دلالات تعزيز الصين احتياطياتها من الذهب

يمتلك الذهب قيمة جوهرية مستقرة؛ فهو يمثل حجر الزاوية لعملة الدولة، فضلاً عن كونه احتياطياً استراتيجياً عالمياً. ولقد وضعت القوى الاقتصادية العالمية استراتيجيات الذهب على المستوى الوطني. وفي السنوات الأخيرة، أصبح الاقتصاد العالمي يواجه تغيرات وتحديات وكذلك فرصاً جديدة؛ لذلك يرى خبراء الاقتصاد في الصين أنه يجب إعادة وضع ورفع الذهب كمادة حيوية مهمة، وإنشاء وتنفيذ استراتيجية وطنية خاصة بالذهب؛ لتعزيز قدرة الصين على مواجهة المواقف المعقدة. ولأكثر من عام، كان البنك المركزي الصيني يشتري كميات كبيرة من الذهب؛ حيث قام بنك الشعب الصيني بتعزيز احتياطاته من الذهب. وفي عام 2023، اشترى بنك الشعب الصيني كميات من الذهب أكبر من جميع البنوك المركزية الأخرى. وقد ساعدت هذه الخطوة، بجانب الحربين في أوكرانيا وغزة، على ارتفاع سعر المعدن الثمين إلى مستويات قياسية جديدة.

سياسة بكين

في حين تحاول الصين تحدي الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة على النظام الدولي، نجحت في بناء احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، أغلبها بالدولار، لكن بكين تخشى أن تصبح معتمدة بشكل مفرط على العملة الأمريكية، وتحرص على تنويع احتياطيات بنك الشعب الصيني، ومن ثم بدأت تتوسع في مخزوناتها من الذهب، وتتمثل أهم أبعاد تعزيز الصين لهذه المخزونات فيما يلي:

1– تحقيق الصين ارتفاعاً هائلاً في احتياطي الذهب خلال عام 2024: لقد حققت تركيا والصين أعلى زيادة في احتياطيات الذهب في الربع الأول من عام 2024؛ حيث ارتفعت احتياطيات الصين من الذهب بمقدار 5 أطنان في مارس 2024؛ ما رفع الإجمالي إلى 2262 طناً، ومدَّد سلسلة الارتفاع إلى 17 شهراً. وفي الوقت الحالي، يمثل الذهب 4.6% من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي، وهي زيادة ملحوظة عن الأشهر السابقة وسط ارتفاع أسعار الذهب. وخلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024، أعلن بنك الشعب الصيني عن مشتريات من الذهب بقيمة 27 طناً.

2– رغبة بكين في تنويع الاحتياطي الأجنبي بعيداً عن الدولار الأمريكي: كانت الصين تعتمد بشكل كبير على الدولار الأمريكي في تجارتها مع بقية العالم؛ وذلك باعتبارها العملة الاحتياطية في العالم؛ حيث يتم تسعير معظم السلع بالدولار الذي يسيطر على نسبة كبيرة من التجارة العالمية، لكن مع تنامي جهود الصين لتحدي الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة على مدى العقود الماضية، نجحت في بناء احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي، أغلبها بالدولار الأمريكي، لكن بكين تخشى أن تصبح معتمدة بشكل مفرط على العملة الأمريكية، وتحرص على تنويع احتياطيات بنك الشعب الصيني.

ولذلك تُقلِّص الصين تدريجياً حيازاتها من الدولار، كما تشير بيانات التدفقات الرأسمالية الأمريكية الرسمية إلى أن مخزون الصين من سندات الخزانة الأمريكية وسندات الوكالات في الربع الأول من عام 2024، انخفض بما يقل عن 40 مليار دولار و10 مليارات دولار على التوالي. ويتوافق هدف التنويع مع أهداف الدول الأخرى في مجموعة البريكس، التي من المقرر أن تهيمن اقتصاداتها على الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050؛ حيث تشعر دول البريكس، بما في ذلك الصين، بالقلق إزاء كيفية استخدام واشنطن الدولار سلاحاً للحفاظ على مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية العالمية.

3– إقبال المستثمرين الصينيين على الاستثمار في الذهب: اجتذب ارتفاع أسعار الذهب تدفقات المستثمرين إلى صناديق الذهب الصينية المتداولة؛ ما أضاف 1.2 مليار رنمينبي (164 مليون دولار أمريكي) في مارس 2024، وهو التدفق الشهري الرابع على التوالي. وقد أدت التدفقات المستمرة والارتفاع في أسعار الذهب المحلي إلى دفع الأصول المدارة من صناديق الاستثمار المتداولة للذهب الصيني إلى مستوى قياسي آخر، لتصل إلى 5 مليارات دولار أمريكي تقريباً بنهاية يناير 2024. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الحيازات من الذهب بمقدار 2.2 طن إلى 67 طن؛ أي بفارق 8 أطنان عن ذروة نهاية الشهر البالغة 75 طناً في ديسمبر 2021.

وقد ارتفع استهلاك الذهب في الصين بنحو 6% ليصل إلى نحو 308.9 طن في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2023، على الرغم من تجاوز السعر العالمي 2400 دولار للأوقية. وشهد الطلب بالجملة على الذهب ارتفاعاً كبيراً في الصين، ووصلت عمليات سحب الذهب من بورصة شنجهاي للذهب إلى 522 طناً في الربع الأول من عام 2024، وهو أعلى مستوى منذ الفترة المناظرة من عام 2019.

4– تراجع ثقة المستثمرين بقطاعات الاستثمارات التقليدية في الصين: توجه المستهلكون الصينيون إلى الذهب مع تراجع ثقتهم بالاستثمارات التقليدية مثل العقارات أو الأسهم. وفي الوقت نفسه، يضيف البنك المركزي الصيني باستمرار إلى احتياطاته من الذهب، بينما يتخلص تدريجياً من حيازاته من سندات الخزانة الأمريكية. وأصبحت الاستثمارات في الذهب، بحسب تقرير لسكاي نيوز، أكثر جاذبيةً مع تراجع أداء الاستثمارات التقليدية، فلا يزال قطاع العقارات الصيني، الذي يُعد وجهة لمدخرات معظم العائلات، يعاني من الأزمة، كما لم تستعد سوق الأسهم الصينية ثقة المستثمرين بالكامل.

5– محاولة الصين دعم وضعها المالي: يمثل تحرك الصين نحو تخزين احتياطات الذهب محاولة لدعم وضعها المالي بأصول مستقرة وقابلة للبيع بشكل كبير في ظل معاناة أسواق السندات وتدهور علاقاتها مع الدول الغربية، لا سيما في ظل مواصلة الصين تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية؛ ما يثير تكهنات السوق حول دوافعها. وعلى الرغم من أن الصين تستخرج ذهباً أكثر من أي دولة أخرى، فإنها لا تزال بحاجة إلى استيراد الكثير. وفي العامين الماضيين، بلغ إجمالي المشتريات الخارجية أكثر من 2800 طن؛ أي أكثر من كل المعدن الذي يدعم الصناديق المتداولة في البورصة في جميع أنحاء العالم، أو نحو ثلث المخزونات التي يحتفظ بها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

6– تجنب تأثير أي عقوبات أمريكية: بدأت العديد من البنوك المركزية، بما في ذلك بنك الصين، في الحصول على الذهب بعد أن اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية خطوة نادرة بتجميد ممتلكات روسيا من الدولار بموجب العقوبات المفروضة على موسكو، وبعدما فرض حلفاء أمريكيون آخرون قيوداً مماثلة على عملاتهم؛ حيث إن العقوبات هزت أساس الثقة بالنظام النقدي الدولي الحالي، وأُجبِرت البنوك المركزية على حماية احتياطاتها بحيازات أكثر تنوعاً. وعقب اندلاع الحرب الأوكرانية في فبراير 2022، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عدة جولات من العقوبات على موسكو، بما في ذلك تجميد الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي الروسي. ويبدو أن التحرك الاستراتيجي للصين لتجميع أصول الذهب هو وسيلة لعزل نظامها المالي عن نقاط الضعف هذه؛ حيث يحمل الذهب قيمة جوهرية ولا يخضع للضغوط الجيوسياسية مثل العملات الورقية.

وسعت بعض الدول إلى الحد من مخاطر العقوبات باستخدام احتياطيات الذهب؛ حيث إن التعامل بالذهب يوفر مزايا رئيسية للتهرب من العقوبات، منها عدم الكشف عن الهوية، وانخفاض إمكانية التتبع، وتوفير بدائل للمراكز المالية الغربية؛ حيث تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تقييد التدفقات التجارية بسهولة أكبر. على سبيل المثال، شرعت روسيا في برنامج كبير لشراء الذهب بعد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب ضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014.

تداعيات ممتدة

في ظل اتجاه الصين نحو تخفيف مخاطر تراكم احتياطياتها من النقد الأجنبي بالدولار عبر توسعها في الاستثمارات الخارجية، وحتى تخرج من تحت ضغوط السياسات المالية والنقدية الأمريكية عبر تذبذب قيمة الدولار أو سعر الفائدة بالسوق الأمريكية؛ سعت إلى تعزيز مخزوناتها من احتياطيات الذهب؛ ما أثر على أسعار الذهب العالمية وقرارات عدد من البنوك المركزية حول العالم بتعزيز احتياطاتها من الذهب. ويمكن توضيح أهم تداعيات رفع الصين من مخزونات الذهب من خلال ما يلي:

1– ارتفاع ملحوظ في أسعار الذهب: ساهم الطلب القوي في الصين على الذهب في تحركات كبيرة للأسعار في سوق الذهب، كما عزز الطلب المتزايد من البنوك المركزية مرونة الذهب، ووصل سعر الذهب إلى مستوى قياسي، دون أن يأخذ في الاعتبار التضخم، مع استمرار البنوك المركزية في شراء المعدن بقيادة بنك الشعب الصيني؛ حيث ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي خلال شهر أبريل 2024 مدفوعة بتوقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية وجاذبية الذهب باعتباره أصل ملاذ آمن؛ إذ ارتفع بنسبة 0.3% ليُتداول عند 2240.04 دولار للأوقية، وارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب 0.8% إلى 2257.10 دولار للأوقية عند التسوية. ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الذهب مع قيام البنوك المركزية بشراء المعدن النفيس ومع الطلب القوي على التجزئة في الأسواق الناشئة؛ ما يعزز الأسعار.

2– احتمالية التأثير على هيمنة الدولار الأمريكي: توجَّه بنك الشعب الصيني والبنوك المركزية الأخرى نحو تعزيز احتياطاتها من الذهب؛ حيث أظهرت البيانات الرسمية أن شهر أبريل 2024 كان الشهر الثامن عشر على التوالي من تعزيز الصين لمشترياتها من الذهب. وتعزز الصين تلك الاحتياطات لرغبتها بشكل خاص في تقليل اعتمادها على الاحتياطيات المقومة بالدولار؛ نظراً إلى زيادة التوتر مع الولايات المتحدة؛ حيث إن الاحتفاظ بكامل احتياطيات النقد الأجنبي بالدولار الأمريكي يمكن أن يجعل الدولة عرضة لضغوط الولايات المتحدة. وبوجه عام، يعني توسع الصين، وغيرها من الدول، في تعزيز احتياطياتها من الذهب تراجع الثقة بالدولار الأمريكي، وهو أمر قد يساهم في إضعاف النفوذ الاقتصادي الأمريكي على الساحة العالمية.

3– تسبب ارتفاع أسعار الذهب في حالة عدم اليقين الاقتصادي: وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي المستمرة، بما في ذلك المخاوف بشأن التضخم، وانخفاض قيمة العملة، واستدامة جهود التعافي الاقتصادي، برز الذهب باعتباره أصلاً مفضلاً للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار والحفاظ على الثروة. ويعكس الارتفاع الكبير في أسعار الذهب المخاوف المتزايدة بشأن التوقعات الطويلة الأجل للاقتصاد العالمي والتداعيات المحتملة للسياسات النقدية والمالية على الأسواق المالية.

وفي وسط ارتفاع أسعار الذهب، على الرغم من أن الذهب كان بمنزلة تحوط تاريخياً ضد التضخم وعدم اليقين الجيوسياسي، أصبح الخبراء ينصحون المستثمرين بضرورة تقييم دوره في المحفظة الاستثمارية المتنوعة بعناية؛ فقد يختلف أداء الذهب على المدى الطويل مقارنةً بفئات الأصول الأخرى، ويجب على المستثمرين توخي الحذر عند تخصيص رأس المال للمعادن الثمينة.

4– تسارع تحرك البنوك المركزية المختلفة لتعزيز مخزونات الذهب: ينظر المستثمرون إلى الذهب على أنه ملاذ آمن في أوقات الاضطرابات وتحوط ضد انخفاض قيمة العملة؛ لذلك ساعدت تعزيز الصين لمخزوناتها من الذهب والصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا على ارتفاع الأسعار مؤخراً؛ ما أدى إلى سعي البنوك المركزية الأخرى، لا سيما في الأسواق الناشئة، التي تواجه عملتها تحديات واسعة، إلى زيادة حيازاتها من الذهب.

5– تصاعد وتيرة الصراع في أفريقيا: أدى الارتفاع الكبير في سعر الذهب إلى تجدد الاهتمام بمعضلة الصراع على الذهب، لا سيما في الدول الأفريقية؛ نظراً إلى استحواذها على 25% من إجمالي الإنتاج العالمي من الذهب. وقد أدت الأزمات الاقتصادية أيضاً التي شهدتها دول العالم خلال السنوات الأخيرة إلى ترسيخ معدن الذهب باعتباره الملاذ الآمن للاستثمارات؛ الأمر الذي أدى إلى تحول مناجم الذهب إلى ساحات للصراعات الداخلية والتنافس الدولي. في هذا الصدد، شكلت المعادن في أفريقيا، بما فيها الذهب، محفزاً جوهرياً لتزايد الصراع والتنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا، وهو التنافس الذي حاول الاستفادة من هشاشة الحكومات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتفاقم المشكلات الأمنية والمجتمعية.

وختاماً، يظل الذهب المستفيد الأكبر في هذا السياق، مع زيادة الطلب عليه، سواء من قبل البنوك المركزية أو المؤسسات والأفراد، باعتباره مخزن قيمة ووسيلة تحوط وملاذ آمن تقليدي في فترات الاضطرابات الاقتصادية وحالة اللايقين التي تفرض نفسها. وبطبيعة الحال تمثل الصين محركاً رئيسياً في التوجه العالمي الراهن نحو التوسع في احتياطيات الذهب، وهو أمر سيكون له تأثيرات جوهرية، على المدى الطويل، على بنية النظام الدولي، وهيمنة الولايات المتحدة على هذا النظام.

بقلم سنية عبدالقادر نايل – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14307

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *