بقلم مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية

٢٨ يوليو ٢٠٢٢

أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مدى السنوات العديدة الماضية أنه مستعد للانتقال من النظام الدولي القائم على الديمقراطية والذي شكل معايير الحوكمة العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذه المعايير منصوص عليها بوضوح في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان – احترام سيادة وسلامة أراضي الدول الأخرى، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وحقوق المواطنين في المشاركة في الحياة السياسية. يعتبر الميثاق، الذي وقعته ١٩٣ دولة عضو، مسؤولية جماعية لمساءلة الأعضاء عند انتهاك هذه المبادئ وفقًا للقانون الدولي.

لذلك، كان غزو روسيا ومحاولتها ضم أوكرانيا بالكامل أو أجزاء منها أكثر من مجرد نزاع ثنائي – ولكنه جهد واضح لإعادة تعريف المعايير الدولية.

اعترف سفير كينيا لدى الأمم المتحدة، مارتن كيماني، بالمخاطر منذ البداية بإعلانه في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أثناء انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا أن جدوى التعددية نفسها كانت تتعرض للهجوم.

ذًا، كيف يبدو النظام الدولي الذي تقوده روسيا؟

تشكل الجهات الفاعلة العالمية المعايير الدولية من خلال تصدير نموذج الحوكمة المحلي الخاص بها. في حالة روسيا، غالبًا ما يصف المحللون الروس هذا بأنه نظام سلطوي كليبتوقراطي. فتُحتكر السلطة، وتكون الانتخابات مسيطر عليها بإحكام لإدامة الرئيس مدى الحياة، بينما تتعرض أصوات المعارضة للسجن (مثل أليكسي نافالني)، أو للتسمم (مثل سيرجي ماغنيتسكي)، أو للاغتيال (مثل بوريس نيمستوف). وتكون وسائل الإعلام المستقلة مقيدة، وإذا انتقدت بشدة، فإنها تتعرض للاختناق. لا يتم السماح بالتظاهر. تخضع العقود الحكومية الروسية والثروة الهائلة من الموارد الطبيعية للبلاد لسيطرة شبكة حكمية قريبة من بوتين، مما أدى إلى الركود الاقتصادي وعدم المساواة الهيكلية.

في الواقع، هذا نظام معاملات حيث يتم تطبيق القوانين بشكل تعسفي لخدمة مصالح من هم في السلطة. يتم التعامل مع حقوق الإنسان والديمقراطية على اعتبار أنها من المضايقات التي يجب تجاهلها.

انطلاقًا من مثل هذه الفرضية للحكم الحر، كان يمكن لبوتين أن يدعي في الفترة التي سبقت الغزو أن أوكرانيا لم تكن موجودة في الواقع كدولة مستقلة على الإطلاق، وبالتالي لم تكن هناك سيادة يتم انتهاكها.

كيف يبدو نظام بوتين الدولي في إفريقيا

إن نظرة بوتين إلى النظام الدولي لها تداعيات خطيرة على إفريقيا. تخيل دولة إفريقية أكبر تؤكد أن جارتها الأصغر لم تكن موجودة بالفعل ككيان مستقل ذي سيادة. إن تطبيق هذا المنطق لن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار إلى حد كبير فحسب، بل سيقوض أحد الإنجازات الكبرى لإفريقيا التي لم تحظ بالتقدير الكافي – ألا وهو احترام الحدود الدولية، حتى لو تم رسمها بشكل متقلب من قبل الجهات الخارجية، وتجنب الصراع بين الدول في أغلب الأحيان.

يمكن رؤية مؤشرات ما ينذر به نظام بوتين الدولي لإفريقيا حيث تصدر روسيا قواعد الحوكمة الخاصة بها إلى القارة. في ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى ومالي – وهي البلدان الإفريقية التي أصبحت روسيا أكثر رسوخًا فيها – أصبح النمط المقلق لتقويض دور الأمم المتحدة ونشر مرتزقة غير خاضعين للمساءلة وانتهاك حقوق الإنسان أمرًا طبيعيًا. يتم دائمًا اتخاذ هذه الإجراءات المزعزعة للاستقرار لدعم وكيل روسيا في البلد المستهدف الذي تدعمه حملات التضليل الروسية والتدخل في الانتخابات.

في ليبيا، نشرت روسيا موارد عسكرية كبيرة – بما في ذلك الطائرات المقاتلة وصواريخ أرض جو والمرتزقة – في محاولة لتنصيب الجنرال خليفة حفتر كرجل قوي جديد. طوال هذه الحملة، المستمرة منذ عام ٢٠١٩، عملت روسيا بنشاط على تقويض الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في طرابلس. وتحاول روسيا، غير القادرة حتى الآن على تحقيق أهدافها بالقوة، عرقلة عملية الأمم المتحدة لإنشاء أساس دستوري لحكومة موحدة وإجراء انتخابات، من خلال دعم حكومة موازية في الشرق.

في جمهورية إفريقيا الوسطى، يعمل روسي مستشارًا للأمن القومي، كما يعمل المرتزقة من مجموعة فاجنر الغامضة حرسًا رئاسيًا للرئيس فوستين أرشينج تواديرا. كما شاركت روسيا بشكل صارخ في تنظيم إعادة انتخاب تواديرا في عام ٢٠٢٠. نظرًا لأن مجموعة فاجنر أصبحت راسخةً في جمهورية إفريقيا الوسطى (خاصة حول مناجم الذهب والماس)، فقد اتخذ المرتزقة موقفًا عدوانيًا بشكل متزايد ضد قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي يبلغ قوامها ١٥٧٠٠ جندي والتي تم نشرها للمساعدة في تحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى.

في مالي، أدت حملات التضليل الروسية التي بدأت في عام ٢٠١٩ إلى الانتقاص من شأن الأمم المتحدة وفرنسا والرئيس المنتخب ديمقراطيًا، إبراهيم بوبكر كيتا. وسرعان ما أصبحت روسيا الداعم الرئيسي للانقلاب العسكري الذي أعقب ذلك في أغسطس ٢٠٢٠. كما هو الحال في السياقات الأخرى، رافق نشر مرتزقة فاجنر روايات مروعة عن انتهاكات حقوق الإنسان. ومن الجدير بالذكر أن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لعرقلة التحقيقات المستقلة في هذه الانتهاكات. تم القبض على قادة المعارضة للتشكيك في شرعية المجلس العسكري وتعرضوا للتهديد من قبل مليشيات الشباب التي يرعاها النظام.

باختصار، لدينا فكرة جيدة إلى حد ما عما سيبدو عليه النظام الدولي الذي تشكله روسيا في إفريقيا – وهو لا يجذب المواطنين حيث يتم إسكات أصواتهم بشكل منهجي.  أوكرانيا ليست انحرافًا، ولكنها جزء من نمط تقويض روسيا لسيادة القانون لتعزيز مصالحها.

رؤى متباينة داخل إفريقيا

في حين أن النموذج الروسي غير جذاب للمواطنين الأفارقة، إلا أنه جذاب لبعض القادة الأفارقة الذين يستفيدون سياسيًا وماليًا من الدعم الروسي. فليس من المستغرب أن يميل أولئك الأكثر تقبلاً للنفوذ الروسي إلى عرض نسخهم الخاصة من نموذج الحكم الروسي الاستبدادي القائم على المعاملات. بالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، فإن القادة في السودان ومدغشقر وزيمبابوي وجمهورية الكونغو وجنوب السودان وإريتريا وأوغندا وبوروندي يندرجون تحت هذه الفئة.

إن الشرعية المشكوك فيها لهؤلاء القادة والأدوات الخارجة عن القانون التي تستخدمها روسيا عادةً لكسب النفوذ والحفاظ على هذه الأنظمة – والمتمثلة في المرتزقة والمعلومات المضللة والترهيب والتدخل في الانتخابات – تزعزع الاستقرار بطبيعتها.

وبالتالي، فإن تطبيق النظام الدولي الروسي في إفريقيا يخدم الجهات الفاعلة النخبوية التي تبرم مثل هذه الترتيبات المبهمة على حساب عموم السكان. من المهم أن تضع في اعتبارك، وفقًا لذلك، أن الجهات الفاعلة النخبوية لا تتحدث نيابةً عن عموم السكان. فالمسار الحتمي لهذا النظام يصل إلى التفاوتات المتزايدة في الوصول إلى الموارد والصوت السياسي.

إذًا، هناك الكثير على المحك بالنسبة لإفريقيا. فسوف تستفيد جهات فاعلة مختلفة تمامًا – سلطويون غير مقيدون بسيادة القانون مقابل مواطنين يسعون إلى حماية حرياتهم المدنية – اعتمادًا على النظام الدولي الذي يستمر.

والمؤيدون الأفارقة لهذه الرؤى المتباينة ليسوا متحالفين مع الولاءات الأيديولوجية بين الشرق والغرب كما كان الحال خلال الحرب الباردة. وبدلاً من ذلك، يتم تحديدهم من خلال مستوى التزامهم بمبادئ الحكم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

في حين أن النظام الدولي الحالي القائم على الأمم المتحدة بعيد كل البعد عن الكمال، إلا أنه يوفر أساسًا قانونيًا وجماعيًا لسماع أصوات المواطنين الأفارقة، وحماية حقوق الإنسان، ومساءلة الحكومات. والبديل هو أن يعمل كل بلد – وكل فرد – بمفرده.

هذه المقالة نشرت أصلا هنا.