره يمثّل “المجال الحيوي” للوجود الصهيوني من ناحية، ولضمان ألا يتجاوز في نموه وتوجهاته حدًا يعرّض المصالح الغربية لخطر أو لتهديد جديد. ويبدو أن ترتيب أولويات أهداف السياسة الخارجية الصهيونية في منطقة القرن الأفريقي يختلف من مرحلة إلى أخرى، كما يختلف الوزن النسبي لكل منها في إطار المرحلة نفسها. فالترتيب السابق لأهداف دولة الكيان الإسرائيلي الإستراتيجية ـ الأمن فالشرعية ثم الهيمنة- يعكس إلى حد كبير تدرجاً تاريخياً في أولويات الحركة الصهيونية، فالفترة اللاحقة لقيام الدولة حتى منتصف الستينات تقريباً كان التركيز فيها على مطلب الأمن، أما الفترة الممتدة من منتصف الستينيات حتى مطلع السبعينيات فهي تتسم بالتركيز على مطلب الشرعية بعد توطيد دعائم الأمن.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن قطع الدول الأفريقية العلاقات الدبلوماسية مع الكيان في غمار حرب أكتوبر 1973 لم يرتفع مطلقًا إلى حد التشكيك في “شرعية” الوجود الصهيوني، وعلى ضوء ذلك يمكن التركيز على أن المرحلة الراهنة واللاحقة ستشهد تركيزًا صهيونياً على مطلب الهيمنة. ولعل ذلك يدفع إلى نتيجة مفادها أن تطبيق مفهوم “الإمبريالية الفرعية” أو “الصغرى” على الوضع الراهن للكيان هو أكثر المفاهيم صدقاً، حيث هو يفسّر الطبيعة العالمية للحركة الصهيونية في أعلى مراحلها، وعلاقتها البنيوية ـ مجسَّدة في دولة الكيان ـ بالنظام الإمبريالي الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، ويفسّر أيضًا الاختلاف الذي يبدو أحيانًا مع المركز، ونتائج كل ذلك في الدور الإقليمي للكيان وعلاقاته في العالم الثالث وخاصة أفريقيا.

إذن فالتركيز الإسرائيلي على التغلغل في أفريقيا يحقق أهدافاً مهمة للمخطط الإستراتيجي تتحدد في محاور محددة أولها الأمن وكسب الأصدقاء في إطار ضمان الشرعية لتحقيق السيطرة على المجال الإقليمي وصولاً للهيمنة المطلوبة والتغلب على أية عقبات محتملة قد يثيرها العرب في سبيل ذلك. لقد وعت إسرائيل حقيقة ما تمثله أفريقيا من تأثير في المجال الدولي والإقليمي فالدول الأفريقية غير العربية تصل إلى أربعة وخمسين دولة أعضاء في الأمم المتحدة يمثلون حوالي ثلث أعضاء المنظمة الدولية، وهم يمثلون عاملاً مهماً في ضمان تأمين الأغلبية في أي قرار يعرض على الجمعية العامة، والمثل الواضح في ذلك هو قرار الجمعية العامة الذي اتخذته في نوفمبر عام 1975 والذي نص على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، وقد أيدت القرار 20 دولة أفريقية، وعارضته خمس دول، وامتنعت عن التصويت 12 دولة.

وهنا يمكن القول إن موقف كل من الدول التي امتنعت عن التصويت أو عارضت القرار ذهب لصالح إسرائيل أى 17 دولة وقد جاء هذا القرار في فترة ولاية كورت فالدهايم السكرتير العام للأمم المتحدة. ولكن في سابقة لم تحدث في الأمم المتحدة من قبل، وفي ظل ولاية بطرس غالي سكرتيراً عاماً للأمم المتحدة، ثم ألغي القرار عام 1992 بتأييد أفريقي ملحوظ، بعد أن سوقت إسرائيل دعايتها مستغلة المناخ الدولي والإقليمي ممثلاً في تأييد أمريكي للموقف الإسرائيلي، والضغط الشديد على الدول الأفريقية من ضمن دول العالم للتصويت لصالح إلغاء القرار، والمناخ الإقليمي المتمثل أساساً في اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر الدولة المحورية العربية الأفريقية، فضلاً عن انطلاق عملية السلام من مدريد في أكتوبر عام 1991.

ويلاحظ أن إسرائيل في تحركها نحو أفريقيا سوف تظل محتفظة بثوابت أهدافها ولكن مع إعادة ترتيب الأولويات داخل الهدف الواحد نفسه؛ ففيما يخص الأمن على سبيل المثال فإن إسرائيل سوف تسقط من أولوياتها موضوع “الهجرة”؛ لأنها قد حققت أهدافها في هذا الأمر مرحليا حتى الآن، وأيضاً فإن موضوع المقاطعة العربية وكسر طوق العزلة سوف يتراجع، لا سيما أن الدول العربية نفسها قد كسر العديد منها هذه العزلة بإقامة علاقات دبلوماسية أو تجارية مع إسرائيل، فهناك ست دول عربية غير مصر لها علاقات مع إسرائيل تختلف من دولة إلى أخرى. كما أن النظام العالمي الجديد وطبيعة العلاقات دفعت العديد من الدول العربية إلى التعامل الاقتصادي المباشر وغير المباشر مع إسرائيل.

ولذلك فإن هناك أهدافاً فرعية جديدة، أو أخرى قديمة سوف يكون التركيز عليها، كموضوع فتح الأسواق الأفريقية والإنفراد بها على المستويات كافة، وأمن البحر الأحمر، وخاصة على ضوء تجربة منع الملاحة في وجه إسرائيل بعد قفل باب المندب في عام 1973، وهى أمور لها اهتمام بالغ إسرائيلياً في ضوء مفاهيم إدارة الصراع والأمن القومي، من ناحية، وهدف الهيمنة الإسرائيلية، التي تعمد إليه بالأصالة أو بالوكالة، من ناحية أخرى. فقد استغلت إسرائيل ارتباطها بالغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وركزت على إبراز أهميتها بالنسبة للسياسة الغربية وتحركها على المستوى الإقليمي (العربي) والأفريقي في إطار دورها في النظام العالمي الجديد الذي يرسخ مبدأ الهيمنة الإسرائيلية وكيف أنها مهمة لهذا النظام لتأكيد هيمنته في القارة الأفريقية.

  1. الأهداف والمصالح الإسرائيلية في القارة الأفريقية

أ. الأهداف الإسرائيلية في القارة الأفريقية

يمكن الإشارة إلى أن المخططات الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الأفريقي تمثل تهديداً للأمن القومي العربي بعامة، والأمن الوطني المصري بخاصة، حيث تهدف إسرائيل إلى تدعيم علاقاتها بدول الجوار العربي الأفريقي بغية الالتفاف حول الأمة العربية في شكل حزام يمتد من إثيوبيا، وإريتريا، مروراً بكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، ورواندا، وبوروندي، والكونغو الديمقراطية، بما يهدد منابع النيل في أول هدف إستراتيجي، ثم الالتفاف حول السودان عبر جمهورية أفريقيا الوسطى، مع تطويق المغرب العربي عبر تشاد والنيجر ومالي والسنغال، بل إن هناك محاولات للتغلغل في أقصى جنوب القارة، ومن ثم فإن أبرز تلك المخططات تتركـز في الآتي:

(1) التأثير على الأمن المائي والغذائي العربي

تسعى إسرائيل لاستخدام المياه ورقة ضغط على مصر والسودان، وعلى مصر خاصة، ومن ثم فإن التنسيق الإسرائيلي مع دول منابع النيل، إثيوبيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية خاصة يمثل تهديداً للمصالح المصرية والسودانية.

(2) تهديد الملاحة في البحر الأحمر

يمثل الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي والجزر الواقعة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر تهديداً خطيراً للمصالح الإستراتيجية والأمنية والتجارية للدول العربية والأفريقية في البحر الأحمر. ولذلك فإن الوجود الإسرائيلي في المنطقة يمكنها من ترتيب الأوضاع بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية.

(3) إضعاف التأييد الأفريقي للقضايا العربية

تسعى إسرائيل من خلال دورها المتنامي في أفريقيا إلى إضعاف التأييد الأفريقي للقضايا العربية، وكسب الرأي العام الأفريقي إلى جانبها، خاصة في قضايا الصراع الإسرائيلي، الأمر الذي قد يفقد العرب رصيداً كبيراً من التأييد السياسي الأفريقي.

(4) محاولة الربط الأيديولوجي والحركي بين إسرائيل وأفريقيا

تركز إسرائيل على عملية الربط الأيديولوجي والحركي بين الصهيونية وحركة الجماعات الأفريقية، وذلك بالإشارة إلى أن كلاً من اليهود والأفارقة “الزنوج” قد عانوا من اضطهاد مشترك، وأنهما من ضحايا التمييز العنصري، هذا بالإضافة إلى العمل على إضفاء المسحة الصهيونية على علاقاتها الأفريقية.

(5) تدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الأفريقية

عملت إسرائيل على تدعيم علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع الدول الأفريقية، وفتح أسواق إسرائيلية بها لطاقاتها وإمكاناتها الإنتاجية والفنية، على نحو يؤدى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، مع زيادة التبادل التجاري وضمان مورد مهم للخامات، وخلق مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لدى إسرائيل.

(6) تنفيذ السياسات الغربية وخاصة الأمريكية في القارة

تعد إسرائيل هى الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية في القارة، والمنفذ لسياساتها، حيث تعمل حلقة اتصال أو وسيط يسهم في دعم العلاقات الغربية الأمريكية.

ب. المصالح الإسرائيلية في القارة الأفريقية

تتعدد المصالح الإسرائيلية في أفريقيا وتتنوع ويمكن الإشارة إلى بعض جوانبها وفقاً لما يلي:

أ. المصالح السياسية

يتمثل الهدف الرئيس لسياسة إسرائيل الخارجية في اكتساب عناصر الشرعية السياسية والاعتراف القانوني بها لا سيما أن امتناع الدول الأفريقية عن الاعتراف بإسرائيل يعنى التشكيك في شرعية وجودها، ومن ثم تسعى إسرائيل لتحقيق المصالح السياسية الإسرائيلية في أفريقيا وهى كالآتي:

(1) تطوير علاقاتها الدبلوماسية مع الأطراف الأفريقية، لترسيخ مفهوم الوجود الإسرائيلي بوصف كيانها دولة ذات سيادة وعضواً بالمجتمع الدولي.

(2) التأثير على الأصوات الأفريقية بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لصالح تأييد المواقف الإسرائيلية في مواجهة الجانب العربي بخاصة، وعدم المساس بمركزها الدولي بعامة.

(3) التقارب الإسرائيلي مع القارة الأفريقية وتخطيطها الدقيق لإيجاد مصالح أفريقية في إسرائيل ما يؤدى إلى إحراج الأطراف الأفريقية عند إدانة إسرائيل دولياً.

(4) الاستغلال الجيد للنفوذ الإسرائيلي في القارة لشرح وجهة النظر الإسرائيلية فيما يتعلق بقضية الشرق الأوسط عامة والمسألة الفلسطينية خاصة.

ب. المصالح الأمنية والإستراتيجية

تولى إسرائيل اهتماما خاصاً لضمان تحقيق مصالحها الأمنية، وذلك انطلاقا من حسابات متعددة لا تنبع فقط من القرب الجغرافي لإسرائيل من القارة الأفريقية، وإنما أيضاً لتحقيق مصلحتها الإستراتيجية في القارة والمتمثلة في الآتي:

(1) في إطار الإستراتيجية الإسرائيلية، احتلت القارة أهمية بارزة، بحسبان أنها تمثل جزءاً من المجال الحيوي الإسرائيلي.

(2) منع تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية.

(3) محاولة السيطرة على باب المندب.

(4) استغلال وجودها في شرق القارة، لمحاولة النفاذ إلى محور غرب أفريقيا لتشكيل حزام يطوق الدول العربية تهدد من خلاله العمق الإستراتيجي للمغرب العربي.

(5) البعد المائي في علاقاتها بدول حوض النيل، للضغط على مصر واستغلال قرب موقعها الأفريقي من مصر في التلويح بإمكانات تهديد المنشآت المائية الرئيسة “السد العالي”.

(6) السعي لاستغلال موارد القارة الأفريقية من أجل متطلبات التنمية ودعم جوانب الاقتصاد الإسرائيلي، مع ربط الموانئ والمطارات والمنافذ الأفريقية بشبكة من الخطوط الملاحية والبحرية والجوية الإسرائيلية.

(7) تمثل سياسة تشجيع الهجرة عموماً لإسرائيل أحد أهم محاور الاهتمام ببعض المناطق الأفريقية، انطلاقاً من صغر تعداد سكان الدولة، وبالشكل الذي أولت معه اهتماما بتهجير تجمعات يهودية في كل من “أثيوبيا- الفلاشا، وجنوب أفريقيا وزيمبابوي وكينيا”، فضلا عن استثمار بقاء تجمعات أخرى حتى الآن في أفريقيا وتوظيفهم لتحقيق المصالح الإسرائيلية الأخرى بعامة، وما في ذلك محاولة دعم ثقلهم للتأثير الإيجابي على توجهات الأنظمة الأفريقية تجاه إسرائيل.

ثالثاً: أساليب وآليات تفعيل العلاقات الإسرائيلية مع أفريقيا

  1. 1. استغلال العلاقات السياسية مع دول المنطقة

تعتمد إسرائيل في تحركها نحو تحقيق غاياتها اعتماداً على ضرورة توسيع دوائر علاقاتها الخارجية واستناداً إلى مجموعة من الفرضيات ترتكز أساساً على عدة مبادئ من أهمها ضمان تحقيق مبدأ “الأمن” والأمن ليس مفهوماً أحادى الجانب يرتبط بالنواحي العسكرية منفصلة، إنما هو ذو أبعاد متعددة يهدف في نهايته إلى تنمية قدرات الدولة وكما عبر عن ذلك روبرت مكنمارا “إن الأمن ليس هو المعدات العسكرية وإن كان يتضمنها”.

والأمن عموماً ليس هو القوة العسكرية وإن كان يشملها. والأمن ليس هو النشاط العسكري التقليدي وإن كان ينطوي عليه؛ إن الأمن هو التنمية، وبدونها لا يمكن أن يوجد أمن، والدول النامية لا تنمو في الواقع، ويجب أن تظل آمنة، ومن ثم فإن نظرية الأمن في حد ذاتها ليست “استاتيكية” (ثابتة) بل هي “ذات طابع ديناميكي” (متغير) يرتبط بعدد من المحددات منها:

أ. التغير المرتبط بالعوامل والظروف الداخلية والخارجية للدولة ويؤثر على تغير الموقف الأمني، ولذا فالأمن حالة متغيرة وليست ثابتة، تتأثر بنظام الحكم والأيدولوجيا وغيرها من العوامل.

ب. نسبية الأمن، فأمن دولة ما يختلف نسبياً عن أمن دولة أخرى، وفقاً لمنظور كل منهما إليه، وإن كان يجمعهما إقليم واحد.

ج. إن تحقيق حالة الأمن المطلق – افتراضاً– يعنى في المقابل، تحقيق التهديد المطلق لدول الجوار.

إن إسرائيل تسعى سعياً دؤوباً إلى تحقيق مفهوم الأمن، وتحاول أن تصل فيه إلى الأمن المطلق، وبالقطع فإن هذا الأمر لن يكون إلا على حساب دول الجوار الإقليمي، وهى الدول العربية، تساعدها في ذلك المواقف العالمية السائدة ومن أهمها العلاقات الإستراتيجية التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية والتي تعطى إسرائيل التغطية الدولية اللازمة للنفاذ إلى الساحة العالمية. يساعد في ذلك تدنى الموقف العربي وحالات عدم الاستقرار السياسي والعسكري التي تسود المنطقة.

يضاف إلى ذلك الإدراك الإسرائيلي بضرورة بناء عملية التنمية الذاتية والسعي الجاد لتملك مقوماتها، لأنها لن تظل تستعير قوتها الأمنية، وإنما عليها أن تبنى هذه القوة الذاتية، حتى أصبحت إسرائيل الآن واحدة من أكبر عشر دول مصدرة للسلاح في العالم. وقد استغلت إسرائيل الوضع العالمي وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية التي أعطتها زخماً كبيراً في الولوج إلى الساحة الأفريقية، ومن قبل فعلت فرنسا وإنجلترا ومازالتا. وأيضاً استغلت الوضع على الساحة الإقليمية وما حدث على موقف الصراع من تطورات، وعقد مصر- وهي من أكبر الدول الأفريقية- اتفاق سلام مع إسرائيل في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، والأردن وحتى السلطة الفلسطينية (اتفاق أوسلو). وبدأت إسرائيل تركز على بناء قاعدتها الاقتصادية الضخمة في تعاملها الأفريقي لتستطيع تحقيق التنمية لمواجهة تحديات الحرب والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من ناحية، وصولاً لإستراتيجية الأمن المطلق من ناحية أخرى.

وهو ما يبرز الدور المهم لأفريقيا تجاه لإسرائيل لتحقيق متطلبات التنمية بما تحويه القارة من ثروات تساعد في توفير الخامات والاستثمار والأسواق، وأيضاً لتوفير المجال الإستراتيجي الحيوي لإسرائيل للتغلب على معوقات الوصول للأمن المطلق. ولذا فإن الأمن القومي ومفهوم إدارة الصراع الدولي والإقليمي هما جناحا التحرك الإسرائيلي الأفريقي، وتسعى إلى التنسيق الدائم الأكبر بينهما، وخاصة في الشق الخاص بالأمن القومي حيث يمثل هذا الأمر الاهتمام الأكبر للقيادة الإسرائيلية، ويرتبط كذلك بحالة التنمية الذاتية بوصفها عنصرا أساسيا ومكملاً لعنصر الأمن.

وقد شهدت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بصفة عامة تطورات مهمة في جوانبها كافة (السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، العسكرية، الأمنية)، خلال العقدين الأخيرين، على ضوء عوامل كثيرة، لعل أبرزها، صعود العولمة، ونمو ظاهرة الإرهاب الدولي بعد أحداث سبتمبر 2001، بالإضافة لنمو العلاقات السياسية والاقتصادية المتنامية بين إسرائيل وعدد من دول القارة، وغيرها من العوامل الإقليمية والعالمية. كما يعد العامل الاقتصادي هو الأبرز في النفوذ الإسرائيلي إلى القارة الأفريقية. ويوجد لإسرائيل علاقات دبلوماسية متنوعة مع العديد من الدول الأفريقية، ويقدر عدد الدول الأفريقية التي يوجد بها تمثيل دبلوماسي مقيم بدرجة سفارة 13 دولة، وتمثيل غير مقيم 30 دولة، ومكتب رعاية مصالح، مكتب اتصال، وهو ما يعنى أن معظم علاقات إسرائيل الأفريقية هي علاقات تمثيل غير مقيم.

  1. 2. توظيف القدرات الإسرائيلية للنفاذ داخلللقارة الأفريقية

يمكن طرح أبرز أساليب وأدوات إسرائيل في النفاذ للقارة الأفريقية في الآتي:

أ. أنشطة السفارات والبعثات الدبلوماسية في الدول التي لإسرائيل علاقات مباشرة معها مثل كينيا وإثيوبيا وأوغندا وإريتريا، فضلاً عن أنشطة الأجهزة والمؤسسات الاستخباراتية في الدول التي لها علاقات أو لاتوجد علاقات رسمية معها في المنطقة.

ب. تبادل الزيارات واللقاءات على مستوى القيادات السياسية والمسؤولين الرسميين وغير الرسميين.

ج. استثمار العلاقات الإسرائيلية الغربية الممتازة، وذلك لصالح تطوير العلاقات الأفريقية الإسرائيلية، بالإضافة لاستثمار الدور الأمريكي في أفريقيا خاصة بعد تزايد الاهتمام الأمريكي مؤخراً بقضايا ما يسمى بالإرهاب الدولي، بعد تداعيات أحداث 11 سبتمبر 2001.

د. استثمار حاجة الدول الأفريقية للدعم العسكري والأمني والاقتصادي، مثل الدعم ببعض النوعيات من الأسلحة والذخائر والخبرات الإسرائيلية في مجال الاستخبارات وجمع المعلومات.

هـ. استثمار مجالات التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، وخاصة التقنية التي تحتاجها الدول الأفريقية لتطوير مجالات التنمية المختلفة (زراعة – صناعة – سياحة – صحة – تعليم – رياضة).

و. دعم أنظمة الحكم الأفريقية، ودعم تلك الأنظمة في مجال السيطرة الداخلية وتأمين استمرار وجودها وذلك من خلال (مجالات الاستخبارات ـ تقديم المعلومات ـ تدريب الحرس الخاص بالنظم الأفريقية ودعم فاعليته وقدراته).

ز. استثمار عدم وجود إستراتيجية عربية منسقة تجاه القارة الأفريقية.

ح. استغلال إسرائيل للظروف الدولية في الارتباط بالقارة الأفريقية، وهناك مجموعة من الظروف الدولية التي عملت على تسهيل الحركة الإسرائيلية داخل أفريقيا.

ط. تقديم المنح الاقتصادية والتدريبية والتعليمية: عملت القيادة الإسرائيلية على استحداث العديد من الوسائل التي تساعدها على مد مظلة الارتباط بالقارة الأفريقية واستمرارها. ومنها الشركات العاملة في المجالات الاقتصادية والتي لا يتعدى الكثير منها أن يكون فرعاً من أفرع أجهزة المخابرات الإسرائيلية، وأيضا لجأت إسرائيل إلى اجتذاب الكثير من الدارسين والفنيين الأفارقة ومنحت العديد منهم الفرصة للدراسة في المعاهد والكليات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه أسست في وقت مبكر العديد من الهيئات العلمية وربطت أنشطتها لصالح دفع العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، كما قامت إسرائيل بإيفاد الخبراء في المجالات المختلفة (إلى الدول الأفريقية) وخاصة في مجالات التدريب العسكري والفني والذين عملوا على تنشيط الدور الإسرائيلي الفاعل في أفريقيا مبكراً.

وتعددت الأشكال والأساليب التي سعت إسرائيل من خلالها لتأكيد الارتباط بأفريقيا سواء عن طريق الحكومة الإسرائيلية، أو عن طريق الهيئات والإدارات العاملة في مجال التعاون الأفريقي مثل الهستدروت. أو عن طريق أصدقاء إسرائيل من الدول الكبرى خاصة وتقديم الدعم اللازم لمواصلة التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا عن طريق اشتراط هذه الدول الكبرى على الدول الأفريقية شراء معدات وأسلحة من إسرائيل والتعاون معها. بل وصل الأمر إلى أن أصدرت الخارجية الأمريكية أمراً إلى سفاراتها في الخارج في الثمانينيات من القرن العشرين – بوضع إمكاناتها كافة لتسهيل عمل الممثلين الرسميين الإسرائيليين وغير الرسميين. كما شكلت الخارجية الأمريكية، لجنة أمريكية إسرائيلية مشتركة؛ لتنسيق العمل في العالم الثالث، وتسهيل تحقيق أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية في أفريقيا.

ي. استغلال الأداة الاتصالية والدعائية الإسرائيلية في القارة الأفريقية: في إطار الاستغلال الإسرائيلي للمتغيرات الدولية. وفي سياق أنها تعمل وسيطاً لقوى أخرى لتأكيد سيطرتها وهيمنتها في القارة الأفريقية، كان على إسرائيل أن تنشئ وسطاً دعائياً واتصالياً يضمن نجاح سياستها في القارة الأفريقية.

  1. العوامل التي دعمت علاقات إسرائيل بدول القارة الأفريقية

ارتبط التعاون الإسرائيلي مع دول القارة الأفريقية بحسابات ومحددات من أهمها:

أ. واقع تطور الدول الأفريقية

كما هو معلوم فإن نهاية الخمسينيات وعقد التسعينيات كانا من أهم الفترات التي شهدت حركة التحرر الأفريقية وسيطرة الكوادر العسكرية في معظم البلدان الأفريقية على السلطة وحاجتها إلى الخبرة الأمنية الإسرائيلية، قليلة التكاليف، وساعد على ذلك حالة عدم الاستقرار الأمني والعسكري على الساحة الأفريقية سواء على الصعيد الداخلي للدول، أو في الإطار الإقليمي واستغلال إسرائيل لذلك في تعزيز علاقاتها مع الدول الأفريقية.

ب. شكل وطبيعة النظام العالمي

فقد استغلت إسرائيل التنافس الدولي على مناطق النفوذ والمصالح الإستراتيجية في ظل ثنائية القطبية منذ بداية الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات لتعزيز تعاونها العسكري مع الدول الأفريقية باستغلال علاقاتها الممتازة مع العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، ومع انقضاء مرحلة الحرب الباردة وما واكبها من تقلص للوجود الشرقي بالدول الأفريقية، وحاجة القوى الدولية والولايات المتحدة الأمريكية خاصة للشريك الإستراتيجي القادر على تأمين مصالحها بأفريقيا لا سيما مع تراجع الاهتمام الغربي عموماً بالقارة الأفريقية وتصاعد الصراعات الإقليمية بها، وسياسات تقليل الإنفاق الدفاعي للقوى الغربية والولايات المتحدة.

ومن ثم فقد سارعت إسرائيل إلى ملء الفراغ خدمة لمصلحتها ومصلحة حلفائها الغربيين، مستغلة الحاجة الأفريقية لإعادة بناء مؤسساتها العسكرية، والقدرة على تسويق إنتاجها وخبرتها في هذا المجال. وأيضاً الدعم الأمريكي لتحركها في القارة بحسبان أنها تحقق أهدافاً غربية مهمة في ظل التحول الديمقراطي وتفجر قضايا اللاجئين وظاهرة الإسلام السياسي إلى جانب الخلافات الحدودية والصراعات العرقية والقبلية، إضافة إلى انفراج عملية السلام العربي/ الإسرائيلي، مقابل ضعف فاعلية التعاون العربي الأفريقي.

ج. الاحتياجات العسكرية في القارة الأفريقية

لقد أسست إسرائيل إستراتيجيتها للتحرك على الساحة الأفريقية من خلال مجموعة من المبادئ والركائز الأساسية التي ترمى أولاً إلى تحسين الوجه الإسرائيلي في القارة الأفريقية وجعله مقبولاً من دولها ، وإظهار أهمية اعتماد هذه الدول على إسرائيل في إعداد كوادرها العسكرية وتأهيلها إضافة إلى تقديم التسهيلات كافة التي تتيح بناء علاقات مع الأنظمة الأفريقية وإظهار مدى قدرتها على خدمة أهداف هذه الدول علمياً وعسكرياً. وفي الوقت نفسه فقد درست إسرائيل الواقع الأفريقي وتابعت المتغيرات المستمرة على الواقع المحيط بالقارة الأفريقية وارتبط ذلك بوضوح الأهداف والتحديد الدقيق لأسبقيات التنفيذ وتطويع علاقات التعاون العسكري لصالح تحقيقها؛ والعمل على اختراق الأجهزة الأمنية للدول الأفريقية وبناء علاقات قوية بالمؤسسات العسكرية. وتنشيط الأعمال الاستخباراتية خدمة لهذه الأهداف وجمع المعلومات اللازمة عن دقائق الدول الأفريقية.

وفي إطار تحقيق إستراتيجيتها سعت إسرائيل إلى تقسيم القارة الأفريقية لمجموعة من دوائر الاهتمام وفقاً لأسبقيات الأهداف؛ لتحقيق أقصى مردود إيجابي لحركتها أفريقيا، فقسمت القارة جنوب الصحراء إلى أربعة دوائر هي شرق أفريقيا وغرب أفريقيا ووسط أفريقيا وجنوب أفريقيا. وفي نفس الوقت حاولت إسرائيل الانتشار في الدول الأفريقية كافة خلال المرحلة الأولى من التوجه للقارة، ثم التركيز حالياً على عدد من الدول المحورية بكل دائرة إقليمية. ففي البداية ركزت إسرائيل على مثلث إثيوبيا (شرق أفريقيا)، وغانا (غرب أفريقيا)، وجمهورية جنوب أفريقيا (جنوب أفريقيا). في مرحلة الفتور التي سادت العلاقات الإسرائيلية الأفريقية تم التركيز على جنوب أفريقيا وكينيا وزائير، ومع إعادة القارة علاقاتها مع إسرائيل ركزت على جنوب أفريقيا وشرق أفريقيا ووسط القارة على التوالي في أسبقيات الاهتمام.

ومع اختلاف أولويات المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية نجد التركيز مع الدوائر والدول المختلفة فعلى سبيل المثال نجد في المراحل الأولى للعلاقات الإسرائيلية بأفريقيا أعطت إسرائيل اهتماماً بأثيوبيا لتأمين الوجود في البحر الأحمر ونجدها اليوم تعطى اهتماماً بأثيوبيا وإريتريا ولكن في اتجاه التعاون الاقتصادي والعسكري نظراً للوجود الغربي لا سيما من جانب الولايات المتحدة الأمريكية سواء في البحر الأحمر أو الخليج العربي وتأثير ذلك على الأنشطة العسكرية المتضادة للقوى الإقليمية في المنطقة وانعكاس ذلك على أمن إسرائيل بالإيجاب.

وقد ساعدت إسرائيل، في تحركها الإستراتيجي في أفريقيا لإقامة علاقات التعاون العسكري مع دولها، مجموعة من الآليات والأجهزة الرسمية وغير الرسمية. فتضم وزارة الخارجية الإسرائيلية أقساماً وإدارات تهتم بالتعاون الإسرائيلي الأفريقي. وأما المؤسسة العسكرية فإنها تمارس دورها من خلال أجهزة الاستخبارات العسكرية (أمان) والذي يضم قسماً خاصاً بأفريقيا يتبعه مندوبون بالدول الأفريقية للحصول على المعلومات عنها وعن النشاط العربي بها وتتعاون “الموساد” مع كل من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع في هذا الاتجاه.

وتسهم في هذا الشأن أنشطة للهستدروت، ومؤسسات التعليم والتدريب المدنية، كما أن الشركات الإسرائيلية العاملة في أفريقيا في المجالات المختلفة كثير منها يعمل في اتجاه تحقيق أهداف الإستراتيجية الإسرائيلية في أفريقيا، وخاصة في اتجاه المعلومات والاستخبارات . كما أن الجاليات اليهودية المقيمة في الدول الأفريقية كانت تعمل في اتجاه تحقيق الإستراتيجية الإسرائيلية والالتزام بها. علاوة بالقطع على الدعم الكبير الذي كانت تتلقاه هذه الإستراتيجية من جانب القوى الغربية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.

د. التخطيط للتعاون العسكري الإسرائيلي مع دول القارة الأفريقية

اتخذت إسرائيل العديد من الأساليب منها توقيع اتفاقيات وبروتوكولات التعاون العسكري، وتخصيص بعثات للعمل في الدول الأفريقية، كما فعلت مع إريتريا حيث ساعدتها في بناء القوات الخاصة والبحرية والقوات الجوية، ومع أثيوبيا حيث ساعدتها في بناء قواتها الجوية وإعادة إصلاح العاطل من سلاحها الجوي. ومع زائير حيث ساعدتها في تكوين الحرس الجمهوري الزائيري، وكذلك الحال مع كينيا وغينيا وغيرها من البلدان الأفريقية.

بالإضافة إلى إرسال إسرائيل الخبراء العسكريين لتدريب الكوادر العسكرية الأفريقية وتأهيلها للمساعدة في بناء وتطوير العديد من القواعد الجوية والمشاركة في بناء الأجهزة الأمنية والإستخباراتية العسكرية بالدول الأفريقية وإنشاء محطات الاستطلاع والإنذار ببعض دول القارة الأفريقية ولا سيما تلك التي تخدم أهداف الإستراتيجية الإسرائيلية.

كما أن إسرائيل صدرت إلى أفريقيا العديد من أساليبها التي اعتمدتها في بناء نظمها الدفاعية ومنها نظام المزارع التعاونية العسكرية على غرار ما هو معمول به لعناصر الناحال والجدناع في إسرائيل. وفي إطار تسويق منتجاتها العسكرية اعتمدت إسرائيل على إدراج منتجاتها للعديد من الدول الأفريقية في إطار برنامج مساعدات الدول الغربية لهذه الدول لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتمدت على إسرائيل في هذا المجال، وخاصة في فترة الحرب الباردة. وتعد إسرائيل حالياً من أهم الدول المصدرة للسلاح إلى أفريقيا وتعتمد إسرائيل في الترويج لمبيعات السلاح سياسة إعلامية تبرز التفوق العسكري الإسرائيلي سواء من خلال وسائل الإعلام أو بتنظيم الزيارات للقادة والقيادات العسكرية الأفريقية لإسرائيل للإطلاع على أنشطة الإنتاج الحربي هناك . كما أنها تتبع سياسة تخفيض أسعار منتجاتها عن مثيلاتها في الدول الأخرى ، وتسعى دائماً إلى الالتزام بمواعيد التوريد في المواعيد المحددة.

وقد عد أحد الخبراء العسكريين الإٍسرائيليين “أن هذه السياسات الإسرائيلية تستفيد منها الدول الأفريقية أكثر من إسرائيل وأن شراء هذه الدول للسلاح الإسرائيلي ليس في إطار المجاملة إنما لأنه الأجود والأرخص”. وقد لعبت إستراتيجية تصدير السلاح الإسرائيلي لأفريقيا دوراً بديلاً عن العلاقات الدبلوماسية أو مكملاً لها ، وعملت على تدعيم العلاقات الأفريقية الإسرائيلية. ولم تكتف فقط بسياسة البيع إنما قامت بإنشاء برامج للإنتاج المشترك مع الدول الأفريقية لكي تربطها بها لأجيال طويلة، ولكنها جعلت من نفسها المتحكم الرئيس في هذا الإنتاج وخاصة في جانبه التقني. كما قامت بإبرام العديد من العقود لتحديث الأسلحة التي في حوزة الجيوش الأفريقية التي تتعاون معها. وفي إطار إدراكها لطبيعة الدول الأفريقية وكثرة الانقلابات العسكرية، سارعت إسرائيل بتدعيم تعاونها بعناصر المعارضة في الدول الأفريقية ضماناً لدوام علاقاتها بهذه الدول في حالة تغير الأوضاع السياسية بالدولة.

رابعاً: الممارسات المرتبطة بعلاقات إسرائيل بأفريقيا

ترتبط إسرائيل بعلاقات متفاوتة مع معظم دول منطقة القرن الأفريقي، ويؤثر في هذه العلاقات الأهداف المرجوة وأولويات تنفيذها. ويشمل التعاون العسكري مع دول القارة مجالات متعددة من التدريب إلى إقامة القواعد ومراكز المخابرات والاشتراك في تأمين بعض الأنظمة والاشتراك في تنظيم وتسليح الجيوش الأفريقية. وتأتى هذه الدول على سلم الأولويات الإسرائيلية نظراً لأهميتها في تأمين نطاق الأمن الحيوي الجنوبي لإسرائيل (المدخل الجنوبي للبحر الأحمر) واكتساب وسيلة ضغط على الدول العربية بالمنطقة (مصر والسودان والسعودية واليمن).

ويحقق الوجود الإسرائيلي في هذه المنطقة لها تطويق البلدان العربية وعزلها عن القارة الأفريقية، مع إمكان التأثير على القرار الأفريقي من خلال وجود منظمة الوحدة الأفريقية سابقاً والاتحاد الأفريقي حالياً في أثيوبيا. كما أن توثيق علاقات إسرائيل مع دول منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل يمكنها من استغلال ذلك مستقبلاً في الضغط على مصر والسودان في تحقيق مصالحها بالمنطقة ومياه النيل. فضلاً عن أن المنطقة تعد نقطة ارتكاز لتحقيق الاتصال بوسط وجنوب القارة من ناحية وتحقيق مصالحها الاقتصادية، لسهولة الاتصال بها، من ناحية أخرى.

خامساً: التحديات التي تواجه علاقات إسرائيل بأفريقيا

  1. تقييم التدخل الإسرائيلي في القارة الأفريقية

لقد سعت إسرائيل إلى زيادة نفوذها في القارة الأفريقية حتى تغلغلت في مجالات الاهتمام الأفريقي كافة. واستخدمت إسرائيل جميع الوسائل المتيسرة لتحقيق أهداف تغلغلها أفريقيا في نظام متكامل مستفيدة من الظروف الدولية والإقليمية في ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً، وضعف الموقف العربي ولا سيما بعد حرب الخليج. وقد استهدفت إسرائيل من تحركها الأفريقي التغلب على واقعها الإقليمي الرافض لها والوصول إلى الوضع المناسب لتطويق البلدان العربية، وإفشال أية تحركات عربية على الساحة الأفريقية والوقيعة بين العرب والأفارقة في إطار تحقيق أهداف إسرائيل سواء على المستوى الإستراتيجي أو الأمني، علاوة على أهدافها الاقتصادية والمتمثلة في ضمان الأسواق الأفريقية مفتوحة أمام منتجاتها العسكرية، وساعد إسرائيل في تحركها الأفريقي طبيعة ارتباطها مع الغرب ذي الارتباط التاريخي بالقارة الأفريقية في ظل العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية وعمل إسرائيل بصفة وسيط لصالح القوى الغربية في القارة الأفريقية.

تمثل منطقة القرن الأفريقي وإقليم البحر الأحمر، بوصفهما وحدتين متكاملتين، أهمية كبيرة في إطار تحقيق الأمن القومي العربي، وبصفة خاصة في دائرته الخليجية من ناحية، والأمن القومي للدول العربية الأفريقية، ولا سيما مصر والسودان من ناحية أخرى لعلاقتهما الوثيقة بدوائر الأمن المباشر لكل منهما ارتباطاً بالآتي:

  • إن منطقتا القرن الأفريقي وإقليم البحر الأحمر تمثلان الجدار الجنوبي للأمن القومي العربي وحزام الأمن الغربي والعمق الإستراتيجي لمنطقة الخليج العربي (طبقاً لما أكدته حرب الخليج) بوصفهما الاتجاه الرئيس لعبور التجارة النفطية وحلقة الاتصال بين النظم الإقليمية بالمنطقة، فضلاً عما يضمانه من دول عربية.
  • على صعيد الأمن القومي المصري والسوداني فإن، منطقتا القرن الأفريقي والبحر الأحمر، تمثلان الحزام الأمني للعمق الإستراتيجي للبلدين، علاوة على تحكمهما في مناطق تأمين الملاحة عبر قناة السويس، وتركيز الثروة النفطية المصرية والسودانية الناشئة بالبحر الأحمر والمساس بهما يؤثر في الأمن القومي المصري والسوداني والذي هو أحد ركائز الأمن القومي العربي.

باستعراض الأهداف الإٍسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي، فإنه يمكن تقدير التهديدات المنتظرة على النحو التالي:

أ. تهديد نطاق الأمن الحيوي العربي

تتمثل أساساً في تهديد نطاق الأمن الحيوي للاتجاه الإستراتيجي الجنوبي من خلال الوجود الإسرائيلي بالقرن الأفريقي والدول الأفريقية المتاخمة للدول العربية. وبناء على ذلك فإن الصراع على الممرات والمناطق الإستراتيجية وخاصة في البحر الأحمر حيث التناقض سيظل قائماً وجدياً بين متطلبات الأمن الإسرائيلي ومتطلبات الأمن القومي العربي؛ فإسرائيل تسعى من خلال حصولها على تسهيلات بحرية بالمداخل الجنوبية بالبحر الأحمر عن طريق الوجود بإريتريا، إلى إقامة نقاط ارتكاز للاستطلاع ومتابعة الأنشطة العربية، واستغلال المنطقة عند الضرورة وسيلةً للضغط وتشتيت الجهود عند إدارة صراع مسلح بين إسرائيل والعرب، فضلاً عن إمكان استخدام المنطقة نقاط انطلاق لتوجيه ضربات وقائية سواء تجاه مصر أو تجاه أحد الأهداف العربية.

ب. التأثير على الأمن القومي المصري والسوداني

حيث تركز إسرائيل في تحركها على التأثير على الأمن القومي المصري والسوداني من خلال أحد أهم روافده، وهى تهديدات تطال مياه النيل من خلال سعى إسرائيل لاستغلال علاقاتها بدول حوض النيل للضغط على مصر عند إدارة أي مواجهة بالمنطقة، وذلك بغرض التأثير على الموقف المصري خلال مفاوضات السلام العربية – الإسرائيلية، والسعي لتحقيق مطامحها في الحصول على مياه النيل، وعرقلة أي جهود قد تقدمها مصر للسودان والدول المحيطة للخروج من أزمة التمرد في إقليم دارفور السوداني، والمحافظة على وحدة تراب تلك الدولة.

كما أن إسرائيل تعمل على عرقلة أية مشروعات مصرية لتنمية الموارد المائية بأعالي النيل، وتسعى جاهدة إلى إثارة الاتجاهات المطالبة بإعادة النظر في اتفاقية مياه النيل، كما أن إسرائيل تسعى إلى تقديم خبرتها واستثماراتها في اتجاه تنفيذ مشروعات تضر بالصالح المصري والسوداني في مياه النيل، كسعيها إلى تحويل نسبى لتغيير اتجاهات المصب لأفرع النيل لتتجه إلى البحر الأحمر، وقد عطلت الحرب الإريترية الأثيوبية هذه الجهود في الوقت الراهن. كما أن إسرائيل لا تتردد في دعم الاتجاهات المضادة للحركة المصرية السودانية للتنسيق والتعاون بين دول الحوض والمنظمات والتجمعات الإقليمية ذات الصلة بهذا الأمر. ومن ناحية وفي إطار حروب المياه القادمة، فإن إسرائيل تطمع في مياه النيل، وتدرك أن أمن مصر مرتبط بها ارتباطاً عضوياً، ولذلك فهي تركز وجودها في دول حوض النيل، وتزاول العديد من السياسات والممارسات التي تؤدى إلى خلق تناقضات عدائية عربية ـ أفريقية تصل إلى حد اختراع مشروعات في بعض الدول الأفريقية والاستعداد الغربي لتمويلها للتأثير على حصة مصر والسودان من مياه النيل.

ج. التأثير على الأوضاع في الصومال

إذا كانت هذه بعض الانعكاسات السلبية الإسرائيلية على الأمن القومي العربي ممثلاً في التأثير على دولتين فيه هما مصر والسودان. فإن البعض يشير إلى دور مؤثر لإسرائيل في دعمها اللوجستي للقوات المتقاتلة في الصومال، ودعمها لاستمرار الصراع، وحالة عدم الاستقرار من خلال مناصرة فريق على آخر. حيث تدخل الفوضى والاقتتال العام في الصومال ضمن مخططاتها، ويعزز من ذلك التصور تعاونها الوثيق مع ما يسمى بجمهورية أرض الصومال.

د. التأثير على علاقات الدول الغربية بالدول الإسلامية في المنطقة

تدعي إسرائيل أنها خط الدفاع الأول للغرب ضد الخطر الجديد، المتمثل في التطرف الديني والإرهاب. وتقدم نفسها إلى الدول الأفريقية على أنها الخبير الأول في مقاومة هذا التطرف والإرهاب. ولا شك أنها ستقدم -أى إسرائيل- سابقة أعمالها في ممارساتها القمعية ضد الفلسطينيين مصورة إياهم للبلدان الأفريقية على أنهم إرهابيون ولا سيما منظمتا المقاومة “حماس” و”الجهاد” من ناحية، فضلاً عن كفالة الحماية الذاتية لنظم الحكم في العديد من الدول الأفريقية ضد محاولات التورط ضدها من ناحية أخرى.

إن التحرك الإسرائيلي في القارة الأفريقية يتطلب من الدول العربية في المنطقة والمجاورة له، وتخصيصاً مصر والسودان لأن تكون هناك إستراتيجية طويلة المدى للتعامل مع مجمل الأوضاع فيها، ويدخل في هذا السياق ضرورة اعتماد سياسة ردع عسكري، تستهدف الردع المتدرج المرن تجاه دول أفريقية تمثل تأثيراً حيوياً على محاور الأمن العربي مثل حوض النيل لضمان حفظ مصالح مصر والسودان المائية، وتأمينها من خلال امتلاك القدرات العسكرية اللازمة للتدخل (عند الضرورة) ضد أية أعمال من شأنها المساس بمصالحهما في حوض النيل. وإشعار دول الحوض بهذه القدرة العربية، وأنها لا يمكن أن تقبل مساساً بمصالح الدول العربية في هذا الشأن.

 علاقات الصين بأفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

في مجال التناول لأوضاع التدخلات الدولية في منطقة القرن الأفريقي، لا يغيب عن ذلك الموقف والاهتمام الصيني بهذه المسألة، فالصين تعد واحدة من أهم القوى الفاعلة في العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومنذ نشأة جمهورية الصين الشعبية في عام 1949 والعلاقات الصينية ـ الأفريقية تشهد تطوراً ملحوظاً يقوم على أساس الأهداف والمصالح المشتركة وعلاقات الصداقة والتعاون تشهد تنامياً في المجالات المختلفة.

لقد بدأت الصين علاقاتها مع أفريقيا مساندةً لحركات التحرير فيها خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وتحولت في التسعينيات نحو الاستثمار والتجارة في الموارد الطبيعية غير المستغلة في القارة ، وهو ما يناسب الصين التي تمر بحالة من التطور الاقتصادي، والتي تحتاج معها إلى الكثير من تلك الموارد. ومن ناحية أخرى فإن التعامل الصيني الذي لا يربط نشاطه الاقتصادي بإجراءات صندوق النقد الدولي، أو الدفع باتجاه الشروط السياسية وما يتعلق منها بضرورة التحول الديمقراطي ومكافحة الفساد أو قضايا حقوق الإنسان، وغير ذلك من القضايا التي تعدها كثير من تلك الدول تدخلاً مباشرا في صميم شؤونها الداخلية، يعد نمطاً وبديلاً أكثر قبولاً عند كثير من الأنظمة الأفريقية.

أولاً: طبيعة السياسة الصينية تجاه أفريقيا منذ انتهاء الحرب الباردة

إن ظهور الصين قوَّة عالمية متصاعدة تحتم ضرورة انتباهها إلى أفريقيا، فشراكة الصين الجديدة وإستراتيجيتها مَع أفريقيا، كَشفَت عنها قمّةَ بكين حيث انعقد منتدى التعاون الصيني مع أفريقيا في نوفمبر 2006، حيث مثل هذا المؤتمر لحظة تاريخيةً في علاقات الصين بأفريقيا. ولا سيما في ظل مشاركة 43 رئيس دولة وما مجموعه 48 من الوفود الأفريقية. وقد أعقبت تلك القمّة، زيارة كبار المسؤولين الصينيين، بمن فيهم الرّئيس هو جينتاو Hu Jintao ولي زاوينج Li Zhaoxing وزير خارجية لـ 15 بلداً أفريقيا مختلفاً خلال الربع الأول من عام 2007. كما جاء مساعد وزير الخارجية زاي Zhai في زيارة إلى السودان في يونيه 2007، والتعيين اللاحق للسفير ليو جوكين Liu Guijin مبعوثاً خاصّاً للصين بشأن دارفور. وهو ما يعكس اهتماما عاما بأفريقيا واهتماماً خاصاً بمنطقة القرن الأفريقي وعلى وجه التحديد السودان، وفي مجال توضيح هذا الاهتمام بتلك المنطقة لابد من الإشارة إلى ما يلي:

  1. الأسسالعامة للسياسة الصينية تجاه القارة الأفريقية

وفيما يلي المبادئ والأهداف العامة للسياسة الصينية تجاه قارة أفريقيا:

 أ. الإخلاص والصداقة والمساواة

تتمسك الصين بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي وتحترم خيار الدول الأفريقية المستقل في انتهاج طريق التنمية الملائم لها، وتدعم تضامن الدول الأفريقية بما يخدم تقويتها.

ب. المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة

تؤيد الصين الدول الأفريقية في التنمية الاقتصادية والبناء السياسي، وتنفذ التعاون بمختلف الأشكال في مجالات التنمية الاقتصادية والتجارية والاجتماعية، وتدفع بالمصالح المشتركة للصين وأفريقيا.

ج. التأييد المتبادل والتنسيق الوثيق

تسعى الصين نحو تعزيز التعاون مع أفريقيا في المنظمات المتعددة الأطراف بما فيها الأمم المتحدة لتأييد كل منهما للمطالب العادلة للآخر ومقترحاته المناسبة، وتواصل مناشدة المجتمع الدولي لإيلاء المزيد من الاهتمام بالسلام والتنمية في أفريقيا.

د. الاستفادة من التجارب الثنائية والسعي وراء التنمية المشتركة

تعمل الصين في إطار علاقاتها مع أفريقيا على الاستفادة من التجارب الثنائية ولا سيما فيما يتعلق بخبرات الإدارة والتنمية، وتعزيز التبادل والتعاون في مجالات العلوم والتعليم والثقافة والصحة، كما تدعم الصين الدول الأفريقية في بناء قدراتها، وتشارك في جهود استكشاف طرق التنمية المستدامة. إن مبدأ “صين واحدة” هو الأساس السياسي للصين في إقامة وتطوير علاقاتها مع الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية. وتشيد الحكومة الصينية بالتزام معظم الدول الأفريقية بمبدأ “صين واحدة” وعدم تطوير علاقات رسمية وزيارات رسمية مع تايوان ودعم قضية توحيد الصين. وترغب الصين في إقامة علاقات وتطويرها مع الدول التي لم تُقم علاقات دبلوماسية مع الصين على أساس مبدأ “صين واحدة”.

ثانياً: الأهداف والمصالح الصينية في أفريقيا

  1. إستراتيجية الصين تجاه القارة الأفريقية

تنتهج الصين إستراتيجية تجاه أفريقيا، وتقوم تلك الإستراتيجية على الأسس الآتية:

أ. العمل على مضاعفة حجم المساعدة الصينية لأفريقيا في عام 2006، وحتى حلول عام 2009.

ب. تقديم ثلاثة مليارات دولار قروض ميسرة و25 مليار دولار اعتمادات للمشترين التفضيليين لأفريقيا خلال الثلاث السنوات القادمة.

ج. إنشاء صندوق الصين أفريقيا للتنمية برصيد خمسة مليارات دولار، لتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في أفريقيا وتقديم المساعدات لها.

د. بناء مركز مؤتمرات للإتحاد الأفريقي، لدعم الدول الأفريقية في جهودها لتقوية نفسها من خلال الوحدة ودعم عملية التكامل الأفريقي.

هـ. إلغاء الديون بأشكالها كافة، القروض الحكومية الحسنة، والمستحقة السداد في نهاية عام 2005 على الدول الفقيرة المثقلة بالديون والدول الأقل نمواً في أفريقيا التي تربطها علاقات دبلوماسية بالصين.

و. مواصلة فتح السوق الصينية أمام أفريقيا عن طريق زيادة عدد السلع التصديرية المعفاة من الرسوم إلى الصين من 190 سلعة إلى 440 سلعة من الدول الأفريقية الأقل نمواً في أفريقيا، والتي تربطها علاقات دبلوماسية بالصين كذلك.

ز. إقامة مناطق للتعاون التجاري والاقتصادي في أفريقيا، وتدريب 15 ألف مهني أفريقي، وإرسال 100 خبير زراعي كبير إلى أفريقيا، وإقامة عشرة مراكز للتكنولوجيا الزراعية في أفريقيا، وبناء 30 مستشفي في أفريقيا، منحة لتوفير أدوية مكافحة الملاريا، وبناء 30 مركز لمكافحة وعلاج الملاريا في أفريقيا، وزيادة عدد الحاصلين على منح الحكومة الصينية للطلاب الأفارقة من ألفي طالب كل عام حالياً إلى أربعة آلاف طالب سنوياً بحلول عام 2009.

ح. تتبع الصين في علاقاتها مع الدول الأفريقية مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وتقدم نفسها دائماً على أنها بلد نامٍ، لتضمن التقرب للدول والشعوب الأفريقية.

ط. يمكن للدول الأفريقية إبرام اتفاقيات تعاون اقتصادي مع الصين، ودون الارتباط بشروط سياسية، كما هو الحال مع الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي والمنظمات الاقتصادية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). كما تحرص الصين في الوقت نفسه على الحصول على دعم الدول الأفريقية في المحافل الدولية فيما يتعلق بوضع تايوان وبمسألة حقوق الإنسان في الصين.

وبناءً على ما تقدم فإن الصين لم تفصل أفريقيا عن استراتيجياتها الكونية، والتي تقوم ببناء علاقاتها في القارة على أسس من التعاون والتبادل الثنائي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن ثم فهي تتمتع بعلاقات متوازنة يسودها الاحترام والتقدير مع دول القارة.

ثالثاً: أساليب وآليات تفعيل العلاقات الصينية مع أفريقيا

  1. أساليب تنفيذ السياسة الصينية تجاهالقارة الأفريقية

أ. المؤتمرات الدولية

تعتمد الصين على دبلوماسية المؤتمرات التي تحرص على انعقادها دورياً بمشاركة وفود من الدول الأفريقية، ويمكن الإشارة إلى بعض هذه المؤتمرات كالتالي:

(1) المؤتمر الوزاري الصيني الأفريقي الأول

انعقد المؤتمر الوزاري الصيني الأفريقي الأول في الفترة من 10 إلى 12 أكتوبر 2000 بالعاصمة الصينية بكين، وتناول المؤتمر موضوعات اتجاهات التنمية الجديدة وعلاقات الصداقة الأفريقية الصينية وكيفية الاستفادة منها وكانت أجندة المؤتمر الرئيسة هي:

(أ) العمل على إنشاء علاقات اقتصادية وسياسية جديدة في القرن الحادي والعشرين.

(ب) كيف يمكن تقوية التعاون الاقتصادي في ظل الظروف الراهنة.

وعقد خلال المؤتمر أربع ورش عمل تناولت موضوعات الاستثمار والتجارة بين أفريقيا والصين، خبرات الإصلاح في الصين وأفريقيا، القضاء على الفقر والتنمية الزراعية المستدامة، التعاون في مجالات العلوم والتربية والصحة والتكنولوجيا بين الصين وأفريقيا. وقد أصدر المؤتمر إعلان بكين للتعاون بين الصين وأفريقيا وبرنامج الصين وأفريقيا للتعاون في المجال الاجتماعي والاقتصادي.

(2) المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي

عُقد المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 15 و16 ديسمبر 2003. حيث ألقى رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو كلمة أمام مراسم افتتاح المنتدى الذي حضره نظيره الإثيوبي ميليس زيناوي وعشرة من رؤساء الدول و الحكومات الأفارقة و70 وزيراً من الحكومات في الصين و44 دولة افريقية وممثلون للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية. وأكد المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي، الذي عقد لأول مرة في القارة الأفريقية واستضافته كل من الصين وإثيوبيا مشتركتين.

وكان تعزيز الصداقة وتنميتها بين الصين وأفريقيا، ودعم التعاون وتبادل المنافع الموضوعين الأساسيَّين في المنتدى. واستعرض المنتدى أعمال المتابعة والتقدم الذي أحرزه الجانبان في المجالات السياسية والاقتصادية منذ انعقاد المؤتمر الوزاري الأول في بكين عام 2000. كما بحث المنتدى خطة عمل أديس أبابا لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي (2004 – 2006) واقرها. وتحدد هذه الخطة إطاراً للتعاون بين الجانبين في الأعوام الثلاثة القادمة. كما ركز زعماء الدول ووزراء الحكومات في مناقشاتهم على الأفكار الجديدة والطرق الجديدة لدعم التعاون الصيني – الأفريقي في المجالات السياسية والاقتصادية والتنمية الاجتماعية وتوصلوا الى تفاهم مشترك حول عدد كبير من القضايا.

من جهة أخرى اتفق منظمو المشروعات من الصين وأفريقيا على عدد من برامج التعاون، كما قررت الصين والدول الأفريقية بذل جهود مشتركة لبناء شراكة تعاون شامل جديدة وطويلة الأمد ومستقرة وتبادلية النفع. ومثل حضور رئيس مجلس الدولة في المؤتمر أول زيارة من القيادة الصينية الجديدة لأفريقيا، ويشير ذلك إلى أن الصين تولى اهتماما كبيرا بالوحدة والتعاون مع الدول النامية، وترسى أساساً متينا للشراكة الصينية – الأفريقية الجديدة.

ب. القمم الاستثنائية

شهدت العاصمة الصينية بكين خلال يومي 4 و5 نوفمبر 2006، انعقاد القمة الاستثنائية الصينية ـ الأفريقية، بمشاركة 48 دولة أفريقية بالإضافة إلى الصين. وركزت القمة على تقييم واقع العلاقات الصينية ـ الأفريقية، وسبل تطوير تلك العلاقات. وتشير المؤشرات إلى تسارع معدلات نمو التجارة السلعية والعسكرية الصينية – الأفريقية، بالإضافة إلى تطور العلاقات الدبلوماسية والثقافية بين الجانبين، فقد تضاعف حجم التجارة الصينية – الأفريقية سنويا منذ عام 1995، إلى وصلت إلى 39,7 بليون دولار في عام 2005. وقد شهدت القمة إعلان الصين عن حزمة جديدة من المساعدات الصينية لدول القارة، بالإضافة إلى توقيع عدد كبير من الصفقات والعقود التجارية بلغت قيمتها حوالي 2 بليون دولار. فقد تم إقرار “خطة عمل” للتعاون بين الجانبين خلال الفترة (2007- 2009) في إطار “منتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي”، والإعلان عن إلغاء الديون الصينية المستحقة على الـ 31 دولة الأكثر فقرا والأكثر مديونية في القارة، قدرت بنحو 1,3 بليون دولار أمريكي، وزيادة عدد بنود الصادرات السلعية الأفريقية المعفاة من الرسوم الجمركية والتي تحصل على معاملة تعريفية قيمتها صفر، والتي تستوردها من الدول الأفريقية الأقل تقدما وتقيم علاقات دبلوماسية مع الصين من 190 بندا إلى 440 بندا.

بالإضافة إلى ذلك، فقد التزمت الصين خلال القمة باستمرار الدعم الصيني للقارة الأفريقية ومضاعفة المساعدات الصينية المقدمة لدول القارة خلال عام 2006 إلى الضعف بحلول عام 2009. والواقع أن التطور الكبير في العلاقات الصينية- الأفريقية يمثل أحد الأمثلة المعبرة عن التوجهات الجديدة في السياسة الخارجية الصينية، وتصاعد دور الصين ونفوذها بوصفها قوة عالمية، فقد اتسمت تلك السياسة بحدوث تحسن كبير في علاقات الصين الثنائية مع عدد كبير من دول العالم، خاصة الجيران الآسيويين في إقليمي جنوب، وجنوب شرقي آسيا، وكوريا الجنوبية بالإضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي.

  1. آليات تفعيل العلاقات الصينية مع أفريقيا

أ. الأداة الاقتصادية

(1) العامل الاقتصادي في العلاقات الصينية ـ الأفريقية

تستند العلاقات الصينية ـ الأفريقية إلى العامل الاقتصادي، حيث تنظر الصين إلى أفريقيا على أنها مصدر لتغذية قاعدتها الصناعية المحلية التي تحتاج إلى كميات ضخمة من المواد الخام للمحافظة على معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة، خاصة الحديد الخام. وفي هذا الإطار، تستورد الصين النفط والنحاس والبلاتين والذهب والنيكل من زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تستورد الحديد الخام من جنوب أفريقيا وموزمبيق. وتقوم الصين بمساعدة الدول الأفريقية في تشييد الكثير من البنية الأساسية، مثل مشروع بناء السكك الحديدية في أنجولا. وعلى ضوء تلك التطورات والأبعاد المهمة في علاقة الصين بالقارة الأفريقية، تبذل الولايات المتحدة جهوداً كبيرة لاستيعاب تلك التوجهات الجديدة في السياسة الاقتصادية الصينية الخارجية وفهمها وعلى ضوء ذلك اتخاذ قرارات محددة تجاه الصين، وتستند إلى معلومات واضحة حول تلك التوجهات. إلا أن هذه الجهود لازالت تواجه بعض العقبات، ومنها غياب المعلومات والبيانات حول حجم المعاملات الاقتصادية والتجارية بين الصين وأفريقيا.

من ناحية أخرى فإن النفط الأفريقي يلعب دوراً مهماً في توثيق علاقات الصين بأفريقيا، على أساس أن المتطلبات النفطية الصينية تتزايد بوتيرة عالية، وقد ساعد ذلك على دَفْع حركة التجارة الصينية الأفريقية في السَنَوات الأخيرة. وتجدر الإشارة إلى أنه في عام 1993, أصبحتْ الصين مستورد رئيس للنفط وهي تخطط للاعتمادْ على أن تكون وارداتها النفطية تعادل نسبة 45 بالمائة منْ استخداماتها بحلول عام 2010.

ونتيجة لذلك تحرص الصين على تُطوّيرُ علاقات وثيقة مع البلدان الغنية بالنفط في أفريقيا مثل أنجولا، ونيجيريا والسودان. ومنذ عام 1995 بَدأَت الصين سياسة الاقتصاد النفطي الخارجي“Outward looking Oil Economy Policy” والتي تأخذ في الحسبان متوسط تكلفة الإنتاج النفطي من السواحل الصينية مُقَارَنةً بتكلفة استيراد نظيره الأفريقي أَو الشرق الأوسطي. وفي إطار الاهتمام بالنفط فإن الشركات الصينية العاملة في هذا المجال تتوزع في أماكن ومناطق متنوّعة من العالم ككندا، وبيرو، والسودان. وقد عزز من العلاقات الخاصة بين الصين والعديد من البلدان المنتجة للنفط، استناد تلك العلاقات واعتمادها على مبيعات الأسلحة والتي تساعد أيضاً على مُوَازَنَة التكاليف في هذا الشأن.

(2) إلغاء الديون وتقديم المساعدات

منذ نوفمبر 2006، أَخذتْ بكين خطوات مُتتَابَعَة فيما يتعلق بالتزاماتها نحو البلدان الأفريقية بالإعْلان عن إلغاء مبلغ 1.42 بليون دولار أمريكي من الديون الأفريقية، كما أعلنت أنها ستلغي مبلغ بليون دولار أمريكي من هذه الديون في منتصف مايو 2007, كما أثارتْ الصين انتباهاً دولياً في منتصف مايو 2007 عندما استضافت المؤتمر السنويَ للتنمية الأفريقية في شنغهاي. وأعلنت فيه موافقتها على تخصيص مبلغ إضافي مقداره 20 بليون دولار أمريكي تعهدت بها لتطوير البنى التحتية في أفريقيا على مدار السَنَوات الثلاث التالية. كما قدْمت مبلغ ثلاثة بلايين دولار أمريكي للقروض التفضيلية، وبليونَي دولار أمريكي للتصدير التفضيلي إلى البلدان الأفريقية في السَنَوات الثلاث التالية؛ كما أقدمت على إلغاء القروض الحكومية بدون فائدةَ التي كَانتْ مُسْتَحقّة بنهاية عام 2005، للبلدان الأفريقية التي ترتبط بروابط دبلوماسية مَع الصين والدول شديدة التأثر بالديون والدول الأقل نمواً.

ب. الأداة العسكرية والأمنية

(1) التحرك العسكري الصيني في القارة

بالإضافة إلى تزويد الدول الأفريقية بالأسلحة والذخائر، فقد قدمت الصين التدريب العسكري لعدة دول أفريقية منها السودان وغينيا الاستوائية، ونيجيريا والكاميرون وغيرها، كما أوفدت المتخصصين الصينيين في الأجهزة العسكرية الثقيلة َإلى تلك البلاد، وتعقد هذه الصفقات العسكرية مقابل النفط من الدول النفطية منها. كما تقدم الصين الأسلحة والتدريب العسكري إلى دول أخرى منْ أفريقيا، ويحدث ذلك في أغلب الأحيان أثناء أوقات النزاعات والصراعات. ووفقاً لأحد تقارير الكونجرس الأمريكي – نقلاً عن خبراء أمريكيين- فإن الصادرات الصينية من الأسلحة إلى أفريقيا مثلت نسبتها 10 بالمائة منْ مجموع انتقال الأسلحةُ التقليديةُ إلى أفريقيا بين عامي 1996 – 2003. وأنه بينما كَانتْ رحى الحرب تدور بين إثيوبيا وإريتريا، قدمت الشركات الصينية أسلحة لكلتا الدولتين بما يعادل مبلغ بليون دولار أمريكي بين عامي 1998 و2000. وأنه في عام 1995 كانت سفينة صينية تَحْملُ 152 طنَ منْ الذخيرة والأسلحة الخفيفة رُفض الترخيص لها أَنْ تُفرغَ حمولتها في تنزانيا، وأن هذه الشحنة كانت متّجههَ إلى قوات تعمل تحت هيمنة التوتسي في بوروندي.

ويرى بعض المتخصصين أنه على الأقل فإن ثلاث عشْرة شحنة سرية منْ الأسلحة قادمة من الصين سُلّمتْ في دار السلام بتنزانيا، وذلك دون معرفة لوجهاتها النهائية وأن معظم هذه الشحنات من الأسلحة كانت تمرر تحت مسمى معدّات زراعية. ويبدو أنها كَانتْ تتّجهْ إلى منطقة البحيرات الكبرى التي مزّقتها الحرب. كذلك فإن حكومة روبرت موجابي Mugabe في زمبابوي طلبت من الصين تزويدها بعدد 12 من الطائرات المقاتلة من نوع FC1 بالإضافة إلى عدد 100 عربة عسكرية في أواخر 2004، وأن قيمة صفقة الطائرات العسكرية المتقدّمة ذكرُها كَانتْ تساوي 200 مليون دولار. وقد أثار هذا السلوك موجة من الغضب في الجنوب الأفريقي، لما يُمْكنُ أَنْ يترتب عليه من إثارة سباقَ التسلح في تلك المنطقة من أفريقيا. وما تجدر الإشارة إليه أن إحدى صفقات الأسلحة المرسلة إلى زيمبابوي كانت مقايضة مع شحنة تقدر بثمانية أطنان من عاج الفيل الزيمبابوي في مايو 2000.

ويشير بعض المتخصصين الآخرين إلى أن السلوك الصيني فيما يتعلق بتزويد الدول الأفريقي بالأسلحة تعتوره الكثير من المثالب، ومنها على سبيل المثال، أن تزويد كل من إثيوبيا وإريتريا جاء رغماً عن وجود قرار من مجلس الأمن الدولي بحظر بيع الأسلحة للدولتين، كما أن الأسلحة التي تزود بها توظف لضرب القوى المعارضة للنظام الحاكم هناك، في كل من الجنوب والغرب والشرق، كما أن تدفق شحنات الأسلحة الصينية إلى منطقة البحيرات الكبرى أسهم في حالة عدم الاستقرار في تلك المنطقة.

وبصفة عامة وفي مجال الاهتمامات والتحركات العسكرية الصينية في أفريقيا وعلى وجه التحديد منطقة دول القرن الأفريقي يمكن ملاحظة ما يلي:

(أ) أن الصين لم تبرز أية إستراتيجية عسكرية في أفريقيا، وإنما يأتي دورها في سياق البناء التدريجي للدور الصيني المستقبلي أن تكون قوة كبرى وقطباً في إطار النظام العالمي متعدد الأقطاب، ومن هذا المنطلق ينحصر دورها في إمداد العديد من الدول الأفريقية باحتياجاتها من المعدات والأسلحة، إضافة إلى تقديم المنح التدريبية للعسكريين الأفارقة في المجالات العسكرية المتنوعة.

(ب) أن الصين شاركت منذ عام 2004 في قوات حفظ السلام (567 عنصر عسكري) في الكونغو الديمقراطية، وفي ليبريا وساحل العاج وجنوب السودان وبوروندي، وبين أثيوبيا وإريتريا، وإقامة تعاون عسكري محدود مع السودان والكونغو الديمقراطية وأثيوبيا، إضافة لمساندة عمليات إزالة الألغام في أثيوبيا وإريتريا، وعدد آخر من الدول الأفريقية، ولعل استثماراتها الكبيرة في مجال النفط بالقارة يفسر مشاركة الصين في عمليات حفظ السلام بالقارة لا سيما السودان.

هكذا تبدو التحركات الصينية في القارة مستقرة ومتطورة حفاظاً على مصالحها الحيوية (النفط – التجارة) وتهيئة دورها المستقبلي الذي يرشحها أن تكون إحدى القوى الواعدة للنظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب، واضعة في حسبانها عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول القارة، وهو ما يجعلها أكثر قبولاً من الآخرين.

(2) توظيف الأداة الأمنية

تواجه بكين أيضاً دوراً أكثر نشاطاً في المجالات الأمنية. كما تسهم الصين بجنود من الشرطة للمشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وفيما يتعلق بأفريقيا، فق زادَ عدد هؤلاء الجنود عشرة أضعافَ عما كان عليه في عام 2001. فابتداء منْ مايو 2007، قّدمتْ الصين أكثر من 1,800 من الجنود، والمراقبين العسكريين والمدنيين، ورجال الشرطة للمشاركة في عمليات حفظ السلام التابع للأمم المتحدة الحالية. وقد عملت ثلاثة أرباع قوّات حفظ السلام الصينية الداعمة لبعثة الأمم المتحدةَ في أفريقيا (في كل من ليبريا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان).

ج. الأداة الدبلوماسية

على الجبهة الدبلوماسية، تسعى بكين وبتصميم لإكْمال عملية إزالة الروابط الثنائية بين تايوان وعدد ضئيل منْ العواصم الأفريقية، والتَعجيل بالدخول إلى أفريقيا لتدَعْيم الولاءات العالمية لها، بحسبان أفريقيا قائدة للعالم النامي. والأكثر أهميةً في هذا الشأن، إن نظرة بكين إلى أفريقيا تتلاءم وتدخل مباشرة ضمن السياسة الخارجية الصينية العالمية، وتتكامل مع منظومة سياساتها في كل من جنوب شرق آسيا، ووسط آسيا، وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. ويدخل هذا في سياق طموح بكين الإستراتيجي لتَقَدُّم “مفهوم جديد للأمن ” الذي يُمْكنُ بموجبه أن تَضْمنَ الصين الارتفاع السلمي في ترتيب مكانتها الدولية قوَّة عالمية عن طريق تَقوّية علاقاتها مَع الجيران الرئيسيين والمناطق ذات الأهمية لها. ومن خلال النظرة التَقْويمية الشاملة، وتنطلق الصين في هذا الشأن من سعي دؤوب لتحمل مسؤولية القيادة وانتهاج التطويرَ المستمر والعمل من أجل الاستقرار السياسي الداخلي، وتوظيف ميراثها التاريخي وعلاقاتها المتنوعة للارتقاء بالصين ضمن المجموعة الدولية، وذلك في ظل هدفَها الطويل المدى الرامي إلى إقامة نظام دولي “ديمقراطي” وعادل ومتعدّد الأقطاب.

وفي إطار هذا التوجه الدبلوماسي العام فقد أشار رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو خلال حديثه أمام المؤتمر الوزاري الأفريقي الثاني بأديس أبابا في عام 2003 إلى أن الصين هي أكبر دولة نامية، وأن أفريقيا هي أكبر قارة نامية. لذلك فإن التعاون الصيني ـ الأفريقي جزء لا يتجزأ من التعاون بين الجنوب ـ الجنوب. وأن السياسة الثابتة للحكومة الصينية هي تدعيم التضامن والتعاون مع الدول الأفريقية والدول النامية الأخرى. وأضاف أن الصين مستعدة للعمل مع الدول الأفريقية من أجل مواصلة تطوير وتدعيم نمط الشراكة الجديدة الذي يتسم بالاستقرار طويل الأجل، والمساواة، والمنفعة المتبادلة، والتعاون الشامل لجعل هذه الصداقة قدوة للتعاون بين الجنوب ـ الجنوب. وأن التعاون الصيني ـ الأفريقي يجب أن يتجسد في المزيد من الأعمال والمصالح المشتركة، ويجب أن يسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأفريقية، وفي جهودها لتحسين مستوى معيشة شعوبها. ووفقاً لهذا التصور فإن الصين تري إمكانية تعزيز العلاقات الصينية ـ الأفريقية من خلال التركيز على ما يلي:

(1) تعزيز تنمية الصداقة التقليدية بين الصين وأفريقيا عبر الدعم المتبادل

تتحرك الحكومة الصينية نحو مواصلة توسيع التبادلات عالية المستوى بين الجانبين، وإعطاء قوة دفع جديدة للعلاقات الودية الصينية ـ الأفريقية، ولآلية منتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي من خلال اجتماعات وحوارات دورية على مستوى القادة. كما ساندت الصين الدول الأفريقية في إقامة الاتحاد الأفريقي، وتطبيق برنامج الشراكة الجديدة من أجل التنمية في أفريقيا (نيباد)، وتعزيز التكامل والتعاون الإقليمي وشبه الإقليمي. وتواصل الحكومة الصينية حث المجتمع الدولي، وخاصة الأمم المتحدة، على اتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لدعم الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية في جهودها لتسوية الصراعات. وكذلك تواصل الصين المشاركة في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا، وتقديم المساعدة لجهود حفظ السلام التي تتولاها المنظمات الأفريقية الإقليمية.

(2) تعزيز الديمقراط في العلاقات الدولية من خلال تكثيف التشاور

تروج الصين بأن لديها ذات الأهداف والمصالح التي تسعى أفريقيا إلى تحقيقها وخصوصاً فيما يتعلق بتعزيز الديمقراطية في العلاقات الدولية. وتأييد موقف أفريقيا حول التعددية، ووجوب تكثيف المجتمع الدولي للمشاورات، والعمل من أجل المحافظة على عالم متنوع، وتسهيل التبادلات والتباري بين الحضارات وأنماط التنمية المختلفة. وتأييد الالتزام بأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وحماية منظمة الأمم المتحدة، ودورها في معالجة القضايا الدولية الرئيسة. وترى الصين أنها وبصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، فهي تحرص على الوقوف إلى جانب قضايا الدول النامية في أفريقيا وأجزاء العالم الأخرى، وتدعم مطالبها المشروعة ومقترحاتها العملية.

(3) المواجهة الجماعية لتحديات العولمة من خلال تنسيق المواقف

ترى الصين أن على الدول النامية أن تستفيد من العولمة بدلاً من أن تهمش. كما يجب على المجتمع الدولي اتخاذ خطوات لمساعدة تلك الدول في التغلب على الصعوبات، وتعزيز قدراتها على تحسين الذات، وحماية البيئة، والتنمية المستدامة. وأنه على الدول المتقدمة التزام ومسؤولية بفتح أسواقها أكثر وإلغاء الحواجز التجارية والدعم الزراعي، والوفاء بإخلاص بتعهداتها تجاه الدول النامية، من خلال تقديم المزيد من المساعدات والإعفاء من الديون. كما ترى الحكومة الصينية أنها تدعم و تشارك بنشاط في حوار الشمال- الجنوب، وتعمل على تنسيق مواقفها مع الدول الأفريقية في عملية صياغة القواعد الاقتصادية الدولية، ومفاوضات التجارة متعددة الأطراف، بغرض حماية الحقوق والمصالح المشروعة للدول النامية.

(4) تنمية العلاقات الودية الصينية ـ الأفريقية من خلال تعزيز التعاون

من أجل تسهيل التعاون العملي بين الصين وأفريقيا، تتحرك الحكومة الصينية تدريجياً نحو زيادة المساعدات التي تقدمها لأفريقيا في إطار منتدى التعاون الصيني ـ الأفريقي. وكذلك التحرك نحو فتح أكبر للأسواق الصينية، وبدون رسوم لبعض السلع القادمة من الدول الأقل تقدما في أفريقيا. وأيضاً زيادة استثمار رؤوس الأموال في صندوق تنمية الموارد البشرية الأفريقي بنسبة 33%، وتوفير مختلف أنواع التدريب المهني للأفارقة. وتشجيع وتسهيل التعاون ذي المنفعة المتبادلة بين الشركات الصينية والأفريقية، وكذلك تشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في أفريقيا.

وفي إطار تطوير أدواتها الدبلوماسية في التعامل مع الدول الأفريقية ركزت الصين على ما يعرف بالدبلوماسية الصحية “Heath Diplomacy” وهي تقوم على تَأسيس علاقة بين فرق الأطباء الصينيين وملايين الأفريقيين العاديين، وذلك من خلال الدعم الحكومي الصيني المباشر أو من خلال الرعاية الصينية للبرامج الطبية والصحية ذات الصلة بمواطني الدول التي تقيم معها علاقات دبلوماسية، وهو الأمر الذي تكسب بفضله امتنان العديد منْ الزعماء الأفريقيين المتلهّفين لإشباع هذه المصلحة العامة عند مواطنيهم. كما تُزوّدُ الصين أيضاً عدداً من البلدان الأفريقية ـ فضلاً عن الفرق والبعثات الطبّية ـ بالأجهزة الطبية المجّانية، وتقوم بتنفيذ برامجُ طبية نشيطةُ للوقاية ولمقاومة الأمراض المعدية مثل الملارياً ومرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).

وفي عام 2002، أجرتْ وزارة الصحة الصينية دورتين تدريبيتين دوليتين في تقنيات الوقاية ومعالجة الملاريا والأمراض الاستوائية، شارك فيها 30 متدرب منْ 17 بلد أفريقي (دورة تدريبية دولية أولى للسيطرة على مرض الملاريا، في 10 سبتمبر 2002). وفي تلك السَنَة نفسها، أقيم منتدى الطبّ التقليدي والمواد الصيدلانية حضره مشاركون منْ 21 بلداً أفريقياً (تحت رعاية جمعية الصحة العالمية، في 31 أكتوبر 2002). ومنذ أن أرسلت الصين أول فريق طبي لها في عام 1964 إلى دولة أفريقية بدعوة من الحكومة الجزائرية. ظلت ترسل فرقاً طبية إلى دول أفريقية أخرى دورياً وبلغ مجموع عناصرها أكثر من 15 ألف طبيب إلى أكثر منْ 47 دولة أفريقية وعالجتْ تقريباً 180 مليون من المرضى الأفريقيين وفي عام 2003، أرسلت الصين ما مجموعه 860 من المتخصصين الطبيين موزعين على 35 فريقاً طبياً إلى 34 دولة أفريقية. وهو ما يعني بالنسبة للصين توظيف القطاع الطبي الصيني للقيام بمهام دبلوماسية غير مباشرة أو لتعزيز مهام بعثاتها الدبلوماسية في تلك البلدان.

رابعاً: التحديات التي تواجه الوجود الصيني في أفريقيا

  1. 1. التنافس الدولي في المنطقة

تعد الصين إحدى أهم القوى الدولية الواعدة وأحد أقطاب النظام الدولي المنتظر أن يكون متعدد الأقطاب، وللصين سياسة هادئة ومستقرة في القارة على مدار الخمسين عاماً الماضية من منظور تقديم نفسها وحتى الآن على أنها إحدى دول العالم الثالث النامي في محاولة منها للحصول على موطئ قدم لها في القارة إلى أن نجحت في ترسيخها، وذلك من منطلق استعدادها الدائم لمساعدة الدول المستقلة لتوطيد هذا الاستقلال فإلى جانب الأسلحة والتدريب الذي قدمته لبعض حركات التحرير الأفريقية إبان عصر القطبية الثنائية ركزت الصين في أفريقيا على إقامة عدد من المشاريع الكبرى مثل خط السكك الحديدية بين زامبيا وتنزانيا والذي يخدم عدة دول، وكذلك في تمويل إقامة منشآت رياضية ضخمة أو مراكز كبيرة للمؤتمرات (مصر والسودان ودول أخرى)… إلخ.

وفي أحيان كثيرة كانت تقدم مثل هذه المشروعات منحاً دون مقابل أو بمقابل رمزي. وفي العقد الأخير وبعد انتقال بكين إلى ما يشبه النظام “الرأسمالي” في الاقتصاد والانفتاح الكبير على العالم، تخلت الصين عن سياسة إقامة المشروعات الكبيرة في أفريقيا وبدأت تركز على العلاقات التجارية ولذلك شهدت الصادرات الصينية إلى أفريقيا طفرة هائلة في السنوات الأخيرة حتى وصلت إلى أكثر من 20 مليار دولار في عام 2005. كما انتهى عصر إقامة المشروعات الضخمة منحاً دون مقابل مع استمرار تقديم المساعدات في مجال الخبرات الفنية والمشروعات الصغيرة. وإلى جانب ذلك عملت الصين على تدعيم علاقاتها الأفريقية بدافع التنافس مع حكومة “تايوان” التي استغلت حاجة بعض الدول الأفريقية للمساعدات، لدفعها إلى الاعتراف بها.

وعلى الرغم من الاهتمام الواضح الذي توليه الصين للعلاقات والشراكة مع أفريقيا عموما ومنطقة القرن الأفريقي على وجه التخصيص، وفي ظل الحرص الصيني على ضرورة استمرار وتعزيز تلك العلاقات، فإن هناك العديد من التحديات التي تواجه الوجود والتوسع والنفوذ الصيني هناك، فالجهود والمساعدات المختلفة والمستمرة سواء في المجالات الدبلوماسية والسياسية أو في المجالات الاقتصادية والعسكرية وغيرها، ليس بإمكان الصين التنازل عنها أمام الاندفاع والتوسع الأمريكي المتنامي، أو أمام حسابات التنافس الدولي ولا سيما الأمريكي والأوروبي وأن يكون كل هذا على حساب الصين، ولذلك فإن هذا يعد أحد التحديات التي تواجه مطامح الصين وسياساتها وتحركاتها في الوقت الراهن.

  1. 2.رد الفعل الأمريكي على التدخل الصيني في القرن الأفريقي

تمثل ردود الأفعال للولايات المتحدة الأمريكية على تنامي الاهتمام والحضور والتوسع الصيني في منطقة القرن الأفريقي واحدة أيضا من أهم التحديات التي تواجه السياسة الصينية في تلك المنطقة ويمكن الإشارة إلى بعض جوانب ردود الأفعال تلك كالتالي:

أ. تشجيع اتخاذ إجراءات محددة إزاء السياسات الصينية

في مؤشر على الاهتمام الأمريكي بالصعود الصيني، قام الكونجرس الأمريكي، في أكتوبر 2000، بإنشاء “لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية الأمريكية ـ الصينية” U.S.- China Economic and Security Review Commission (USCC، كي تكون أداة لمتابعة ودراسة واقع العلاقات التجارية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، وانعكاس تلك العلاقات على الأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية. وتقوم اللجنة برفع اقتراحاتها وتوصياتها إلى الكونجرس، سواء فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين أو فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية ذات الصلة. ويتركز عمل اللجنة في ثماني مجالات أساسية، هي: الانتشار النووي، التحويلات الاقتصادية، الطاقة، أسواق رأس المال الأمريكية، التطورات الإقليمية الاقتصادية والأمنية، البرامج الثنائية الأمريكية- الصينية، الالتزام الصيني بقواعد واتفاقات منظمة التجارة العالمية، وأخيرا القيود المفروضة على حريات التعبير والنفاذ إلى المعلومات في الصين. وتقوم اللجنة بإصدار تقرير سنوي حول تلك القضايا، يرفع إلى الكونجرس.

وقد أشار رئيس اللجنة، “لاري ورتزل” Larry Wortzel، في المؤتمر الصحفي الذي عقد بمناسبة صدور التقرير الأخير للجنة الذي قدم إلى الكونجرس، في 16 نوفمبر 2006، إلى أن “اللجنة تعتقد أنه في الوقت الذي تعد فيه الصين فاعلا عالميا، إلا أن شعورها بالمسؤولية لا يتناسب مع قوتها المتنامية”. ويطرح التقرير عددا من التوصيات للكونجرس الأمريكي في ستة مجالات مختلفة، أهمها العلاقات التجارية الثنائية بين الصين والولايات المتحدة، والأنشطة الصينية على المستويين الإقليمي والعالمي، والقضايا الصينية الداخلية مثل السيطرة على الإعلام والمعلومات. وتطرح اللجنة تقييما شديد السلبية لمعظم السياسات الصينية. وذهب “ورتزل” إلى أن اللجنة “كانت تأمل أن تقوم الصين بتوظيف موقعها داخل مجلس الأمن ونفوذها السياسي والمتنامي في آسيا وأفريقيا وباقي الأقاليم الأخرى، للتعامل (بمسؤولية) مع الكثير من المشكلات الخطيرة، إلا أن ذلك لم يحدث”.

وتدعو اللجنة الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات محددة إزاء السياسات النقدية الصينية وسياسات العملة، والتي لا تسمح بتعويم أو تحرير العملة الصينية في الأسواق الدولية، والمضي قدما في الانتقادات الأمريكية حول حقوق الملكية الفكرية في الصين وإثارة تلك القضية بقوة بسبب فشل الصين في دعم تلك الحقوق. كما تنصح اللجنة الإدارة الأمريكية بإثارة قضية حريات الإعلام والإنترنت والتأكيد على أن مسألة اعتقال الصحفيين بسبب نشر معلومات لا ترضى عنها الحكومة الصينية يثير استياء المجتمع الدولي. ويتناول التقرير قضية العلاقات الصينية مع أفريقيا، خاصة فيما يتعلق بالصراع في إقليم دارفور السوداني. ويؤكد التقرير في هذا الإطار على حاجة الولايات المتحدة للوصول إلى تسوية لهذا الصراع ووقف عمليات الإبادة والتطهير الجارية في الإقليم وتوفير الأمن وحقوق الإنسان الأساسية للسكان المتضررين.

ب. تنامي القلق الأمريكي من المساعدات الصينية

هناك قلق كبير في واشنطن حول التسهيلات التي تقدمها الصين لأفريقيا في مجال المساعدات، والتي لا تقيد مطلقا بأية شروط أو أبعاد إنسانية أو سياسية؛ إذ ترفض الصين ترفض ربط علاقاتها الاقتصادية مع القارة سواء بسجلات حقوق الإنسان أو الديمقراطية على نحو ما تفعل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية. وقد أصبحت هذه السياسة الصينية سياسة رسمية بالفعل بعد أن أعلن رئيس الوزراء الصيني “وين جياباو” Wen Jiabao أثناء القمة الصينية ـ الأفريقية الأخيرة أن “المساعدات الصينية لأفريقيا هي مساعدات مخلصة، غير أنانية وغير مشروطة”.

ويشير تقرير “لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية الأمريكية ـ الصينية” إلى أنه في ضوء الارتباط والعلاقة الإيجابية الواضحة بين النمو المتسارع للنفوذ الدبلوماسي للصين من ناحية، وتزايد معدلات النمو الاقتصادي والأهمية الاقتصادية للصين من ناحية أخرى، يجب أن تتشكك الولايات المتحدة في مصداقية إعلان الصين التزامها بمسؤوليتها الجيو ـ سياسية، وأنه في ضوء تصاعد النفوذ الصيني في مختلف الأقاليم، فإن دعم الصين للنظم القمعية والدول المارقة، واحتمال تحولها إلى قوة موازية للولايات المتحدة في النظام الدولي، هي قضايا يجب أن تكون موضع اهتمام الولايات المتحدة وقلقها.

ج. موقف الكونجرس الأمريكي من التواجد الصيني بمنطقة القرن الأفريقي

يتناول تقرير “لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية الأمريكية ـ الصينية قضية العلاقات الصينية مع أفريقيا، خاصة فيما يتعلق بالصراع في إقليم دارفور السوداني. ويؤكد التقرير في هذا الإطار على حاجة الولايات المتحدة للوصول إلى تسوية لهذا الصراع ووقف عمليات الإبادة والتطهير الجارية في الإقليم وتوفير الأمن وحقوق الإنسان الأساسية للسكان المتضررين؛ إذ يؤكد التقرير في هذا المجال أن السودان تمثل أحد الأمثلة البارزة لطبيعة المنهج الصيني في أفريقيا، وإحدى القضايا التي تثير اهتمام الحكومة الأمريكية وقلقها بصرف النظر عن الخطوط والتوجهات الحزبية.

وقد ذهبت كارولين بارثولوميو Carolyn Bartholomew، نائب رئيس “لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية الأمريكية ـ الصينية”، في مداخلتها بمؤتمر معهد “أمريكان انتربرايز” إلى أن الصين “ترغب على ما يبدو في التعامل مع الدول المارقة للحصول على النفط في موازنة النفوذ الأمريكي”. وأضافت “بارثولوميو” أنه لا توجد علاقات ثنائية هدامة في القارة الأفريقية أكثر من العلاقات الصينية- السودانية، سواء بالنسبة للمصالح الأمريكية أو بالنسبة لمصالح الشعب السوداني”.

لكن يلاحظ أنه وإزاء العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان عام 1997، أصبح المجال واسعاً أمام الصين، للاستثمار في مجال النفط السوداني. ولذلك تمتلك شركة النفط الوطنية الصينية نحو 40% من أسهم شركة بترول أعالي النيل، والتي تسيطر على اثنين من أهم حقول النفط في ولاية أعالي النيل. وتعد كل من مصر والسودان من أهم الشركاء التجاريين للصين في منطقة دول حوض النيل، والقرن الأفريقي، كما أن للصين استثمارات في بعض دول المنطقة ولا سيما السودان في مجالات النفط خاصة والكونغو الديمقراطية في مجال استخراج المعادن خاصة مثل النحاس والكوبالت وكذلك في مجال الطاقة الكهرومائية.

  1. 3. المعارضة الأفريقية والدولية للسياسة الصينية

أ. المعارضة الأفريقية للسياسة الصينية في أفريقيا

تواجه الصين بعض التحديات التي تتعلق بمعارضة بعض جماعات المصالح داخل بعض الدول الأفريقية ـ ومنها زيمبابوي وناميبيا وغيرها ـ للسياسة الصينية الرامية إلى إغراق الأسواق الأفريقية بالسلع الصينية رخيصة الثمن والتي تهدد الصناعات المحلية في الدول الأفريقية من ناحية، كما أنها تهدد مصير الآلاف من العمال الأفارقة الذين يعملون في تلك المصانع والمؤسسات الصناعية الوطنية الأفريقية، كما أن هذا السلوك الصيني يُثبّطُ من عزيمة الاعتماد والاكتفاء الذاتي من التصنيع الأفريقي.

بالإضافة إلى ذلك فإن الصين تواجه العديد من العقبات التي ترتبط باللغة، والثقافة، والدين والتحيّز الإثني. وهذا الأمر يفرض على الصينيين من أجل أن يتعاملوا على نحو واسع في أفريقيا، أن يتعلم سفراؤها ودبلوماسيوها، ورجال الأعمال، والتقنيون، والأطباء، وجنود حفظ السلام وغيرهم اللغاتَ السائدة في أفريقيا- مثل الإنجليزية والفرنسية والعربية- لكي تكُونَ سياستها أكثر فاعلية وأكثر اندماجاً مع الواقع الأفريقي على مستوياته المختلفة.

ب. المعارضة الدولية للسياسة الصينية في أفريقيا

تواجه الصين العديد من الاتهامات الدولية من جانب الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية الأخرى بقصور الشفافية الصينية، ومن ثم فإن هناك ضغوط متزايدة أيضاً على الصين تتمثل في ضرورة امتثالها لاعتناق الشفافية وضرورة العمَلُ بتَنسيق أوسع في مجالات تقديم التبرعات والمساعدات في أفريقيا، وضرورة مراجعة الممارسات الصينية المتعلقة برَبْط القروض بالصادرات السلعية لأفريقيا وهو الأمر الذي يبدو متناقضا مع مجموعة ممارسات الإقراض الحالية، على ضوء ما تقوم به اتفاقيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

يلاحظ في أواخر 2006، إن مصرف الاستثمار الأوروبي وصندوق النقدي الدولي حذّرَا الصين من تنامي وضعها دائناً رئيساً في مجال الديون الجديدة الواقعة على البلدان الأفريقية. وهو الأمر الذي دفع الرئيس السابق للبنك الدولي بول وولفويتز Wolfowitz إلى الإعلان، في 14 أكتوبر 2006، أن واشنطن تدعو الدول الدائنة إلى مبادرة تتضمن الإعفاء من الديون المتراكمة على الدول الأفريقية والتي تبلغ قيمتها 31 بليون دولار أمريكي وفقاً لمقررات مؤتمر قمّة مجموعة الدول الثماني الكبرى الذي انعقد في جلنجلس Gleneagles باسكوتلندا عام 2005. فضلاً عن ذلك فقد وصفت وزارة الخزانة الأمريكية الصين “دائناً خبيثاً “يُزاولُ” إقراضاً انتهازياً”.

ويبدو أن جزءاً كبيراً منْ المخاوف الغربية المتعلقة بممارسات الإقراض الصينية تَنْجمُ عن عدم دقة البيانات والمعلومات المعلنة من جانب الصينيين، فيما يتعلق بالتبرعات والمساعدات والقروض وحجم الاستثمارات وطبيعة الآليات الثنائية والمتعددة الأطراف التي تستخدمها الصين في إطار علاقاتها مع الدول الأفريقية، وربما يكون ذلك أحد الأسباب التي دفعت بنك التصدير والاستيراد الصيني لتوقّيعَ مذكّرة تفاهم مع البنك الدولي في مايو 2007، تتعلق بتُحسّينُ التعاونَ في مجالات وفي مشاريع استثمار الطاقةَ والطرقَ في دول مثل أوغندا وغانا وموزمبيق، وقد اعتبر البنك الدولي السلوك الصيني بأنه خطوة في الاتجاه الصّحيح لأَنْ تُصبحَ الصين ممثلاً مهماً ومؤثراً في النظام الدولي، وأن تكون واحداً من الدائنين الجيدين والمتبرعين للدول الأفريقية ومن ذوي السمعة الحسنة عالمياً.

ويُركّزُ الأمريكيون في انتقادهم للسياسات والممارسات الصينية على أنها لا تفسر إلا على ضوء مساعي الصين لتوسيع مناطق نفوذها وللحصول على الطاقة. ويجادل البعض من الأمريكيين بأنّ الارتباط الصينيَ بأفريقيا والسياسات والممارسات ذات الصلة به هو بالدرجة الأولى يشكل تهدّيداً مباشراً للمصالح الأمريكية، وهؤلاء يلحون في الدعوة لضرورة مجابهته وإدانته واحتوائه. وفي هذا الخصوص فقد اصطَفّت العديد من جماعات ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان غير الحكومية، وَشرعت في الضغطَ الحادَّ على الحكومة الأمريكية لحملها على اتخاذ الإجراءات التأديبية الحاسمة ردَّاً على السياسات والمواقف الصينية في أفريقيا.

  1. توجهات السياسة الصينية الراهنة تجاه أفريقيا

تشير توجهات السياسة الدولية الحالية – ولا سيما لدى صانعي القرارات والسياسات ومتخذيها من الغربيين- إلى الإقرار بأن الصين سَتُصبحُ إحدى القوى الدولية الرئيسة الفاعلة في أفريقيا، وهو الأمر الذي يمثل تحدياً حقيقياً ليس للأهداف والمصالح الأمريكية والأوروبية التقليدية فحسب، وإنما أيضاً للمشروع الغربي العالمي الرامي إلى الترويج والنشر للديمقراطية وحقوق الإنسان، والذي لا ينال اهتماماً صينياً في إطار تعاملها مع دول أفريقيا، وهو الأمر الذي يلقى قبولاً واستحساناً من جانب العديد من الأنظمة الحاكمة في تلك الدول الأفريقية.

وعلى هذا الأساس يتنامى النشاط الصيني داخل القارة، وهذا الوضع يسترعي انتباه الولايات المتّحدة والدول الغربية الأخرى واهتمامها. والدليل على هذا النشاط الاقتصادي المتنامي أنه مع نهاية عام 2005 بدأت الصين تظهر على نحو واسع أنها الشريك التجاري الثالث، والأكثر أهميةً بعد الولايات المتّحدة وفرنسا وقبل المملكة المتّحدة. وأن هذا التطور المتسارع في علاقات بكين الاقتصادية ومصالحها بأفريقيا يستند على ثلاثة عوامل:

الأول: الرؤية الاقتصادية الكليَّة الصينية للحالة ولمجمل الأوضاع في أفريقيا، والتي ترى أنها تَأْخذُ منعطفاً جيّداً. وتستند هذه الرؤية وهذا التحليل على الاعتقاد بأن تلك البلدان الأفريقية تتَبنّى مجموعة من الإجراءات النشيطة والمتواصلة للدفع وللإسراع بالخصخصة، وهو الأمر الذي يمثل انفتاحاً على التجارة الدولية، وأن هذا سيساعد على إصلاحُ اقتصادياتهم. وتعتقد الصين أن مثل هذا الوضع يتيح فرصُاً عظيمةُ للشركات الصينية.

الثاني: المنتجون الصينيون وأصحاب الأعمال الذين يقدمون أنواعَاً شتى من السلع رخيصة الأثمان ومقبولة الجودة ويروجون لها وممكن بيعها بكميات هائلةُ في أفريقيا، لملامستها مستويات دخول الغالبية العظمى من السكان داخل تلك الدول، وفي ذات الوقت تشبع ميولهم وحاجاتهم الاستهلاكية، وذلك على عكس المنتجات الغربية.

الثالث: إصرار الصينيين وسعيهم الدؤوب والمتواصل لضمان الوصول إلى المصادر الطبيعية الوفيرة، من النَفط الخامّ، والمعادن، والثروة السمكية وغيرها من الموارد التي تراها الصين ضرورية ولازمة لعملية التصنيع.

ويرى الأمريكيون أن ارتباط الصين بأفريقيا هو نوع من الارتباط التوسّعي، وأنه يتسم أيضاً بتزايد نفوذها، وهو ما يمثل حقيقة جديدة معقّدة ومتعدّدة الأبعاد، حيث إن السياسةَ الصينيةَ الحريصة على البقاء في السودان، ومن أجل نفطه تحديداً زاد من تعقيدات مواقفها تجاه النظام الحاكم السوداني من ناحية، وتجاه المجتمع الدولي من ناحية أخرى،. بالمقابل، هناك ميل بين المحافظين الصينيين لمُجَادَلَة الولايات المتّحدة والبلدان الغربية الأخرى التي تُحاولُ مجرّد إجبار الصين على الخروج من السودان وأَنْ تُنفرد هي بنفطه، وأَنْ الدليل على ذلك سياسات وسلوكيات الولايات المتّحدةَ من قبل في التعامل مع غينيا الاستوائية ومنطقة خليج غينيا، وأنجولا وغيرها من الدول والمناطق التي ظهرت بها اكتشافات بترولية، ومن ثَم فإن موقفها تجاه السودان لا يمكن تفسيره إلا من خلال تلك المعطيات التي توضح نزعتها الاستبدادية في علاقاتها الدولية.

ويلاحظ بصفة عامة أن الولايات المتحدة وعلى الرغم من أنها تولي اهتماماً كبيراً لعلاقات الصين بأفريقيا بحسبانها أحد المنافسين لها في أفريقيا، إلا أنها على ما يبدو تنظر إلى تلك العلاقات أنها لا تمثل تهديداً مباشراً لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة؛ إذ إن تلك العلاقات على مستوياتها المتنوعة السياسية منها والاقتصادية وغيرها تعد بسيطة، ولا تشكل تهديداً حقيقياً لها، ومع ذلك فإنها تتحفظ بشأن تنامي تلك العلاقات مستقبلياً، ومن ثم فإنها تتعامل بحذر وبحرص تجاه تلك العلاقات.

المصادر والمراجع

أولاً. المراجع باللغة العربية

أ. الوثائق:

  1. إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية نص التقرير الذي وجهه الرئيس بوش إلى الكونجرس في 20 سبتمبر، 2002  (واشنطن: الكونجرس الأمريكي، 2002).
  2. خطاب الرئيس الصيني هوجنتاو أمام المؤتمر الوزارى الأفريقي الثانى (أديس أبابا: 2003).
  3. كلمة لي تشاو شينغ وزير الخارجية الصيني أثناء زيارة الرئيس هو جينتاو إلى السودان (الخرطوم: 2 نوفمبر 2007).

ب. الكتب:

  1. توفيق المديني، “وجه الرأسمالية الجديد”.
  2. توفيق المديني، “التوتاليتارية الليبرالية الجديدة والحرب على الإرهاب”، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004.
  3. جمال محمد السيد ضلع، “أزمة دار فور في ظل التفاعلات الداخلية والتداعيات الخارجية”، معهد الدراسات الأفريقية، القاهرة، العدد 87، مارس 2007.
  4. زبير سلطان قدوري، “الإسلام وأحداث الحادي عشر من أيلول 2001″، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2004. د. عادل أحمد حشيش ود مجدي محمود شهاب، العلاقات الاقتصادية الدولية( الإسكندرية: دار الجامعة الجديدة، 2005).
  5. عبد الملك عودة، “أفريقيا في ختام القرن العشرين”، كتاب الأهرام الاقتصادي، مؤسسة الأهرام، العدد 147، القاهرة، أبريل 2000.
  6. عبد الملك عودة، “السياسة المصرية ومشكلات حوض النيل”، كتاب الأهرام الاقتصادي، مؤسسة الأهرام، العدد 135، القاهرة، أبريل 1999.
  7. عبد الملك عودة، “السياسة المصرية وقضايا أفريقيا”، كتاب الأهرام الاقتصادي، مؤسسة الأهرام، العدد 59، القاهرة، يناير 1993.
  8. مركز الراصد للدراسات، “قضية دار فور: الأبعاد المحلية والدولية وآفاق الحل”، مركز الراصد للدراسات، الخرطوم، 2005.
  9. ميشيل بوجنون ـ موردانت، “أمريكا المســتبدة: الولايات المتحدة وسياسة السيطرة على العالم ـ العولمة”، ترجمة، حامد فرزات، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001.
  10. هنري كيسنجر، “هل تحتاج أميركا إلى سياسة خارجية؟: نحو دبلوماسية للقرن الحادي والعشرين”، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، بيروت، 2003.

ج. المقالات:

  1. أشرف محمد كشك، “الوجود الإسرائيلي في منابع النيل وأثره على الأمن القومي المصري”، بحث مقدم للمؤتمر السنوي لمركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، تحت عنوان “أفريقيا والعرب: فضاء استراتيجي مشترك”، مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، 10-12 إبريل 2007.
  2. جمال محمد السيد ضلع، “الجماعة الاقتصادية الأفريقية كآلية للتكامل القاري الأفريقي”، بحث مقدم المؤتمر السنوي لقسم الجغرافيا، بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، تحت عنوان: “التكامل الإقليمي في أفريقيا”، 29 و30 أبريل 2006، قسم السياسة والاقتصاد، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، مايو 2006.
  3. حمدي عبد الرحمن حسن: “سياسات التنافس الدولي في أفريقيا”، قراءات أفريقية، المنتدى الإسلامي، العدد الثاني، سبتمبر 2005.
  4. سلوى محمد لبيب، “العلاقات السياسية وأثرها على اقتصاديات حوض النيل”، نشرة البحوث والدراسات الأفريقية، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، العدد 21، 1986.
  5. سمير مرقص، “اللجنة الأمريكية للحرية الدينية والمسألة السودانية”، ملفات الأهرام، العدد 126، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 9 أغسطس 2002.
  6. محمد نبيل محمد فؤاد طه، “آفاق التدخلات الأجنبية في أفريقيا والقرن الأفريقي”، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي السادس حول: “العرب وأفريقيا: فضاء استراتيجي مشترك”، مركز دراسات المستقبل، جامعة أسيوط، بالتعاون مع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء خلال الفترة من 10 إلى 12 أبريل 2007.
  7. محمود أبو العينين، “دور الأطراف الإقليمية في الحرب الأهلية في الكونغو الديمقراطي في ظل الجمهورية الثالثة”، في معهد البحوث والدراسات الأفريقية: “ندوة الصراعات والحروب الأهلية في أفريقيا”، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 1999.
  8. محمود سعيد عبد الظاهر، “الأمن القومي وحالة التطابق مع التفكير الإسرائيلي في أفريقيا”، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوي السادس حول: “العرب وأفريقيا: فضاء استراتيجي مشترك”، مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط بالتعاون مع مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، خلال الفترة من 10 إلى 12 أبريل 2007.
  9. هانئ رسلان، “أزمة دارفور والقرار 1706 .. الأبعاد والتداعيات”، السياسة الدولية، العدد 166، مؤسسة الأهرام، القاهرة، أكتوبر 2006.

د. الرسائل العلمية:

  1. أيمن السيد شبانة، “ظاهرة التدخل الإقليمي في الصراعات الداخلية الأفريقية بعد الحرب الباردة الكونغو الديمقراطية نموذجاً”، رسالة ماجستير، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 2003.
  2. رانيا حسين عبد الرحمن حسن، “السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا بعد الحرب الباردة”، رسالة ماجستير، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 2004.

هـ. التقارير:

  1. محمود أبو العينين (تحرير)، التقرير الإستراتيجي الأفريقي، مركز البحوث الأفريقية، معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، 2006.
  2. السيد فليفل (إشراف)، التقرير الإستراتيجي الأفريقي، مركز البحوث الأفريقية، معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، 2001 – 2002.

و. الشبكة الدولية للمعلومات:

  1. إبراهيم نصر الدين،”المشروع الصهيوني في أفريقيا” المركز الفلسطيني للإعلام.

 http://www.palestine-info.info/arabic/index.shtml

  1. إسلام أون لاين، “تحذيرات من تقسيم السودان عبر بوابة دارفور”، 24 يوليه 2004.

 http://www.islamonline.net

  1. السر سيد أحمد: “عودة الحرب الباردة إلى أفريقيا”، الرأي العام، الخرطوم: 11 فبراير 2007.

http://www.rayaam.net/index.htm

  1. رشيد سعيد: “العلاقات الفرنسية السودانية في سنوات الإنقاذ”، القاهرة، ديسمبر 2000.

http://www.islamonline.net

  1. بدر حسن شافعي: “في البحيرات العظمى فرنسا ترتدي ثوبا أمريكيا”، إسلام أون لاين، 21 أغسطس 2001.

 http://www.islamonline.net/Arabic/politics/topicd.shtml

  1. بول ووتشر، “إستراتيجية بوش في الصومال”، عمان اليومية، 2007.

http://www.omandaily.co m/18/araa/araaheads.htm

  1. تقرير واشنطن، “القلق الأمريكي من الصين ينتقل لأفريقيا”، العدد 85، واشنطن، 25 نوفمبر 2006.

http://www.taqrir.org/index.cfm

  1. جواد بشارة، “تقرير عن النفوذ الفرنسي في أفريقيا”، مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي، باريس، 14 سبتمبر 2002.

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=2955

  1. حسن مكي، “اسرائيل تري في السودان منفذاً وسوقاً طبيعياً لها”، الصحافة، العدد 4572، الخرطوم، 2 مارس 2006.

http://alsahafa.info/index.php

  1. حسن مكي، “الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر”، محاضرة بمركز زايد للتنسيق والمتابعة، أبو ظبي، 21 يناير 2002.

http://www.zccf.org

  1. حمدي عبد الرحمن، “إسرائيل وأفريقيا في عالم متغير”، الجزيرة نت، 17 مايو 2006.
  2. راوية توفيق، “التنافس الدولي في القارة الأفريقية”، مجلة البيان، العدد 183، أبو ظبي، يناير 2003.

 http://www.albayanmagazine.com

  1. عبد الرحمن يوسف، “محاكم الصومال ترحب بمجموعة الاتصال الدولية”، إسلام أون لاين، 11 يونيه 2006.

http://www.islamonline.net

  1. عبدي يوسف: “انقلاب أمريكي ضد المحاكم الإسلامية بالصومال”، إسلام أون لاين، 18 مايو 2006.
  2. فائز الزاكى حسن وشاو جيه، “مبادرة جديدة للحكومة السودانية هل تشكل مخرجا لتسوية نزاعها مع المجتمع الدولي بشأن دارفور”، الخرطوم، 4 أكتوبر 2006.

 http://www.arabic.xinhuanet.com/arabic/china.htm

  1. على الصادق، الناطق الرسمي باسم الخارجية، في حوار معه أجرته معه وكالة السودان للأنباء (سونا)، فبراير 2007.

http://www.suna.net

  1.  مجلس الإعلام الخارجي، “العلاقات السودانية الصينية: ماضى عريق ومستقبل مشرق”، إصدارة خاصة بمناسبة زيارة الرئيس الصيني هوجنتاو للبلاد، الخرطوم، فبراير 2007.

http:www.//208.64.28.130/~exinfogo/details.php?rsnType=1&id=13403

  1. محمد جمال عرفة، “قانون أمريكي لمحاسبة السودان والضغط عليه”، اسلام اون لاين، 29 سبتمبر 2006.

http://www.islamonline.net/Arabic/news/2006.

  1. محمد جمال عرفة، “ما وراء الخطة الأمريكية للتدخل في دارفور”، إسلام أون لاين، 2 مارس 2006.

http://www.islamonline.net/Arabic/politics/topicd.shtml

  1.  مجلة المجتمع، “وراء تعيين المبعوث الأمريكي في السودان؟ النفط أم تحقيق السلام”،  العدد 1473، 2 أكتوبر 2001.

http://www.almujtamaa-mag.com 

  1. مغاوري شلبي: “الصراع الرمادي على القارة السوداء..!”، إسلام أون لاين.

http://www.islam-online.net/Arabic/index.shtml

  1. مفكرة الإسلام، “تحت نار أمريكية هادئة – اتفاق السودان.. سلام أم انقسام؟”.

http://www.islammemo.cc

  1. ميرغنى محمد صالح، سفير السودان لدى بكين، في حوار معه أجرته معه وكالة السودان للأنباء (سونا)، فبراير 2007.

http://www.suna.net

ثانياً. المراجع باللغة الإنجليزية

  1. Documents:
  2. Organization of African Unity, Constitutive Act of the African Union,(adopted  this Act. Done at Lome, Togo, 11th day of July, 2000.)
  3. Books:
  4. Deng, Francis M.,& J. Stephen Morrison, U.S. Policy to End Sudan’s War,( Washington, D.C. :The Center for Strategic and International Studies (CSIS), February 2001.)
  5. Frazer, Jendayi E., Jeffrey I. Herbst, Terrence P. Lyons: Resolving Africa’s Crises: U.S. Diplomacy and Support to Peace Operations(Washington, D.C., Center for Strategic and International Studies, March 2001).
  6. Mutasa, Charles (ed.,) Reality of Aid Africa,(Harare: African Forum and Network on Debt and Development, 2005 ).
  7. International Affairs Institute, “Seeking Peace in the Horn of Africa Solutions for Somalia”, (Washington, DC: International Affairs Institute, Duke University, July 2007).
  8. John Prendergast, Building for Peace in the Horn of Africa: Diplomacy and Beyond(Washington D.C. the United States Institute of Peace, June 28, 1999).
  9. Zack-Williams , Tunde, Diane Frost and Alex Thomson: Africa in Crisis: New Challenges and Possibities ( London: Pluto Press, 2002)
  10. Articles:
  11. Carafano, James Jay, and Nile Gardiner,” U.S. Military Assistance for Africa: A Better Solution” The Heritage Foundation,( October 15, 2003)
  12. Chafer, Tony,” Franco – African Relations: No Exceptional?” African Affairs (Oxford : Oxford University Press, Vol. 101, No 404. July 2002)
  13. Gill, Bates, Chin-hao Huang & J. Stephen Morrison,” Assessing China’s Growing Influence in Africa”, China Security(Beijing: World Security Institute, Vol. 3 No. 3 Summer 2007 ).
  14. Kansteiner ,Walter H.,” Weak States and Terrorism in Africa: U.S. Policy Options in Somalia” Testimony Before the Senate Committee on Foreign Relations Subcommittee on African Affairs ( Washington, DC: February 6, 2002)
  15. Krueger, Michael A. & Others, “The Greater Horn of Africa”, Paper Submitted to the Cross Examination Debate Association (Tennessee: Middle Tennessee State University, May,2000.)
  16. De Kock , Dr. Omar, “Who’s sawing off the Horn of Africa?” Global Research( June 25, 2007 )
  17. Martin ,Guy, “France’s African Policy  in Transition: Disengagement and Redeployment”, Paper prepared for  presentation at the African Studies Interdisciplinary Seminar, (Urbana – Champaign: Center for African Studies, University of Illinois at Urbana- Champaign, 3 March 2000).
  18. Taylor , Ian,” Beijing’s Arms and Oil Interests in Africa “China Brief: a Journal of Analysis and Information(Washington, D.C. , The Jamestown Foundation, Vol., V, Issue 21, October 13,2005).
  19. Shichor, Yitzhak,” Sudan: China’s Outpost in Africa ” China Brief: a Journal of Analysis and Information(Washington, D.C. , The Jamestown Foundation, Vol., V, Issue 21, October 13,2005).
  20. Shinn, David and Joshua Eisenman,” Dueling Priorities for Beijing in the Horn of Africa” China Brief: a Journal of Analysis and Information (Washington, D.C., The Jamestown Foundation, Vol., V, Issue 21, October 13,2005).
  21. Thompson, Drew ,” China’s Soft Power in Africa: From the “Beijing Consensus” to Health Diplomacy “China Brief: a Journal of Analysis and Information(Washington, D.C. , The Jamestown Foundation, Vol., V, Issue 21, October 13,2005).
  22. Taylor , Ian,” Beijing’s Arms and Oil Interests in Africa “China Brief: a Journal of Analysis and Information(Washington, D.C. , The Jamestown Foundation, Vol., V, Issue 21, October 13,2005).
  23. Thompson, Drew ,” China’s Soft Power in Africa: From the “Beijing Consensus” to Health Diplomacy “China Brief: a Journal of Analysis and Information(Washington, D.C. , The Jamestown Foundation, Vol., V, Issue 21, October 13,2005).
  24. Tuso, Hamdesa,” The Crisis of U.S. Foreign Policy Toward the Horn of Africa during the post Cold War Era — A Critical Review Part II ” Sidama Concern, (Vol. 5 No. 2, July 2000).
  25. West, Deborah L. , “Combating Terrorism in the Horn of Africa and Yemen”, Report Submitted to Program On Intrastate Conflict and Conflict Resolution Belfer Center for Science and International Affairs , john f. kennedy School of Government, Harvard University, (Massachusetts: The World Peace Foundation , Number 40, 2005)
  26. Internet:
  27. Gilbert Khadiagala,” Kenya: Haven or Helpless Victim of Terrorism”, in, Terrorism in the Horn of Africa, January 2004  Special Report 113.
  28. Kellogg , Alex P., ” The folly of U.S. meddling in the Horn of Africa.” January 12, 2007. http://www.prospect.org/cs/articles?articleId=12377
  29. Prendergast , John and Philip Roessler,” Can a Leopard Change Its Spots? Sudan’s Evolving Relationship with Terrorism,” in, Terrorism in the Horn of Africa,http://www.usip.org/pubs/specialreports/sr113.pdf,January 2004
  30. Shoup,Anna,” U.S. Involvement in Somalia ” Online News Hour(January 26, 2007) http://www.prospect.org/cs/articles?articleId=12377
  31. Shinn, David,” Ethiopia and Combating Terrorism: An Important Ally with Its Own Priorities,” in, Terrorism in the Horn of Africa, January 2004 http://www.usip.org/pubs/specialreports/sr113.pdf,
  32. Iyob, Ruth,” Shifting Terrain: Dissidence versus Terrorism in Eritrea,” in, Terrorism in the Horn of Africa, January 2004. http://www.usip.org/pubs/specialreports/sr113.pdf,.
  33. Wilson III , Dr. Ernest j., China’s influence in Africa Implications for U.S. Policy, http://www.cidcm.umd.edu/wilson/wilson_congressional_testimony_2005_07_28.pdf
  34. Http://Www.Usip.Org/Pubs/Specialreports/Sr113.Pdf,.
  35. http://www.usip.org/pubs/specialreports/sr113.pdf,
  36. http://198.76.84.1/HORN/GHAI/cycle/causes.html#Civil_Strife.
  37. http://www.oneworld.org/unicef/ethiopia/e5apr.htm.
  38. http://www.africanews.org/east/stories/20000308/20000308_feat5.html

http://moqatil.com/openshare/Behoth/Siasia21/AlakatDwal/index.htm

Print Friendly, PDF & Email
blank