كان الرأي السائد في الأمم المتحدة عند إنشائها هو أن مجرد مناقشة قانون الحرب بين جدرانها سوف يهز ثقة العالم في مدى قدرتها على حفظ السلم. ولذلك قررت لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة في دورتها الأولى المنعقدة في عام 1949، ألا تدرج قانون الحرب بين الموضوعات التي سوف تتناولها.[1]

ولم تمضي سنوات قليلة حتى تفشت المعاناة الناجمة عن الحروب في عالمنا المعاصر. وتغير الموقف تغيراً جذرياً منذ إنعقاد المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في طهران عام 1968، فقد أصدر المؤتمر قراراً بعنوان “احترام حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة”، وأدى هذا القرار إلى بداية نشاط الأمم المتحدة بشأن القانون الدولي الإنساني، الأمر الذي تشهد عليه التقارير السنوية للأمين العام، وكذلك القرارات الصادرة عن الجمعية العامة. وتتابعت جهود الأمم المتحدة من أجل حماية المدنيين، خاصة النساء والأطفال، من الجرائم التي ترتكب في حقهم في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة. ولإظهار دور الأمم المتحدة، وأهمية وجود نظام جنائي دولي لأجل حماية الأطفال من ويلات الحروب ومن التجاوزات التي تحدث في حقهم في النزاعات المسلحة. سوف نقسم هذا الفصل إلى المبحثين التاليين:

المطلب الأول: دور الأمم المتحدة في الحد من تأثير النزاعات المسلحة على الأطفال.

المطلب الثاني: المسؤولية الدولية الفردية عن انتهاكات حقوق الطفل في النزاعات المسلحة.

المطلب الأول :دور الأمم المتحدة في الحد من تأثير النزاعات المسلحة على الأطفال.

لمجلس الأمن صلاحيات واسعة معطاه من ميثاق الأمم المتحدة في مجال المحافظة على السلم والأمن الدوليين،[2] لكن انتشار النزاعات المسلحة حول العالم وما صاحبها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قد أصاب السلام والأمن الدوليين في مقتل. وعندما يعجز مجلس الأمن عن منع الحرب،[3] وليس ببعيد ما حدث عند شن الحرب الأنجلو- أمريكية على العراق، والحرب الاسرائيلية على لبنان وغزة، فليس أمام المنظمة الدولية سوى التمسك بحماية المدنيين من ويلات الحرب. عن طريق ما تصدره الجمعية العامة من قرارات وتوصيات، أو إستخدام مجلس الأمن لصلاحياته الأخرى المتمثلة في إرسال قوات للمراقبة وحفظ السلام والإشراف على مفاوضات السلام.[4]

ولا بد عند النظر في هذه المسائل أن يكون الأطفال في بؤرة اهتمام الأمم المتحدة. وهو ما تقوم به الأمم المتحدة في الفترة الأخيرة، حيث تزايد إهتمام المنظمة الدولية بالحد من تأثير النزاعات المسلحة على الأطفال. وهو ما سيتضح لنا من خلال استعراض بعض ممارسات الجمعية العامة، وما يقوم به مجلس الأمن في مجال حماية الأطفال في النزاعات المسلحة. وذلك في الفرعين التاليين:

الفرع الأول:دورالجمعية العامة.

تعدّ الجمعية العامة هي الجهاز الوحيد من أجهزة الأمم المتحدة التي تشترك في عضويته الدول أعضاء المنظمة جميعها، ولهذا فإنها تتمتع بأهمية كبيرة، كما ترجع الأهمية كذلك إلى ما تتمتع به الجمعية العامة من إختصاص عام شامل يحيط بكل ما يدخل في دائرة نشاط الأمم من أمور.[5]

وفي إطار حقوق الإنسان،[6] تنص المادة 13 من الميثاق على أن تنشىء الجمعية العامة دراسات وتشير بتوصيات من أجل: “الإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة بلا تمييز بينهم في الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء”.

وتجدر الإشارة أن الجمعية العامة تعدّ أكثر أجهزة الأمم المتحدة التي تتبنى المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.[7]

وفيما يخص هذه الدراسة فقد تبنت الجمعية العامة بعض الإعلانات وأصدرت العديد من القرارات بهدف حماية الأطفال في النزاعات المسلحة، وتدعيم الإلتزام بمبادئ القانون الدولي الإنساني. وسوف نشير لبعض من هذه الممارسات فيما يلي:

أولاً: الإعلان الخاص بحماية الأطفال والنساء في حالات الطوارىء والنزاعات المسلحة 1974.

قامت الأمم المتحدة بإجراء دراسة شاملة لمسألة حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة. بناءاً على توصيات المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي عقد في طهران عام 1968، وارتباطاً بهذه الدراسة طلب المجلس الإقتصادي والإجتماعي في عام 1970 من الجمعية العامة النظر في إمكانية صياغة إعلان حول حماية المرأة والطفل في حالة الطوارىء أو في زمن الحرب. وقد قامت الجمعية العامة بناءاً على مسودة أعدتها اللجنة الخاصة بوضع المرأة والمجلس الإقتصادي والإجتماعي، بإقرار الإعلان العالمي لحماية المرأة والطفل في حالة الطوارىء وأثناء النزاع المسلح، وذلك في 14 ديسمبر سنة 1974.[8]

وقد طلب الإعلان من الدول الأعضاء أن تراعي صراحة المعايير والمبادىء الآتية:

  1. حظر الهجمات وعمليات القصف بالقنابل ضد السكان المدنيين، التي يعاني منها أكثر من غيرهم الأطفال والنساء، ويتعين شجب مثل هذه الأعمال.
  2. إن استخدام الأسلحة الكيماوية والبكترولوجية أثناء النزاع المسلح يمثل إنتهاكاً صارخاً لبروتوكول جنيف لسنة 1925 واتفاقيات جنيف لعام 1949، ولمبادىء القانون الدولي الإنساني، ويصيب المدنيين وعلى الأخص النساء والأطفال العزل بخسائر وأضرار فادحة، ويجب استنكار ذلك بشدة.
  3. على جميع الدول أن تقدم ضمانات لحماية الأطفال والنساء أثناء النزاعات المسلحة، وذلك وفاءاً لإلتزاماتها التي إلتزمت بها في بروتوكول جنيف لعام 1925 وإتفاقيات جنيف لسنة 1949، ومواثيق القانون الدولي الأخرى الخاصة باحترام حقوق الإنسان أثناء النزاعات المسلحة.
  4. يجب على الدول المشتركة في النزاعات المسلحة والعمليات العسكرية في الأراضي التي لا تزال خاضعة للسيطرة الإستعمارية أن تبذل كا ما يمكنها من جهد من أجل تجنيب الأطفال والنساء لآثار الحرب المدمرة، كما يجب على هذه الدول إتخاذ كافة الخطوات الضرورية لضمان حظر التدابير التي من شأنها الإضطهاد والتعذيب والإجراءات العقابية والمعاملة التي تحط من شأن الإنسان والعنف، وعلى الأخص ضد النساء والأطفال.[9]
  5. تعتبر أعمالاُ إجرامية جميع أشكال القمع والمعاملة القاسية واللاإنسانية للنساء والأطفال، بما في ذلك الحبس والتعذيب والإعدام رمياً بالرصاص، والإعتقال بالجملة والعقاب الجماعي، وتدمير المساكن والطرد قسراً، التي يرتكبها المتحاربون أثناء العمليات العسكرية أو في الأقاليم المحتلة.
  6. لا يجوز حرمان النساء والأطفال الذين يجدون أنفسهم في حالات الطوارىء والمنازعات المسلحة أو الذين يعيشون في أقاليم محتلة من المأوى أو الغذاء أو المعونة الطبية، أو غير ذلك من الحقوق الثابتة للأطفال وفقا لأحكام القانون الدولي.

ثانياً: الممثل الخاص المعني بتأثير النزاع المسلح على الأطفال.

بسبب اهتمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بمحنة الأطفال في النزاعات المسلحة، أسند الأمين العام في عام 1993 إلى السيدة “جراسا ماشيل Graca Machel” وزيرة التربية التعليم السابقة في (موزامبيق)، مهمة القيام بأول تقييم شامل للطرق المتعددة التي يعاني منها الأطفال في النزاعات المسلحة.[10] وبعد أن قامت السيدة ماشيل بدراستها المثيرة للإعجاب وقدمت تقريراً عنها، أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم 51/77 الصادر في 12 ديسمبر 1996،[11] بتعيين ممثل خاص يعنى بتأثير النزاع المسلح على الأطفال. وتنفيذاً لقرار الجمعية العامة قام الأمين العام بتعيين ” أولارا أوتونو Olara Otunnu” في عام 1997، نصيراً قوياً وصوتاً أخلاقياً بالنيابة عن الأطفال الذين يتم إحتجازهم في فوضى الحرب.[12]

ويقع على عاتق الممثل الخاص للأمين العام القيام بالمهام التي من شأنها توضيح آثار النزاعات المسلحة على الأطفال، وله في سبيل ذلك دراسة وتقييم التقدم المحرز والخطوات المتخذة والمصاعب التي جرت مواجهتها لتعزيز حماية الأطفال في النزاعات المسلحة، وزيادة الوعي وتشجيع جمع المعلومات بشأن محنة الأطفال المتأثرين بالنزاع المسلح، وتعزيز التعاون الدولي لضمان إحترام حقوق الأطفال منذ بداية الصراع وحتى نهايته.[13]

وتدعيماً للممثل الخاص في القيام بمهمته دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة جميع الحكومات والوكالات المتخصصة وهيئات الأمم المتحدة ذات الصلة إلى التعاون مع الممثل الخاص والإسهام في أعماله، بما فيها تقريره السنوي. كما توصي الأمين العام بأن يكفل الدعم اللازم للممثل الخاص كي يؤدي ولايته على نحو فعّال، وتشجيع صندوق الأمم المتحدة للطفولة، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على توفير الدعم للممثل الخاص، وتطلب إلى الدول وسائر المؤسسات أن تقدم التبرعات لهذا الغرض.

وفي قراره رقم 1379 (2001) أعرب مجلس الأمن عن دعمه الكامل للعمل الذي يقوم به الممثل الخاص المعني بالأطفال في النزاعات المسلحة، وطالب جميع أطراف النزاع بالوفاء بالإلتزامات التي تعهدت بها للممثل الخاص فيما يتعلق بحماية الأطفال في حالات الصراع المسلح، وفي تقريره السنوي أشار الممثل الخاص بأن وضع الأطفال في النزاعات المسلحة سيظل خطيراً إذا لم تتقيد جميع أطراف الصراع بتعهداتها وتمتثل لإلتزاماتها الدولية.[14]

يرى الباحث أن تعيين الجمعية العامة لممثل خاص بشأن تأثير النزاع المسلح على الأطفال يعتبر خطوة هامة سوف تمكنها من التعرف على أوضاع الأطفال المتأثرين بالنزاع المسلح، لمساعدتهم، ومخاطبة أطراف النزاع بالعمل على مراعاة القواعد التي تجنب الأطفال آثار الحرب.

هذا ولم تقتصر جهود الجمعية العامة في حماية الأطفال من عواقب الحرب على ذلك بل تبنت البروتوكول الاختياري لإتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وذلك في عام 2000، كما عقدت دورة استثنائية خاصة بالطفل في شهر مايو عام 2002، ناقشت خلالها جميع قضايا الطفولة، وأعطت أهمية خاصة لمسألة تأثير النزاعات المسلحة على الأطفال.[15] وتواصل الجمعية العامة متابعتها الدائبة لأوضاع الأطفال في النزاعات المسلحة، وتولي أهمية خاصة لهذا المسألة في جميع القرارات والتوصيات الصادرة عنها.

الفرع الثاني: دور مجلس الأمن.

بالنظر إلى طريقة تشكيل مجلس الأمن، ونظام التصويت فيه، هذا إلى جانب الإختصاصات الهامة والفاعلة التي يملكها والتي لم يتم منحها لأي جهاز من الأجهزة الأخرى للمنظمة الدولية، تتضح أهمية بالغة له بين مختلف أجهزة الأمم المتحدة،[16] حيث يعدّ مجلس الأمن صاحب المسؤولية الرئيسة فيما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدولي.[17]

وهذا بدوره يقود المجلس حتماً – في أحوال معينة- إلى التصدي لبعض مسائل حقوق الإنسان،[18] وهو ما فعله المجلس فعلاً: ففي قراره رقم 237 (1967) أشار المجلس إلى أن حقوق الإنسان وغير القابل التنازل عنها يجب احترامها حتى أثناء الحروب،[19] وفي قراره رقم941 (1994)، أكد مجلس الأمن أن التطهير العرقي يعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني.[20]

أولاً: قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بحماية الأطفال.

جرّاء الإنتهاكات المتعددة لحقوق الأطفال بسبب الحروب والنزاعات المسلحة، وضعت قضية الأطفال في جدول أعمال ومناقشات المجلس، وصدرت عن مجلس الأمن في بعض القرارات التي تتعلق بالحد من تأثير النزاعات المسلحة على الأطفال، وحمايتهم أثناء النزاع المسلح وبعده.

ويعد قرار مجلس الأمن رقم 1261 (1999) أول قرار يعترف بالتأثير العام والسلبي للصراعات المسلحة على الأطفال، وما يترتب على ذلك من آثار طويلة الأجل على السلام والأمن والتنمية المستدامة. ويحث مجلس الأمن في هذا القرار جميع أطراف النزاع على التقيد بالإلتزامات المحددة المعقودة لكفالة حماية الأطفال في حالات النزاع المسلح، وعلى الأخص، وقف اطلاق النار إنسانياً لأغراض التطعيم وتوزيع مواد الإغاثة، وبعدم مهاجمة المدارس والمستشفيات وعدم إستخدام الألغام الأرضية، وعدم تجنيد الأطفال أو استخدامهم كجنود.

كما أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1314 (2000) وبموجب هذا القرار يدعو المجلس الدول لوضع حد للإتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة وبالأسلحة الخفيفة وغيرها من الأنشطة الإجرامية التي يمكن أن تطيل المنازعات أو تزيد من حدة تأثيرها على السكان المدنيين، بمن فيهم الأطفال.[21]

وإستناداً إلى مسؤوليته الرئيسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، تواصلت جهود مجلس الأمن وأعلن إلتزامه بالحد من تأثير الصراعات المسلحة على الأطفال. ففي قراره رقم 1379 (2001)، وأكد المجلس على ضرورة إمتثال جميع الأطراف المعنية لأحكام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، لا سيما ما يتصل منها بالأطفال. مع إلتزامه بأن ينظر حسب الإقتضاء عند فرض تدابير بموجب المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة في الآثار الإقتصادية والإجتماعية التي يمكن أن تحدثها العقوبات على الأطفال، وذلك بغية وضع الإستثناءات الإنسانية المناسبة التي تراعي احتياجاتهم الخاصة.[22]

ويطالب القرار 1379 جميع الأطراف في النزاعات المسلحة بضرورة الإلتزام بما يلي:

  • أن تحترم بالكامل أحكام القانون الدولي المتصلة بحقوق الأطفال وحمايتهم في النزاعات المسلحة، لا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949، والإلتزامات التي تنص عليها بموجب بروتوكولات عام 1977 الإضافية، وإتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989.
  • أن توفر الحماية والمساعدة للاجئين والمشردين الذين غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقاً للمعايير والنظم الدولية المطبقة.
  • أن تتخذ تدابير خاصة لتعزيز وحماية الحقوق والإحتياجات الخاصة للفتيات المتأثرات بالنزعات المسلحة، وأن تضع حد لجميع أشكال العنف والإستغلال بما في ذلك العنف الجنسي، لا سيما الإغتصاب.
  • أن تفي بالإلتزامات التي تعهدت بها للممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة، وكذلك لهئيات الأمم المتحدة ذات الصلة، فيما يتعلق بحماية الأطفال في حالات النزاع المسلح.
  • أن تكفل الأطفال في اتفاقيات السلام، بما ذلك عند الإقتضاء، عن طريق أحكام تتصل بنزع سلاح الأطفال الجنود وتسريحهم وإعادة إدماجهم وإعادتهم إلى أسرهم، وأخذ آراء الأطفال في تلك العمليات في الإعتبار إن أمكن.[23]

كما يحث مجلس الأمن في هذا القرار الدول الأعضاء على وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب، وأن تحاكم المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وغيرها من الجرائم الفظيعة المرتكبة في حق الأطفال. والقيام كلما أمكن، بإستثناء هذه الجرائم من أحكام العفو العام والقوانين المتصلة بذلك، وكفالة معالجة عمليات تقصي الحقائق والمصالحة بعد النزاع لأشكال الأذى الشديد الذي تعرض له الأطفال.[24]

يعتقد الباحث ومن خلال القرارات السابقة أن مجلس الأمن أعلن إلتزامه بحماية الأطفال من عواقب وأضرار الحرب، ولقرارات مجلس الأمن أهمية بالغة على الصعيد الدولي، لذلك نجد أن الدول قد ترغب أو تتحاشى، بحسب الحالة، صدور قرار من مجلس الأمن، نظراً لتأثيره على الرأي العام ولإستجابة الأجهزة الأخرى في المنظمة الدولية بمتابعة تنفيذه، هذا فضلاً على أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على أنه: “يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق”،[25] وأن تتقدم بتقارير بشأنها إلى المجلس، ويذكر في هذا الخصوص تقرير الأمين العام بعنوان “الأطفال والصراع المسلح” والذي تقدم إلى المجلس عملاً بالفقرة 20 من قرار مجلس الأمن 1261 (1999).

من الملاحظ ومن خلال متابعة قرارات مجلس الأمن والتقارير المقدمة بخصوصها فيما يتعلق بالأطفال. يتضح أن هناك علامات بارزة وخطوات إيجابية بدأ اتخاذها بصورة ملموسة لحماية الأطفال المتأثرين بالنزاع المسلح، سواء في غمار النزاع المسلح أم بعد انتهائه. ولعل المهم في ذلك هو القيام بإدماج حماية الأطفال في عمليات حفظ السلام، وفي مفاوضات السلام.

ثانياً: إدماج حماية الأطفال في عمليات حفظ السلام.

يعتبر من الملامح الحديثة في إطار نظام الأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان، لجوء المنظمة إلى استخدام قوات حفظ السلام لحماية تلك الحقوق.[26]

ويعد هذا دوراً جديداً لهذه القوات، يختلف كليةً عن وظائفها التقليدية التي مارستها سابقاً، إذ بعد أن كانت هذه الأخيرة تشمل مراقبة وقف إطلاق النار، أو الفصل بين القوات، أو مراقبة الهدنة. أًصبحت تلك القوات تلعب دوراً أساسياً في مناطق النزاعات، كما حدث في البوسنة والهرسك، ورواندا، خصوصاً الحق في المساعدة الإنسانية.[27]ولا تزال قوات حفظ السلام، بلا استثناء، تضم عناصر عسكرية، إلا أن لعناصرها المدنية في كثير من الأحيان دوراً أهم، ويصدق ذلك بصفة خاصة عندما تكون المهمة تنفيذ تسويات شاملة ومعقدة. وإشتراك هذه التشكلية من الموظفين المدنيين إلى جانب زملائهم العسكريين، يخلق الحاجة إلى تنسيق محكم لكافة الجوانب العملية، ونتيجة لذلك أصبح من العادي أن تناط الإدارة العامة لعملية حفظ السلام بموظف مدني كبير بوصفة ممثلاً خاصا للأمين العام، ويكون هو المسؤول الأول عن العملية ويرأس كل من قائد القوة ومفوض الشرطة ومدير الإنتخابات.[28]

وبقصد ضمان تنفيذ البعد الإنساني المتعلق بحماية الأطفال في أولويات عمليات حفظ السلام، أيد مجلس الأمن إقتراحاً، بأن يتم التعبير عن حماية الأطفال ورعايتهم كواحد من الشواغل ذات الأولوية في أولويات حفظ السلام، وأدمج المجلس هدف حماية الأطفال في ولاية البعثة في سيراليون وذلك بقراره 1260 (1999) وولاية البعثة في جمهورية الكنغو الديقراطية بقراره 1279 (1999). كما أيد مجلس الأمن اقتراحاً يقضي بإيفاد موظفين مدنيين من ذوي الخبرة في حماية الأطفال في عمليات حفظ السلام، كما جاء تقرير الممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال والصراع المسلح (A/60/335)(2005) ليحدد العناصر الرئيسة لحملة “حقبة التطبيق” من أجل إنفاذ ما هو قائم من القواعد والمعايير الدولية لحماية الطفولة.

وبناءاً على ذلك فقد قامت إدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة بوضع مهام وصلاحيات هؤلاء الموظفين،[29] وأسندت إلى مستشاري حماية الأطفال مهمة تقديم المساعدة إلى مكتب الممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال في النزاعات المسلحة، وكذلك لرئيس بعثة السلام. مع الإضطلاع ببعض المهام الأخرى يذكر منها ما يلي:

– ضمان إعطاء الأولوية لحقوق الطفل وحمايته طوال عملية حفظ السلام وتوطيد السلام وإعادة بناء البلد المتأثر من جراء الحرب.

– ضمان إدراج حقوق الطفل وحمايته في جدول أعمال لجان وهيئات صنع السلام.

– العمل كنقطة اتصال بين مختلف قطاعات السلام، وجميع الوكالات والكيانات ذات الصلة.

– المساعدة على ضمان توفير التدريب المناسب بشأن حماية الطفل وحقوقه لجميع الأفراد المشتركين في أنشطة السلام وصنع وبناء السلام.[30]

 

ثالثاً: إدماج حماية الأطفال في مفاوضات السلام.

لقد دعت فداحة الخسائر بسبب النزاعات المسلحة، إلى تحول في أفكار الشعوب والقادة نحو القناعة بأهمية السلام، فقد قام عدد كبير من المنظمات الدولية والإقليمية والأفراد والمؤسسات غير الحكومية بدور فاعل في التوسط وبناء السلام إلا أنه كثير ما أهمل شأن الأطفال في عمليات صنع السلام، وبالتالي فإن هذا الإهمال يكون فادحاً، فبدون أن ترد إشارات محددة عن الأطفال أثناء مفاوضات السلام، لن تخصص برامج وموارد كافية في مرحلة ما بعد الصراع لتلبية احتياجات الأطفال. [31]

لذلك هناك حاجة ضرورية من أجل بناء السلام لصالح الأطفال في مرحلة ما بعد الصراع. لقد تبني هذا المفهوم ليس فقط في حالات النزاع الدولي، بل أيضاً في حالات العدد المتزايد من المنازعات الداخلية الناشئة داخل الدولة نفسها.[32]

وقد حث مجلس الأمن جميع الأطراف في الصراع على أن تضع في الإعتبار حقوق الطفل في الحماية خلال مفاوضات السلام، ويطالب الأمين العام للأمم المتحدة، أن يضع في إعتباره حماية الأطفال في خطط السلام المقدمة إلى المجلس، كذلك يجب على وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها أن تعمل في ما تضطلع به من أنشطة لبناء السلام، على تعزيز ثقافة السلام، وأن يشمل ذلك جملة أمور منها دعم برامج التثقيف في مجال السلام، وغير ذلك من الوسائل القائمة على نبذ العنف لمنع نشوب الصراعات وحلها.

وقد ركز المجلس على قضية الأطفال الجنود وبأنه يجب أن تشملها مفاوضات السلام، فعند بحث السلام يجب النظر في تسريح الجنود الأطفال ونزع أسلحتهم، وإعادة إدماجهم في المجتمع.[33]

وبسبب الدعوات المتكررة من مجلس الأمن فقد حصل الممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال في الصراعات المسلحة، على إلتزامات من الحكومات والجماعات المتمردة في السودان وكولومبيا بأن تضع حقوق الأطفال وحمايتهم في جداول أعمال عمليات السلام، وقد حظي الأطفال بإهتمام في إتفاق لومي للسلام بشأن سيراليون الذي تم التوصل اليه في يوليو 1999.[34]

يلاحظ الباحث أن الأمم المتحدة إتجهت نحو الإهتمام بحماية الأطفال المتأثرين بالنزاع المسلح ليس بمجرد التأكيد على قواعد ومبادىء القانون الدولي الإنساني، بل بدأت تتخذ من الخطوات ما يترجم هذه الحماية بصورة عملية، فجاء إهتمام مجلس الأمن بالقضية ليؤكد من جديد على شرعية الحماية التي يجب أن يتمتع بها الطفل في النزاعات المسلحة، وبأن هذه ليست مسألة تعني فقط تلك الدول المتورطة في هذه النزاعات، بل إن ضمان إحترام الحقوق الأساسية للأطفال في السلام مسؤولية جماعية عالمية، وأنه أيضاً إسهام لصالح بقاء الأطفال ودوام السلام في العالم.[35]

المراجع

[1] – حولية لجنة القانون الدولى لعام 1949، ص 281 الفقرة 18.

[2] – مادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة 1945.

[3] – سعيد سليم جويلي، إستخدام القوة المسلحة في القانون الدولي العام في زمن السلم، 1995، ص 31 وما بعدها.

[4] –  د.محمد صافي يوسف، النظرية العامة للمنظمات الدولية، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 2006، ص 43 وما بعدها.

[5] – د.محمد سامي عبد الحميد، قانون المنظمات الدولية، الجزء الأول، الأمم المتحدة، دار المطبوعات الجامعية، الطبعة الثامنة، 1997، ص 145.

[6] – مزيد من المعلومات ارجع: د.أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 2005، ص 33.

[7] – لمزيد من المعلومات ارجع: د.أحمد أبو الوفا، نظام الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة لحماية حقوق الإنسان، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 54، 1998، ص 23.

[8] – د. منى محمود مصطفى، القانون الدولي لحقوق الإنسان، مرجع سابق، 1989، ص189.

 – د. كمال حمّاد، النزاع المسلح والقانون الدولي العام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1997، ص 114.

[9] –  د.عبد الغني محمود، القانون الدولي الإنساني، مرجع سابق، ص 128، 129.

[10] –  التقرير المؤقت المقدم من الممثل الخاص للأمين العام السيد أولارا أ. أوتونو، عملاً بقرار الجمعية العامة 25/107، حقوق الطفل، الأطفال في النزاع المسلح، المجلس اإقتصادي والإجتماعي، لجنة حقوق الإنسان، الدورة الرابعة والخمسون، البند 20 من جدول الأعمال المؤقت، 12/3/1998.

[11] –  د.أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 2005، ص 58 الهامش.

[12] –  وضع الأطفال في العالم 2000، ص 15.

[13] –  UN،Doc، A/S-27/3،p،129

[14] –  UN.Doc. E/CN. 4/2002 /85،p.3

[15] –  تقرير ،وضع الأطفال فى العالم 2003 ص 61 وما بعدها.

[16] –  د.محمد السعيد الدقاق، د.مصطفى سلامة حسين، التنظيم الدولي، الجزء الثاني، دار الهدى للمطبوعات، الاسكندرية، 1994 ، ص 67.

[17] –  د.أشرف عرفات أبو حجازة، إدماج قرارات مجلس الأمن الصادرة طبقاً للفصل السابع من الميثاق، وتنفيذها في النظم القانونية الداخلية للدول الأعضاء، دار النهضة العربية، 2005، ص 1.

[18] – د.أحمد أبو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة، دار النهضة العربية، الطبعة الثانية، 2005، ص 32.

[19] – أوميش بالفانكر،التدابير التي يجوز للدول أن تتخذها للوفاء بالتزامها بضمان إحترام القانون الدولي الإنساني، المجلة الدولية للصليب الأحمر، السنة السابعة، العدد 35، يناير- فبراير، 1994، ص 16.

[20] – د.أحمد أبو الوفا، نظام الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة لحماية حقوق الإنسان، المجلة المصرية للقانون الدولي، العدد 54، 1998، ص 23، 24.

[21] – Un. DocA /55/442/، 2000،pp. 7-8

[22] –  د.جمعة شحود شباط، حماية المدنيين والأعيان المدنية في وقت الحرب، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2003، ص 199.

[23] –  البند الثامن من القرار 1379.

[24] – البند التاسع من القرار1379، وقد أكد المجلس في قراراته 1460(2003)، 1539(2004)، 1612(2005) على نفس الهدف.

[25] – م/ 25، ميثاق الامم المتحدة.

[26] –  د. محمد السعيد الدقاق، د.مصطفى سلامة حسين، التنظيم الدولي، مرجع سابق، 1994 ،ص160 .

[27] –  د.أحمد ابو الوفا، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم والوكالات المتخصصة، دار النهضة العربية، الطبعة الاولى،2000، ص169، 170.

[28] –  د.بطرس بطرس غالي ، نحو دور أقوى للأمم المتحدة، مجلة السياسة الدولية، العدد 111 يناير 1993 ص8 وما بعده.

[29] – UN.Doc.A/55/163-s-2000/712،p.28.

[30] –  تقرير الأمين العام المقدم إلى مجلس الأمن بعنوان “الأطفال والصراع المسلح “2000 ص 28،29.

[31] –  تقرير الأمين العام المقدم إلى مجلس الأمن بعنوان “الأطفال والصراع المسلح “2000 ص 27.

.[32]-  د.بطرس بطرس غالي ، نحو دور أقوى للامم المتحدة، مجلة السياسة الدولية، العدد 111 يناير 1993 ص12.

[33] – البندان 10، 11، من قرار مجلس الأمن رقم 1379 (2001).

[34] –  A/55/163-S/2000/712،P.27

[35] –  ساندرا سنجر، حماية الأطفال في حالات النزاع المسلح، مرجع سابق، ص 170..