المقدمة

تنطلق فكرة الأطروحة من التساؤل حول دور الاستشراف في عملية اتخاذ القرار ومرافقته في بيئة يغلب عليها طابع اللاتأكد والتغير المستمر، إذ لا يمكن إطلاق حكم موضوعي على نجاح أو فشل قرار بمعزل عن زمن تنفيذه وسياق تحويله إلى فعل. الأمر الذي يجعل من مسألة إدراك الزمن والتطلع إلى المستقبل وما يضمه من أحداث وظواهر أمرا يفرض نفسه، ويعكس مستوى النضج الفكري والمعرفي لمتخذي القرار. وإذا كان القرار لغة هو ما قر عليه الرأي في الحكم في مسالة معطاة، أي قطع عملية التفكير، واختيار فعل معين. فان العملية تكون مسبوقة بمرحلة قبلية ” قبل – القرار” ومرحلة بعدية بعد القرار على أساس أن القرار لا يتوقف عند تطبيقه وتحويله إلى فعل، وإنما تمتد تداعياته إلى مجال آخر وهو المستقبل. من جهة أخرى، تعتمد المقاربة الاستشرافية على مبدأ انفتاح المستقبل، وحرية اختياره وبنائه بعيدا عن الجمود الفكري المبني على القهرية والصدفة والحتمية. إن تقبل فكرة انفتاح المستقبل يؤدي إلى العمل على صقل ونقل القدرات الجديدة، واقتراح طرق جديدة للتفكير وتصور رؤى مستقبلية مرغوبة، الأمر الذي يجعل من عملية بناء المستقبل المفضل مرهونة بنوعية القرارات المتخذة في الحاضر.

وفي وقت ليس بالبعيد، كان التخطيط المسبوق بالتنبؤ من أهم الطرق المتبناة في عملية اتخاذ القرارات المناسبة، وتصميم المخططات التنموية ووضع السياسات، لكي تكشف بداية سبعينات القرن الماضي (الصدمة البترولية عن محدودية التنبؤ بالمستقبل انطلاقا من تقبله كامتدادا طبيعيا الماضي، حيث كشفت الأزمة التي لم يستطع التنبؤ التهيؤ لها، إلى ضرورة اقتراح مقاربة أكثر انسجاما مع الظروف التي يغلب عليها طابع التعقيد واللايقين، أين تجعل من المستقبل موضوعها الأولوي على المدى الطويل، وتضفي أبعادا مستقبلية على منهجية التفكير. في هذا السياق، يمكن النظر إلى الاستشراف على أنه الإجابة المناسبة لصناعة المستقبل المرغوب.

تحميل الرسالة