سفيان ناشط  –  باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

                                                                                         

    بادئ ذي بدء ينبغي أن ندرك أن الديمقراطية هي نظام حكم، أي نظام ومؤسسة، وأنها تطمح كنظام أن تكون وسيلة لحل مسألة السلطة في المجتمع، بقدرما ترتبط هذه السلطة بحياة هذا المجتمع في كل أوجهها، ولا يعني تقديم حل للسلطة تقديم حلول تلقائية للاستقلال الوطني وللتنمية وللعدالة الاجتماعية وللتوزيع . كما أن الديمقراطية ليست نظاما معطى نستورده كما نستورد المصنع ونلبسه للدولة التي بنيناها على طريقتنا وللمجتمع الذي حطمنا هياكله كما شئنا فنحصل على نظام ديمقراطي .

   إن الديمقراطية معركة اجتماعية وسياسية من أجل ايجاد تعديلات بنيوية في طبيعة الدولة والمجتمع معا، وإذا كان مبدؤها ومقياس مشروعيتها هو ما تَعِدْ بتحقيقه من تراكم ونمو للحريات العامة والفردية، إلا أن  تحقيق هذه الحريات لا يتم، ومهما كانت النوايا، بدون تعديلات جوهرية في بنية النظام الاجتماعي والاقتصادي والثقافي القائم . فالظلم لا ينتج، بالحرية، عدلا . والتأخر الاقتصادي لا يتحول بالحرية إلى تنمية، ولا تكفي الحرية لتحويل الاستلاب إلى هوية ذاتية راضية، بل إن الظلم والتأخر والاستلاب سوف تكون إذا بقيت عوامل لإغتيال الحرية نفسها . إن ضمانة الحريات هي بالعكس الاجماع على برنامج وطني لرفع الظلم، ودفع عجلة التنمية  وتعميق الشعور بالهوية والانتماء [1].

   لذلك فإن الديمقراطية كأسلوب ونمط تسعى الدولة لممارستها عبر نظمها السياسية عبر إستحواذها وتفردها للقوة وامتلاكها بطريقة ما، يخولها ذلك لبسط باقي نفوذها على المجتمع بغية تنظيمه والسهر على سيره المنتظم لإستمرارية الدولة أولا، ثم تحقيق رفاهية المجتمع عبر آليات تشاركية تختلف بإختلاف طبيعة النظم السياسية، هدف ذلك يرجع بالأساس بإخضاع المجتمع لها، وإن صح القول دمقرطة المجتمع والإنتقال به من حالة اللاديمقراطية إلى حالة ديمقراطية داخل الدولة، وبالتالي العيش بكنفها، مما يعزز نظرية أن طبيعة  بعض المجتمعات المعاصرة مازالت تفتقر للفكر والنضج الديمقراطي التي تبتغيه الدولة الحديثة المعاصرة كمراد لها وهدف مشروع لتزكية مشروعيتها، وكل تعثر لقيامها أي الديمقراطية يؤدي سلبا بتأخر المجتمع عبر مواكبة تطور المجتمعات التي تحترم نفسها ومستقبلها، أي المجتمعات المتحضرة، مما يجعل داهية الدولة هاهنا أمر واجب لمثل هكذا مجتمعات غير المروضة ديمقراطيا.

   في المقابل يبقى هذا التصور الذي يجعل من الدولة أو النظم السياسية تصور يعتريه ويشوبه جملة من الإشكاليات المثارة، بحيث يدافع أصحاب هذا المنطلق أن الدولة في حد ذاتها ما هي إلى نتاج للممارسة المجتمعية ومرآتها في الاخير، كيفما كانت الدولة مؤسساتيا وممارسة، مما يجعل المجتمع هو الأول والأخير المحدد للديمقراطية فكرا وممارسة، حيث أنها مبدئيا لن تتحقق ما لم يع بها المجتمع كطرف أساسي والمعني بها، هذا المجتمع الذي لا يمكن فرض عليه ديمقراطية مستوردة أو مستنسخة أو حتى أفقية، وتنتظر منه أن يكون مجتمع ديمقراطي، أكيد حظوظه أن يبعث من عنق الزجاجة شبه منعدمة مما يطيل البقاء  في حالة الانحصار الديمقراطي .

   وبالتالي فالمجتمع الذي يُنظر له بالقول أن الديمقراطية كقيم وثقافة وفكر تحتاج لنضج الشعب حتى لا تنقلب لفوضى، وأنه بالتالي يجب تأجيلها أصلا، إلى أن يتحقق النضج، فهذا قول كما ذهب به محمد عابد الجابري، قول ينسى أو يتناسى من يتبناه، حيث أن نضج الشعب لهذه القيم لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال ممارستها أي الديمقراطية . في حين ذهب عبد الله العروي في كتابه أوراق، حيث اعتبر أن الشعب لا يفهم أن كل شيء منوط بعمله وأن السلطان لا يستطيع شيئا بمفرده، تقولون أن أول الاسبقيات أن يتعلم الفلاح للديمقراطية، هل سيتعلمها حقا بمجرد أنه يضع من حين لآخر في صندوق الاقتراع ورقة يعجز عن قراءتها ولا يختارها إلا بمساعدة لون معين .

وإنما القول أن الدولة غير ديمقراطية، فهذا ليس معناه أن يُفهم ضمنيا أن مجتمعها ديمقراطي  بل هو الاخر غير ديمقراطي، لو كان كذلك لكانت دولته ديمقراطية بإعتباره المرآة الحقيقية لدولته، كون أن إشكالية الديمقراطية ذات الوجهين هي ديمقراطية الدولة وديمقراطية المجتمع، فقضية الديمقراطية تظهر من خلال الممارسة، وبالتالي فإنها ليست مشكلة الدولة فحسب بل هي  مشكلة المجتمع من خلال كل تركيباته .

   و قد يفسر غياب الديمقراطية وعدم إشاعتها في المجتمعات كالمجتمعات العربية رهين بارتباطها عبر مشروع توعية الشعوب العربية، بأن آن الاوان للنهوض من سكونيتها وإدراك حقها في ممارسة مهام التقرير والسلطة بواسطة الانتخاب الحر والمباشر، وبفك الحصار عن الحريات السياسية : حرية الرأي والفكر والانتماء، حرية الصحافة والنشر، حرية تشكيل الاحزاب السياسية والجمعيات والنوادي الاجتماعية والثقافية، كل ذلك في ظل سيادة القانون وصيانة حقوق الانسان والمساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن الانتماء الفكري والسياسي أو الثقافي [2]. 

    إن إشكالية غياب الوعي الديمقراطي لدى المجتمعات العربية التي تنتظر من صناع المشروع، مشروع  الفكري توعوي للشعوب العربية، لإنقاذها من براثن الجهل والتخلف والفوضى واللادولة والأمية، والإرتقاء بها وإعلاءها مع المجتمعات الديمقراطية، لا يمكن أن يتأتى ذلك إلا من خلال النخبة المثقفة والمتنورة والمفكرة التي لم تبع قلمها ولا تسترزق به، وإنما تنبض بمدادها أملا، ومؤمنة بمشروع الحرية والمسؤولية، وإشاعة القيم الحضارية التي من شأنها أن تجعل من المجتمع ديمقراطيا ينعكس إيجابا على محيط يؤثر فيه ويتأثر، بالرغم من أزمة الفكر المجتمعي  .

   فبروز الديمقراطية بإعتبارها اختيارا سياسيا لن تقام إلا على عدة عناصر أهمها، وضع وثيقة دستورية متوافق عليها حولها، وإقرار تعددية سياسية فعلية وليست عددية، وإقامة مؤسسات تمثيلية نابعة من صناديق الاقتراع، وتوفير شروط التناوب السياسي السلمي على الحكم[3]، وبهذا تبقى “الديمقراطية “كأفق أعلى ونصيب مشترك لكل من الدولة والمجتمع معا جنبا إلى جنب، إذا ما تحالفوا معها وتعايشو في حضنها واستقو منها منابع القيم والحرية يمكن حينها أن يكون مجتمع ديمقراطي يعيش وسط دولة ديمقراطية .

  

[1]  : برهان غليون ” بيان من أجل الديمقراطية ” مؤسسة الابحات العربية، بيروت-لبنان، 1986 الصفحة 22

[2]  : حسن أحمد الحجوي ” الفكر الديمقراطي وإشكالية الديمقراطية في المجتمعات المعاصرة” مطبعة المعارف الجديدة – الرباط – 1996 ، الصفحة 243

[3]  : أمين السعيد” التوازن بين السلطات في النظام الدستوري المغربي بين الوثيقة الدستورية لسنة 2011 والممارسة السياسية” مطبعة عين شمس برينت – سلا- أكتوبر 2019 ، الصفحة 132.

 

Soufiane.nachat10@gmail.com