دولة الحشاشين أو بالأحرى دولة الإجرام و السلب و النهب, مؤسسها هو الحسن الصباح علي قمة جبل بدولة إيران و تمت تسميتها بقلعة “ألموت”. و للتعريف بكلمة حشاشين «  hashashine » تعني مصلح « assassin » و هي الكلمة المرادفة لعبارة حشاشين. إذ ظهرت هذه الكلمة في القاموس البريطاني كنية لدولة الحسن الصباح الأب الروحي للقتل و الإجرام في ذلك العصر. و لتلخيص أعمال الإجرام المنظم لدولة الحشاشين يمكن القول أنها تعد موقع الفنون الإجرامية حيث ترهبن عملائها و قتلوا العديد من الأشخاص البارزين و القادة العسكريين و من أبرز عملية إجرامهم هي محاولة قتل عمر ابن الخطاب في القدس لما إقتحم المسجد الأقصي لتحريره.

و للحشاشين تنظيم يتمثل في المرحلة الأولي بالتخطيط للعملية الإجرامية في قلعة ألموت و إستعمال حبوب هلوسة أو نوعية من حشائش مخدرة التي كانت مزروعة آنذاك بحديقة القلعة. أيضا كان تخدير منفذ العملية بنوعية من البخور المسمي بأرواح القتلي المستهدفين و بعد التخطيط ليلا تتفرع أجهزة إجرام دولة الحشاشين لتنفيذ العملية بكل دقة و إتقان. كما أن الحسن الصباح كان هو المشرف الرئيسي علي عمليات الإغتيال و التصفية للأشخاص اللذين يعدون علي قائمة الإستهداف للحشاشين.

أما الفرع الثاني من القيادة المركزية التي تدار من قلعة ألموت تتمثل في عصابة قطاع الطرق التي تسترزق من الغنيمة و الفدية من جانب و سلب و نهب عابرين السبيل و التجار المسافرين من جانب آخر. إن أيدي دولة الحشاشين الإجرامية تخرج من دائرة قلعة ألموت التي كانت متواجدة علي سفح جبل بدولة إيران لتطال عملية إجرامهم قتل أبرز القادة العسكريين و السلاطين في كامل أرجاء منطقة الشرق الأوسط في ذلك العصر, كما أن أثار تلك القلعة مازالت إلي يومنا هذا تشهد علي إجرامهم الممنهج. و بعد هذا التلخيص الموجز لهذه الدولة التي تأسست علي يد السفاح الحسن الصباح الذي تشبع بعلوم الفكر التطرفي في مصر رغم أنه كان مسلم متشيع, إلا أن تأسيسه لتلك الدولة الإجرامية و التي عرفت بدولة الحشاشين مثلت بالأساس إنعكاس لمرضه النفسي الذي يعيش علي الدماء و الأرواح البشرية. إذ لقمة إجرامه في قلعته المعروفة يألموت و مصطلحها يشير أنها بالفعل كانت مقبرة لضحاياه جمع أجود أنواع العسل و الحليب و كون بها أنهارا و جلب أجمل العاهرات آنذاك لإغراء المجرمين الحشاشين و إستقطابهم لتنفيذ مخططاته الدموية.

هذه الأعمال الإرهابية تذكرنا اليوم بالواقع المرير الذي تعيشه بعض الدول العربية بعد ثورات المهلوسيين و الحشاشين و تأسيسهم لدولة الخلافة الإسلامية و المعروفة بتنظيم الدولة الإسلامية الإرهابية في بعض الدول العربية منها العراق و سوريا و خاصة مؤخرا ليبيا. إن هذه الدولة التي تدعي نشر الإسلام ذكرتنا بأعمال دولة الحشاشين تماما من قتل و تحشيش و سلب و نهب الثروات البترولية و تدمير الحضارات العربية.

و للتذكير أن هذا التنظيم لم يتم القضاء عليه تماما كما تدعي المخابرات الأمريكية و قوات التحالف العربي الخليجي, حيث طل علينا زعيمهم المفدي أبو بكر البغدادي و التي أكدت وسائل الإعلام أنه تم قتله فتبين أنه مازال حيا و ينظم في صفوفه مجددا و ذلك بإستغلال الأطفال في معركته القادمة. إن ماشهدته العراق و سوريا من فنون قتل كنصب المشانق و الذبح مثل الخرفان تحت شعار المحاكم الإسلامية و تنفيذ الشريعة الإسلامية تعد مأساة حقيقية في الوطن العربي الذي أصبح ينزف دماءا و بؤسا. كما أن إمتداد هذا التنظيم الإرهابي الإسلامي التخريبي بليبيا يعد جرس إنذار و خطر داهم علي القارة الأوروبية نظرا لقرب المسافة بين الضفتين.

بالتالي تعد هذه الفنون الإجرامية المنظمة تحت ما يسمي بدولة التنظيم الإسلامي تذكرنا بتركيبة دولة الحشاشين في العصور الغابرة. إذ بالرغم من إختلاف الأسماء إلا أن أداة الجريمة متشابهة تقريبا كليا أو جزئيا, مثل إستعمال الحشيشة و مخدرات الهلوسة قبل تنفيذ الجريمة و تنظيم المحاكم و إستهداف الضحية و إستعمال السكين للذبح و القتل كأنهم من سلالة الحشاشين الجزارين و تقطيع لحم الإنسان الذي أصبح شبة لحم الخرفان.

إن هذا الثوب الجديد في تنفيذ عملية الجريمة متشابه بإجرام عصابات الحشاشين و الكل يتذكر عملية ذبح 21 مسيحي قبطي علي السواحل الليبية و المشانق و الذبح بالحسكة و الرقة و تدمير مدينة نمرود الأثرية و أقدم جامع اسلامي بالموصل و العديد من جرائم الأشباح السود التي تدعي نشر الشريعة الإسلامية. كل هذه الأعمال تصنف ضمن أخطر أعمال الإرهاب الدولي الذي يعاقب عليه القانون بأقصي العقوبات تصل إلي الإعدام و سحب الجنسية لكل من تثبت عليه تهمة دعم تلك العصابات.

أما الحدث في عودة هذه الدولة تكمن في ليبيا فسيناريوهات الإرهاب لم تنطلق بعد حيث بشرنا زعيمهم البغدادي مؤخرا أنه سيستعمل أساليب جديدة منها الأطفال في المعارك القادمة لقتل و ترويع المواطنين. إن الأحداث التي تعيشها ليبيا حاليا بعد إنهيار نظام العقيد معمر القذافي الحامي الرئيسي لمصالح القبائل الليبية الإقتصادية و المالية و الإجتماعية أصبحت كلها محل صراع بين الإخوان المسلمين و المعارضين العلمانيين و أنصار سيف الإسلام القذافي و أتباع القائد العسكري خليفة حفتر. بالتالي هذا الصراع علي النفوذ الداخلي و السلطة له تأثيرات سلبية مباشرة علي الأوضاع الإقتصادية و خاصة منها علي الثروات البترولية. إذ ممكن أن يخلف هذا الصراع الداخلي الليبي فجوة و فراغ يمكن أن تستغله دولة الخلافة الإسلامية الإرهابية المسماة بداعش خاصة بعد تراجعها في سوريا و هزيمة بالعراق لتنظم صفوفها من جديد و بثوب جديد في ليبيا يذكرنا بدولة الحشاشين و خاصة أن تلك الدولة بها أطماع كبري خاصة منها العوائد المالية من بيع الغاز و النفط.

الباحث الإقتصادي فؤاد الصباغ