قضايا سياسية

دلالات اضطرابات الريف المغربي

وليد عبد الحي

الاضطرابات المغربية التي يشهدها الريف الشمالي من المغرب منذ بضعة شهور وتتمركز في بلدة الحسيمة تثير تساؤلا عن دلالاتها، فهل هي آخر زفرات ” الربيع العربي” ينفثها على شواطىء البحر المتوسط في أفصى شمال المغرب؟ ام هي نزوع أمازيغي لرغبة انفصالية دفينة ولكنها بلبوس مطالب اجتماعية واقتصادية؟ ام هي تعبير عن تأجيج سياسي تساهم فيه أياد اقليمية ودولية؟ ام تعبير عن فشل حكومي يعمقه دور ” الدولة العميقة” ممثلة في جذور ” المخزن “في دهاليز السلطة ؟.
هل بائع السمك محسن فكري الذي قذفت جثته حاوية القمامة هو طبعة منقحة من البوعزيزي؟ وهل ناصر زفزافي –قائد مسيرة المظاهرات – الذي اعتقلته السلطة المغربية هو الشرارة التي سيطال اشتعالها كل الأنحاء المغربية؟…اسئلة كثيرة ، وملابسات لا تقل عنها عددا.
بنظرة تاريخية ليست بالبعيدة ، يتبين لنا ان لهذه المنطقة( الريف المغربي) تقاليد ثورية يبدو أنها ما تزال تنبض في العروق، ففي عشرينات القرن الماضي(1920-1926) كان عبدا لكريم الخطابي يقارع الاستعمار في هذه المنطقة، وفي عام 1958 سحق الملك محمد الخامس وعبر اجراءات حادة اضطرابات اجتماعية سياسية في نفس المنطقة، وها هي موجة الاعتقالات تتزايد وتشمل شرائح مختلفة من مجتمع تلك المنطقة في هذه الموجة الحالية من الاضطرابات.
ما يعنيني في هذا الجانب هو رصد الاتجاه المستقبلي لهذه الحركة، وهو ما يستدعي الاطلال ” بمنهج كمي” على طبيعة الوضع العام في المغرب استنادا لتقارير البنك الدولي ومؤسسات اكاديمية تستخدم نماذج مختلفة لقياس الاتجاهات المستقبلية للاستقرار السياسي في دول العالم.
معدل الاستقرار السياسي في المغرب:
ثمة مستويان من مستويات الاستقرار السياسي، فهناك الاستقرار الحكومي، وهناك مستوى مدى حدة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ففي الجانب الأول نلاحظ بعض الاستعصاء الحكومي من حيث عُسْر التشكيل الحكومي من ناحية ، وهشاشة الإئتلاف الحكومي من ناحية ثانية، فمنذ مارس 2017 اعفى الملك محمد السادس رئيس وزرائه بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة ” بسبب تعثره ” في انجاز المهمة ،وكلف وزير خارجية سابق- من نفس حزب العدالة والتنمية- هو سعد الدين العثماني بالمهمة التي انجزها بتشكيل حكومة إئتلافية تضم يسارا ويمينا من خمسة احزاب اخرى .ولما كان بنكيران اميل لاتجاه توسيع دور حزب العدالة والتنمية الاسلامي الذي يقوده في عملية صنع القرار في المغرب، حاول ان يستفيد من نتائج الانتخابات التي فاز فيها في اكتوبر 2016 من ناحية ، ومن التعديلات الدستورية التي قبلها الملك على اثر الموجة الاولى للربيع العربي والتي تمثلت في توسيع صلاحيات رئيس الوزراء وتعزيز دور البرلمان،وهي استجابة لهواجس خلقتها حركة عشرين فبراير التي ضمت ائتلافا من اكثر من 40 هيئة وحزب من اليسار واليمين.
ويبدو ان المخزن توجس خيفة من رغبة بن كيران في توسيع دور الحزب في القرار مستفيدا من الاصلاحات الدستورية، مما دفع المخزن نحو عرقلة هذا التوجة بغرض بقاء القصر سيدا للعبة ، وعدم ارساء تقاليد ” بداية تقليص دور الملك، وهو الامر الذي يبدو ان العثماني قبل به، خلافا لموقف الحزب الاسلامي الاخر وهو “العدل والاحسان” الأقل قربا من القصر.
أما من حيث الاستقرار السياسي على اساس العلاقة بين المجتمع والسلطة ،فإن نموذج
The Political Instability Task Force الذي يقيس احتمالات الاستقرار لمدة 2-3 سنوات قادمة استنادا إلى 4 مؤشرات هي : نمط النظام السياسي وتماسك النخبة الحاكمة، فالنظم ذات النزعة الديمقراطية العالية او الديكتاتورية العالية هي الاقرب للاستقرار خلال المدى القصير، وهو ما ينطبق على المغرب ، والمؤشر الثاني معدل العمر للأطفال( وهو ما يشير لمستوى الدخل ومستوى الرعاية الصحية …الخ)، وتقع فيه المغرب ضمن مجموعة الدول الوسطى الدنيا،اما المؤشر الثالث فهو مؤشر مدى قابلية الدولة والمجتمع للتأثر بالمشكلات في الدول المجاورة، وفي هذا المؤشر فإن المغرب يقع ضمن الدول ذات التأثر النسبي(6 من عشرة)، اما المؤشر الرابع وهو التمييز بين فئات المجتمع (ويتم قياسه على اساس التمثيل السياسي للشرائح المختلفة والفارق في مستويات الدخل(مؤشر Gini) فإن المغرب تعرف فارقا في دخل ال10% الأعلى قياسا ل 10% الأدنى بمعدل 11,7 اضعاف، كما ان معدل من هو في فقر مدقع في المغرب هو 4,6% بينما الريف المغربي تصل فيه معدلات الفقر المدقع الى حوالي 8,6% من السكان أي ما يقارب ضعف النسبة عن المعدل العام للدولة.
وفي مجال مؤشر الديمقراطية طبقا لقياسات Economist Intelligence Unit ، فإن هناك تحسن نسبي من 3,90 نقطة(من 10) عام 2006 إلى 4,07 عام 2012 ثم 4,77 عام 2016، وهو ما يعني تحسنا لم يرق لدرجة اخراج البلاد من مجموعة الدول السلطوية خاصة إذا علمنا ان المغرب تحتل المرتبة 20 عالميا في مستوى العسكرة(Militarization)، وارتفع انفاقها العسكري بين 2007 و 2017 بحوالي 45%.
أما مؤشر الفساد استنادا لمقياس الشفافية فيكاد ان يكون ثابتا في موقع متأخر، فقد سجلت المغرب منذ بداية الربيع العربي حتى الآن 37 نقطة (من 100)، مما يعني ان جرعة الفساد فيها عالية للغاية، وهو ما يعني ان التحسن في المجال الديمقراطي ليس إلا آلية تكيف لامتصاص تداعيات جرعة الفساد العالية.
فإذا انتقلنا للنمو الاقتصادي والذي يقدر البنك الدولي انه سيكون خلال فترة الحكومة الحالية (حتى عام 2021) حوالي 3,5%، فإن للقطاع الزراعي الذي يمثل قطاعا هاما في بنية الاقتصاد المغربي تراجع خلال عام 2016 بنسبة 1,4%، نتيجة موجة الجفاف، ويتضافر مع ذلك استمرار نزعة الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية ،والتي تجاوزت حدود المسموح به قياسا لاجمالي الناتج المحلي بحوالي 6%.
وعند جمع كل هذه المؤشرات لقياس المعدل العام للاستقرار السياسي يبتين ( طبقا لنموذج كوفمان الذي يعتمده البنك الدولي والذي يقيس الاستقرار على مقياس يبدأ من 2,5 درجة موجبة (الاعلى استقرارا) إلى 2,5 درجة سالبة(الاكثر عدم استقرار) ان المغرب سجل خلال افترة 2015-2016 ما قيمته – 0,34( أي انه يقع ضمن الدول غير المستقرة)، لكن المؤشر يشير إلى انه خلال افترة الماضية من عام 2017 ازداد التراجع في عدم الاستقرار بمعدل 0,017-، وهو ما جعلها تتراجع 7 مراتب في تصنيف مستويات الاستقرار ل 120 دولة واصبح ترتيبها 91.
ماذا يشير ذلك كله:
1- ان استمرار وتيرة الفساد وبقية مؤشرات عدم الاستقرار تعني توفير بيئة حاضنة لاستمرار واتساع قاعدة الاضطراب الشعبي من الريف لمناطق اخرى، وهو امر قد يدفع في حالة تحققه أو استشعار المخزن لتزايد احتمالاته إلى تفكك الائتلاف الحاكم(6 احزاب)، وهو ما يشكل فشلا للتيار الاسلامي قد يوظفه المخزن بطرق عديدة، أي ان الاتساع في الظاهرة سيقود لتفكك الحكومة الحالية بشكل يفتح المجال لاستثمار القصر له.
2- بالمقابل فإن اوزار الربيع العربي المجسدة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن جعلت التوجس لدى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي هي السمة السائدة مما يعزز من عوامل اطمئنان المخزن بعدم اتساع انتقال الاضطراب لمناطق اخرى.
3- محاولة اعتبار الحركة في الريف على أنها نزوع امازيغي للانفصال هي مسألة لا تسندها معطيات الواقع رغم رفع بعض الشعارات التي توحي ببعض هذا التوجه، والخشية أن يتم القاء اللوم على دول مجاورة ليتم تصدير الازمة للخارج، وهو امر يشير له سجل العلاقات المغربية الجزائرية من الجانبين.
4- تحقيق المغرب بعض الانتصار التكتيكي على المستوى الافريقي(بالعودة لعضوية الاتحاد الافريقي) عزز من قاعدة المخزن بعض الشيء.
ذلك يعني ان الازمة ستكون هي التعبير عن مستوى عدم الاستقرار الحكومي ، بينما عدم الاستقرار المجتمعي سيبقى اضيق مجالا رغم احتمال تمدده لبعض المناطق القليلة.

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock