قضايا سياسية

زلة قطر: الآثار الاستراتيجية غير المحسوبة

عامر مصباح (جامعة الجزائر 3)

أعلنت كل من المملكة العربية السعودية، مصر، دولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين قطع علاقاتها الدبلوماسية والقنصلية مع دولة قطر، التي تشمل أيضا حظر أجواء هذه الدول، المياه الإقليمية والمطارات أمام الملاحة القطرية؛ بالإضافة إلى إنهاء مشاركتها في التحالف العربي في الأزمة اليمنية. يعكس هذا الموقف عمق الخلاف بين هذه الدول وقطر حول بعض القضايا الإقليمية والخليجية خاصة فيما يتعلق بالموقف من إيران، الأزمة اليمنية، الأزمة السورية والموقف من جماعة الإخوان المسلمين، ودور قناة الجزيرة.
لا شك في أن هذا الموقف يمثل تصدعا آخر في جسم النظام العربي بعد تصدع طرد سوريا من عضوية الجامعة العربية عام 2012، الذي سوف يعمّق الخلافات العربية-العربية، ويضعف الدور الإقليمي العربي مقابل تصاعد دور القوى الإقليمية الثلاث: إيران، إسرائيل، وتركيا.
الهدف الرئيسي لهذا الموقف الدبلوماسي محدد في عزل دولة قطر وتحجيم دورها السياسي والإعلامي في المنطقة، لكن في مقابل ذلك هناك العديد من الآثار الاستراتيجية غير المحسوبة التي يمكن أن تترتب عن إبعاد قطر من المشهد العربي، والتي يمكن تحديدها في مجموعة من النقاط:
11) يهدد موقف قطع العلاقات بالصورة التي وردت في وسائل الإعلام الخليجية يهدد مجلس التعاون الخليجي بالتفكك، لأن الموقف لم يتخذ داخل هذه الهيئة الإقليمية، وأن نصف أعضاء المجلس خارج هذا الموقف؛ وهذا ما يفتح الطريق امام إيران إلى طرح منظورها الاستراتيجي حول أمن الخليج.
22) سوف يدفع عزل قطر دبلوماسيا وسياسيا وتجاريا نحو إيران وسوريا والحوثيين، سواء كسلوك انتقامي أو كسعي لكسر الحصار عليها دبلوماسيا، ويمكن أن توسع سياستها الانتقامية لتشمل تسليم الملف الاستخباري الخاص بسوريا إلى إيران والحكومة السورية، خاصة فيما يتعلق بالجماعات المسلحة، مصادر تمويلها وتسليحها؛ وبالتالي تتحول آليا إلى طرف داعم للموقف الإيراني الروسي السوري في الأزمة السورية.
33) عنصر القوة في السياسة الخارجية القطرية هو الدعم الأمريكي بواسطة القواعد العسكرية الأمريكية فوق أراضيها، وبالتالي قطع العلاقات قد خلق المناخ السياسي والأمني لتطبيق مطالب ترامب القاضية بضرورة دفع دول الخليج ثمن الحماية الأمريكية؛ وتحت ضغوط هذه الأزمة، سوف تغدق قطر في الدفع للأمريكيين لإرضائهم.
44) عزل قطر عربيا سوف يعزز المخاوف الأمنية لدى القيادة القطرية حول إمكانية حدوث انقلاب عسكري للإطاحة بالحكومة، وهذا ما سوف يدفعها أكثر نحو الولايات المتحدة بالذات؛ فإذا كانت السعودية قد دفعت 380 مليار دولار لترامب من أجل تعزيز الشراكة الاستراتيجية السعودية-الأمريكية، فإن قطر -تحت المخاوف الأمنية- سوف تدفع الضعف تحت عنوان “تطوير القوة الاقتصادية القطرية” “الشراكة الاستراتيجية وحاجات الدفاع”، “دعم الصداقة الأمريكية-القطرية”، “الصداقة-القطرية الأوربية”، “الصداقة القطرية-البريطانية” وغيرها. إن هذا الخيار ممكن، لأن قطر قليلة السكان وذات ثروة كبيرة مع انسحابها من الأزمة السورية واليمينة، وبالتالي سوف يعزز حظوظها في تغطية النفقات التي تحل الكثير من المشاكل التي يواجهها ترامب، وتيرازا ماي.
من ناحية التاريخ الاستراتيجي على المستوى الإقليمي أو الدولي إذا استحضرنا عدد من الحالات الأكثر حداثة، نجد أن الحصار الدبلوماسي أو قطع العلاقات الدبلوماسية عادة يأتي بمخرجات عكسية. إذ أدت العقوبات الاقتصادية الغربية-الأمريكية على روسيا إلى زيادة النفوذ الروسي في العلاقات الاستراتيجية الدولية؛ أدى الحصار الخليجي الدولي على إيران إلى تمدد النفوذ الإيراني عبر إقليمي؛ أدت العقوبات الدولية على كوريا الشمالية إلى تحوّل هذه الأخيرة إلى دولة نووية عام 2013، وتطوير بنيتها التحتية في الدفاع الصاروخي والقدرات الهجومية؛ وأكثرها وضوحا، أن طرد سوريا من الجامعة العربية لم يؤد إلى سقوط الحكومة في دمشق، بل على العكس من ذلك، صمد الجيش السوري يقاتل بمقاربات مختلفة لأكثر من خمس سنوات، وتحمّل أعباء الحرب غير النظامية لم يتحملها أي جيش عربي آخر منذ استقلال هذه الدول.
في تقييمه لسلوك نابليون بونابرت الاستراتيجي، قال كولن جراي أن مشكلة نابليون كانت عدم قدرته على الابتعاد عن طاولة القمار وحساب أرباحه.

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock