لا تزال السلطات العمومية تبحث عن الحلول الناجعة لاستقطاب الأموال المتداولة في الأسواق الموازية والمقدّرة حسب آخر الأرقام نحو 10 آلاف مليار دينار. فبعد أن فشلت في إقناع أصحاب أموال الشكارة بتوظيف أموالهم في القنوات الرسمية، من خلال إيداعها في البنوك، ها هي حكومة الوزير الأول، أيمن بن عبد الرحمان، تدعوهم إلى التصريح بأموالهم لدى مصالح الضرائب مقابل عفو جبائي غير مرفق بمتابعات قضائية.

وتضمّن مشروع قانون المالية لسنة 2022 عفوا جبائيا لفائدة الناشطين في السوق الموازية المعلنين عن هويتهم لدى مصالح الضرائب قبل نهاية سنة 2022، وهو المقترح الذي يعول عليه معدو المشروع لاستقطاب جزء من أموال أصحاب “الشكارة” التي دعا رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى التعجيل في احتوائها وإعادة توظيفها في الاقتصاد الوطني بعيدا عن الاستدانة الخارجية والعودة إلى طبع الأموال.

وأكدت مصادر “الخبر” أن “أزمة انعدام ثقة الجزائريين في النظام البنكي والضريبي، تبقى تحول دون استقطاب أموالهم التي يفضّلون تكنيزها في البيوت أو استغلالها في الأسواق الموازية، لما تقدّمه هذه الأخيرة من أرباح بعيدا عن أعين الإدارات من ضرائب”.

ولا يعد العفو الجبائي الذي جاء به مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، الأول من نوعه بالنسبة للتدابير التي اقترحتها إدارة الضرائب إلى غاية الآن، في إطار سياسة احتواء أموال الأسواق الموازية، حيث بادرت سنة 2007 لاستحداث الضريبة الجزافية الوحيدة “إيفو”، والتي تم توسيع وعائها سنة 2015، بتطبيق ضريبة تقدّر بـ5 بالمائة على نشاطات بلغ رقم أعمالها 3 ملايير سنتيم، مما حفّز بعض التجار على الالتحاق بالقنوات الرسمية، لكن ذلك لم يدم طويلا بعد أن أعادت إدارة الضرائب حساباتها وقلصت من رقم الأعمال إلى المليار ونصف مليار سنتيم.

ورغم التحفيزات والمبادرات التي أقرتها الحكومات المتوالية لتشجيع أصحاب أموال “الشكارة” على التصريح بأموالهم، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل. وتمثّل أول إجراء بادرت إليه الحكومة منتصف سنة 2015، لاستقطاب أموال “الشكارة” في تقديم مزايا جبائية لحاملي الأموال خارج الإطار البنكي، من خلال إيداع أموالهم لدى البنوك ودون مساءلة عن مصدرها، في إطار برنامج “الامتثال الضريبي الطوعي”، مقابل دفع رسم جزافي قدّر بـ7 بالمائة شرط السماح لأصحابها الاستفادة من أموالهم بطريقة عادية.

وركزت الحكومة على مكتنزي الأموال والمتحفظين للتعامل بالربا، بتشجيع الصيرفة الإسلامية، والتي لم ترق إلى غاية الآن إلى تطلعات الجزائريين  لتقرّر الحكومة اليوم الإفراج عن إجراء جديد يخص عفو جبائي للناشطين في الأسواق الموازية.

غير أن كل هذه الترسانة من القوانين والتشريعات، سواء تلك التي تضمنتها قوانين المالية المختلفة أو الأنظمة الصادرة عن بنك الجزائر أو التعليمات المتأتية من جمعية البنوك والمؤسسات المالية، بقيت مجرد حبر على ورق ولم تأت بأي نتيجة لتتفاقم ظاهرة تداول الأموال في الأسواق الموازية وترتفع قيمتها مع استحالة ضبطها أو تحديد قيمتها، لتوظّف أموالا طائلة خارج الدوائر الرسمية على حساب الاقتصاد الوطني.