دور التحول في التنافسات الإقليمية على منطقة الشرق الأوسط: دراسة حالة (التنافس الإيراني-السعودي)

إعداد الباحثة: أحلام الظفيري، خبيرة استراتيجية في مجال الدراسات الأمنية النقدية

المقدمة

أن الشرق الأوسط منطقة محورية وهذا ما اثبتته الدول الاستعمارية منذ صراعها حول فرض سيطرتها في المنطقة والتنافس في ما بينها على الأراضي؛ ويرجع الأمر للأهمية الجغرافية للمنطقة، ووقوعها ضمن أهم وأزحم الممرات المائية في العالم، ومن ثم زاد من أهميتها اكتشاف الوقود الأحفوري في مساحات كبيرة، ونالت المنطقة أهمية في الدراسات الجيومكانية، وأصبحت ضمن أكثر المناطق التي تذكر في أغلب الدراسات السياسية والأمنية، بالإضافة إلى أنها أصبحت محور رئيسي من محاور دراسة العلاقات الدولية.

 لقد مرت منطقة الشرق الأوسط بسلسلة من النزاعات والتنافسات والتي بدورها انتجت العديد من التحولات في المصالح الإقليمية

أن منطقة الشرق الأوسط تحت ضغط وتوتر دائم نتيجة موقعها الجغرافي المحتوم بالمخاطر الجيوسياسية، فهي ضمن نطاق جغرافي ضاغط من جميع الجهات، بسبب وجود الكيان الصهيوني وخططه التمددية، والمخاوف من التوسع الإيراني في دولة العراق وفي لبنان وغيرها من الدول التي لديها تبعية ولاية الفقيه. سيتم تسليط الضوء على منطقة الخليج العربي والتي تعتبر منطقة محورية للشرق الأوسط بسبب وجود الأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية وهي وجهة المسلمين في كل أنحاء العالم، كما

تطرح هذه المقالة العديد من التساؤلات حول مستقبل الخليج العربي في ظل التنافسات الإقليمية، وأثر المعتركات في الساحة السياسية والدولية، حيث استطاعت  دول الخليج تنفيذ أهم عناصر ترتكز عليها القوة الناعمة، ومن المهم هنا الاشارة إلى تفسير مفهوم القوة الناعمة كما عرفها أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد ” هي القدرة على جعل الأخرين يريدون النتائج التي تريدها وبشكل محدد، هي القدرة على تحديد الأهداف من خلال الجذب بدلاً من الإكراه” كما يجادل بأن القوة الناعمة لا تقل أهمية عن القوة الصلبة خاصة إذا كانت مدموجة بقوة ذكية كما يفسر القوة الصلبة على أنها لا تتطلب موارد كبيرة كالقوة الناعمة ولها عواقب كبيرة في حالة الفشل على عكس القوة الناعمة.[1] وبالفعل استطاعت العديد من الدول الخليجية  تنفيذ أهدافها من خلال أدوات القوة الناعمة المعتمدة على الثروة المالية في تحقيق مطالبها، وتنفيذ استراتيجيتها السياسية، وقد ساعد توفر عنصر المال استخدام وسائل عديدة كالإعلام والتي  تحتاج إلى تمويل مالي ضخم كالقنوات الإعلامية والنشرات الإخبارية المدفوعة من ميزانية الدولة الخليجية.

ويجدر أيضاً الإشارة إلى أن أمن الدول الخليجية معتمد على استقرار الدول الكبرى اللاعبة في المنطقة وأعني بهذا القول إيران والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، فأن أي خلل أمني واقع بينهما، قد تنعكس أثاره على الوضع الأمني بشكل مباشر على جميع دول الخليج. كما أن التحولات في علاقة القوى الإقليمية ( إيران والمملكة العربية السعودية) له انعكاسات واضحة على الواقع الخليجي،  لذا سوف اسلط الضوء على العلاقة التنافسية بين المملكة العربية السعودية و إيران وأثر هذه العلاقة تنامي دور التحولات الإقليمية المنعكسة على منطقة الخليج العربي، سوف تترك هذه المقالة تصور آخر حول حدوث أي تحولات جذرية في علاقة القوتيين الإقليميتين، وبالتالي سوف أترك ورائي  ما استنتجت في هذه المقالة  التي  بدورها  توصلت للعديد من التحليلات والنتائج التي من الممكن أن يستفيد منها متخذين القرار في الجهات المعنية.

بدايةً، هنالك بعض المفاهيم التي ستنير هذا البحث وإطاره النظري، وهي:

  1. معضلات الأمن الإقليمي

يعرف دكتور حامد ربيع الأمن الإقليمي بأنه ” اصطلاح أكثر حداثة برز بشكل واضح ما بين الحربين العالميتين ليعبر عن سياسة مجموعة من الدول تنتمي إلى إقليم واحد، تسعى من خلال وضع تعاون عسكري وتنظيمي لدول تلك الإقليم إلى منع أي قوة أجنبية أو خارجية في ذلك الإقليم، وجوهر تلك السياسة هي التبعية الإقليمية من جانب، والتصدي للقوى الدخيلة على الإقليم من جانب آخر، وحماية الوضع القائم من جانب ثالث.[2]

  • التحالفات

 يُعرّف التحالف على أنه “اتفاق رسمي بين فاعلين اثنين أو أكثر -عادة بين الدول- للتعاون مع بعضهم البعض بشأن قضايا أمنية مشتركة مدركة، يتوقع أن يزداد الأمن عن طريق التحالف بينهم من خلال الانضمام إلى التحالف، ويتم إرساء قواعد أو تعزيز نظام من الردع، ويتم تطبيق حلف دفاع في حالة الحرب، ومن خلال الانضمام إلى التحالف يمنع بعض أو جميع الفاعلين من الانضمام إلى تحالفات أخرى” [3].

  • التنافس الدولي

يعرف التنافس الدولي على أنه عملية من عمليات التفاعل المصاحبة لإعداد القرار السياسي وهو نشاط يسعى من خلاله طرفان أو أكثر إلى تحقيق نفس الهدف، ويرجع التعريف السابق حدوث التنافس نتيجة لعملية التنافس التي تكون مصاحبة للقرار السياسي للدول من أجل تحقيق الأهداف وراء هذا التنافس، كما يعرف التنافس الدولي على ” أنه مفهوم سياسي يشير إلى حالة من الخلاف بين الدول لا تصل مرحلة الصراع، وتأخذ أبعاداً اقتصادية أو سياسية لتحقيق المصالح في الإطار الدولي والإقليمي “

المحور الأول: معضلة الأمن والتنافس الإقليمي

الباب الأول: التنافس الإيراني- السعودي

بالرجوع تاريخياً نجد أن الصراع بين إيران والمملكة العربية السعودية مرحلة ما قبل تأسيس الدول بل أن الصراع بين العرب والفرس يسبق حتى فترة الإسلام، وزاد بعد سيادة الفرس على القبائل العربية  التي هاجرت من داخل الجزيرة  إلى العراق أوائل القرن الثالث ميلادي والتي جعلت للعنصر العربي وزنه السياسي في المنطقة، بالتالي، أدى ذلك إلى اصطدام القبائل العربية في مناطق تواجدهم بجيوش الفرس في عهد سابور الأول بن أردشير، حيث كانت هناك محاولات للسيطرة على القبائل العربية، وبالرغم من أن العراق كان تابعاً للدولة الساسانية فإن القبائل العربية لم تدخل المجوسية حيث كان الدين السائد للدولة آنذاك،  وبل أدانت القبائل العربية عبادة الكواكب وهي عبادة ترجع إلى الحضارة الكلدانية، [4]وهذا ما حول التنافس إلى صراع دائم هو الاختلاف الجوهري بين الفرس والعرب بداية التعصبية القبلية لدى العرب وثم الاستنكار الديني من كل الطرفين، وهذا ما يفسر ما يحدث اليوم، ويؤكد التعريف اللاحق الوضع الراهن بين إيران والدول العربية، بأن التنافس هو مرحلة  ما قبل الصراع تشتمل على عدة جوانب مختلفة حول تحقيق المصالح الدولية، ونستشف من العديد من التعاريف، أن التنافس الدولي يقصد به كل الاختلالات التي يتعرض لها المجتمع الدولي والتي من الممكن أن تتحول فيما بعد إلى صراع.[5] تشير العديد من الدراسات أن في كثير من الحالات تكون التحالفات أو النزاعات المشتركة مرتبطة ارتباطًا سواء كان مباشرًا أو غير مباشر في التنافسات الدولية المختلفة، كما يزعم البعض بأن روابط التنافس تتشكل نتيجة لاستراتيجيات “سياسية القوة” القسرية التي يستخدمها المنافسون غالباً في تعاملاتهم مع بعضهم البعض.

التنافس الجيوسياسي بين إيران والمملكة العربية السعودية يعود إلى أسباب عديدة ولكن دائماً ما لا يتم ذكر إلا الجانب المذهبي وهو كنوع من الغطاء تستخدمه كلا الدولتين إلا وأن التنافس أكبر بكثير من ممارسات دينية، وهذه استراتيجيات تستخدمها الدول صاحبة النفوذ في أي إقليم، لكسب تعاطف الجماهير المنقادة للخطابات المتكررة التي يستخدمها القادة، كما أشار إليها غوستاف لوبون  بشكل مفصل في كتابه سيكولوجية الجماهير حول إمكانية ترويج أفكار بين الشعوب والتلاعب بعواطفهم من خلال تلك الخطابات المؤثرة.[6]كما هو رأي العديد من الكتاب والمحللين وأهمهم الجغرافي هارم دوبليج حول إمكانية الدول بتسيير شعوبها  في كتابه سلطة المكان كيف يمكن للحكومات أن تقوم بإعلان لغتها الرسمية ودين الدولة والترويج لمعايير التعليم الوطنية، محاولة بذلك أن تأثر في المواطنيين وماصائرهم في هذا العالم المعولم.[7]بمعنى أن الحكومات قادرة على برمجة عقول مواطنيها بما هو يصب في مصلحتها وتأمين نفسها داخلياً حتى لا ينعكس عدم سيطرتها خارجياً على مصالحها واستراتيجياتها.

كما أن وبالرغم من كل التهديدات الأمنية إلا أن دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ترى بأن إيران هي التهديد الأكبر ومن جانب آخر إيران تجد أن التواجد العسكري الأجنبي هو الخطر الأمني الذي تواجهه مع دول الخليج، وكل منهما ينظر للآخر بتصور أمني مختلف، كما تعود العلاقات المتوترة بين إيران ودول المنطقة إلى سلوك سياستها الخارجية حول أدوراها في تحقيق مصالحها القومية محاولة أن تجعل نفسها القوة المهيمنة في المنطقة.

التنافس السعودي الإيراني سببه هو اعتبار كل من الدولتين هو الأحق بالهيمنة وفرض السياسات في المنطقة، كما أن الاختلاف الجذري بين كل منهما فاقم من حدة العلاقات، [8]كما أجد اختلاف السياق الاجتماعي والبعد الديني والقبلية في المملكة العربية اعطى للتنافس سبباً واضحاً وتخوفاً له أبعاد اجتماعية ودينية قبل السياسية، كما أن كل من البلدين يجد نفسه أفضل من الأخر ، بمعنى آخر رغم التنافسات بين دول الخليج ودول العربية إلا أن الحدة أقل بسبب النسب والجذور القبلية في المملكة فهي قوتها وهذا مالم تستطع دول الغرب إعادة تشكيله إلى اليوم، دول الخليج   كالجذوع تنتمي في نهاية المطاف إلى عروقها فأن الغالبية العظمى من قاطني دول الخليج اصولهم عربية نجدية أو حجازية أو من الأحساء وغيرها من المناطق المعروفة في الجزيرة العربية، أن التخوف الخليجي من التوغل الإيراني زاد بعد الثورة الإيرانية والحرب الدموية التي دعمتها دول الخليج على رأسها السعودية، واسفرت عن حرب الناقلات ١٩٨٧ وهذه أحد نتائج التنافس بين المملكة العربية السعودية وإيران.[9]

وفي تلك الفترة انقلبت الموازين بعد الغزو العراقي على الكويت تحسنت العلاقات الإيرانية-السعودية، لم تستمر تلك العلاقة من دون توترات واستراتيجيات متعارضة؛ كانت أحد الأسباب الرئيسية في تقلب العلاقة الإيرانية-السعودية هو أن إيران أحد الدول الأقل ثراء في منظمة الأوبك التي تفضل أن تتحكم بكميات النفط المعروضة في السوق العالمي عبر فرض حصص إنتاج، والتي تبقى أسعار النفط أعلى وأكثر ملاءمة للدول المنتجة، حيث أن إيران لطالما وجدت نفسها في صراع مع الاختلافات في السياسات التي تضعها السعودية حول التسعير النفطي وكيفية توظيفه لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وخياراتها. [10] لم يصمت كل من البلدين طيلة السنوات السابقة من خلال الخطابات الرسمية التي يستخدمها كل من الطرفين لتوبيخ الآخر أو رفع أصابع الاتهام في خلق معضلات أمنية. لقد أخذ هذا التنافس بين الدولتين أبعاداً عدة ولكن يتضح لي أن العلاقة التنافسية لم يكن أساسها ديني بل أن البعد الاقتصادي والتهديد الاستقرار المالي هو المؤثر في رسم استراتيجيات إيران والمملكة العربية السعودية، كما أن كل من البلدين حين يجد نفسه في مأزق اقتصادي تظهر العلاقة البرغماتية حين تحكمهم الظروف.

الباب الثاني: دور السياسة الخارجية للدول الخليجية في قلب التنافسات

كان من المهم أن نسلط الضوء على التنافسات التي تحدث في منطقة الخليج العربي، وهو الخليج الفارسي في مصادر أخرى، والأحرى أن نكون أكثر منطقية وحيادية في هذا البحث ولا مانع أن نقول بأنه الخليج العربي الفارسي فهو مطل أيضاً على إيران، اليوم أصبحت المنافسات في المنطقة ليست في صالح الدول الخليجية لذا من المهم أن تكون هناك نظرة استشرافية لمستقبل الخليج خاصة وأن الخليج قد تعرض لفترات مريرة من التنافسات والصراعات.

نجد أن الصراعات التي انهكت دول الخليج أصبحت في مرحلة التحول من خلال التطورات الأخيرة التي قامت بها المملكة العربية السعودية في توقيع معاهدة تعاون وسلام مع إيران وفتح السفرات من جديد، والأمر الأخر هو المفاوضات التي تقوم بها المملكة مع جماعة الحوثي لإنهاء الصراع، وتم تأكيد ذلك ما جاء على لسان  وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود، حيث  قال إنه يتم تحقيق. تقدم صوب إنهاء حرب اليمن.[11]

لا ننسى أن دول الخليج واقعة بين قوى إقليمية ضاغطة ومن أبرزها: الهند وباكستان وإيران، ولكن الأكثر تأثيراً على الدول الخليجية هي إيران خاصة وإنها وضعت لنفسها دوراً عالمياً وليس إقليمياً، وبالرجوع تاريخياً كانت إيران أساس المشروعات الاستثمارية التي تكفلت بها بريطانيا بإنشاء سكك حديدية بين بحر قزوين والخليج العربي الفارسي وخط للقطارات الداخلية في طهران، [12]وهذا الاهتمام التاريخي يعيد نفسه اليوم بجعل طهران خط رئيسي في مشروع الحزام والطريق.

لابد أن نشير إلى دور الدول الخليجية في خلق بيئة تعاون بدلاً من أن تكون تنافسية، حيث أن العلاقة التعاونية بين القوتين الإقليميتين إيران والمملكة العربية السعودية من خلال إعادة العلاقات الدولية وفتح كل من السفارتين والتبادل الدبلوماسي بين طهران والرياض لم يكن وليد الصدفة، ولم يحدث بشكل مفاجئ فقد كانت هناك تحولات في المنطقة ساهمت في تغيير العلاقة التنافسية بشكل مباشر، على سبيل المثال كان هناك تعاون اقتصادي في الفترة السابقة واضح بين إيران ودول خليجية كالإمارات العربية المتحدة ، ومن جانب آخر علاقات تعاونية اقتصادية بين إيران وقطر خاصة بعد أزمة الحصار، ولكن كان للكويت تأثير استراتيجي  مميز ومختلف غير مباشر على هذه العلاقة التنافسية حيث أن سياسة الكويت الحيادية اعطتها مجالاً أوسع لتوسيع دائرة التعاون الاقتصادي من خلال المساهمة في مشاريع وخطط تنموية مستقبلية  واسعة النطاق وهنا أعني بذلك أن الكويت كانت الأولى في الاعتراف بالحكومة الصينية وتبادل العلاقات دبلوماسية بين كل من البلدين  كما أنها الأولى خليجياً وعربيا وقعت على توقيع اتفاقية الحزام والطريق، ولم تكن هي خط رئيسي به بل كانت طهران، وهنا الكويت لم تجعل للعلاقة التنافسية بين إيران والمملكة العربية السعودية عائقاً بل رسمت بسياستها المتوازنة طريقاً للتعاون ونجد اليوم أن الصين كانت هي الوسيط في تهدئة العلاقات المتوترة بين إيران والمملكة العربية السعودية، لقد ساهمت الصين في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإعادة فتح سفارتيهما وممثليتاهما والذي من شأنه تفعيل التعاون الأمني وتعزيز العلاقات الثنائية.

وهذا الأمر تطرقت له في اطروحتي حول إمكانية حدوث علاقة تعاونية من خلال التنافس هناك في الجانب الآخر، نتائج إيجابية توصلت إليها  في دراستي بعد تحليل العلاقة التنافسية بين إيران و المملكة العربية السعودية، من خلال حالات كثيرة وتحليل العديد من العلاقات السياسية بين الدول، أنه وعلى الرغم من وجود  تداعيات سلبية ناتجة من التنافس تقع على عاتق الدول الصغيرة في الغالب، توجد من زاوية أخرى جوانب إيجابية، يمكن من خلال التنافس بين الدول أن يتحول  منفعة  ومصلحة مشتركة بين المتنافسين إذا دخل العامل الاقتصادي، قد يعتمد على  مقدرة الدول على تنحية كل الخلافات جانباً والسعي نحو اقتصاد مشترك يفيد كل الأطراف معززاً إنتاجية الاقتصاد، وخلق فرص عمل أكبر، كما أن المنافسة بين الاقتصادات من شأنها أن تخلق بيئة للابتكار والتطور والتنمية الشاملة.  ولكن هناك تساؤل حول دور تنامي هذه العلاقة الثنائية على الشأن الخليجي وأمن المنطقة وهذا ما سوف نتطرق له بالمحور الثاني.

المحور الثاني: تنامي التنافسات الإقليمية على الشأن الخليجي

هناك علاقات تنافسية مضطربة وبرغماتية في آن بين إيران والمملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من وجود مصالح مشتركة بين البلدين وسياسات برغماتية صيغت بإدارة الرئيس محمد خاتمي مسبقاً، إلا أن هناك تراكمات سلبية ظلت في الذاكرة الخليجية تعود للأسباب التالية التطرف الثوري الديني، الحرب العراقية-الإيرانية، محاولة الانقلاب في البحرين ١٩٨١، أعمال الشغب التي قام بها الحجاج في مكة عام ١٩٨١و ١٩٨٢، والاتهامات وراء اضطرابات الشيعة الكويتيين عام ١٩٨٣، وأن لها يد بمحاولة اغتيال أمير الكويت عام ١٩٨٥.

بعد التطرق إلى أليات التنافس السعودي-الإيراني كان من المهم أن أتطرق إلى كيفية توسع حلقات التعاون بين إيران ودول المنطقة العربية وشمال أفريقيا في الفترات السابقة، ودورها في خلق تغييرات مصيرية وإعادة ترتيب المصالح خاصة وإن إيران  محاولة في علاقاتها مع دول المغرب العربي في خلق فرص تعاون، رغم كل المتغيرات التي حصلت سابقاً، على سبيل المثال ،هناك تقارب في سياسات إيران مع ليبيا، كما أن ليبيا قدمت لإيران متطوعين لدعم القوات الإيرانية في حربها ضد العراق، كما دعمت إيران الثورة التونسية والذي من شأنه من يطور العلاقات بين البلدين بالإضافة إلى علاقة إيران مع موريتانيا، ومن كل هذا التغيير في نوع العلاقة مع إيران يجعلها مركز ثقل بالنسبة للعرب، إذا استطاعت إيران من استغلال ذلك بمعنى ربما بتطور علاقاتها مع دول الشرق الأوسط باستطاعتها أن تصبح هي المهيمنة استراتيجياً مع مرور الوقت وإن كان بشكل غير مباشر. [13]و يجب أن لا ننسى أن دول الخليج لا تشكل تهديداً وجودياً فهي لا  يمكنها أن تنافس  إيران في القدرات الديموغرافية أو العسكرية وحتى في المجالات الاقتصادية، على عكس المملكة العربية السعودية وبعد ما حدث من أزمة الخليج ولمسنا عدم تماسكه ما هو مصير المملكة أمام تحدي ثنائي بين البلدين وحدهما دون أي دعم خليجي ما الذي سيحدث؟، اترك هذا السؤال للقارئ وبعد تفصيل التنافس السعودي الإيراني، لابد من التساؤل ما الذي سيترتب من عواقب مستقبلية في ظل كل هذه التنافسات الواقعة في منطقة الخليج، وعلى الرغم من وجود علاقات تعاونية في الفترة الحالية بين إيران والمملكة العربية السعودية إلا أن هناك احتمالية حدوث توتر  من جديد قد يكون سببه حدوث تدخلات خارجية من القوى العالمية الكبرى وأهمها الولايات المتحدة الأمريكية.

بالإضافة إلى ما ذكر على لسان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة راشد عبالله النعيمي في مقابلة طرحت موضوع التقارب السعودي الإيراني وأنه يجيء على حساب الإمارات بسبب الجزر المحتلة من قبل إيران وقد كان هذا الحوار سابق أوانه، واليوم نشهد هذا التقارب على الرغم من عدم وجود تسويات حول موضوع الجزر المحتلة[14]، السؤال هنا هل ستقف الامارات المتحدة صامته أمام التقارب الحالي ولن تطالب بجزرها مستقبلاً وما موقفها أمام التعاون الإيراني السعودي، إذا كان الجواب نعم هناك انعكاسات خطيرة  وقد تطرق لها الدكتور عبالله النفيسي أهمها قد يتم تعريب القضية وتلجأ بذلك دولة الأمارات إلى طلب التدخل من قبل سورية ومصر، وبما أن التعاون بين البلدين إيران والمملكة العربية السعودية، يتم على نطاق دولي برعاية جمهورية الصين الشعبية ،خاصة وأنها لا تزال في حالة تنافس اقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك قد تتحول دول الخليج إلى أداة للضغط يستخدمها كل من الطرفين، وفي ضوء سياسة الصين التعددية في علاقاتها الدولية فهي تقوم بسلسة من الاتفاقيات والمعاهدات مع دول مختلفة، متخذة بذلك اسلوباً استراتيجيا للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية في بعض الملفات الحيوية.

ومن منظور استراتيجي عميق أرى أن السياسات الناتجة عن القوى الرئيسية انعكست نتائجها على الأمن الإقليمي والقوى المحورية في منطقة الخليج العربي الفارسي، بالإضافة إلى دور هذه القوى في قلب الموازيين لصالحها دائماً ومحاولة الاستفادة من صراعات قائمة في المنطقة لتقوم هي بدور المصلح بينهم، حتى لا يتم التخلي عن خدماتها.

الخاتمة

الهوية هي مصدر القوة بعيداً عن أي انتماء في نطاق ضيق على شكل حدود سياسية وضعها الغرب يجب أن يكون الولاء للبقعة الجغرافية قبل كل شيء المكان هو الأمان، بعيداً عن تلك الولاءات التي لم نختارها أبداً والتي وضعتها القوى الاستعمارية منذ تأسيسنا كدول حتى يومنا هذا وتقسيمنا بشكل يتماشى مع مصالحهم، بالإضافة إلى تحديد من هو صديقنا ومن يقوم بتهديد أمننا.  من الضروري أن تعي دول المنطقة أنها لعبة يتم تشكيلها حسب القوى الرئيسية وأن تبدأ بإعادة صياغة استراتيجياتها بكل ثقة وأن تعطي نفسها فرصة في أن تثق في بعضها البعض.

توصلت في مقالتي للعديد من التحليلات والتوصيات، ففي حقيقة الأمر يجب أن يكون هناك وعي نحو وجود أي مشروع اقتصادي تتداخل فيه مصالح الدول الإقليمية والدولية، واقصد هنا تحديداً المشاريع الحديثة التي لها تأثير مباشر على الوضع الخليجي الراهن، خاصة مشروع الحزام والطريق ومؤخراً مشروع حقل الدرة لإنتاج الغاز الطبيعي. فكل هذه المشاريع ذات الأطراف المتعددة قد تخلق نوعاً من التنازع وتضارب المصالح بين الدول، خاصة أن هذه المشاريع لها تأثيرات واضحة على دول الخليج العربي وقد التمسنها مؤخراً من خلال معاهدات جديدة قامت بها دول الخليج، فقد توصلنا في هذا المقال على أهمية التأكيد على التخطيط الدقيق وبعيد المدى للدول الخليجية، عليها أن تدرك جيداً جميع الانعكاسات السلبية والأخطار المتوقعة في حال عدم التسوية بين جميع الأطراف.

كما يجب أن تعي  دول الخليج النتائج المحتملة نحو انخراطها في مشروع الحزام والطريق والعلاقات التنافسية مع العلاقات المتوترة بين إيران والسعودية ، وكما سبقنا القول طهران خط رئيسي لهذا المشروع الضخم؛ خاصة وأنه من الممكن أن يكون للقوى المتنافسة تأثير على الوضع  الأمني في دول الخليج على سبيل المثال، من المهم جداً أخذ بعين الاعتبار التقلبات السياسية تجاه القضايا الإقليمية والدولية، والتي  باتت تشكل عائق أمام دول الخليج تجاه استقرارها الأمني،  بسبب تبنيها استراتيجيات متراجحة والتي ينعكس على الأوضاع الأمنية بين دول الخليج، حيث تتبنى سياسات مغايرة كالاعتراف بحكومة بشار الأسد مؤخراً لبعض دول الخليج والبعض الأخر لازال متحفظ أمام إعادة العلاقات من جديد. لذا من المهم أن تتبنى دول الخليج سياسات أكثر اتزاناً، كي تحافظ على استقراها الأمني من أي تضارب في المصالح مع دول الجوار، خاصة وأنها عانت من أثار الخلافات في السنوات الخمس الماضية والتي انعكست على المجتمع الدولي الذي أصبح يرى نقطة ضعف في العلاقة الخليجية الغير متماسكة.

الباحثة: أحلام الظفيري

خبيرة استراتيجية في مجال الدراسات الأمنية النقدية


[1] Nye, Joseph S. “Soft Power.” Foreign Policy, no. 80 (1990): 153–71. https://doi.org/10.2307/1148580

[2] صباح بالة، مركب الأمن الإقليمي، الموسوعة السياسية، شوهد في 16 -3 – 2022 في:  https://bit.ly/3xyqEHD

[3] الصافي، احسان، التحالفات الدولية والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بعد 2011، نوع الرسالة: اطروحة ماجستير، معهد العلميين للدراسات العليا، العراق،2018، ص17-18 https://drive.google.com/file/d/12KdacN6Dh0qH_KHQk8101DABi55EpNx0/view

[4] د .فتحي أبو السيف، الدولة العباسية والمشرق الإسلامي، ط١ دار الآفاق العربية، ٢٠١٤ ص ٢٧،٢٨

[5]د. طويل، نسيمة، ظاهرة التنافس الدولي في العلاقات الدولية، الجزائر: المجلة الجزائرية للأمن والتنمية، ع10،سنة النشر:2017 جامعة بسكرة، شوهد في 12/٤/٢٠٢٢ في: https://www.asjp.cerist.dz/en/downArticle/291/6/1/36788

[6] غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمةوتقديم: هاشم صالح، ط٧، (مكان النشر: بيروت/ لندن: دار الساقي ٢٠١٦).

[7] هارم دوبليج، سلطة الكتاب: المشهد الطبيعي الوعر للجغرافيا والمصير والعولمة، ترجمة: معين الأمام، ط١، (مكان النشر: الدوحة/ قطر: منتدى العلاقات العربية والدولية، ٢٠١٨م) ١٧٤

[8]محمد الأحمري، ” العلاقات العربية الإيرانية في منطقة “ط١جهة النشر: منتدى العلاقات العربية والدولية،  ص١٠٠

[9] محمد الأحمري، ” العلاقات العربية الإيرانية في منطقة “ط١جهة النشر: منتدى العلاقات العربية والدولية،  ص١٠٩

[10] محمد الأحمري، ” العلاقات العربية الإيرانية في منطقة “ط١جهة النشر: منتدى العلاقات العربية والدولية،  ص١١٠-١١١-١١٢

[11] حرب اليمن: هل باتت السعودية جاهزة لإنهاء الصراع؟ ، شوهد في ١٥ -١ – 202٣ في https://www.bbc.com/arabic/interactivity-64335944.amp

[12] أحمد ابوشوك، شركة النفط الإنجليزية- الفارسية وإمارات الخليج العربية دراسة وثائقية، ط١ (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،٢٠١٩)ص١٩

[13] محمد الأحمري وآخرون، العرب وإيران: مراجع في التاريخ والسياسة، ط١ (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،٢٠١٢)،ص٢٠٥-٢٠٦.

[14] د.عبدالله النفيسي، إيران والخليج: ديالكتيك الدمج والنبذ،ط٢ (الكويت/ آفاق للنشر،٢٠٢٠) ، ٦٧ص.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14257

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *