نددت معظم حكومات العالم بشدة بالغزو العسكري الروسي الشامل لأوكرانيا الذي بدأ في فبراير/ شباط 2022 باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي من شأنه أن يؤدي إلى تقويض النظام العالمي، لكن بكين كانت الاستثناء إذ بادرت في الأشهر الأخيرة بتعزيز التعاون بين جيش التحرير الشعبي والقوات المسلحة الروسية من خلال إجراء تدريبات مشتركة ودوريات منسقة في المنطقة المحيطة باليابان. فلماذا تقوم الصين وروسيا ببناء هذه الشراكة العسكرية؟ وما هي انعكاسات ذلك على أمن اليابان وسياسة الدفاع التي تنتهجها اليابان؟

من خصمين إلى شريكين استراتيجيين

خلال معظم الحقبة السوفيتية، كان هناك توتر دائم بين بكين وموسكو وصل في مرحلة ما إلى مواجهات مسلحة بسبب نزاع حدودي. وهناك وجهة نظر ترى أن انعدام الثقة بين البلدين له جذور عميقة واستمر حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبزوغ فجر روسيا الاتحادية في عام 1991. لكن في عام 2004 نجح البلدان في إزالة أكبر عقبة كانت تعيق إقامة علاقات جيدة بينهما عندما نجحا في حل الخلاف الحدودي التاريخي بينهما.

وفي أغسطس/ آب 2005، أجرت الصين وروسيا أول مناورة عسكرية مشتركة أطلق عليها اسم بعثة السلام 2005 في شبه جزيرة شاندونغ، وكانت بشكل أساسي تدريبات على مكافحة الإرهاب، وتم الاتفاق بعد ذلك على إجراء تدريبات بعثة السلام سنوياً تحت رعاية منظمة شنغهاي للتعاون (التي تتكون من الصين وكازاخستان وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان).

تلا ذلك إجراء التدريبات البحرية المشتركة بشكل متكرر، وقد أطلق على التدريبات التي أجريت في أبريل/ نيسان 2012 اسم البحار المشتركة (أو التفاعل البحري 2012 كما أطلق عليها الروس) وكانت في البحر الأصفر قبالة شبه جزيرة شاندونغ، وشاركت أكثر من 20 سفينة حربية من كلا البلدين في مناورات لمحاكاة الدفاع الجوي المشترك والحرب المضادة للغواصات ومهام البحث والإنقاذ. منذ ذلك الحين، أصبحت تدريبات البحار المشتركة تقام سنويًا (باستثناء عام 2020) ويتم تغيير محتواها باستمرار. منذ عام 2013، اتسع النطاق الجغرافي للتدريبات ليشمل مناطق خارج المحيط المباشر للصين، بما في ذلك أوروبا، وبالترتيب الزمني كانت تلك المواقع هي بحر اليابان في 2013، وبحر الصين الشرقي في 2014، والبحر الأبيض المتوسط وبحر اليابان في 2015، وبحر الصين الجنوبي في 2016، وبحر البلطيق وبحر اليابان في 2017، وبحر الصين الجنوبي في 2018، والبحر الأصفر في 2019، وبحر اليابان في 2021.

مؤخراً يحرص البلدان على المشاركة في مناورات استراتيجية ضخمة تتم فيها محاكاة حالة قتالية واسعة النطاق في سبتمبر/ أيلول 2018، شاركت الصين في فوستوك 2018 التي أجريت في المنطقة العسكرية الشرقية في روسيا وشارك فيها حوالي 3200 جندي من جيش التحرير الشعبي، وألف عربة مدرعة صينية، وثلاثون طائرة صينية تم نقلها إلى روسيا جواً وباستخدام السكك الحديدية، وقد كانت أكبر تدريبات عسكرية خارجية في تاريخ الصين.

في سبتمبر/ أيلول 2019 شارك جيش التحرير الشعبي الصيني أيضًا في مناورات Tsentr التي تم إجراؤها في المنطقة العسكرية المركزية في روسيا، ومناورات Kavkaz التي أجريت في سبتمبر/ أيلول 2020 في المنطقة العسكرية الجنوبية. جدير بالذكر أن المشاركة الأولى للقوات الروسية في مناورة استراتيجية صينية كبرى كانت في أغسطس/ آب 2021، عندما تمت دعوتها للمشاركة في مناورة Joint Western 2021 التي أجريت في المنطقة الغربية من نينغشيا. لا شك أن حرص البلدين على المشاركة بشكل متبادل في المناورات الاستراتيجية يؤكد على عمق الشراكة العسكرية القائمة بينهما.

دوريات في الأجواء اليابانية

يقوم الجيشان الصيني والروسي أيضًا بمهام منسقة على نطاق أصغر في البحار والمجال الجوي حول اليابان. في يوليو/ تموز 2019، حلقت قاذفتا قنابل صينيتان من طراز H-6 واثنتان روسيتان من طراز Tu-95 جنوبًا من بحر اليابان إلى بحر الصين الشرقي ودخلت قاذفات القنابل في مناطق تحديد الدفاع الجوي المتداخلة التابعة لكل من اليابان وكوريا الجنوبية، ووصفت وزارة الدفاع الوطني الصينية المناورات بأنها أول ”دورية جوية استراتيجية مشتركة“ بين الصين وروسيا. كما تم تنفيذ دورية مماثلة في ديسمبر/ كانون الأول 2020. أما في الدورية الجوية الثالثة المشتركة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، فقد تم توسيع مسار الرحلة فوق المحيط الهادئ، وفي مايو/ أيار 2022 تم تنفيذ دورية رابعة ضمت أربع قاذفات صينية.

كما أن وتيرة إجراء المهمات البحرية المنسقة آخذة في الازدياد، ففي أعقاب المناورات البحرية المشتركة 2021، التي تم إجراؤها في أكتوبر/ تشرين الأول في بحر اليابان، قامت خمس سفن حربية تابعة لكل من الصين وروسيا بالإبحار حول اليابان، شرقًا عبر مضيق تسوغارو الشمالي (بين هونشو وهوكايدو)، ونزولاً على طول ساحل المحيط الهادئ لليابان، ثم غربًا عبر مضيق أوسومي في جنوب محافظة كاغوشيما. ووصفت وسائل الإعلام الصينية المهمة بأنها ”أول دورية بحرية مشتركة للبلدين“. في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني، عقد وزير الدفاع الصيني وي فنغي ونظيره الروسي سيرجي شويغو اجتماعًا افتراضيًا لخص فيه كبار القادة العسكريين الدوريات البحرية والجوية الثنائية التي أجريت في ذلك العام، واتفق الجانبان على مواصلة تعميق التعاون الاستراتيجي.

شراكة استراتيجية ذات أهداف واضحة

ما الذي تطمح إليه كل من الصين وروسيا من خلال تعزيز التعاون العسكري وإجراء هذه التدريبات والدوريات المشتركة؟ لا جدال أن الهدف الأسمى هو توحيد القوى ضد الولايات المتحدة التي توترت علاقاتها مع كلا البلدين على مدى العقد الماضي.

لا شك أن الجهود التي تبذلها الصين لتغيير الوضع الراهن في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي وتايوان، مدعومة بقدرات عسكرية سريعة التوسع، أدت إلى تصعيد التوترات بين بكين وواشنطن التي تهدف إلى الحفاظ على نظام دولي حر ومفتوح. من ناحية أخرى، كانت روسيا على خلاف مع الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في منظمة حلف شمال الأطلسي منذ ضمها القسري لشبه جزيرة القرم في عام 2014. وفي الأشهر الأخيرة تفاقمت التوترات مع روسيا إلى حد كبير بسبب غزو الأخيرة لأوكرانيا، بينما أثارت الصين مزيدًا من الاستفزازات التي أغضبت الولايات المتحدة وذلك من خلال مناوراتها الضخمة في أغسطس/ آب والتي تم خلالها إطلاق صواريخ بالستية في محاولة سافرة لترويع تايوان. لذا فبالنسبة للصين وروسيا، يعتبر التعاون الثنائي وسيلة لتبديد الضغط العسكري الذي يمكن أن تمارسه عليهما الولايات المتحدة.

كما أن الدبلوماسية الثنائية تسير في هذا الاتجاه حيث أعلن البيان الصيني الروسي المشترك الذي صدر في 4 فبراير/ شباط 2022 عقب محادثات القمة بين الرئيس شي جين بينغ وبوتين (قبل وقت قصير من بدء روسيا غزوها لأوكرانيا)، أن كلا الجانبين ”يعارضان المزيد من توسع الناتو“ وأنهما ”يقفان ضد تشكيل تكتلات مغلقة ومعسكرات متعارضة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ“. وبهذه الطريقة أشارت الصين إلى دعمها لروسيا في صراعها على السلطة مع الناتو في أوروبا، وردت روسيا بالمثل من خلال التعبير عن دعمها للصين في صراعها مع الولايات المتحدة في منطقة شرق آسيا. باختصار، خلُصت الصين وروسيا إلى أنه يمكن لكل منهما خدمة مصالحهما الاستراتيجية من خلال توحيد قواهما للتنافس عسكريًا مع الولايات المتحدة وحلفائها.

بالنسبة للجيش الصيني، فإن التعاون مع روسيا من شأنه أن يساهم بشكل كبير في الإصلاحات التي كان يسعى إليها في عهد شي جين بينغ والتي تهدف إلى تحويل جيش التحرير الشعبي الصيني إلى واحد من أكبر القوات المقاتلة في العالم لكي يضاهي في قوته الجيش الأمريكي. وتحديداً يعمل جيش التحرير الشعبي الصيني على تعزيز قدرته العملياتية المشتركة من أجل بناء قوة عسكرية يمكنها أن تنتصر بالفعل في القتال مع خصم قوي مثل الولايات المتحدة، وهنا يأتي دور القوات المسلحة الروسية التي تتمتع بخبرة قتالية أكثر من الصين وتتفوق على جيش التحرير الشعبي عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات الموجهة نحو تعزيز القدرات العملياتية المشتركة، ليس هذا فقط، بل ربما تأمل الصين أيضاً في الاستفادة من تكنولوجيا الفضاء الروسية الفائقة لتحديث أسلحتها الخاصة.

بالنسبة لروسيا، يعد التعاون الدفاعي أداة مهمة لتحقيق الاستقرار في العلاقات مع الصين والحفاظ على التكافؤ في العلاقات الثنائية بين البلدين. مؤخراً كانت القوة الروسية في حالة انحسار، فضلاً عن تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة، لذلك لا يمكن لروسيا أن تكون على خلاف مع الصين التي تعد الآن قوة عظمى وتشترك معها في حدود برية طويلة، فمن خلال تقوية العلاقات المتبادلة في مجال الدفاع، تستطيع موسكو تقليل التهديد المحتمل الذي تشكله الصين لروسيا وأن تحظى في نفس الوقت باحترام بكين من خلال إظهار أهمية روسيا من الناحية العسكرية. كما يمكن أيضًا اعتبار الدوريات البحرية والجوية التي يتم إجراؤها في المنطقة المحيطة باليابان إحدى وسائل موسكو لإقناع المراقبين المحليين والأجانب بأن روسيا قوة عظمى تقف على قدم المساواة مع الصين.

حاجة اليابان إلى امتلاك قدرات الردع الخاصة بها

إذا كانت اليابان ترغب في حماية أراضيها وسيادتها، فيجب عليها أن تعتبر التعاون العسكري المتنامي بين الصين وروسيا مصدر قلق أمني خطير. فروسيا ما زالت تحتل الأراضي الشمالية في اليابان بشكل غير قانوني، بينما تواصل الصين التلويح بقوتها البحرية على أمل تغيير الوضع الراهن في جزر سينكاكو اليابانية (التي تطالب بها كل من الصين وتايوان رغم سيطرة اليابان عليها). ومما يثير القلق بشكل خاص اتباع أسلوب الترهيب ضد اليابان، بما في ذلك الدوريات المشتركة في المناطق المجاورة لليابان والظهور المتعاقب للسفن البحرية الصينية والروسية في المنطقة المتاخمة حول جزر سينكاكو في يوليو/ تموز الماضي. بالنظر إلى الاتجاه الواضح لتعزيز الشراكة العسكرية بين الصين وروسيا، يتضح أن اليابان في حاجة ماسة لتعزيز قدرات الردع الخاصة بها بشكل مستقل عن الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، يجب أن يدرك اليابانيون أن هذه الشراكة بين الصين وروسيا، باعتبارهما قوتين عسكريتين عظيمتين مسلحتين نوويًا وتستخدمان القوة العسكرية لتوسيع مجال نفوذهما، تشكل تهديداً خطيرًا للنظام العالمي القائم على القواعد، إذ يعتقد العديد من الخبراء أننا في المراحل الأولى لصراع عالمي طويل الأمد بين القوى المصممة على الدفاع عن النظام الحالي وترسيخه، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، وأولئك الذين يسعون للإطاحة بهذا النظام وعلى رأسهم الصين وروسيا.

في هذا الوضع العالمي المتوتر تحتاج اليابان إلى تبوّء مكانة رائدة بين القوى التي تدافع عن الوضع الراهن. وهذا يعني تعزيز التحالف الياباني الأمريكي بالطبع، ولكنه يعني أيضًا تكثيف التعاون الأمني مع أستراليا والهند وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وفيتنام وغيرها من الدول التي تعارض سياسة الإكراه العسكري وتدعم الوضع الراهن في المحيطين الهندي والهادئ، كما يجب على اليابان تعزيز العلاقات مع الناتو بهدف بناء إطار تعاوني عالمي لدعم النظام الدولي القائم على القواعد.

(نشر النص الأصلي باللغة اليابانية، الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان: إحدى قاذفات القنابل الصينية H-6 التي انضمت إلى القاذفات الروسية للقيام بدوريات في المجال الجوي حول اليابان في 24 مايو/ أيار 2022. إهداء من هيئة الأركان اليابانية المشتركة)