دوافع الصراع بين الدول
بقلم Baraa Hamdan

لا يخرج الصراع الدولي منذ فجر التاريخ وحتى قيام الساعة عن أحد دافعين: إما حب السيادة والفخر، وإما الركض وراء المنافع المادية. وحب السيادة: إما حب سيادة الأمة والشعب كما كان الحال مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، وإما حب سيادة المبدأ ونشره كما كان الحال مع الدولة الإسلامية طوال ما يقارب الألف وثلاثمائة عام، وكما كان الحال مع الدولة الشيوعية خلال ثلاثين سنةً من عمرها، قبل أن تنهار في أوائل تسعينات القرن الماضي، بعد سبعين سنةً من إنشائها.
أما دافع الحد من نمو قوة دولة أخرى، كما حصل مع الدول ضد نابليون، وكما حصل مع الدول ضد الدولة الإسلامية، وكما حصل مع الدول ضد ألمانيا النازية، فإنه يدخل في حب السيادة؛ لأنه وقوف في وجه سيادة الغير.
وبزوال الدولة الإسلامية، وزوال الدولة السوفياتية، صار الدافع الذي يسيطر على العالم كله، هو الركض وراء المنافع المادية، وسيظل كذلك حتى تعود الدولة الإسلامية إلى الوجود كدولة كبرى تؤثر في الصراع الدولي، ويعود معها دافع حب السيادة للمبدأ ونشره.
وأخطر دوافع الصراع بين الدول هو دافع الاستعمار بجميع أشكاله، فإنه هو الذي سبَّبَ الحروب الصغيرة، وهو الذي سبَّبَ الحربين العالميتين، وهو الذي سبَّب حروب الخليج، وحروب أفريقيا، وهو الذي سبب حرب أفغانستان والعراق، وهو الذي ما زال يُسبِّب القلاقل والأزمات في العالم.
والتنافس والتشاحن والتصارع الموجود اليوم، بين أميركا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، الظاهر منها والخفي، حول قضايا العراق، وأفغانستان، والشرق الأوسط، وغيرها من القضايا الدولية، إنما هو من أجل الاستعمار، ومن أجل السيطرة على المنافع والموارد؛ لذلك فإن الاستعمار هو الذي يتحكم في الصراع الدولي الآن، بما يتضمنه من نـزاع على الموارد، وصراع على النفوذ، وتنافس على السيطرة بكافة أشكالها وأنواعها.
والحقيقة أن الركض وراء المنافع المادية، وخاصة النهم الاستعماري، هو الذي أوجد الصراع السياسي بين الدول الكبرى، وأدّى هذا الصراع بالفعل إلى نشوب حروب محلية وحروب عالمية. ومن أجل تلافي هذه الحروب ابتُدِع ما يسمى بالسلام والسلم العالمي، ووجدت حجة المحافظة على الأمن والسلام.
وحجة المحافظة على الأمن ليست جديدة في العالم، بل هي حجة قديمة، وجدت منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، فإن المعاهدة المسماة معاهدة إكس لاشابل، المعقودة سنة 1818م بين الدول الخمس الكبرى حينئذ، إنما وجدت بحجة المحافظة على الأمن، فبواسطة هذه المعاهدة، أو هذا التحالف، جَعلت الدول الخمس الكبرى من نفسها الحامية للأمن والنظام في الجماعة الدولية، وتدخلت في شؤون غيرها من الدول، كلما لاح لها، حسب زعمها، أن هناك تهديداً للسلام أو النظام. وهذه الحجة، حجة المحافظة على السلام والنظام في الجماعة الدولية، اتُخذت بعد ذلك ذريعةً لتدخل الدول الكبرى، وذريعةً للحـرب، وصـارت شـعـاراً دولياً، يُتخـذ أداة للمحـافظـة على الاسـتعمار، وعلى النفوذ.
وقد كان هذا السلام يُحفظ -على حدِّ زعمهم- عن طريق التحالف بين الدول الكبرى، أو عن طريق مؤتمرات دولية. وبعد الحرب العالمية الأولى صار يُحفظ عن طريق منظمات دولية، فقد أُدمج في معاهدات الصلح سنة 1919م النصّ على إنشاء منظمة دولية للمحافظة على السلام، هي عصبة الأمم، وكان المفروض أن تقوم هذه المنظمة بحفظ السلام. ولكن الدول التي أقامتها قد أخلَّت بتعهداتها، وخالفت الغاية من إقامتها، فقد كان المفروض أن تتنازل هذه الدول عن سيادتها، وأن تتولى المنظمة نفسُها المحافظةَ على السلام ومنع الحروب، ولكن الدول الكبرى لم تتنازل عن مستعمراتها، ولم يتغير وضعها، بل جعلت همّها تحقيق التوازن بين القوى المختلفة، وحماية مصالحها، وزادت على ذلك أن اقتسمت ممالك ألمانيا والدولة العثمانية بينها، وأخذت إنجلترا منها حصة الأسد، وأدّى ذلك إلى الإخلال بالسلام الذي أُنشئت المنظمة من أجله، وإلى وقوع حروب عدة، انتهت بالحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب العالمية الثانية تكررت محاولة إقامة منظمة عالمية لحفظ السلام والأمن الدوليين، فقد تباحثت الدول الكبرى: إنجلترا، وأميركا، والاتحاد السوفياتي، وأشركوا معهم فرنسا فيما بعد، تباحثوا في وجوب إنشاء عالم ما بعد الحرب، على نحو جديد يكفل استقرار السلام ومنع الحرب، وأضافوا إلى ذلك تسهيل التعاون الاقتصادي، بين الأنظمة المختلفة والمتباينة، وحماية حقوق الإنسان. ومن يومئذ صارت هيئة الأمم المتحدة هي الحامية للسلام، وظلت كلمة السلام، والسلام العالمي، شعاراً دولياً يردده الجميع، ويُتخذ حجة من قبل الدول الكبرى للمحافظة على السلام، وللحيلولة بين الدول الأخرى وبين التحرير، والانعتاق من ربقة الاستعمار. وهكذا تطورت فكرة المحافظة على السلام حتى استقرت على ما هي عليه الآن.
وقضية المحافظة على السلام في منظمة دولية أوجدت خرافة نـزع التسلح، فحاولت عصبة الأمم السير بموضوع نـزع التسلح، واتخذته إنجلترا وسيلةً من أجل إضعاف فرنسا، وشجّعت ألمانيا على التسلح من أجل إيجاد توازن في أوروبا بين ألمانيا وفرنسا، فأخفق موضوع نـزع التسلح، وكانت الحرب العالمية الثانية.
ولما جاءت هيئة الأمم المتحدة سارت كذلك في موضوع نـزع السلاح، إلا أنه حتى الآن لم تستطع أي دولة كبرى أن تخدع دولة أخرى كما فعلت إنجلترا بفرنسا في عصبة الأمم، وأيضاً لم تستطع هيئة الأمم أن توجد له أثراً؛ ولذلك لا يكاد الناس يحسون بوجوده، ولا يزال اسماً لا مسمىً له.
والصراع بين الدول الكبرى مع بعضها قد أوجد ما يسمى بالمؤتمرات الدولية، وكذلك ما يسمى بالأحلاف. أما المؤتمرات، فأول مؤتمر عُقد في هذا الشأن هو مؤتمر فينّا، الذي عقد سنة 1815م. ثم قبل الحرب العالمية الأولى، عقدت عدة مؤتمرات، منها مؤتمر برلين، الذي عقد للاتفاق على إنهاء وجود الدولة الإسلامية واقتسام ممالكها. وبعد الحرب العالمية الثانية عقدت عدة مؤتمرات، منها مؤتمر برلين، ومؤتمر جنيف وباريس. ولكن بعد اتفاق أميركا وروسيا (الاتحاد السوفياتي)، وتشكيلهما قوة عالمية، لم تعقد أية مؤتمرات، اللهمّ إلا في العام 1969م، حيث عَقد مندوبو الدول الكبرى: فرنسا، وإنجلترا، وروسيا (الاتحاد السوفياتي)، وأميركا، مؤتمراً ضمن أعمال هيئة الأمم؛ للنظر فيما يسمى بأزمة الشرق الأوسط. ولكن عقده من رؤساء هذه الدول لا يسمى مؤتمراً؛ لأنه محصور ضمن منظمة هيئة الأمم.
وقد كانت المؤتمرات تعقد بعد الحرب العالمية الثانية، من أجل بحث المشاكل الموجودة بين المعسكرين الشرقي والغربي؛ لأن المعسكر الشرقي ضعيف في هيئة الأمم؛ ولذلك حاولت روسيا (الاتحاد السوفياتي) أن تأخذ زمام المبادرة من المعسكر الغربي، وتعمل لزحزحة أميركا عن مركز الدولة الأولى، فأخذت تحاول نقل المشاكل من هيئة الأمم، ونجحت في مؤتمر برلين بتوسيع شقّة الخلاف بين بريطانيا وفرنسا وبين أميركا، وفي أخذ قرار بعقد مؤتمر جنيف، ونجحت في مؤتمر جنيف. فكان عقد المؤتمرات إضعافاً لأميركا وتقوية لروسيا (الاتحاد السوفياتي). وقد حاولت إنجلترا عقد مؤتمرات بينها وبين أميركا لحل مشاكلها خارج هيئة الأمم، فعُقد مؤتمر برمودا، ولكنها لم تنجح فيه. ثم لم تعقد أية مؤتمرات بين دول المعسكر الغربي، واقتُصِر على اجتماعات تقليدية بين أميركا وإنجلترا. وقد أدركت أميركا أن عقد المؤتمرات خارج هيئة الأمم المتحدة يضعف موقفها، ويؤدي إلى إضعاف مركزها دولياً؛ ولذلك صارت لا توافق على عقد مؤتمرات خارج هيئة الأمم، لاسيما بعد أن قام الاتفاق، بل التحالف، بينها وبين روسيا (الاتحاد السوفياتي) بعد اجتماع فينّا سنة 1961م.
أما الأحلاف بين الدول، فإنها قديمة جداً، وتقوم بها الدول لتقوية نفسها تجاه قوة أخرى، أو لمنع بعضها البعض من الإخلال بالتوازن بينها. فمعاهدة إكس لاشابل المعقودة سنة 1815م هي عبارة عن تحالف. والأحلاف التي كانت تقوم بين إنجلترا وفرنسا وبين النمسا وألمانيا هي تحالف للتقوية ولحفظ التوازن. ثم الحلف الذي قام بين فرنسا وإنجلترا ضد ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، والتحالف بين أميركا وإنجلترا وفرنسا والاتحاد السوفياتي ضد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، هو تحالف ضد دولة كبرى، وحلف الأطلسي الذي عُقد بعد الحرب العالمية الثانية ضد روسيا (الاتحاد السوفياتي)، وحلف وارسو الذي عُقد بعد الحرب العالمية الثانية ضد المعسكر الغربي، كلها أحلاف عقدت ضد قوة أخرى، فتكون الأحلاف مثلَ المؤتمرات الدولية وسيلةً من وسائل التقوية ضد قوة أخرى، أو من أجل حفظ التوازن، وهذه هي الأحلاف التي تعتبر أداة من أدوات الصراع الدولي.
وهناك أحلاف أو معاهدات تعقدها الدول الكبرى بين الدول الصغرى، أو بينها وبين الدول الصغرى، فهذه الأحلاف لا تعتبر أداة من أدوات الصراع الدولي المباشر، بل تعتبر وسائل استعمارية، أو وسائل لتقوية الدولة الكبرى التي تتولى إيجادها، فالحلف الذي عقد بين العراق وتركيا، والاتفاق قبل الحرب العالمية الثانية المسمى بحلف سعد آباد، تولت إنجلترا عقده؛ من أجل تركيز نفوذها في تلك البلاد، ومن أجل ترجيح كفتها الدولية أمام الدول الكبرى الأخرى، مثل فرنسا والاتحاد السوفياتي، والمعاهدات التي عقدتها إنجلترا بينها وبين العراق، وبينها وبين مصر، قبل الحرب العالمية الثانية هي وسائل لتثبيت استعمارها، وليست من أجل الحرب. والأحلاف التي عقدتها إنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية كحلف بغداد، أو عقدتها أميركا كحلف جنوب شرقي آسيا، أو جعل أميركا الكويت، وباكستان، ومصر، والمغرب، والأرجنتين، وكوريا الجنوبية، والبحرين، وأستراليا، ونيوزلندا، والفلبين، وتايلاند، بالإضافة إلى (إسرائيل)، ما يسمى بالحلفاء الاستراتيجيين خارج حلف الأطلسي هي وسائل استعمارية، ولتثبيت النفوذ، وليست هي أحلافاً للحرب، وكذلك لا تعتبر مثل هذه الأحلاف من أدوات الصراع الدولي المباشر، بل تلك الأدوات هي فقط الأحلاف التي تعقد بين الدول الكبرى بعضها مع بعض.
وكان من المفترض أن ينتهي دور حلف الأطلسي بانهيار الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي، لكن أميركا أبقت على الحلف، بل سعت إلى توسيعه، وقامت بذلك بالفعل، فضمت الكثير من دول أوروبا الشرقية إليه، وتسعى إلى ضم دول أخرى أيضاً، وذلك راجع إلى تغير الغاية من الحلف، إذ إنه لم يعد موجهاً ضد المعسكر الشرقي، بل أصبح موجهاً ضد دول المعسكر الغربي الأعضاء فيه، ذلك أن أميركا لمست محاولة الأوروبيين التملص من قبضتها، فأبقت على الحلف لتبقيهم تحت وصايتها، لاسيما وأنها المهيمنة على حلف الأطلسي، ولتبقي أمنهم ودفاعاتهم مرتبطة بها.
وفي هذه الأيام تعتبر الدول التي اشتركت مع أميركا في حرب الخليج الثانية، وفي احتلال العراق، والتي سميت بدول التحالف، تعتبر نموذجاً للأحلاف التي يراد منها تقوية النفوذ الأميركي في المنطقة، وتقوية اتجاه التفرد لدى الإدارة الأميركية، وهي وسيلة من وسائل الاستعمار الأميركي الحديث.
هذه هي الأسس التي تقوم عليها السياسة الدولية بوجه عام، والتي تقوم عليها السياسة لدى كل دولة من الدول التي تؤثر في السياسة الدولية، وعلى ضوء هذه الأسس يمكن فهم الأعمال السياسية التي تقع في العالم، ويمكن تفسير الأعمال تفسيراً يتفق مع الحقيقة ويطابق الواقع، أو يكون قريباً من ذلك. فالأعمال السياسية التي تقوم بها دولة، سواء أكانت دولة كبرى أم صغرى، لا يمكن فهمها إلا على هذه الأسس، أو ما يتفرع عنها، أو يتصل بها، فيُعرف العمل ما هو، وأين يقع، وما هي ملابساته، ويُربط بأساس من الأسس السابقة، وحينئذ يُدرك ما هو، وتُدرك دوافعه، وحتى يمكن أن تُدرك نتائجه.
كتاب مفاهيم سياسية