ظلت مقاربات الرؤساء الفرنسيين على مدى العقود الأربعة الماضية، في سياق مسار العلاقة على محور الجزائر باريس، رهينة تراكمات الماضي بتجليات منطق الوصاية المقنعة وتميز المسار بختم الصعوبة وعدم الفهم وعدم الثقة.

من بين تلك التراكمات، أزمات الخمور 1967-1968 والنفط 1970-1971، ثم الهجرة بالخصوص، فيما ظل الملف الجزائري بتفاصيله وخلفيات متعددة وتعقيداته المتشابكة خاضعا للرهانات الانتخابية.

في عهد الجنرال شارل ديغول، شهدت الجزائر بدايات التأميمات بداية بالمناجم في 1966 وحرب 6 أيام بين العرب وإسرائيل في 1967، وظهرت أزمة الخمور بين الجزائر وفرنسا مع دعم الفرنسيين للحركة البربرية، وعرفت تلك المرحلة تأسيس الأكاديمية البربرية في فرنسا إثر تأميم الجزائر للمناجم في 1966، كما سعت باريس أن تلوي ذراع الجزائر الفتية من خلال مقاطعة الخمور الجزائرية التي كانت وراء توسيع دائرة زراعة الكروم في الجزائر.

وبعد انسحاب الجنرال ديغول من الحكم، كان هنالك أمل في أن تأخذ العلاقات الجزائرية الفرنسية مسارًا آخر، وبات السؤال مطروحا عندما استعادت الجزائر غالبية مواردها من النفط والغاز في الصحراء بتأميمها في 24 فيفري و12 أفريل عام 1971. وبعد أن استكمل استقلال الجزائر الاقتصادي، اقترح الرئيس الراحل هواري بومدين على نظيره الفرنسي جورج بومبيدو، إعادة الشخصية المتميزة للعلاقات الثنائية على أسس واقعية وبراغماتية، ولكن هذا الأخير، أي بومبيدو، فضّل على العكس من ذلك، التقليل من شأنها وبعد أن رفض اليد الممدودة من قبل الرئيس بومدين، كان نصيب خليفة بومبيدو، جيسكار ديستان أكثر وضوحا، وبقيت الوعود بفتح صفحة جديدة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة لا تعدو كونها كلاماً في كلام ومجرد مناورة سياسوية.

ديستان الذي زار الجزائر كأول رئيس فرنسي يقوم بذلك في 1975 بعد عام من انتخابه، كشفت عن الفجوة الواسعة على محور الجزائر وباريس، فالرئيس بومدين اختار سيارة مرسيدس لنقل نظيره الفرنسي، بدلا عن سيارة سيتروان الفرنسية، وعكست تلك الجزئية الكبيرة درجة المد والجزر عبر تبادل الرسائل المشفرة، بتصريح ديستان إن “فرنسا التاريخية تحيي الجزائر الفتية”، ردا على تصريح الراحل هواري بومدين بأن “الجزائر المستقلة تحيي فرنسا”.

وفيما رغبت الجزائر في مصالحة على شاكلة المصالحة الألمانية الفرنسية، التي تمت على يد كل من المستشار كونراد آديناور والرئيس شارل ديغول، إلا أن التوجه الفرنسي كانت تطبعه عدائية مقنعة. ففرنسا التي انخرطت في إفريقيا على أساس الحفاظ على مصالحها في مستعمراتها السابقة، عادت الجزائر التي كانت قوة الدفع في إطار دول عدم الانحياز والدول التقدمية، وعبّرت عن خيبات أملها لما اعتبر فرص ضائعة من قبل فرنسا، فقد سارع ديستان إلى الاصطفاف والانحياز للمغرب في نزاع الصحراء الغربية، وبلغ الأمر حد القطيعة حينما أغارت طائرات الجاغوار الفرنسية على مواقع جيش التحرير الصحراوي في 1977.

وفي نفس الفترة، يقرر جيسكار ديستان تخصيص علاوة مساعدة العودة بـ 10 آلاف فرنك لإعادة الأجانب إلى بلدانهم، وكان الجزائريون على رأس القائمة، وهم الذين كانوا يمثلون أكثر الجاليات عددا، وسعى الرئيس الفرنسي إلى التفاوض لإعادة ما لا يقل عن 500 ألف جزائري على مدى 5 سنوات، لكن الرئيس بومدين رفض ما اعتبره آنذاك تنصلا من فرنسا بطريقة أحادية عن بند حرية تنقّل الأشخاص المنصوص عليها في اتفاقيات إيفيان لمارس 1962.

وحسب مذكرات وزير الخارجية الجزائري الأسبق، محمد بجاوي، فإن الرئيس بومدين أعلن “مثلما يحق لفرنسا طرد العمال الجزائريين، فإن الجزائر بدورها تملك سلطة سيادية لتأميم الشركات الصناعية”.

بالمقابل ورغم الزيارة التي وصفت بالناجحة للرئيس جاك شيراك للجزائر في 2003 ودعوة الفرنسيين والجزائريين إلى “النظر إلى الماضي في الأمام من الجانبين”، وتم وضع أسس معاهدة الصداقة بين البلدين التي لن ترى النور.

وانفرط العقد على خلفية قانون 2005 “بشأن الاعتراف بالأمة والمساهمة الوطنية لصالح العائدين الفرنسيين” واحتواء النص على مقال يشيد “بالدور الإيجابي” للاستعمار الفرنسي لبلدان شمال إفريقيا وبخاصة الجزائر.

أما الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي، فقد شهدت في عهدته برودة واضحة، بدأت معالمها مع حملته الانتخابية في 2007 ومغازلته للحركى ومقترحا اعترافا بمسؤولية فرنسا الصريحة في التخلي عنهم، حسبه، ورافضا بشدة أي توجه “للاعتذار” للجزائر عن جرائم الاستعمار.

ورغم زيارته للجزائر في 2007 وتصريحاته بخصوص النظام الاستعماري “الظالم وغير العادل في طبيعته وجوهره” وشكل من أشكال الاستغلال والاستعباد، إلا أن توجهات القيادة الفرنسية ظلت في حدود “المسموح به سياسيا”، خاصة مع حسابات انتخابية امتزجت بملفات الهجرة والإسلام الفرنسي ومهاجري الضواحي.

ونفس الأمر طبع عهدة الرئيس فرانسوا هولاند الذي زار الجزائر كأمين عام الحزب الاشتراكي في 2008 واعتبر أن النظام الاستعماري ليس له طابع إيجابي، وأقر بالقمع الدموي في 17 أكتوبر 1961 بباريس، لكنه رسم حدودا وخطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها على أساس “لا لاعتذار صريح”.

وكشف رفض وزارة الدفاع الفرنسي تسليم مفاتيح مدينة الجزائر التي كان مقترحا تسليمها خلال زيارة هولاند مدى طول المسافة السياسية على محور الجزائر وباريس.

ولعل الإيقاع نفسه طبع توجه الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، الذي قام بزيارة قبل وصوله إلى كرسي قصر الإليزيه واعتمد خطابا للتهدئة ومدينا للاستعمار، ولكنه عاد بعد تسلمه السلطة للمرافعة باستبعاد كلي لأي فكرة للاعتذار، ثم عاد مع اقتراب موعد الانتخابات الفرنسية إلى التصريحات التي لم تتوقف عند حد انتقاد النظام السياسي الجزائري، وإنما امتدت لتطال كيان الأمة الجزائرية وتاريخها، بكل ما يحويه من جدل حول الحقبة الاستعمارية والتي خضعت فيها للاستعمار الفرنسي.

وكان الرئيس الفرنسي، قد شكك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للبلاد عام 1830 في تحد صارخ لكل الأعراف، وقبلها إجراء تقييد منح التأشيرات لدول المغرب العربي الثلاث، الجزائر والمغرب وتونس، الذي اعتبر مسعى من مساعي الرئيس ماكرون لمغازلة جمهور أحزاب اليمين المتطرف من الناخبين الفرنسيين، ناهيك عن تكريم الحركى، وهي تراكمات أحدثت قطيعة جديدة على محور الجزائر باريس…وللقصة بقية فلنرتقب ما ستأتي به الأيام القادمة من أخبار ومفاجآت.