دور السياسات الاقتصادية العربية الرسمية في مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية: بعض التجارب الدولية مع الترکيز على الأردن

يهدف هذا البحث إلى التعرّف على أهم السياسات والتدابير الاقتصادية الحکومية التي اتخذتها السلطات الرسمية الرقابية في الأردن وبعض الدول العربية الأخرى المتمثلة بالبنوک المرکزية وهيئات الأوراق المالية لمواجهة الأزمات الاقتصادية لا سيما الأزمة المالية العالمية وتداعياتها المستمرّة، وتقييم تلک السياسات فيما إذا کانت احترازية أم جاءت کردود أفعال بعد حدوث الأزمات. کما يهدف إلى إبراز أهم السياسات والتدابير التي يمکن اتخاذها لمواجهة الأزمات المالية والاقتصادية المستقبلية والتصدي لها أو التخفيف من وطأتها.  

بيّن البحث تباين السياسات والإجراءات الدولية والحکومية لمواجهة الأزمة المالية العالمية، فالدول العربية المصدرة للنفط رکزت على إتباع سياسات مالية توسعية وتحفيزية وخاصة من خلال زيادة الإنفاق الحکومي وتعزيز السيولة المحلية، وضخ الأموال من البنوک المرکزية إلى القطاع المصرفي لمواجهة النقص في السيولة، وشراء المحافظ الاستثمارية. في حين إن الدول العربية غير النفطية اهتمت بسياسات ضمان الودائع وإتباع سياسات نقدية توسعية وتعديل التشريعات، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. بينما عمدت دول في أوربا وآسيا إلى ضخ مليارات الدولارات لتأمين السيولة في أسواق المال، وشراء أسهم المؤسسات المالية الکبرى.

بينما رکزت المؤسسات الدولية على سياسات الاستقرار المالي وسياسات احترازية وتعزيز نظم إدارة المخاطر، وإجراء إصلاحات تتعلق بالشفافية والمساءلة، فضلا عن سياسات حفز الاقتصاد ومواجهة الفقر والتريث فيما يتعلق بسياسات التحرر الاقتصادي. وأما الدول الأجنبية المتقدمة وجّهت سياساتها نحو ضخ السيولة والترکيز على قواعد الحوکمة والشفافية.  کما بيّن البحث  أن قدرة الهيئات الرقابية على أسواق الأوراق المالية لإمتصاص أثر الأزمات الاقتصادية أقل من قدرة البنوک المرکزية على ذلک. ومع ذلک ورغم الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، فأنها لا تخلو من بعض الجوانب الإيجابية وأخذ العبر والدروس.

مقدمـــة:

بعد الانتعاش الاقتصادي الذي مرّ به العالم في منتصف العقد الماضي والذي استمر حوالي ثلاثة أعوام، ورافق ذلک تفاؤل کبير بين المستثمرين، وتوافر السيولة المالية، وانتعاش الاستثمار العابر للقارات بشکل غير مسبوق، ووصول أسعار النفط إلى مستويات قياسية وغير معهودة، فاق العالم على أزمة مالية عالمية في منتصف شهر أيلول من العام 2008، وصفها المتخصصون بأنها الأعنف والأکثر تأثيرا بالاقتصاد العالمي منذ الکساد العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي.

وسرعان ما بدأت نواة هذه الأزمة من أزمة رهن عقاري نشأت في الولايات المتحدة الأمريکية خلال العام 2007، لتنتشر بسرعة متناهية في کافة أرجاء العالم لتشکل في الثلث الأخير من العام 2008 ما يسمى “الأزمة المالية العالمية”. إن بروز الأزمة المالية في الولايات المتحدة الأمريکية وانتقالها إلى بقية دول العالم کأزمة مالية عالمية کان بسبب هيمنة النظام الاقتصادي الرأسمالي على المستوى العالمي، وشدة ترابط النشاطات المالية الدولية وانهيار الحواجز التي تحد من تمددها بسبب العولمة، فضلا عن ظهورها في أکبر اقتصاد بالعالم وأکثرها تأثيراً وترابطا مع الاقتصاديات الأخرى.

أثرت الأزمة المالية العالمية على مختلف النشاطات الاقتصادية في کافة الدول دون استثناء، إلا إن مدى تأثر اقتصاد کل دولة بالأزمة، يعتمد على درجة الانفتاح الاقتصادي لتلک الدولة على الاقتصاد العالمي، ومدى تشابکه واندماجه في شتى المجالات المالية والاقتصادية کحجم التبادل التجاري والاستثمار، ونتيجة لتلک التداعيات على مختلف دول العالم، بادرت مختلف الدول والمؤسسات الدولية والإقليمية بالقيام بالکثير من الجهود وإتخاذ تدابير وسياسات لمواجهتها والتخفيف من آثارها على اقتصادياتها الوطنية والاقتصاد العالمي بشکل عام.

أهمية البحث:

تبرز أهمية البحث من خلال مناقشة موضوع هام يحظى باهتمام متخذي القرارات الاقتصادية في الأردن والدول العربية الأخرى، وذلک عن طريق استخلاص الدروس من التجارب المختلفة لمواجهة الأزمات المستقبلية المحتملة، وتوجيه أنظار أصحاب القرار والمهتمين من المفکرين والدارسين إلى ضرورة إيلاء الاستقرار الاقتصادي أهمية معتبرة وأولوية قصوى، بهدف تعزيز قدرةالدول العربيةعلىتفاديالأزمات الاقتصادية التي قد تتعرض لها مستقبلا،وتجنبالتقلباتالحادةفيالنشاطالاقتصادي والمؤشرات الکلية ومؤشرات أسواق الأوراق المالية العربية بغية التعافي السريع حال حدوث الأزمات الاقتصادية.

مشکلة البحث:

تنطلق مشکلة البحث الرئيسية من خلال المنهجية التي تتعامل بها المؤسسات الاقتصادية الرسمية العربية في مواجهة الأزمات المالية والاقتصادية الإقليمية والعالمية، والتي غالبا تقوم على اتخاذ سياسات وتدابير اقتصادية مبنية على ردود الأفعال بعد حدوث تلک الأزمات أو استيراد حلول لا تتناسب والأوضاع العربية، وليس على أساس اتخاذ سياسات وتدابير احترازية وتحوطية مسبقة للتعامل مع مختلف الأزمات المحتملة للحد من آثارها وتداعياتها السلبية على الاقتصاديات العربية.

فرضية البحث:

يفترض البحث غياب السياسات الاقتصادية العربية الاحترازية لمواجهة الأزمات المتوقعة وترکيزها على ردود الأفعال.

هدف البحث:

يهدف البحث إلى استقصاء أهم السياسات والتدابير الاقتصادية التي اتخذتها السلطات الرسمية الرقابية لمواجهة الأزمة المالية العالمية وتداعياتها المستمرّة، وتقييم تلک السياسات فيما إذا کانت احترازية أم جاءت کردود أفعال بعد حدوث الأزمات، کما يهدف البحث إلى إبراز أهم السياسات والتدابير التي يمکن اتخاذها  في الأردن وبعض الدول العربية الأخرى المتمثلة بالبنوک المرکزية وهيئات الأوراق المالية لمواجهة الأزمات المالية والاقتصادية المستقبلية والتصدي لها أو التخفيف من وطأتها.

هيکل البحث:

لتحقيق هدف البحث تم تقسيم البحث بعد المقدمة أعلاه کما يلي:

  1. المنهجية ومصادر المعلومات
  2. دراسات سابقة
  3. الأزمة المالية العالمية وتداعياتها
  4. تحليل البحث: التدابير والسياسات التي اتخذتها الدول العربية وأهم التجارب الدولية
  5. دور السياسات الحکومية العربية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي ومواجهة الأزمات المستقبلية
  6. الاستنتاجات والتوصيات

أولاً: المنهجية ومصادر المعلومات

لتحقيق أهداف البحث، تم إتباع المنهج الوصفي التحليلي بهدف رصد وتحليل الإجراءات والسياسات التي اتخذتها مختلف المؤسسات الرسمية لمواجهة الأزمات الاقتصادية لا سيما الأزمة المالية العالمية، وذلک من خلال الرجوع إلى العديد من المراجع والمصادر العربية والأجنبيةالمتعلقة بموضوع البحث. حيث تم الاطلاع على التقارير والدراسات المنشورة عن المؤسسات الدولية والإقليمية کصندوق النقد الدولي (IMF) والبنک الدولي وصندوق النقد العربي، کما تم مراجعة المعلومات الصادرة في التقارير السنوية للهيئات الرقابية العربية والمحلية کالبنوک المرکزية وهيئات الرقابة المالية في الوطن العربي.

کما تم الرجوع إلى إصدارات متنوعة وأوراق بحثية في المؤتمرات المحلية والأجنبية، وذلک بهدف مقارنة السياسات المتبعة في مختلف الدول عند الحاجة. وعلى الصعيد المحلي کانت تقارير وإصدارات البنک المرکزي الأردني وهيئة الأوراق المالية وجمعية البنوک في الأردن أهم المصادر التي تم الرجوع إليها.

 دراسات سابقة

تباينت مدارس الفکر الاقتصادي في مدى دعمها لحرية الأسواق والتدخل الحکومي، حيث تشير مدرسة الفکر الاقتصادي الکلاسيکي إلى أن حرية عمل الأسواق تکون فاعلة بشکل کامل دون تدخل من الدولة وتعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية، وذلک لان آلية الأسعار تعمل بأقصى فاعلية کيد خفية للتخصيص الأمثل للموارد الاقتصادية والوصول إلى مستوى التشغيل الکامل (Economics Online, 2017). في حين إن المدرسة الکينيزية شککت بقدرة حرية الأسواق على تصحيح إختلالات الأسواق وتحقيق الاستقرار الاقتصادي في المدى القصير، والوصول إلى حالة التوازن العام وتحقيق التنمية الاقتصادية، ولذلک لا بد من التدخل الحکومي من خلال تبني سياسات اقتصادية حکومية (Froyen, 2012). کما أشارEconomics Online (2017) إلى إن دعاة المدرسة الکلاسيکية الحديثة أضافوا العقلانية إلى الفکر الاقتصادي لتفسير بعض القضايا والمشاکل الاقتصادية من خلال السلوک العقلاني والتوقعات العقلانية، فالمستهلک يسعى إلى تعظيم المنفعة والمنتج يسعى إلى تعظيم الربح. 

وبقيت الأمور على ذلک حتى جاءت الأزمة المالية العالمية لتغيّر الکثير من الآراء والقناعات الاقتصادية لدى المفکرين وأصحاب القرار الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى ضعف بعض جوانب النظام الرأسمالي، وإحداث خلل في بعض النظريات الاقتصادية لا سيما النظرية الکلاسيکية وما کانت تدعو إليه من حرية الأسواق وعدم التدخل الحکومي. بينما برزت النظرية الکينيزية کأداة أکثر فاعلية بسبب تأکيدها على ضرورة التدخل الحکومي في النشاط الاقتصادي لا سيما من خلال السياسة المالية، وکذلک السياسة النقدية التي دعت إليها المدرسة النقدية، وقد أشار Saulo وآخرون (2013) إلى ضرورة التنسيق بين السياستين المالية والنقدية عند التأثير على النشاط الاقتصادي، وذلک لأن أية قرارات قد تتخذها إحدى هذه السياسات بمعزل عن الأخرى سيکون لها عواقب کبيرة على رفاه المجتمع ککل. ومع بداية الأزمة المالية العالمية، سارعت الدول المتقدمة لحماية أسواقها باتخاذ العديد من التدابير غير التقليدية کضخ مليارات الدولارات لإنقاذ شرکات وسداد ديون متعثرة، متخلية بذلک عن نظرياتها الاقتصادية التي تدعو إلى ترک السوق وشأنه ليحل مشاکله بنفسه دون تدخل مباشر من الدولة في الشؤون الاقتصادية. وهناک العديد من الدراسات والتقارير الدولية والمحلية تناولت الأزمة المالية وانعکاساتها، إضافة إلى السياسات والإجراءات التي اتخذتها مختلف الدول لمواجهة هذه الأزمة. 

فعلى الصعيد الدولي، أشارت دراسة Aikins (2009) إلى جدلية التدخل الحکومي في حالة الأزمات، مشيرا إلى إن عدم فاعلية الحاکمية التشريعية وفشل أخذ الدروس من الماضي هما السببان الرئيسان للأزمة المالية العالمية، وان جل الجهود ترکزت في برامج الإنقاذ المالي، حيث بين البحث إن إجمالي حزم الإنقاذ المالي في أوروبا بعد نشوء الأزمة مباشرة بلغت حوالي 2.8 تريليون دولار. في حين بيّنت دراسة Carey وآخرون (2012) بان العديد من المتابعين للشأن المالي أشاروا إلى عدم کفاية ممارسات الإفصاح في المؤسسات المالية قبيل الأزمة المالية العالمية. 

کما أشارت دراسة United Nations and African Union Commission (2009) إلى أن أهم السياسات والتدابير الرسمية التي اتخذتها الدول الأفريقية لمواجهة الأزمة المالية العالمية رکزت على تخفيض أسعار الفائدة، وإعادة رسملة المؤسسات المالية، وتعزيز السيولة للبنوک والشرکات الکبرى، وانتهاج سياسات مالية توسعي، فضلا عن تغيرات في السياسات التجارية والإصلاحات التشريعية.

قارنت دراسةNorgren  (2010 ) أهم السياسات المتبعة للتعامل مع الأزمات العالمية والاقليمية، حيث أشارت إن أهم الإجراءات المتخذة خلال الکساد العظيم رکزت على إتباع سياسة نقدية انکماشية وتخفيض أسعار الصرف، بينما تم تخفيض أسعار صرف العملات وخطط الإنقاذ المالي من صندوق النقد الدولي في الأزمة المالية الأسيوية عام 1997، وأما أهم السياسات لمواجهة الأزمة المالية العالمية 2008 ترکزت في خطط الإنقاذ المالي والسياسات المالية والنقدية التوسعية. 

أشار Meyersson و Karlberg (2012) إلى أهمية استدامة توفير المعلومات والشفافية للبنوک المرکزية لتجنب الأزمات وخاصة من خلال نشر المعلومات المتعلقة بتقييم المخاطر والسياسات والتدابير الضرورية المتخذة للتخفيف من المخاطر. کما قارن Vayid (2013) السياسات والتدابير التي تبنّاها البنک المرکزي الکندي قبل الأزمة وبعده، ووجد بأن الشفافية والوضوح کان ما يميز مرحلة ما بعد الأزمة مقارنة بالغموض والسرية ما قبلها، وتشير التجربة الکندية إلى أهمية التنسيق والتعاون الکامل بين البنک المرکزي ووزارة المالية للحفاظ على سلامة النظام المالي، مع التأکيد على ضرورة انسجام النظام المالي مع أداء وحجم الاقتصاد الحقيقي.

وفي دراسة الطيب (2011) هدفت إلى بيان تداعيات الأزمة المالية العالمية على مختلف القطاعات الاقتصادية والمالية في الأردن، حيث أشارت نتائج البحث إلى محدودية تأثر الأردن بتداعيات وسلبيات هذه الأزمة مقارنة مع اقتصاديات دول أخرى في المنطقة ودول العالم الخارجي، ويبرر ذلک بسبب الجهود التي بذلها البنک المرکزي الأردني قبل وخلال مدة الأزمة، کما أشار البحث إلى نجاح البنک المرکزي في امتصاص جانب من السيولة النقدية المتوفرة لدى البنوک المحلية، وتوجيهها نحو سوق الإقراض والائتمان المحليّ مما أدى إلى دفع عجلة النمو الاقتصادي في المملکة وتحقيق معدلات نمو ايجابية وبنسب مناسبة. کما تناول قندح (2009) الأزمة المالية العالمية من حيث الأسباب والآثار وخطط الإنقاذ في العديد من الدول، حيث استعرض أهم خطط الإنقاذ التي اتخذتها العديد من الدول العربية والأجنبية خلال عام تقريبا من حدوث الأزمة المالية. 

ويتميز هذا البحث عن غيره من الأبحاث المحلية باستعراض لأهم التجارب العربية ومقارنتها بالأجنبية في محاولة لاستخلاص الدروس من التجارب المختلفة وکيفية مواجهة الأزمات المستقبلية المحتملة، فضلا عن لفت أنظار أصحاب القرار والمهتمين إلى ضرورة إيلاء الاستقرار الاقتصادي أهمية معتبرة وأولوية قصوى في التخطيط وتحقيق التنمية.

 ثانياً:الأزمة المالية العالمية وتداعياتها

کانت أسواق الأوراق المالية أول المتأثرين بالأزمة المالية العالمية بسبب خصوصية هذه الأسواق المتمثلة بسرعة استجابتها للأحداث الجوهرية وتداخلاتها المتشعبة في جميع دول العالم، فالعولمة والانفتاح الاقتصادي والاستثمار الأجنبي وتطور التکنولوجيا المالية ساعدت في تسارع الهبوط الجماعي لتلک الأسواق وبنسب کبيرة وصل متوسطها العالمي حوالي 43% عام 2008 (مقابلة، 2012، 282). واستمر هذا التأثير في غالبية أسواق المنطقة العربية حتى نهاية العام 2012، ومنذ ذلک الحين لم تستعد غالبية مؤشرات الأسواق المالية العربية ما کانت عليه قبيل الأزمة رغم تفاوت أدائها.

کما أثرت الأزمة على نشاطات اقتصادية أخرى، حيث أفلست بنوک عالمية عملاقة، حيث تشير إصدارات شرکة تأمين الودائع الفدرالية الأمريکية إلى تزايد عدد البنوک الأمريکية المفلسة منذ بداية الأزمة، حيث بلغ عدد البنوک المفلسة في العام 2008 بعد حدوث الأزمة 14 بنک ثم تزايد العدد خلال العام 2009 ليبلغ 140 بنک وفي العام 2010 وصل عدد البنوک المفلسة إلى 152 بنک، وهذا يعني إن عدد البنوک الأمريکية التي أعلنت إفلاسها منذ الأزمة وحتى نهاية العام 2010 حوالي 300 بنک[3] ، کما انهارت شرکات تأمين کبيرة، وتراجعت معدلات النمو الاقتصادي على کافة المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وانخفض الطلب الکلي، وشحت السيولة المالية، واتسعت رقعة التشاؤم بين المستثمرين، وارتبک أصحاب القرار العالمي.

فعلى الصعيد العالمي انخفضت معدلات النمو الحقيقية للناتج المحلي العالمي خلال العام 2009، حيث انخفض هذا المعدل على المستوى العالمي من 3% في العام 2008 إلى -0.6% في العام 2009، وقد تراجعت هذه المعدلات في الاقتصاديات المتقدمة والولايات المتحدة الأمريکية إلى أقل من -3%، بينما نمت اقتصاديات الهند والصين بمعدل 5.7% و8.7% على التوالي خلال العام 2009 (IMF، c2010، 2).

کما يلاحظ إن الاقتصاديات الغربية قد أصيبت بمجموعة متتالية من التصدعات والإخفاقات مما أثر وسيؤثر على حرکة التنمية الاقتصادية في هذه الدول مقارنة بالقفزات التنموية التي تعيشها الدول الناشئة ولا سيما الآسيوية منها (مقابلة، 2012، 112)، حيث أن آثار الأزمة العالمية ما تزال تلحق الضرر بالاقتصاديات الغربية. حيث  تشير أحدث التوقعات الاقتصادية العالمية المستقبلية لصندوق النقد الدولي بان الاقتصاد العالمي سينمو خلال العامين 2015 و2016 بمعدل 3.5% و3.7% على التوالي، إلا إن وتيرة نمو اقتصاديات الدول الناشئة والنامية (4.3% و4.7%) خلال نفس المدة، تفوق نظيرتها المتقدمة والمتوقع أن تنمو بمعدل 2.4% في کلا العامين[4]. وهذا يدل على إن توجيه الاستثمارات العربية نحو الدول غير الغربية أکثر جدوى وأقل مخاطرة لا سيما الاستثمار في دولها لاستکمال ما تبقى من البنى التحتية والترکيز على التعليم والتنمية البشرية والصحة، ومن ثم الانتقال للاستثمار في الاقتصاديات الناشئة. کما إن تنويع مصادر الدخل القومي في دول الخليج العربي يساهم في تحقيق الاستقرار المالي وسينعکس لا محالة على تحقيق مزيد من الاستقرار الاقتصادي وتخفيض تعرض الاقتصاديات إلى الصدمات الخارجية والتي عادة ما تتعرض له نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية. ويمکن للمتابع لتطور خريطة الاقتصاد العالمي الإدعاء بأن الدور الاقتصادي الأمريکي والأوروبي العالمي بدأ بالتناقص وقد يستمر کذلک.

وعلى صعيد الدول العربية، تأثرت الدول العربية بالأزمة کذلک، حيث تباطأت معدلات النمو الحقيقية للناتج المحلي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 2.4% في العام 2009 مقارنة بنمو قدره 5.1% في العام 2008، وانخفضت الإيرادات الحکومية للدول المنتجة للنفط بسبب انخفاض النفط من حوالي 95 دولار للبرميل في المتوسط في العام 2008 إلى حوالي 59 دولار في العام 2009 (IMF، a2010، 65)). کما تراجعت جميع أسواق الأوراق المالية العربية بشکل ملحوظ خلال العام 2008، وکانت أسواق الإمارات ومصر والسعودية أکثر الأسواق تأثرا بالأزمة وبمعدلات تراجع بلغت 58% في الإمارات و56% في مصر والسعودية، وتراجع السوق العماني بمعدل 40%، والسوق الکويتي والبحريني والقطري بمعدلات 38% و35% و28% على التوالي، وکان سوق عمان المالي من أقل الأسواق العربية تراجعا وبمعدل 17% (مقابلة، 2012، 242).

کما انخفضت الإيرادات الحکومية بسبب ضعف الإيرادات النفطية لدى الدول النفطية والضريبية والسياحية لغير النفطية، وتأثرت أوضاع المالية العامة، وما قد ترتب على ذلک من تحقيق عجز في الموازنات العامة، ومخصصات الإنفاق العام، فضلا عن تأثر الصادرات، وضعف الإقدام نحو الاستثمار الخاص، وارتفاع معدلات البطالة، الأمر الذي أثر سلباً على النمو الاقتصادي.

وأما فيما يتعلق بالاقتصاد الأردني، أثرت الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الوطني في العام 2009، وما تبعها من أحداث وتطورات في المنطقة العربية لا سيما اللجوء السوري وإمدادات الغاز وفاتورة الطاقة، حيث تباطأ معدل النمو الاقتصادي الحقيقي بعد العام 2009 لتصل في حدود 3% وأقل.

وارتفاع العجز في الموازنة العامة بمعدل 329% ليصل إلى 1450 مليون دينار مقارنة بعجز 338 مليون، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع رصيد الدين العام بنسبة 16.6% ليصل إلى حوالي 11 مليار دينار (67% من الناتج المحلي الإجمالي)، ومنذ العام 2008 إرتفعت نسب المديونية إلى الناتج المحلي الإجمالي بشکل ملحوظ حيث زادت من حوالي 55% في العام 2008 إلى أکثر من 80% في الوقت الحالي.

   کما انخفض حجم الصادرات الکلية بحوالي 20%، وتراجعت حوالات العاملين بنسبة 5%، فضلا عن انخفاض مؤشر سوق عمان المالي بمعدل 17%، وانخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بشکل کبير منذ الأزمة المالية العالمية وحتى الوقت الحالي، حيث انخفض الاستثمار الأجنبي من أکثر من 2000 مليون دينار في العام 2008 إلى 991 مليون حتى نهاية الربع الثالث من العام 2014 (البنک المرکزي الأردني، 2015، 6-10).

کما يشير الشکل (4) إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر من حوالي 12.9% کنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2008 إلى 4.7% في العام الماضي 2014. وبالمقابل شهدت الاحتياطيات الأجنبية وموجودات البنوک والودائع والتسهيلات الائتمانية ارتفاع خلال العام 2009.

إلا أن الاحتياطيات الأجنبية بدأت بالانخفاض في الأردن من العام 2010 لغاية نهاية العام 2012، حيث انخفضت قدرة الاحتياطيات الأجنبية على تغطية المستوردات بشکل ملحوظ لتصل في العام 2012 إلى 3.5 شهر فقط (البنک المرکزي الأردني، 2015ج، 3)، الأمر الذي هدد بالفعل قيمة الدينار الأردني، وأجبر البنک المرکزي على اتخاذ تدابير وخيارات صعبة لکنها کانت ضرورية للمحافظة على الاستقرار النقدي.

ثالثاً: تحليل البحث: التدابير والسياسات المتخذة

استجابت العديد من دول العالم والمؤسسات الدولية والتکتلات الاقتصادية للأزمة المالية العالمية من خلال العديد من التدابير والسياسات، ولا شک إن تلک الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل التکتلات الدولية أو الإقليمية أو حتى على مستوى الدولة الواحدة المتمثلة بخطط الإنقاذ المالي وتطوير التشريعات وغيرها من الإجراءات، ساهمت بالحد من أثار الأزمة، لکنها لم توقفها أو تقتلعها من جذورها. وقد أثبتت الأزمة المالية الحالية إن تحقيق التنمية الاقتصادية لا يمکن أن يتم بمنأى عن تدخل الدول وتوجيهها وإشرافها، حيث اتخذت الحکومات المختلفة ممثلة بمؤسساتها الرسمية کالبنوک المرکزية وهيئاتها الرقابية على أسواق رأس المال، مجموعة من التدابير والسياسات لحماية أسواقها المالية واقتصادياتها بهدف تحسين قدراتها على مواجهة الأزمات المالية وتعزيز الاستقرار المالي وتوفير السيولة اللازمة.

ويمکن تصنيف هذه التدابير إلى صنفين؛ تدابير فورية وربما تسمى تدابير مؤقتة کان الهدف منها امتصاص الأزمة المالية العالمية، وتقليل الآثار السلبية لتلک الأزمة قدر الإمکان بغية وقف التدهور المالي الخطير الذي يمکن أن تتعرض له مختلف الاقتصاديات الدولية، وقد لا تکون هذه التدابير عي الأمثل لکنها خطوة بالاتجاه الصحيح. والصنف الثاني تدابير مستدامة لتأسيس مرحلة نحو تدابير وإجراءات أفضل يمکن اتخاذها لتلافي حدوث الأزمات على المدى البعيد، وربما تتطلب تعاون وتنسيق دولي وإقليمي لوضع وتطبيق أسس سليمة تحافظ على سلامة البنوک وأسواق الأوراق المالية لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي. وفيما يلي سيتم رصد وتحليل هذه السياسات في کل من الأردن والدول العربية، إضافة إلى السياسات الدولية وتجارب بعض الدول الأجنبية.

1-السياسات الأردنية: السياسات المالية والنقدية

استجابت الحکومة الأردنية للأزمة المالية العالمية باتخاذ العديد من التدابير والسياسات للحد من آثار هذه الأزمة، حيث قامت الحکومة ممثلة بالبنک المرکزي بضمان جميع الودائع[5] لدى البنوک العاملة في المملکة وبدون سقف منذ بداية الأزمة وحتى نهاية العام 2010، وهي ودائع عائدة للمواطنين والبنوک المرخصة العاملة في المملکة، وودائع غيرالمقيمين في المملکة، وودائع الحکومة المرکزية وودائع المؤسسات العامة المستقلةالمودعة لدى البنک المرکزي علاوة على ودائع الاحتياطيات (الطيب، 2011، 16). کما قامت بهدف حفز النشاط الاقتصادي بمنحالعديدمن الإعفاءاتالضريبيةلعددمنالقطاعاتمثلقطاعالسياحة،وإعفاء 260 مدخل صناعيمنالتعريفاتالجمرکية، وإعفاء بعض أنواع الشقق السکنية من رسوم التسجيل حتى نهاية العام 2009، وتشکيل لجان توجيهية لمراقبة المؤشرات الاقتصادية والمالية. کما قام البنک المرکزي الأردني وهيئة الأوراق المالية ببعض السياسات في هذا السياق.

تدابير البنك المرکزي الأردني

اتبع البنک المرکزي الأردني سياسات نقدية توسعية بشکل عام وأخرى انکماشية أحيانا تنسجم وطبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد الأردني استجابة للأزمة المالية العالمية، وما تبعها من أحداث کالأزمة السورية وتداعياتها على الاقتصاد الأردني وارتفاع فاتورة استيراد الطاقة. وقد اتبع البنک أحدث المعايير الدولية في الرقابة المصرفية،وحرص عل ىتشجيع البنوک على الاهتمام بإدارات المخاطر ،وأنظمة الرقابة الداخلية ومکافحة عمليات غسل الأموال، وفيما يلي وصف وتحليل لأهم السياسات النقدية المتبعة خلال المدة 2008- 2015 يلخصها الجدول التالي.

جدول (1):أهم السياسات النقدية التي اتبعها البنک المرکزي الأردني

العام

السياسات والتدابير النقدية

2008

التخفيف من شروط الاقتراض وسداد القروض بهدف التسهيل على المقترضين، وإتاحة المجال أمام البنوک لتحريک الائتمان

تخفيض سعر الفائدة على تسهيلات إعادة الخصم إلى 6.25%

تخفيض سعر الفائدة على

اتفاقيات إعادة الشراء لليلة واحدة إلى 6%

تخفيض سعر الفائدة على نافذة الإيداع لليلة واحدة إلى 4%

تخفيض نسبة الاحتياطي الإجباري من 10% إلى 9% لتعزيز السيولة

وقف إصدار شهاداتالإيداع

2009

تخفيف شروط تصنيفالتسهيلاتالائتمانيةغيرالعاملة، وتعديلالتعليماتالمتعلقةبالسيولةالنقديةالقانونيةللبنوک

تخفيض سعر الفائدة أعلاه إلى 4.75%

تخفيض سعر الفائدة أعلاه إلى 4.5%

تخفيض سعر الفائدة أعلاه إلى 2.5%

تخفيض نسبة الاحتياطي الإجباري مرتين من 9 إلى 7%

الاستمرار بوقف إصدار شهاداتالإيداع

2010

الاستمرار بتبني سياسة نقدية توسعية

تخفيض سعر الفائدة أعلاه إلى 4.25%

تخفيض سعر الفائدة أعلاه إلى 4%

تخفيض سعر الفائدة أعلاه إلى  2%

 

2011

سياسة نقدية معاکسة

رفع سعر الفائدة أعلاه لتصبح 4.5%

اتبع البنک المرکزي سياسة نقدية انکماشية بهدف احتواء الضغوط التضخمية و زيادة جاذبية تنافسية العائد للأدوات المالية المدخرة بالدينار

2012

مواصلة تعزيز الاستقرار النقدي وتدعيم سلامة القطاع المصرفي، وتبني العديد من التدابير والتعديلات التشريعية لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي

توفير أدوات لضخ السيولة في الاقتصاد الوطني لامتصاص الضغوطات الناتجة عن اللجوء السوري وارتفاع فاتورة الطاقة

ضخ 2.4 مليار دينار بالاقتصاد لمواجهة الدولرة، وزيادة أسعار الفائدة ثلاث مرات

استحداث ثلاث أدوات نقدية جديدة وهي: اتفاقيات إعادة شراء الأوراق المالية لأجل أسبوع واحد ولأجل شهر واحد، و عمليات السوق المفتوحة الدائمة، وعمليات مقايضة العملات الأجنبية بالدينار الأردني 

ترخيص أول شرکة استعلام ائتماني ودعم المشاريع الصغيرة

2013 و2014

إتباع سياسة نقدية توسعية هدفت إلى حفز الاستثمار من خلال تخفيض کلفة الاقتراض

سبب السياسة النقدية التوسعية هو استمرار تحسن مؤشرات الاقتصاد الوطني کتحسن المؤشرات النقدية، وانخفاض الضغوط التضخمية، وتقلص عجز الميزان الجاري، وتحسن حجم الاحتياطات الأجنبية وانخفاض ملموس في الدولرة

تخفيض أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية مرتين في کل من عامي 2013 و 2014

2015

تحديث الإطار التشغيلي للسياسة النقدية من خلال تطوير بعض الأدوات

إصدار شهادات إيداع بأحجام واستحقاقات مختلفة، و تخفيض أسعار الفائدة بمعدل 25 نقطة أساس

تحديد سعر فائدة مرجعي لإدارة السياسة النقدية عند 2.75%

 

المصدر: جمعية البنوک في الأردن، تقارير سنوية ،2008، ص65؛ البنک المرکزي الأردني، 2014، ص39؛ والبنک المرکزي الأردني، 2015أ، ص2-6 و2015ب، ص1-3.

من الجدير بالذکر، إن البنوکالعاملةفيالمملکةلمتلجألا للبنکالمرکزي ولا للحکومة للحصولعلى أينوعمن أنواع الدعمالمادي، وهذا يشير إلى سلامةوصلابةالأوضاع المالية للجهاز المصرفي الأردني، بسبب الإجراءات والسياسات التحفظية التي کان يمارسها البنک المرکزي تجاه البنوک، وربما قلة ارتباطاتها الاستثمارية مع البنوک الأجنبية لا سيما الغربية منها. ويتبين من الجدول أعلاه، بأن غالبية السياسات النقدية المتخذّة لمعالجة الأزمة کانت سياسات نقدية توسعية. ومن الجدير بالذکر لا يوجد هناک أية إشارة من البنک المرکزي للمنحة الخليجية البالغ قيمتها خمسة مليار دولار [7]، وکيف ساعدت في تعزيز الاحتياطيات، وتعزيز الطلب الکلي وامتصاص الأزمة وحفز الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل.

سياسة هيئة الأوراق المالية

تراجع مؤشر بورصة عمّان المرجح بالقيمة السوقية منذ بداية الأزمة في العام 2008 ولغاية نهاية العام الماضي 2014 بشکل مستمر على عکس أداء البورصات العربية الأخرى التي حققت معدلات نمو ايجابية في بعض السنوات التي تلت الأزمة المالية العالمية، وهذا يدل على تأثر السوق المحلي بشکل مباشر بالأزمة المالية العالمية، وما تبعها من أحداث وصدمات اقتصادية تعرّض لها الاقتصاد الأردني فيما بعد.

وبهدف الحد من تداعيات تلک الصدمات على قطاع سوق رأس المال الوطني وتطويره ورفع درجة تنافسيته وإستعادة ثقة المستثمرين فيه، قامت هيئة الأوراق المالية بتنفيذ العديد من السياسات والإجراءات، حيث قامت بمراجعة شاملة للأطر التشريعية والتنظيمية ضمن خطة إستراتيجية للحد من المخاطر، وتحقيق العدالة والکفاءة والشفافية من خلال تطوير الخدمات المالية المقدمة، وسياسات إدارة المخاطر وتنويع الأدوات الاستثمارية فيه، وتعزيز الإفصاح والشفافية وإجراء تقييم لمدى تطبيق مؤسسات سوق رأس المال الوطني للمعايير الدولية وإجراء التعديلات اللازمة في ضوء نتائج هذا التقييم. ومن أهم السياسات والتدابير التي قامت بها الهيئة حسب تقاريرها السنوية [8] ما يلي:

أولا: إعداد مشروع التعديل على قانون الأوراق المالية، ويهدف التعديل إلى تعزيز دور الهيئة الرقابي وتشجيع إنشاء صناديق الإستثمار المشترک، وتمکين الهيئة من تحويل قواعد حوکمة الشرکات الاسترشادية إلى قواعد ملزمة. 

ثانيا: إصدار وتعديل عدد من التشريعات المنظمة لسوق رأس المال الوطني بما يتناسب مع المستجدات الراهنة، ومن هذه التشريعات؛ تعليمات تعامل تداولات أعضاء مجالس إدارة شرکات الوساطة المالية وذوي العلاقة بهم، وتعليمات الفصل بين أموال الوسيط المالي وأموال العملاء، وتعليمات التمويل على الهامش، وتعليمات شراء الشرکات لأسهمها، وتعليمات التعامل النقدي للحد من مخاطر شرکات الوساطة المالية ومخاطر السوق، ووضع أسس للإجراءات التي تتخذ بحق الشرکات المدرجة في السوق التي تزيد خسائرها عن نصف رأسمالها، وتعليمات المعايير والشروط الواجب توافرها في مدققي الحسابات.

کما بدأت الهيئة بتطبيق المرحلة الأولى من نظام الإفصاح الإلکتروني، وإطلاق نظام الترخيص الإلکتروني، وإصدار التشريعات المنظمة لصکوک التمويل الإسلامي، والعمل على تحقيق الإلتزام بقواعد حوکمة الشرکات التي أصدرتها الهيئة وفقا للمعايير الدولية. کما إن الهيئة تسعى إلى تنفيذ مشاريع مستقبليةومنها؛ تعليمات سقوف تداول شرکات الوساطة المالية، وتعليمات الملاءة المالية، وتعليمات الترخيص والتفتيش، وتعليمات الإفصاح، وتعليمات حقوق الاکتتاب، وتعليمات صناديق الاستثمار.

2.5 التدابير الرسمية في الوطن العربي

تنوعت وتعددت السياسات والتدابير التي اتخذتها الدول العربية لمواجهة الأزمة المالية العالمية، فبينما رکزت الدول العربية المصدرة للنفط على إتباع سياسات مالية توسعية وتحفيزية وخاصة من خلال زيادة الإنفاق الحکومي وتعزيز السيولة المحلية، وضخ الأموال من البنوک المرکزية إلى القطاع المصرفي لمواجهة النقص في السيولة. رکزت الدول العربية غير النفطية على سياسات ضمان القروض المصرفية کمصر، وضمان الودائع وإتباع سياسات نقدية توسعية وتعديل التشريعات کالأردن، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة کالأردن وتونس. وفيما يلي بعض التجارب لبعض الدول العربية.

المملکة العربية السعودية

واجهت الحکومة السعودية الأزمة المالية العالمية بإتباع سياستين مالية ونقدية توسعيتين، وتقوية القطاع المالي وضمان الودائع، وتنفيذ إصلاحات هيکلية لتعزيز دور القطاع الخاص بهدف دفع عجلة النمو الاقتصادي السعودي.

على الجانب المصرفي، رکزت مؤسسة النقد العربي السعودي “ساما” (2010) على الحفاظ على متانة المراکز المالية للبنوک التجارية للتصدي لتداعيات الأزمة، وتعزيز السيولة المحلية للبنوک وخفض تکلفة الإقراض من خلال ضخ ما يقارب 26 مليار ريال (6.9 مليار دولار) في مصارفها المحلية، وسحبت نحو 7 مليار دولار أخرى من ودائعها بالمصارف الأجنبية لدعم مصارفها المحلية، وتخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي على مرحلتين من 13% إلى 7% نهاية العام 2008 (قندح، 2009، 63). فضلا عن تحسين نظم إدارة المخاطر للبنوک والاستغلال الأمثل لمواردها المالية. 

کما قامت السعودية بتطوير الجانب التنظيمي في مجالات متعددة في سوق الأوراق المالية السعودي، وخاصة فيما يتعلق بلائحة حوکمة الشرکات والإفصاح والتزام الشرکات المدرجة وتوفير الحماية والعدالة للمستثمرين وحمايتهم من الممارسات غير العادلة، کما تم إطلاق برنامج سُميّ “برنامج مواکبة المستقبل” استجابة للتغيرات والتحديات المستقبلية يهدف إلى تحقيق نقلة نوعية على صعيد العمليات والإجراءات والأفراد والمؤسسات يمکّن هيئة السوق المالية من تحقيق أهدافها الإستراتيجية (هيئة السوق المالية السعودية، 2009، 15).

وقد کان لتلک السياسات دور أساسي في التخفيف من آثار الأزمة على السعودية، وساعدها في ذلک تمتعها بأساسيات اقتصادية قوية ومتانة الوضع المالي للحکومة بسبب وضع ميزان المدفوعات القوي والفوائض المالية المتحققة في السنوات الماضية للأزمة.

الإمارات العربية المتحدة

دعمت الحکومة الإماراتية قطاعها المصرفي بمبلغ 120 مليار درهم (32 مليار دولار)، حيث تم إيداع 50 مليار درهم بالبنک المرکزي لدعم تسهيلات المصارف وباقي المبلغ تم تحويله إلى وزارة المالية لاستخدامه عند الحاجة. فعلى الصعيد المصرفي، ضمنت الحکومة الإماراتية الودائع ووفرت ضمانات لعمليات الاقتراض، کما ضمنت عدم تعرض أي بنک محلي لأية مخاطر ائتمانية (قندح، 2009، 58).  

وفيما يتعلق بجانب سوق رأس المال، فقد أکدت هيئة الأوراق المالية والسلع على الارتقاء بمستوى التعاملات في أسواق رأس المال والسلع بالدولة من خلال ضمان تطبيق مبادئ الشفافية والنزاهة والعدالة ورفع الوعي الاستثماري وتطوير التشريعات المنظمة وتنفيذه. کما قامت الهيئة بتشجيع وتحفيز شرکات الوساطة الصغيرة على الاندماج والخروج بتکتل اقتصادي قوي يعزز من کفاءة أسواق المال، وتوسيع دائرة خدمات شرکات الوساطة، فضلا عن تطوير ضوابط الحوکمة ومعايير الانضباط المؤسسي، کما أعدت مشروع قانون هيئة الأوراق المالية والسلع لديها (هيئة الأوراق المالية والسلع، 2009، 9).

دولة الکويت

ضمنت الحکومة کافة الودائع في الدولة بعد تدخلها لإنقاذ بنک الخليج، وسمحت لصندوقها السيادي بضخ السيولة في البورصة. وفي العام 2009 صدر قانون الاستقرار الاقتصادي الذي يشمل حزمة من السياسات والمحفزات لدعم اقتصادها الوطني بهدف  لاحماية النظام المالي الکويتي وإرساء الاستقرار في الاقتصاد. ومن السياسات المتبعة في القانون المشار إليه؛ ضمان 50% من القروض المصرفية الجديدة للشرکات، وضمان العجز في مخصصات البنوک لمواجهة الديون السابقة (قندح، 2009، 60).

وعلى الصعيد النقدي، اتبع البنک المرکزي سياسة نقدية توسعية حيث عمل على تخفيض أسعار الفائدة بين البنوک، وخفض أسعار إعادة الخصم. وفيما يتعلق بقطاع سوق رأس المال، فقد کشفتالتراجعاتالکبيرةلمؤشراتالسوقالکويتيمنذالأزمة المالية العالمية في العام 2008 عنمدى ضرورة معالجةجذريةلهيکل سوق رأس المال الکويتي، وذلکمنخلالإعادةهيکلةالبناءالمؤسسيلمنظومةأسواقالمالفيالکويت عن طريق فصل السلطة التنفيذية عن التشريعية،وإعادةبناءهذاالقطاعمنجديد على أسسمتينةوراسخةبمايتوافق وأفضلالمعايير والممارساتالدوليةفيمجال أسواقالمال، ولذلک کانالعام 2010 عاماًمفصلياًفيتاريخقطاعأسواقالمالفيالکويت،حيثشهدالإطارالقانونيوالتنظيميلقطاع أسواقالمالتطوراًکبيراًونقلةنوعيةمع صدورالقانونرقم (7) لسنة 2010  الخاصبإنشاءهيئة أسواقالمال،وتنظيم نشاطالأوراقالماليةفيشباط من نفس العامليدخلبذلکالسوقالکويتيمرحلةجديدةمنالرقابةوالتنظيم (انظر إلى قانون رقم 7 لسنة 2010 بشأن إنشاء هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية (7/2010)[9].

دولة قطر

تتلخص أهم التدابير التي قامت بها دولة قطر لمواجهة الأزمة المالية العالمية بشراء هيئة الاستثمار القطرية التي تمثل الصندوق السيادي للدولة بين (10-20%) من رأس مال البنوک المدرجة في البورصة القطرية، کما قام البنک المرکزي القطري بشراء محافظ استثمارية للبنوک المحلية (قندح، 2009، 65)، وعمل البنک أيضا على زيادة التسهيلات الائتمانية المقدمة من البنوک التجارية لعملائها، بالإضافة إلى تطبيق معايير الرقابة الدولية من خلال إنشاء إدارة المخاطر لدراسة المسائل الخاصة بالمخاطر النظامية بما في ذلک وضع إطار متکامل لحوکمة الشرکات وزيادة الوعي بأهمية إدارة المخاطر في البنک، فضلا عن قيام الحکومة بتشجيع شرکتين عقاريتين على الاندماج.

سلطنة عُمان

قامت حکومة سلطنة عمان بجهود کبيرة بهدف التخفيف من آثار الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد العماني، وقد تجسدت تلک الجهود من خلال تبني سياسات اقتصادية طويلة الأجل الرامية إلى تعزيز التنوع الاقتصادي وتشجيع الاستثمار والسياسات النقدية، ودعم استقرار الجهاز المصرفي وقطاع المال بصفة عامة. حيث قامت الحکومة کخطوة احترازية وبهدف تعميق الثقة بالنظام المصرفي بشکل خاص والمالي بشکل عام بتوفير ملياري دولار في البنک المرکزي للجوء إليها عند الحاجة لتوفير السيولة والمحافظة على الاستقرار النقدي و المالي. ولم يتم استخدام سوى 600 مليون دولار فقط من بنکين من البنوک المحلية ولمدة قصيرة (البنک المرکزي العماني، 2009، 66). کما أعلنت الحکومة بوقت مبکر من العام 2009 عن استعدادها لتغطية أي عجز محتمل في موازنتها بالسحب من الاحتياطيات العامة للدولة، وعدم اللجوء للاقتراض في حالة عدم تحقق زيادة في الإيرادات المقدرة في الموازنة لعام 2009. کما قامت الحکومة وبالتعاون مع القطاع الخاص بتأسيس صندوق التوازن الاستثماري کصانع للسوق برأسمال 150 مليون ريال عماني (390 مليون دولار) بهدف التخفيف من حدة التراجع في سوق مسقط للأوراق المالية والمحافظة على استقراره (انظر إلى موقع صندوق التوازن الاستثماري)[10].

کما دعا البنک المرکزي البنوک التجارية والاستثمارية العاملة بالسلطنة للتقيد بالنسب المالية التي تبقي البنوک بعيدة عن المخاطر وحث البنوک التي تفتقر إلى إدارات المخاطر على تأسيس وحدات خاصة بإدارة المخاطر، باعتبار إن البنوک عنصر أساسي في الاستقرار المالي والنقدي، وقد حرص البنک المرکزي على متابعة ومراقبة السيولة بشکل دائم وتوفيرها بهدف الحد من الخسائر الاستثمارية ودعم مستويات السيولة وتجنيب المصارف من القروض المتعثّرة من خلال عدد من التدابير لدعم النظام المالي؛ کخفض سعر الفائدة، ودعم مستويات السيولة لدى المصارف، وخفض الحد الأدنى لمعدل الاحتياط الإجباري للبنوک من 8% إلى 5%، ورفع الحد الأقصى لمعدل القروض إلى الودائع من 85% إلى 87.5% (البنک المرکزي العماني، 2010، 23). 

وعلى صعيد الأوراق المالية، قامت الهيئة العامة لسوق المال في بداية الأزمة بالإجراءات التالية؛ حث الشرکات المدرجة على الإفصاح عن أي علاقات مالية مع المؤسسات الدولية أو تعرضها للأزمة، وتشديد الرقابة وتفعيل الأدوات التنظيمية للقطاعات المالية لتصبح أکثر تشددا، وعدم التهاون مع مخالفات الشرکات المدرجة، وحث الشرکات المدرجة للإفصاح عن النتائج المالية بأسرع وقت ممکن، وحث الشرکات المدرجة للإعلان المبکر عن توزيع الأرباح (الهيئة العامة لسوق المال، 2010، 3).

هذه التدابير ساعدت دول الخليج العربي على التخفيف من اثر الأزمة، لا سيما إن تلک الإجراءات تزامنت مع الارتفاع التدريجي لأسعار النفط بعد مضي عام على بداية الأزمة.

جمهورية مصر العربية

أعلنت الحکومة المصرية عن حزمة من السياسات الاقتصادية لمواجهة الأزمة، وتضمنت هذه السياسات متابعة البنک المرکزي لمعدل التضخم، وتخفيض سعر الفائدة عند انخفاض معدل التضخم بهدف تشجيع الاستثمار وتشجيع الطلب المحلي على شراء الوحدات السکنية والسيارات والسلع المعمرة بصفة عامة، کما أصدرت الحکومة قانون مشارکة القطاع العام والقطاع الخاص لتشجيع الإنفاق الاستثماري بقيمة 15 مليار جنيه، وزيادة الإنفاق الاستثماري بقيمة 15 مليار جنيه أخرى على مشروعات البنية الأساسية (لطفي، 2009، 22)، کما قامت الحکومة بتخفيض الرسوم الجمرکية على قطاع الأعمال وتقديم تسهيلات لتشجيع الصادرات، وتعزيز الاستثمارات في البنى التحتية  (العنتري، 2009، 3).

3- تجارب دولية

تباينت السياسات والإجراءات الدولية والحکومية لمواجهة الأزمة المالية العالمية، حيث عمدت دول في أوربا وآسيا والشرق الأوسط إلى ضخ مليارات الدولارات لتأمين السيولة في أسواق المال، وشراء أسهم المؤسسات المالية الکبرى. يتناول هذا الجزء أبرز السياسات التي اتخذت لمواجهة تلک الأزمة من قبل المؤسسات الدولية والاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأجنبية الأخرى.

صندوق النقد الدولي

اتبع IMF (2011،4) سياسة اقتصادية کلية احترازية (macro-prudential instruments) استرشادية هدفت إلى تحقيق الاستقرار المالي في مختلف الاقتصاديات العالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار التباين في خبرات وقدرات الدول المختلفة في التعاطي مع مثل هذه السياسة والتحديات المتباينة لمختلف الأنظمة المالية في تلک الدول، وقد رکزت تلک السياسة على تخفيض المخاطر النظامية عبر الزمن وللاقتصاديات المختلفة کذلک، وخاصة تلک المخاطر المرتبطة بالائتمان والسيولة ورأس المال، حيث کل دولة يمکن أن تختار ما يناسبها من تلک الأدوات حسب ظروفها وأنظمة الصرف ونوعية الأزمات التي يمکن أن تتعرض لها، وکذلک درجة التطور المالي والاقتصادي فيها. وتتلخص سياسة الصندوق وحسب تجارب 49 دولة، بوضع مؤشرات لتقليل المخاطر وتقوية النظام المالي في الاقتصاديات المختلفة من خلال وضع سقف أعلى لمؤشرات معينة، ومن أهم هذه المؤشرات؛ نسبة القروض للقيمة، نسبة الدين إلى الدخل، وضع سقف للائتمان والنمو الائتماني، فضلا عن اشتراطات ومتطلبات الاحتياطيات ومتطلبات رأس المال وفترات الاستحقاقات. من شأن مثل هذه التدابير والسياسات التخفيف من عرضة النظام المالي للدول للأزمات والصدمات المالية والاقتصادية المتوقعة. 

کما أشار صندوق النقد الدولي (IMF) (b2010، 3) إلى سياسة الدول المتقدمة في مواجهة الأزمة المالية العالمية، وتتلخص هذه السياسة بتخفيض معدلات الفائدة إلى مستويات کبيرة ولفترات زمنية طويلة، وإتباع سياسات وتدابير لتنشيط اقتصادياتها، ومن تلک السياسات؛ توفير السيولة في الأسواق، شراء الأوراق المالية طويلة الأمد للقطاع العام، وضخ السيولة بالنقد الأجنبي لمواجهة النقص الحاد فيها.

وقد أکدت “اللجنة النقدية والمالية الدولية” بالتعاون مع صندوق النقد الدولي على ضرورة التعاون الدولي للتصدي للأزمة المالية العالمية، وکانت أهم السياسات والتدابير المقترحة هي؛ تقوية التنظيم والرقابة في القطاع المالي لتعزيز قدرته على تحمّل الأزمات، ودعم القروض الميسرة للدول الفقيرة ودعوة المانحين لزيادة مساهماتهم، وحث الصندوق على تلبية احتياجات الدول الأعضاء لمواجهة الأزمة وتحسين تحليل المخاطر.     

وفي إطار الاستفادة من دروس الأزمة المالية العالمية فقد حدد صندوق النقد الدولي خمسة دروس بعد مسح أجراه أعقاب الأزمة شمل 126 دولة أعضاء في الصندوق، وقد هدف هذا المسح إلى التعرف على الفروقات الاقتصادية بين الدول النامية وتباين تأثرها بالأزمة، وقد خلص الصندوق إلى نتيجة مفادها بان تمويل التنمية بالديون، وتبني أسعار صرف غير مرنة، وترکز الصادرات للسلع الصناعية نحو أسواق الدول الصناعية، وضعف الرقابة على المصارف، إضافة إلى أن الدول التي کانت تعاني عجزا ماليا کبيرا کانت أکثر عرضة للأزمة العالمية من غيرها، والعکس صحيح (مقابلة، 2012، 283). ومن الجدير بالذکر  إن الصندوق قد فشل بالتنبؤ بالأزمة قبل حدوثها وتقديم مؤشرات أو اقتراحات لتفاديها.

مجلس الاستقرار المالي

بمبادرة من وزراء مالية ومحافظي البنوک المرکزية للدول السبع الکبرى في العام 1999، أنشئ مجلس الاستقرار المالي في العام 2009، ويهدف هذا المجلس إلى معالجة مواطن الضعف في النظام المالي العالمي وتطوير الأنظمة المالية والإشرافية في المؤسسات المالية العالمية لضمان المحافظة على الاستقرار المالي العالمي (مؤسسة النقد العربي السعودي، 2010، 67)، وقد تدل الفجوة الکبيرة بين تاريخ المبادرة والإنشاء إلى وجود إشارات ودلالات للانفلات المالي والاقتصادي على المستوى الدولي بدون جدية فعلية لاتخاذ إجراءات حقيقية للحد من العواقب التي قد تترتب على ذلک.

کما أن هناک تعاون بين صندوق النقد الدولي ومجلس الاستقرار المالي العالمي فيما يتعلق بصياغة إطار للاستقرار المالي والاقتصادي من خلال مؤشرات الاحتراز (الحيطة) الکليMacro Prudential Indicators (MPIs) ، کما يجري التعاون بينهما بهدف اکتشاف أية إختلالات اقتصادية ومالية من خلال تطوير آلية الإنذار المبکر (IMF-FSB Early Warning Exercise ). تستند هذه المنهجية إلى عدد من نماذج الإنذار المبکر المتعلق بالأزمات المالية والاقتصادية من خلال دمجالمتغيراتالاقتصاديةالکلية بالمتغيراتالماليةلتحديداحتمالاتوقوعأزماتاقتصاديةمستقبلية بهدف اقتراح وتجهيز سياسات وتدابير ممکنة للحيلولة دون وقوع هذه الأزمات (IMF، a2010، 4،8).

البنک الدولي

عقدت لجنة التنمية بالتعاون مع البنک الدولي اجتماعها في نيسان من العام 2010 في واشنطن، وقد قدّرت اللجنة استجابة مجموعة البنک الدولي للأزمة من خلال الزيادة في الدعم بحدود 100 مليار دولار لمساعدة الفقراء في العديد من الدول ودعم صندوق النقد الدولي بحدود 175 مليار دولار، کما شجعت اللجنة خطوات البنک الدولي الرامية إلى إجراء إصلاحات جذرية تتعلق بالحوکمة والمساءلة في مجموعة البنک الدولي، وزيادة القدرة التصويتية للدول النامية والدول الناشئة إلى حوالي 47%، وزيادة رأسمال البنک الدولي للإنشاء والتعمير[11].

تجربة الاتحاد الأوروبي

اتبع الاتحاد الأوروبي سياسة اقتصادية کلية احترازية على المستويين القطري والاتحادي، حيث تم تأسيس مجلس المخاطر النظامية الأوروبي (ESRB) في العام 2011، بهدف رصد أية مخاطر محتملة يتعرض لها الاقتصاد الأوروبي والتنبؤ بها من خلال تنفيذ أدوات هذه السياسة. حيث يتم التعاون والتنسيق بين دول المؤسسات الرسمية في الاتحاد لمواجهة أية إختلالات محتملة، وتتصف الأدوات المستخدمة بالبساطة والفعالية وسهولة التطبيق دون إحداث إختلالات جوهرية في الاقتصاديات (صندوق النقد الدولي،2011). ومن الأمثلة على تلک الأدوات نسبة القروض للقيمة ونسبة الدين إلى الدخل، وعادة ما يتم استخدامهما بشکل متزامن لمواجهة النمو السريع في القروض الموجهة للقطاع العقاري. ويبين الجدول (2) الأدوات والسياسات الاحترازية المستخدمة في الدول الأوروبية ومقارنتها ببعض دول العالم الأخرى.

ويتضح من الجدول إن من شأن هذه الأدوات المساعدة في ضبط النمو الائتماني وخفض الضغوط التضخمية لتقييم الأصول، الأمر الذي يقلل من المخاطر. وتمثل هذه الأدوات مزيدا من التشدد والضبط المالي الذي يمکن أن يقلل من الانفلات المالي والتشريعي الذي مارسته کثير من دول العالم لا سيما الغربية منها.

الولايات المتحدة الأمريکية

عالجت الولايات المتحدة الأمريکية المشکلة التي سببتها بضخ مليارات الدولار في أجهزتها المصرفية لمنع انهيارها، کما قاموا بدمج کثير من المؤسسات المالية، وقامت أمريکا بتأميم المجموعة الأمريکية العملاقة في مجال التأمين “إي آي جي”، إضافة إلى شرائها لأسهم وأصول بعض الشرکات والبنوک، وذلک بهدف تلافي انهيار النظام الرأسمالي. ورغم ذلک بلغ عدد البنوک الأمريکية التي أفلست منذ بداية الأزمة حتى منتصف العام 2010 حوالي 240 بنک. وقد اتبعت الحکومة الأمريکية خطة للإنقاذ المالي، وهدفت تأمين الحماية للمدخرات والعقارات وتشجيع الاستثمار، ومنح إعفاءات ضريبية، وتحديد تعويضات رؤساء الشرکات الکبرى بهدف حفز النمو الاقتصادي، کما تتيح الخطة للخزانة الأمريکية شراء الديون الهالکة عالية المخاطر، ورفع سقف الضمانات للمودعين (قندح، 2009، 42). ورغم تلک الجهود إلا أن الاقتصاد الأمريکي عانى فيما بعد من کساد وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات کبيرة.

 جدول (2): أمثلة على بعض الأدوات الاحترازية الدولية المستخدمة

الأداة المستخدمة

الدول الغربية والأوروبية

دول أخرى

1

سقف على نسبة القروض للقيمة

کندا، بلغاريا، النرويج، البرتغال، السويد، ترکيا

لبنان، کولومبيا، الصين، الهند، هونغ کونغ، سنغافوره، تايلند

2

سقف على نسبة الدين (القروض) إلى الدخل

رومانيا، روسيا، صربيا، النرويج، بولندا، فرنسا، کرواتيا

تايلند، کوريا،الصين، هونغ کونغ، کولومبيا

3

سقف على الإقراض بالعملات الأجنبية

النمسا، هنغاريا، بولند، رومانيا، صربيا، ترکيا

کوريا، البرازيل، الأرجنتين

4

سقف على الائتمان أو النمو الائتماني

کرواتيا

نيجيريا، سنغافوره، ماليزيا، الصين، هونغ کونغ، کولومبيا

5

قيود على العملات الأجنبية

کرواتيا، هنغاريا، رومانيا، سلوفاکيا

الأرجنتين، البرازيل، کولومبيا، البيرو، اندونيسيا، کوريا،ماليزيا، تايلند، نيجيريا، جنوب أفريقيا، لبنان

6

قيود على تباين آجال الاستحقاق

فرنسا، ايطاليا، رومانيا، سلوفاکيا،

الأرجنتين، کولومبيا، المکسيک، الارغواي، نيوزلندا، سنغافورة، نيجيريا، جنوب أفريقيا

7

متطلبات الاحتياط

بلغاريا، کرواتيا، بولندا، رومانيا، روسيا، صربيا،

نيجيريا و لبنان، ماليزيا، کوريا، الهند، اندونيسيا، الصين، البرازيل، الأرجنتين، تشيلي، کولومبيا، البيرو

8

تقييد توزيع الأرباح

بولندا، رومانيا، صربيا، ترکيا

الأرجنتين و کولمبيا

المصدر: عمل الباحث استنادا إلى تقرير صندوق النقد الدولي بعنوان Macro-prudential Policy: What Instruments and How to Use Them? Lessons from Country Experiences, WP/11/238., 2011.، ص 8-12.  

المملکة المتحدة

ضخ البنک المرکزي البريطاني سيولة ضخمة في نظامه المالي خلال العامين 2008 و2009 وأبقى على فائدة 0.5% خلال العام 2009، وهو أدنى مستوى فائدة منذ تأسيس البنک في العام 1694 (مؤسسة النقد السعودي، 2009). کما قامت بريطانيا بشراء بنک ” برادفورد أند بنغلي” وکذلک “بنک الشمال”.وأعلنت عن خطة إنقاذ مالي بقيمة تقدر بحوالي 690 مليار دولار، بهدف دعم رأسمال المصارف، کما قامت الحکومة البريطانية بضمان الاقتراض المشترک بين المصارف ودعم سيولة المصارف (قندح، 2009، 45). وقد اعتمدت الخطة بشکل کبير على تخفيضات ضريبية کبيرة، وضخ سيولة کبيرة في الجهاز المصرفي بقيمة 200 مليار جنيه إسترليني (14% من الناتج المحلي الإجمالي)، وتوفير سيولة نقدية بقيمة 50 مليار جنيه لشراء أصول مصرفية، کما خفض البنک المرکزي البريطاني سعر الفائدة إلى 1.5% لحفز الاقتصاد. کما ضمن البنک الودائع لغاية 50 ألف جنيه، وتحملت الحکومة ما يقارب من 50 مليار جنيه من الأصول المسمومة للحفاظ على الاستقرار المالي (Horn، 2009، 4-5).

رابعاً:دور السياسات الحکومية العربية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي ومواجهة الأزمات  المستقبلية

إن مدى تأثر اقتصاد کل دولة بالأزمة المالية العالمية، يعتمد إضافة إلى العوامل التي تم ذکرها سابقا على توقيت وسرعة ونجاعة الإجراءات والتدابير التي تتخذها الدولة منفردة للحد من تأثيرها في اقتصادياتها، إضافة إلى الجهود الرسمية إقليميا ودولياً لإمتصاص أثر الأزمة. ولا شک إن الجهود الحکومية والتدابير التي اتخذتها الهيئات الرقابية على أسواق الأوراق المالية والبنوک المرکزية في الدول العربية، قد ساعدت في إعادة انتعاش بعض أسواق الأوراق المالية والتخفيف من وطأة الأزمة المالية العالمية على النشاط الاقتصادي بشکل عام.

وقدنجحتالسياسات المالية التوسعية في الدول العربية فيدعم النشاط الاقتصادي جزئيا، في حين إن السياسة النقدية التوسعية التي اتبعتها بعض الدول العربية أدت إلى وصول معدلاتالفائدةالأساسيةفيمعظمالدولالعربية إلى مستوياتمتدنية، مما ساهم في توفير السيولة وتخفيض کلفة الاقتراض، کما إن تدخلات الحکومات بشراء أسهم البنوک المدرجة لا سيما في دول الخليج قلل من فرص الإفلاس لکثير من البنوک لا سيما تلک المرتبطة بالديون المسمومة.

ومن الجدير بالذکر، بأن الدعوات المطالبة بمزيد من التحرر الاقتصادي وعدم التدخل بالسوق أصبحت دعوات غير مجدية، الأمر الذي جعل التشدد في التشريعات والقوانين التي تضبط الأسواق محل ترحيب لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، ولم يعد ينظر إليها على إنها تشکل عائقاً أمام تطور الأسواق.

        وبناء على ما سبق، تستطيع الحکومات العربية ممثلة بوزاراتها الاقتصادية وبنوکها المرکزية وهيئاتها الرقابية، القيام بالعديد من التدابير والسياسات التي تساعد على تنويع مصادر الدخل، وبناء قاعدةإنتاجية متنوعة ومتطورة لاقتصادياتها وتقوية کياناتها للتصدي للأزمات الاقتصادية وتقليل المخاطر، وتنشيط مختلف قطاعاتها الاقتصادية [12]. کما أناستقلاليةالبنوک المرکزيةوعدمتعرضهاللضغوطالسياسيةتعطيهاقدرةأکبرعلىتحقيقأهدافها. ومن هذه السياسات ما يلي؛

  1. مبادرة الحکومات العربية المقتدرة في تأسيس مشاريع تنموية کبرى بالتعاون مع الصناديق التقاعدية والقطاع الخاص ثم طرحها للاکتتاب العام فيما بعد من خلال بورصاتها، الأمر الذي يعزز الاستثمار بنوعيه الحقيقي والمالي وتوفير فرص عمل وتنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
  2. تشجيع تحويل الشرکات العائلية إلى مساهمة عامة للمحافظة على استدامتها من خلال تقديم الحوافز المؤقتة کالقروض الميسرة والإعفاء الضريبي والجمرکي للمعدات والأدوات التي تستوردها.
  3. تقييم جدوى الاستثمارات الحکومية والصناديق التقاعدية في الدول العربية، ومدى نجاح سياساتها الاستثمارية خلال المدة الماضية للوقوف على مدى تحقيق تلک الاستثمارات لأهدافها التي أنشئت من أجلها ومدى قدرتها على الاستقرار والاستدامة.
  4. تحويل جزء من الشرکات التي تمتلکها الدولة بالکامل إلى شرکات مساهمة عامة عن طريق طرح جزء من حصتها للاکتتاب العام لإخضاعها إلى قواعد الحوکمة ليسهل مراقبتها وتقييمها الدوري.
  5. إدخال أدوات استثمارية جديدة لسوق الأوراق المالية تتناسب مع التطورات الراهنة وتنسجم مع رغبات المستثمرين.
  6. استغلال الفوائض المالية المتحققة في بعض الدول العربية وصناديقها السيادية في استثمارات حقيقية في القطاعات الإنتاجية في دولها والدول العربية والدول الناشئة لتنميتها للأجيال الحالية والقادمة.
  7. وضع خطة طموحة وطويلة الأجل في دول الخليج ترمي إلى خفض تصديرها من النفط الخام بهدف تنويع مصادر الدخل، وتحويل نفطها إلى منتجات مکررة أو بتروکيماوياتواستخدام النفط والغاز کخطوط تغذية لصناعاتها، مضيفة بذلک قيمة أکبر لصناعاتهاوتوفير فرص أکبر للعمل واستخدام البتروکيماويات والمنتجات المکررة کمدخلات لإنتاج سلع نهائية على مبدأ الروابط الأمامية والخلفية.
  8. الترکيز على عمليات الإفصاح وتطبيق قواعد الحوکمة في الهيئات الرقابية، وتطوير الأطر والتشريعات الرقابية بشکل مستمر، والاهتمام بتنويع وتطوير أدوات استثمارية جديدة.
  9. تعميق التعاون الإنتاجي والاقتصادي العربي العربي، وتعميق القاعدة الإنتاجية وزيادة التبادل التجاري البيني وتنويع أسواق صادراتها، وعلى جميع الأحوال لا بد من اليقين بان التحديات الإقليمية والعالمية تتطلب حلول إقليمية وعالمية کذلک.
  10. إنشاء نظام إنذار مبکر عربي للتنبؤ بالأزمات المحلية والدولية، وتعزيز قدرات الأجهزة الرقابية والتنظيمية من خلال تطوير التشريعات وإنفاذها لتمکينها من تحديد ترکيز المخاطر في وقت مبکر ومنع نموها بصورة کبيرة إلى درجة تهدد النظام، وذلک من خلال رصد جميع المخاطر التي قد تکون الشرکات معرضة ومنکشفة عليها ثم اتخاذ تدابير للحد من تأثير تلک المخاطر وحماية سلامة النظام، لان ما کان يعيب هذه الأجهزة سهولة إنکار وجود المشکلات في الشرکات.
  11.  دعم الحکومات العربية ومساندتها للشرکات المتشابهة وتشجيعها نحو الاندماج لتشکيل کيانات اقتصادية قوية قادرة على امتصاص أي مشکلات مالية متوقعة وتعزيز قدراتها التنافسية إقليميا ودولياً لمواجهة الشرکات متعددة الجنسيات.

الاستنتاجات والتوصيات

يمکن الاستنتاج بأن الدول العربية لا سيما النفطية رکزت في سياساتها على ضخ السيولة في الأجهزة المصرفية وضمان الودائع وشراء المحافظ الاستثمارية وبعض الأوراق المالية المدرجة وإتباع سياسات مالية ونقدية توسعية، وهذه النتيجة تؤکد صحة فرضية الدراسة المتعلقة بغياب السياسات الاقتصادية العربية الاحترازية لمواجهة الأزمات المتوقعة وترکيزها على ردود الأفعال. بينما رکزت المؤسسات الدولية على سياسات الاستقرار المالي وسياسات التحوط وتعزيز نظم المخاطر، فضلا عن سياسات حفز الاقتصاد وإجراء إصلاحات تتعلق بالشفافية والمساءلة ومواجهة الفقر والتريث فيما يتعلق بسياسات التحرر الاقتصادي. وأما الدول الأجنبية المتقدمة وجّهت سياساتها على ضخ السيولة والترکيز على قواعد الحوکمة والشفافية. 

إن تزايد وتيرةالعولمةوتشابکالأسواق وتعقدهاوتطورها،وحريةحرکةرؤوسالأموال المفرطة خلال السنوات التي سبقت الأزمة وما رافق ذلک من تطورات تکنولوجية کبيرة، سببت تسارع اتساع الفجوة بين حجم الاقتصاد الحقيقي ووهم الاقتصاد المالي، الأمر الذي لم تستطع الأنظمة الاقتصادية تحمله مما سبب مشاکل وأزمات اقتصادية محلية وعالمية کما حدث في الأزمة المالية العالمية.

أن الأزمة المالية العالمية التي سببتها الولايات المتحدة الأمريکية دفعت تکاليفها مختلف دول العالم. وإن النظام الرأسمالي الغربي أصبح في موضع شکوک حول قدرته على تصحيح نفسه بنفسه عند تعرض الأنظمة الاقتصادية إلى التحديات الحقيقية، ودليل ذلک تدخل الدول الغربية غير المسبوق لإنقاذ مؤسساتها الاقتصادية. ومن الجدير بالذکر، إن أکبر المؤسسات الاقتصادية العالمية کصندوق النقد الدولي مثلا، قد فشل في التنبؤ بالأزمة قبيل وقوعها وتقديم مؤشرات أو اقتراحات لتفاديها، وهذا يعني إن آلية مراقبة الاقتصاد العالمي عاجزة عن التنبؤ بالأزمات المالية والاقتصادية المحتملة، ولا يوجد أنظمة إنذار مبکر حقيقية رغم کثرة الحديث عنها، کما يعني أيضا إن الفکر الرقابى القديم الذي کان معمولا به في الماضي يبرهن على عدم مناسبته للتطورات العالمية الجارية.

إن السياسات التحفظية التي کانت تتبعها بعض البنوک المرکزية وتلزم البنوک بالتقيد فيها، أثبتت جدواها لمواجهة الأزمة المالية العالمية على افتراض بقاء العوامل الأخرى على ما هي عليه. فعدم التشدد بالإقراض في الولايات المتحدة الأمريکية لم يوقف نزيف الإفلاس المصرفي الذي کان مصير أکثر من 200 بنک أمريکي رغم خطة الإنقاذ العملاقة. ورغم خطط الإنقاذ الکبيرة في الدول الغربية إلا إن هذه الخطط لم تعف من إفلاس عشرات البنوک الغربية وهذا يدل على إن هذه الخطط ساعدت بالحد من اثر الأزمة وليس وقفها، وبدون هذه الخطط ستکون تداعيات الأزمة وخيمة وربما تمتد لسنوات طويلة. 

إن الأزمة المالية العالمي أثرت على البورصات العربية أکثر من البنوک العربية، وهذا يعني ان قدرة الهيئات الرقابية على أسواق الأوراق المالية لإمتصاص أثر الأزمات الاقتصادية أقل من قدرة البنوک المرکزية على ذلک. ويمکن تفسير جانب من هذه النتيجة بسبب وجود خلل في بنية وترکيبة هياکل أسواق المال لا سيما في دول الخليج بسبب معاناتها من قلة التنويع الاقتصادي، وحداثتها مقارنة بالجهاز المصرفي، کما يبدو بأن الرصد المبکر للأزمات والمخاطر أکثر نضجا في الجهاز المصرفي، فضلا عن الأهمية الاقتصادية الکبرى للجهاز المصرفي ودوره في تحقيق الاستقرار الاقتصادي. وفيما يتعلق بالسوق المحلي، يمکن الاستنتاج بان سوق رأس المال الوطني کان من أکثر القطاعات الاقتصادية المحلية تأثرا بالأزمات الاقتصادية المتعاقبة، وهذا يشير بأن السياسات المتخذة لم تفلح بوقف نزيف تراجع سوق عمان المالي خلال المدة 2009-2015، وربما الانفتاح الزائد على الاستثمار الأجنبي في  السوق المحلي يفسر جانب من هذا التراجع المزمن، إضافة إلى طبيعة المخاطر في هذا النوع من الاستثمار، فضلا عن إن غالبية السياسات المتخذة ما زالت مشاريع قوانين لم تترجم على أرض الواقع بعد. والواقع يدل على إن السياسات التي اتخذها البنک المرکزي الأردني أکثر فعالية من تلک المتخذة في هيئة الأوراق المالية.

ورغم الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، فأنها لا تخلو من بعض الجوانب الإيجابية وأخذ العبر والدروس ومنها على سبيل المثال؛ إعادة ترتيب الأولويات، وإجراء مراجعة شاملة للخطط التنموية بعد أن بيّنت مواطن الخلل في مجالات متعددة کالحوکمة وإدارة المخاطر والعولمة، وتوجيه الاستثمارات المهاجرة للاستثمار في الأوطان، أو على الأقل تغيير خارطة الاستثمارات العربية وتنويعها. وکذلک إجراء مراجعة شاملة ومؤسسية ودورية للتشريعات التي تقلل الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي وفقاعة الاقتصاد المالي. وهذا يعني أن سياسة ردود الأفعال لا تکفي بدون تطوير موسّع للأنظمة والتشريعات. کما ان فشل المؤسسات الدولية بالتنبؤ بالأزمات الاقتصادية قد يتطلب إعادة النظر بالأنظمة والقوانين التي تسير عمل المؤسسات الاقتصادية الدولية الکبرى، وکذلک إجراء مراجعة شاملة وجذرية للأسس التي قام عليها النظام الرأسمالي الذي يدعو الى التحرر المفرط، الأمر الذي يتطلب تغيير منهجي في أسلوب التعامل مع تلک الأزمات فضلا عن تطوير موسّع للأنظمة والتشريعات التي تهيئ الظروف المواتية للتعامل مع الأزمات.

المراجع

المراجع باللغة العربية:

البنک المرکزي الأردني. أهم إجراءات السياسة النقدية، مادة غير منشورة. عمّان، الأردن، 2015أ.

البنک المرکزي الأردني. تدابير السياسة النقدية، مادة غير منشورة، عمّان، الأردن، 2015ب.

البنک المرکزي الأردني. الاقتصاد الأردني في أرقام (2009-2013)، عمّان، الأردن، 2015ج.

البنک المرکزي الأردني. أحدث التطورات في الاقتصاد الأردني، عمان، الأردن، 2015د.

البنک المرکزي الأردني. النشرة الإحصائية الشهرية، مجلد (50) عدد (12)، 2014.

البنک المرکزي العماني. التقرير السنوي للعام 2008، سلطنة عُمان، 2009.

البنک المرکزي العماني. التقرير السنوي للعام 2010، سلطنة عُمان، 2011.

سعود الطيب. “اثر السياسات المالية والنقدية التي اتخذتها الحکومة الأردنية للحد من تداعيات الأزمة المالية العالمية”. المؤتمر الخامس للبحث العلمي. الجمعية الأردنية للبحث العلمي، عمان، 2011.

سلوى العنتري. أثر الأزمة الاقتصادية العالمية على الجهاز المصرفي المصري، متوفر على الرابط http://www.haoamish.com/spip.php?article194. 2009.

سهيل مقابلة. کيف تستثمر في سوق الأسهم: حالة سلطنة عُمان، الراية، عمّان، 2012.

صندوق النقد العربي: هبة عبد المنعم، أداء الاقتصادياتالعربيةخلالالعقدينالماضيين:ملامحوسياساتالاستقرار، أبو ظبي، 2012.

عدلي قندح، الأزمة المالية العالمية، جمعية البنوک في الأردن، 2009.

علي الکواري. الإصلاح الجذري هو المدخل لمقاربة إشکاليات التنمية. ورقة عمل قدمت في مؤتمر”التحولاتالديمغرافيةوسوقالعمل”. الجمعية الاقتصادية العُمانية، مسقط، 2012.

علي لطفي. “الأزمة المالية العالمية”. مؤتمر تداعيات الأزمة المالية العالمية وأثرها على اقتصاديات الدول العربية”. المنظمة العربية للتنمية الإدارية، شرم الشيخ، مصر، 4-5 نيسان، 2009.

معهد سياسات الهجرة، متوفر على الرابط http://www.migrationpolicy.org/- programs/data-hub/global-remittances-guide  2014.

مؤسسة النقد العربي السعودي،التقرير السنوي السادس والأربعون. السعودية، 2010.

هيئة الأوراق المالية. أهم الإنجازات والنظرة المستقبلية، مادة غير منشورة. عمان، الأردن، 2015.

هيئة الأوراق المالية والسلع. التقرير السنوي لعام 2008، الإمارات العربية المتحدة، 2009.

هيئة السوق المالية. التقرير السنوي لعام 2009، السعودية، 2009.

الهيئة العامة لسوق المال، دور الهيئات الرقابية على أسواق المال في امتصاص الأزمات المالية، مادة غير منشورة، مسقط، سلطنة عُمان، 2008.

الهيئة العامة لسوق المال. أثر الأزمة الماليةالعالمية على سلطنة عمان، مادة غير منشورة. مسقط، سلطنة عُمان. 2010.

المراجع الأجنبية:

Aikins, S. “Global Financial Crisis And Government Intervention: A Case For Effective Regulatory Governance”, International Public Management Review, 2009,10(2), 23-43.

Carey, M.; Kashyap, A.; Rajan, R; and Stulz,R. “Market institutions, financial market risks, and the financial crisis”, Journal of Financial Economics, 2012 , 3(104), 421–424.

Economics Online (2017). Economics ‘schools of thought’. Available [On-Line] http://www.economicsonline.co.uk/Economic_schools.html.

Froyen, R. (2012). Macroeconomics Theories and Policies. Boston: Pearson.

Horn, G., Assessment of the banking rescue packages and the economic recovery plans of the Member States. Available [on-line] http://www.boeckler.de/pdf/p_imk_bpep_januar2009_1.pdf. 2009.

International Monetary Fund, “The IMF-FSB Early Warning Exercise: Design and Methodological Kit”, September,  Washington D.C., 2010a.

International Monetary Fund, Exiting from Monetary Crisis Intervention Measures—Background Paper, 2010b.

International Monetary Fund, ” World Economic Outlook, April 2010″,  Washington D.C., 2010c.

International Monetary Fund, Macro-prudential Policy: What Instruments and How to Use Them? Lessons from Country Experiences, WP/11/238., 2011.

  1. 10. Meyersson, P. and Karlberg, P., A Journey in Communication: the Case of the Sveriges Riksbank, Studieförbundet Näringsliv och Samhälle (SNS) Forlag, 2012.
  2. 11. Norgren, C. ed. (2010). The Causes of the Global Financial Crisis and Their Implications for Supreme Audit Institutions. RIKSREVISIONEN. Stockholm. [On-Line] Available http://www.intosai.org/uploads/gaohq4709242v1finalsubgroup1paper.pdf.
  3. 12. Saulo, H., Rego, L., and Divino, J. (2013). Fiscal and monetary policy interactions: a game theory Approach. Ann Oper Res, No. 206:341–366.
  4. 13. United Nations and African Union Commission (2009). The global financial crisis: impact, responses and way forward. Working paper, General E/ECA/COE/28/6AU/CAMEF/EXP/6(IV). [On-Line] Available

http://www.un.org/esa/ffd/events/2010GAWGFC/3/paper2.pdf.

  1. 14. Vayid, L., Central Bank Communications Before, During and After the Crisis: From Open-Market Operations to Open-Mouth Policy, Bank Of Canada, Working Paper 2013-41, 2013
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14306

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *