قضايا سياسية

دور القوى الغربية والمؤسسات الدولية والعولمة في إفريقيا

أ.د. سلطان فولي حسن(*)

عانت القارة الإفريقية منذ الكشوف الجغرافية التكالب الاستعماري عليها واستنزاف مواردها البشريـة والطبيعية، وذلك بأساليب متعددة كتقديم المساعدات والمنح والقروض المشروطة التي تمثل قيداً للدول الإفريقية، وبعد أن حصلت القارة على استقلالها وتغيرت موازين القوى العالمية بدأت القوى الكبرى تخطط من أجل السيطرة على مواردها وأسواقها؛ مما زاد من معاناتها وتخلفها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مقارنة بباقي دول العالم الثالث.

أولاً: إفريقيا في زمن العولمة:

لا يوجد إقليم في العالم عانى آثار العولمة كما عانت القارة الإفريقية، حيث تتعدد وتتنوع المشكلات الناجمة عنها وبخاصة في الجوانب الاقتصادية، من مشكلة الديون الثقيلة إلى معاناة القارة من تحرير التجارة، والمنافسة والصراع بين الدول الكبرى على موارد القارة الإفريقية ولا سيما موارد الوقود والطاقة.

والعولمة Globalization هي عملية مستمرة تكشف كل يوم عن وجه جديد من وجوهها المتعددة، وهي سلسلة من الظواهر الاقتصادية بالدرجة الأولى، المتصلة في جوهرها، والتي تشتمل على تحرير الأسواق ورفع القيود عنها، وخصخصة الأصول، وتراجع وظائف الدولة، وانتشار استخدامات التكنولوجيا وأدوات الاتصال وتطبيقاتها، وتوزيع الإنتاج التصنيعي عبر الحدود، وتكامل أسواق رأس المال، حيث تقود العالم إلى التحول من الرأسمالية الصناعية إلى مفهوم العلاقات الاقتصادية لما بعد المرحلة الصناعية.

كما أن العولمة متعددة الأبعاد، فهي سياسية وأيديولوجية واقتصادية، والواقع يشير إلى إمكانية عولمة كثير من الأشياء كالسلع والخدمات والأموال والبشر والمعلومات والتأثيرات البيئية، وكذلك يمكن عولمة الأشياء المجردة كالأفكار والأعراف والممارسات السلوكية والأنماط الثقافية.

وهناك من يرى أن العولمة ما هي إلا فترة محددة من التاريخ، بدأت مع بدء الانفراج في علاقة القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وتدعمت أكثر في نهاية الحرب الباردة وانهيار القطب السوفييتي.

وأن الظواهر والجوانب التي تعد الآن جزءاً من العولمة هي في الأساس ظواهر وجوانب موجودة في فترات سابقة، وكانت في حالة تطور إلى أن وصلت إلى هذا الطور من التطور في الفترة الحالية. وما يركز عليه أصحاب هذا الاتجاه هو أن العولمة جاءت مرحلة تاريخية في أعقاب مرحلة الحرب الباردة.

ويرى فريق آخر أن العولمة هي طريق العالم إلى الفوضى، والذي يؤدي بمن يسير عليه إلى ازدياد البطالة، وانعدام الزمن، وتدهور البيئة، وتفشي الأوبئة والأمراض، وتفشي الفساد، وتفجّر كثير من الصراعات العرقية والطائفية والعنف بشكل عام.

ويُقصد بالعولمة من الناحية الاقتصادية التوسع الكبير في التجارة الدولية والاستثمار والحركة السريعة لتدفق رؤوس الأموال وزيادة الديون. وهذه الظواهر كان من المفترض بها أن تقلل من الفساد وتعمل على زيادة التكامل الاقتصادي، إلا أن ما حدث كان العكس!

ومن الجوانب المهمة في اقتصاديات العولمة هيمنة بعض الشركات والمؤسسات الدولية على أنماط معينة من النشاطات الاقتصادية على مستوى العالم كله، وأغلبها مؤسسات وشركات غربية، ومن الأمثلة على ذلك هيمنة نحو 500 شركة عملاقة عابرة للقارات على 70% من حركة التجارة الدولية، وهيمنة نحو 350 شركة على 40% من التجارة العالمية.

أما عن العولمة السياسية فهي تدخّل القوى الكبرى في سياسات الدول الأقل حجماً منها باستخدام أساليب متعددة وحجج واهية أو زائفة, منها على سبيل المثال المطالبة بالديمقراطية والحريات وإعطاء مساحة للأحزاب وعدالة المحاكمات.

وتؤثر العولمة أيضاً في الجوانب والنواحي الثقافية من خلال نشر الثقافة الغربية والأمريكية، حتى إنها أدت إلى نشر كثير من المصطلحات مثل الأمركة, واتباع الأسلوب الغربي والثقافة الغربية, ومن الأمثلة على ذلك التوسع الكبير في دول العالم الثالث في نمط الغذاء وانتشار ثقافة الوجبات السريعة والمشروبات الغازية (ماكدونالد، بيتزا هت، كوكاكولا).

وقد اعتمدت العولمة بأشكالها المختلفة الاقتصادية والسياسية والثقافية في الانتشار على عدة عوامل, أهمها الصحافة الدولية، ومؤسسات النشر (المسموعة والمرئية)، والتقدم التكنولوجي ولا سيما تكنولوجيا المعلومات، والتوسع الكبير في اسـتخدام الكمبيوتر والأقـمار الصناعية والاتصالات.

وأصبحت العولمة ظاهرة واضحة المعالم وخصوصاً مع نهاية الحرب الباردة وإن كانت تعود في جذورها إلى قرون, ففي الفترة التالية للحرب العالمية الثانية قامت الولايات المتحدة وأتباعها من الدول الغربية المنتصرة في الحرب بوضع إطار جديد للسيطرة على اقتصاديات العالم, وكان من أهم أدواتها الأمم المتحدة, حلف الأطلسي, إنشاء صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, وكذلك إنشاء منظمة التجارة الدولية.

ويضاف إلى ما سبق استخدام كل المؤسسات العالمية في تعزيز العولمة المستدامة, مثل منظمة الصحة العالمية, وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة, ومكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات.

وتميزت تلك المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية بسيطرة رؤوس أموال الدول الغربية, والهيمنة السياسية للدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة ومجموعة الدول الثماني الكبرى «G 8».

وواجهت إفريقيا زيادة كبيرة في ديون القارة ولا سيما خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؛ مما دفع المؤسسات الدولية، وبخاصة البنك الدولي وصندوق النقد، إلى مطالبة دول القارة بضرورة إجراء برامج التهيئة الهيكلية (SAP)؛ بهدف مواجهة التضخم, وتنشيط النمو الاقتصادي, وخفض العجز في الميزان التجاري, وإعطاء مساحة للاستثمارات الأجنبية ورأس المال المحلي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وكان الهدف الرئيس من برامج التهيئة الهيكلية في إفريقيا هو الإصلاح الاقتصادي  والاندماج في الاقتصاد العولمي؛ من خلال بعض الأدوات مثل الخصخصة, وتصحيح نظم التسويق الزراعي, والتسعير، ولكن ترتب على تطبيقها في التسعينيات في العديد من الدول الإفريقية ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور الحقيقية، وتعد سيراليون نموذجاً للصراعات الأهلية التي اندلعت في التسعينيات على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية.

كما أن سياسة الانفتاح والاندماج في ظل عدم التكافؤ تعطي نتائج سلبية كثيرة، وبالنسبة للإصلاح الهيكلي فإن الأزمة الهيكلية في المجتمع تؤثر في مؤسسات العولمة ومنظماتها بالقدر نفسه الذي تؤثر به في الدول؛ كافتقارها إلى كفاءة الإدارة، والمركزية الشديدة، وسيادة القيم الهرمية… إلخ. وتبرز علاقة مؤسسات العولمة بالدولة من جهة وبالمانحين من جهة أخرى.

ثانياً: الولايات المتحدة وإفريقيا:

9 كان لسقوط حائط برلين وما تبعـه من وحدة الألمانيتين في عام 1989م, وانهيار الاتحاد السوفييتى في عام 1991م ومن ثم نهاية الحرب الباردة, والذي أطلق عليه بعض الكتاب نهاية التاريخ End of History ، تحول العالم إلى عالم أحادي القوى bi-polar world ، تسوده الهيمنة والسيطرة وعدم العدالة، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الأولى في العالم، سواء من الناحية الاقتصادية أو العسكرية, وانفردت بتبني سياسات تحرير التجارة وفتح الأسواق والديمقراطية وحقوق الإنسان كأسس لسياستها الخارجية التي لم يتم تطبيقها بنزاهة أو عدالة كاملة عن عمد منها.

وقد تحددت سياسات الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إفريقيا عشية انفرادها كقوة عظمى في الترويج  لفكرة نظرية وليست عملية، وذلك حول:

1 –  الإصلاح الاقتصادي في إفريقيا، ودمج الاقتصاد الإفريقي في الاقتصاد العالمي.

2 –  زيادة التحول الديمقراطي والحريات الفردية.

3 –  العمل على زيادة الاستقرار السياسي الداخلي للدول الإفريقية.

أما مجال الإصلاح الاقتصادي فقد لوحظ أن بعض الدول الإفريقية استطاعت تحقيق معدل نمو اقتصادي مقبول، إلا أن النمو الاقتصادي في مثل هذه الدول لم يراع البعد الاجتماعي وكان له آثار جانبية، مثل التأثير في قطاع الصحة والتعليم، وهي من أكثر القطاعات التي تأثرت سلباً.

وكان من أدوات الإصلاح الاقتصادي – كما سبق أن ذكرنا – الخصخصة والتي تم إدارتها بأسلوب فاسد، حيث بيعت الوحدات المملوكة للدولة أو القطاع العام لأتباع الحكومات وأقاربهم ومؤيديهم، وأخفقت الخصخصة في معظم الدول الإفريقية في تحقيق أهم أهدافها وهي جذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير رأس المال.

أما الجانب الثاني في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا، والذي تمثل في حقوق الإنسان والديمقراطية، فقد تم ربط المساعدات الأمريكية والغربية للدول الإفريقية بمدى الاتجاه نحو تحقيق الديمقراطية وإعطاء مساحة للأحزاب المعارضة ونزاهة الانتخابات وحريات الأشخاص، إلا أن هذه السياسة أيضاً لم تحقق الهدف الرئيس منها، فأثيوبيا على سبيل المثال أقل الدول الإفريقية في الاتجاه نحو الديمقراطية وحريات الأفراد، وهي في الوقت نفسه أكثرها تلقياً للدعم الغربي المادي والمعنوي في إفريقيا جنوب الصحراء باستثناء جمهورية جنوب إفريقيا، ويعد هذا دليلاً على أن القوى العظمى تعمل على تنفيذ استراتيجياتها السياسية واهتماماتها الاقتصادية بغضّ النظر عن النواحي الاجتماعية أو السياسية أو حتى الإيكولوجية.

ولم يتحقق الجانب الثالث من أركان السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه إفريقيا أيضاً، وهو الخاص بالاستقرار السياسي ونزاهة الحكومات والشفافية وتداول السلطة والقضاء على الفساد، فالفساد لا يزال منتشراً في أغلب الدول الإفريقية، ولا يزال الحكم الديكتاتوري قائماً في العديد من دولها, ومع ذلك تقوم الولايات المتحدة بتدريب القوات الحكومية وإمدادها بالأسلحة في مثل هذه الدول, كما حدث في أثيوبيا وإريتريا وأوغندا، ففي أوغندا هناك حركات تمرد في الشمال، ومع ذلك تقوم أوغندا ورواندا بمساعدة الجماعات المتمردة في الكنغو الديمقراطية.

ثالثاً: السياسة الأوروبية تجاه إفريقيا:

تاريخياً؛ كانت الدول الأوروبية في حاجة ماسة إلى الموارد المختلفة الزراعية والمعدنية والغابية، وكانت حاجتها الأكبر فتح أسواق لتصريف إنتاجها الصناعي.

وقد استفادت الدول الأوروبية من اكتشاف القارة الإفريقية في نقل أعداد كبيرة من الأفارقة الزنوج إلى أمريكا الشمالية للعمل في المزارع والمناجم، وذلك لتوفير المواد الأولية اللازمة للصناعة الأوروبية؛ مما أفقد القارة الإفريقية أعداداً كبيرة من سكانها.

واستفادت الدول الأوروبية من إفريقيا أيضاً بجعلها سوقاً كبيراً لإنتاجها، وبذلك اكتملت أضلاع المثلث المعروف: أيد عاملة من إفريقيا إلى أمريكا لتوفير المادة الأولية، والتي تنتقل إلى أوروبا، ثم إنتاج صناعي من أوروبا يسوّق في إفريقيا.

في المرحلة التالية حدث بين الدول الأوروبية نوع من الصراع الشديد كاد أن يؤدي إلى حروب كبيرة؛ لكنه أدى إلى عـقد ما عُـرف بمؤتمر برلين 1884م – 1885م لتقسيم القارة الإفريقية بين الدول الأوروبية واحتلالها كمستعمرات.

كان للقوى العظمى في ذلك الوقت فرنسا والمملكة المتحدة نصيب الأسد، حيث خرجت الأولى بمجموعة من المستعمرات امتدت على شكل حزام عرض شرقي غربي؛ من السنغال في أقصى الغرب إلى جيبوتي والصومال في أقصى الشرق فيما عرف بدول الأنجلوفون. أما المملكة المتحدة فكان لها هي الأخرى النصيب الأوفر، وكان مختلف الامتداد، حيث أخذ الاتجاه الشمالي الجنوبي؛ من جنوب إفريقيا جنوباً إلى مصر شمالاً.

وحصلت الدول الأوروبية الأخرى على نصيبها من المستعمرات وإن كان أقل من غيره، فمثلاً حصلت بلجيكا على الكنغو، والبرتغال على أنجولا وموزمبيق, وإيطاليا على ليبيا وإريتريا وهكذا.

المصدر: http://www.qiraatafrican.com/view/?q=135

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock