هل حقيقة أن لرئيس البلدية السلطة والصلاحيات والقوة للقيام بمهامه كما حددها القانون ؟

في هذا الموضوع سوف نتطرق في الجزء الأول منه إلى الجانب القانوني وما جاء في أهم النصوص القانونية، لا سيما القانون المتعلق بالبلدية، الصادر في 22 جوان 2011، والذي يعد أهم نص قانوني ينظم تسيير شؤون البلدية ويوضح صلاحيات رئيس البلدية ودور المنتخبين الآخرين أعضاء المجلس الشعبي البلدي، ومهام الأمين العام ومختلف المصالح، وعلاقة المنتخبين بالإدارة وخاصة الوالي.

كما سنتطرق في الجزء الثاني من هذا الموضوع إلى الجانب العملي والممارسات التي غالبا ما تكون خارج القانون، حيث تمارس الضغوطات وكل أنواع الابتزاز الإداري والشخصي،

ففي قانون البلدية السالف الذكر،فرغم أنه يوضح صلاحيات ومهام المنتخبين، خاصة مهام وصلاحيات رئيس البلدية ويحمله مسؤولية تسيير شؤون البلدية في جميع ميادين الحياة في البلدية، اجتماعياواقتصاديا وتجاريا وتربويا وأمنيا وغيرها، إلا أن هذا القانون نفسه يحد من تلك الصلاحيات، فهو يحمل في طياته تناقضات، بحيث يمكن لمادة معينة أن تلغي ما سبقها من مواد. وسنوضح هذه العلاقة في استعراضنا لبعض المواد التي تثبت هذا الطرح.

فالمادة الثالثة من هذا القانون نجدها تنص على ما يلي: “تمارس البلدية صلاحياتها في كل مجالات الاختصاص المخولة لها بموجب القانون. وتساهم مع الدولة، بصفة خاصة، في إدارة وتهيئة الإقليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمن، وكذا الحفاظ على الإطار المعيشي للمواطنين وتحسينه”.

ففي هذه المادة تحديد لمهام البلدية،ولكنها تضعها في نفس مستوى الدولة، ولكن الفرق بين الدولة والبلدية يكمن في الإمكانيات التي تحوزها كل منهما وقوة التنفيذ لكل منهما.

أما المادة الثانية والستون من نفس القانون فإنها تنص على:” يمارس رئيس المجلس الشعبي البلدي سلطات باسم الجماعة الإقليمية التي يمثلها وباسم الدولة”، فهنا يبدو التناقض أكثر وضوحا، فرئيس البلدية منتخب وفي نفس الوقت يمثل الدولة،فهذه المادة تخلط بين السلطات بينما المادة السابقة (أي الثالثة) تنص على مساهمة البلدية مع الدولة، أي هناك فصل في السلطات، ولكن الاستغراب سيزول عندما ندرك أن هذا التناقض مقصود وقد وضع عمدا وليس خطأ، وهو تلبيس رئيس البلدية، الذي هو منتخب،برنوس المسؤول المعين من طرف الدولة بصفته يمارس سلطاته باسم الدولة حتى لا تكون هناك حجة لرفضه تطبيق قرارات إدارية فوقية تخص بلديته، فوضع أمام مسؤولياته ويعتبر هنا “موظفا لدى الدولة”.

كما أن المادة الثامنة والسبعين التي تتحدث عن صلاحيات رئيس البلدية بصفته ممثلا للبلدية والتي جاء فيها ما يلي: “يمثل رئيس المجلس الشعبي البلدي البلدية في كل أعمال الحياة المدنية والإدارية وفق الشروط والأشكال المنصوص عليها في التشريع والتنظيم المعمول بهما”.

في هذه المادة، وفي مواد أخرى كما سنراها لاحقا، تحيل كل صلاحيات رئيس المجلس الشعبي البلدي على التشريع والقوانين المعمول بها، والتي في أغلبها تعطي الصلاحيات لجهات إدارية أخرى، وبذلك يصبح رئيس البلدية يعمل تحت سلطة تلك الجهات والمصالح الإدارية.

غير أن المادة الخامسة والثمانين تتحدث عن صلاحيات رئيس البلدية بصفته ممثلا للدولة والتي جاء فيها ما يلي:”يمثل رئيس المجلس الشعبي البلدي الدولة على مستوى البلدية.وبهذه الصفة يكلف على الخصوص بالسهر على احترام وتطبيق التشريع والتنظيم المعمول بهما”.

فهنا تصبح الأمور لا غموض فيها، حيث أن رئيس البلدية ملزم ومكلف بتطبيق التشريع والقوانين، فينتقل صراحة من منتخب إلى موظف لدى الدولة.

أما المادة السادسة والثمانون،فتعطي لرئيس البلدية صفة ضابط الحالة المدنية، غير أنها تضعه بهذه الصفة تحت رقابة النائب العام المختص إقليميا. فلماذا يخضع لهذه الرقابة وكان من الأفضل إنشاء هيئة للحالة المدنية تكون مباشرة تحت سلطة القضاء، بدل هذا التناقض والتداخل في الصلاحيات؟

غير أن المادة الثامنة والثمانين وضعت رئيس البلدية وكل ما يقوم به تحت إشراف الوالي: “يقوم رئيس المجلس الشعبي البلدي تحت إشراف الوالي بما يأتي:(تذكر المهام)

– تبليغ وتنفيذ القوانين والتنظيمات على إقليم البلدية.

– السهر على النظام والسكينة والنظافة لعمومية.

– السهر على حسن تنفيذ التدابير الاحتياطية والوقاية والتدخل في مجال الإسعاف.

ويكلف بالإضافة إلى ذلك، بكل المهام التي يخولها له التشريع والتنظيم المعمول بهما”.

لاحظوا عبارة “القيام بكل المهام…”

أما المادة الثانية والتسعون فهي تعطيه صراحة صفة ضابط الشرطة القضائية.

وهو أمر غير صحيح إطلاقا، فلا يمكن أن تؤخذ شهادته أو تصرفه أو أوامره مثل باقي ضباط الشرطة القضائية العاملين في تراب البلدية.

كما أن المادة الثالثة والتسعين من قانون البلدية تنص على أن رئيس البلدية يعتمد في ممارسة صلاحياته في مجال الشرطة الإدارية على سلك الشرطة البلدية التي يحدد قانونها الأساسي عن طريق التنظيم، غير أن هذا التنظيم لم يصدر، ولم ينشأ سلك الشرطة البلدية إلى اليوم. كما أن نفس المادة تعطي لرئيس البلدية صلاحيات تسخير قوات الشرطة أو الدرك الوطني حسب الكيفيات المحددة عن طريق التنظيم، وإلى اليوم لم تصدر هذه القوانين التنظيمية. وهو مايعد جدارا قانونيا أمام رئيس البلدية لتنفيذ صلاحياته المنصوص عليها في قانون البلدية.

وفي نفس الاتجاه، فإن أغلب المواد التي تعطي الصلاحيات لرئيس البلدية نجدها مرتبطة بإصدار قوانين تنظيمية وتطبيقية، والتي لم تر النور منذ صدور قانون البلدية أي منذ عشر سنوات كاملة.

فهكذا نجد المادة 111 وغيرها من المواد وهي كثيرة ومتعددة،حيث أن المجلس الشعبي البلدي يبادر بكل عملية ويتخذ إجراءات من شأنها التحفيز وبعث تنمية نشاطات اقتصادية تتماشى مع طاقات البلدية ومخططها التنموي..ويقوم بتشجيع الاستثمار وترقيته، ويختم نص هذه المادة بعبارة “تحدد كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم”.

غير أنه وزيادة على كل ما سبق، فإن سلطة الوالي على البلديات لاحدود لها، وهي تأتي متناقضة تماما مع روح نص قانون البلدية نفسه، خاصة مع نص المواد الأولى، الثانية والثانية والستين، والتي تنص كلها على أن البلدية هي الجماعة الإقليمية القاعدية للدولة وتتمتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة، وأنها هي القاعدة الإقليمية للامركزية ومكان لممارسة المواطنة، وأن رئيس البلدية يمارس سلطات باسم الجماعة الإقليمية التي يمثلها وباسم الدولة.

وهكذا فإن سلطة الوالي، سواء تلك التي يمارسها على البلديات في إطار القانون أو تلك الممارسة خارج إطار القوانين، فكل ما يقوم به المجلس الشعبي البلدي ورئيسه وكل المبادرات التي يتخذها تصدم بموافقة أو برفض الوالي، وهذا ما تنص عليه الموادخمسة وخمسون، ستة وخمسون، سبعة وخمسون، ثمانية وخمسون وكلها تبطل المداولات الصادرة عن المجلس الشعبي البلدي إذا لم تحظ بموافقة الوالي. والمداولة في مفهوم القانون وفي الممارسة الديمقراطية هي أعلى سلطة للمجلس الشعبي البلدي والتي تتخذ في اجتماع المجلس البلدي، وبعد التصويت عليها بأغلبية أعضاء المجلس فهي أقوى وأعلى من قرارات رئيس البلدية، بما أن هذا الأخير يعتبر عضوا في المجلس البلدي ويصوت مثل باقي الأعضاء على كل القرارات والإجراءات المتخذة، فهنا سلطة الوالي وقراره أقوى وأعلى من سلطة المجلس البلدي ورئيسه، مع العلم أن من يمثل الوالي هو في الحقيقة رئيس الدائرة، هذا الأخير الذي يمارس مهامه خارج الإطار الدستوري، فهو غير مذكور إطلاقا لا في قانون البلدية ولا في قانون الولاية.

فالمادة الثانية من القانون رقم 12-07 المؤرخ في 21 فيفري 2012 والمتعلق بالولاية لا تذكر سوى هيئتين للولاية وهما المجلس الشعبي الولائي والوالي.

ولكن تدخل سلطة الوالي على المجالس البلدية لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى صلاحية توقيف أي منتخب من طرف الوالي حسب المادة الثالثة والأربعين، التي جاء فيها أنه يوقف بقرار من الوالي كل منتخب تعرض لمتابعة قضائية،وهذا دون الرجوع إلى المجلس الشعبي البلدي الذي من المفروض أنه هو من يوافق على ذلك في مداولة، مثلما يحصل في المجلس الشعبي الولائي الذي لا يمكن فيه توقيف منتخب دون موافقة أعضاء المجلس بالأغلبية، وكذلك يحصل في المجلس الشعبي الوطني. وهذه المادة متناقضة تماما مع إرادة الناخبين، فهي لا تخضع لأي سند قانوني ولا حتى لأمر قضائي، أي أنه من المفروض أن المحكمة هي التي تصدر قرارها بتوقيف المنتخب من عدمه وليس الوالي.

كما أن هناك فقرة كاملة تتكون من ثلاث مواد تسمى سلطة حلول الوالي، حيث أنها تعطي سلطات وصلاحيات لا حدود لها للوالي لممارسة سلطته على البلديات كما يراها هو دون اللجوء لا إلى العدالة ولا إلى أي هيئة أخرى من هيئات الدولة ومؤسساتها الدستورية.

فيصبح الأمر بيد الوالي حين يقرر، رغم رفض المجلس البلدي لذلك وضد إرادته.

كما أن المادة 145 التي تنص على ما يلي:”كل قرار صادر عن رئيس المجلس الشعبي البلدي لا يأخذ بعين الاعتبار آراء المصالح التقنية المؤهلة قانونا…تعرضه للعقوبات المنصوص عليها في التشريع الساري المفعول”، وهنا يصبح رئيس البلدية خاضعا تماما لآراء المصالح التقنية التي لا تكون صائبة في كل الأحوال، وبما أن رئيس البلدية سيتعرض للعقوبات فإنه لن يبادر ولن يغامر باتخاذ أي إجراء أو قرار إذا لم توافق عليه المصالح التقنية ولن يعارضها، فالمصالح التقنية هي تلك المصالح التابعة والخاضعة تماما للإدارة ولرئيس الدائرة والوالي، وكل العبء يتحمله رئيس البلدية، فلا توجد مادة واحدة في قانون البلدية تشير إلى مسؤولية الإدارة والمصالح التقنية في حالة رفضها لقرارات تعود بالفائدة على البلدية وعلى السكان.

أما في الممارسة وفي الميدان، فإن الأمر يختلف تماما، فإن كان القانون يلمح وينص على عدة مواد تعطي للمجلس البلدي ولرئيسه صلاحيات رغم تحديدها له، ورغم إعطائها سلطة للوالي ولمصالحه أكثر قوة يمكنها أن تلغي تلك الصلاحيات الممنوحة لرئيس البلدية، فإن الطامة الكبرى هي في الممارسة والتي تتصف بجانبين أساسيين، وهما جهل أغلب المنتخبين للقانون ولصلاحياتهم وخوفهم غير المبرر من مواجهة الوالي وسلطاته والاعتراض عليها أو حتى مناقشتها، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية في المجالس المنتخبة بين الأعضاء والاهتمام بالمصالح الشخصية والتي تسهل عملية سيطرة الوالي والإدارة بصفة عامة على المجلس، فكثيرا ما يقف المنتخبون مع قرار إداري تعسفي ضد مصالح البلدية بسبب الخلافات الداخلية والتي أغلبها شخصية وليست موضوعية.

كما أن التدخلات التي تأتي بطريقة غير رسمية أصبحت أمرا عاديا، حيث تمنح رخص وامتيازات مخالفة للقوانين من طرف البلدية أو من طرف مصالح أخرى بأمر من الوالي، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، والأمثلة لا تعد ولا تحصى في الكثير من البلديات.

كما أن خوف المنتخبين، خاصة رئيس البلدية، من عدم استفادة بلديتهم من مشاريع تمنحها الولاية يجعلهم يتوددون ويطلبون رضا الوالي وحتى أعوانه البسطاء، فكثيرا ما كان لسائق الوالي أو حارسه الشخصي سلطة خفية على بعض المنتخبين بمن فيهم رؤساء البلديات.

وهناك ظاهرة أخرى خطيرة في الممارسات الإدارية، وهي محاولة توريط رئيس البلدية في عمليات مشبوهة ومخالفة للقوانين، أو منحه امتيازات غير مستحقة، قصد الإيقاع به وتكبيله بعدها وابتزازه، ليصبح بعدها خاضعا لتلك الجهات التي ورطته عن قصد أو عن غير قصد.

كما أن الوالي أو من يمثله كثيرا ما يدفعون رؤساء البلديات للوقوع في أخطاء قانونية تعرضهم في ما بعد للمتابعات القضائية، كارتكاب مخالفات في تطبيق قانون الصفقات العمومية خاصة، وهو ما يعتبر السبب الرئيسي للمتابعات ضد رؤساء البلديات وضد المسيرين في المؤسسات العمومية عامة، حيث كثيرا ما يطلب من رئيس البلدية منح صفقات مخالفة لقانون الصفقات العمومية، ونظرا لجهل الكثير من رؤساء البلديات لهذا القانون ولغيره من القوانين تجدهم ينفذون مايطلب منهم، وفي حالات أخرى تجد بعضهم عندما يطلب منهم أمر مخالف للقانون فإنهم يستأذنون الوالي في ذلك، ظنا منهم أن رأي الوالي أو ترخيصه يعفيهم من المسؤولية، وهذا خطء كبير كثيرا ما يقع فيه رؤساء البلديات. غير أن رد الوالي في غالب الأحيان يكون بالشكل التالي:”ردا على طلبكم المتعلق بـ…فإنني لا أرى مانعا في ذلك… شريطة الاحترام والتقيد بالإجراءات القانونية المعمول بها….”. فهذه العبارة كافية لإعفاء الوالي أو من أصدرها من أية مسؤولية، بل تورط أكثر رئيس البلدية لأنها تذكره بضرورة احترام الإجراءات القانونية وليس مخالفتها، فكلمة “لا أرى مانعا” كثيرا ما يعتبرها رئيس البلدية ترخيصا لمخالفة القانون.

ومن هنا نفهم وندرك لماذا أغلب رؤساء البلديات لهم متابعات قضائية بسبب تسييرهم لشؤون البلدية، سواء أثناء فترة عهدتهم الانتخابية أو بعد انتهائها، وأقصد هنا المتابعات القضائية بسبب التسيير وليس بسبب التصرفات الفردية كالرشوة والاختلاسات والسلوكيات غير الأخلاقية وغيرها. بينما لم يتعرض أي مسؤول آخر بمن فيهم الوالي أو رئيس الدائرة للمساءلة القضائية بسبب التسيير.

وعليه، فإنه من اللازم إعادة النظر جذريا في عدة قوانين وأهمها قانون البلدية وقانون الولاية، والحد من صلاحيات الوالي وسلطته على البلديات وعلى المنتخبين، والرجوع في النزاعات إلى هيئات قضائية دستورية واضحة الصلاحيات، وإعطاء صلاحيات أكثر للمجالس البلدية وتقوية الرقابة الشعبية عليها بدل الرقابة الإدارية، بإنشاء مجالس استشارية وتقوية دور المجتمع المدني الحقيقي في ذلك.

* رئيس بلدية سابق