بالتأكيد إنني لست ضد تخليد “ذكرى الأبرياء” الذين قضوا في الحروب والعدوان، أو بفعل الاحتلال في أي بقعة من العالم، ولأي طائفة بشرية كانت، فالبشر هم البشر مهما اختلفت ألوانهم، وثقافتهم أو معتقداتهم، وهم يتشاركون في الألم كما يتشاركون الأمل.

ولكنني بالتأكيد ضد “الزيف السياسي” وأي نفاق يرتبط به من أي فريق كان ” قل أو كثر “، لذلك كان لا بد أن أسلط الضوء على ” قمة الزيف السياسي ” التي اجتاحت القدس نهاية الأسبوع الماضي فيما يُسمى ” الذكرى الـ 75 لتحرير أوشفيتز”، حيث شارك فيها العديد من قادة وسياسيّ العالم؛ يتقدمهم الرئيس الروسي “بوتين”، والرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” والرئيس الألماني “فرانك فالتر شتاينماير” والأمير البريطاني “تشارلز”، بالإضافة إلى “مايك بنيس” نائب الرئيس الأمريكي.

لا يمكن اعتبار مشاركة هؤلاء ” القادة ” أنها على نفس الدرجة، وأن المقصود منها هو دعم “الزيف السياسي”، وهذا بالطبع ضمن أهداف البعض، ولكن “القادة البارزين” كانت لهم أجنداتهم الخاصة، وجداول أعمالهم الخاصة وفقاً للدبلوماسية التي يتبعونها.

فمن جاء ليشارك في “محفل الزيف” جاء ليشارك “ناتنياهو” في محاولته قبل الأخير للإفلات من العقاب على تهم الفساد والحصول على “حصانة” من مواجهة القضاء، ومحاولة التأثير على مجرى الانتخابات المعادة للمرة الثالثة لصالح “ملك تل أبيب المزعزم”، الذي لم يخجل من استغلال هذه “الذكرى الحزينة” لدى اليهود في العالم من أجل دعايته الانتخابية!

بينما نجد أن الفريق البارز زار ” فلسطين المحتلة ” وأبدى اهتمامه بالشعب والقيادة الفلسطينية، وقدم احترامه لهما من خلال زيارة المشاعر المقدسة لدى الفلسطينيين، واستمع بإنصات لما لدى القيادة من توجهات نحو المستقبل، في تأكيد منه بأنه؛ لا بد أن يكون هناك حل يرضي الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة، ولا بد من حصول هذا الشعب على استقلاله، وإنهاء “الاحتلال الإسرائيلي” البغيض.

ولقد سجلت “عدسة الكاميرا” العديد من اللقطات الهامة لهذه الشخصيات تحمل أبعاداً سياسية، وتبرز مواقف دبلوماسية هامة، اخترت أن أُشير إلى ثلاث منها على عجالة في هذا السياق.

اللقطة الأولى؛ كانت للرئيس “ماكرون” حيث بدا غاضباً جداً بسبب تصرف “شرطي إسرائيلي” خلال زيارة قام بها إلى كنيسة “سانت آن” في البلدة القديمة للقدس، والتي تعد أرضا فرنسية.

حيث صاح قائلاً “نعرف تماما، الجميع يعرف القواعد، لم يعجبني ما قمت به أمامي. أخرج”.

وأضاف: “رجاء احترموا القواعد كما هي عليه منذ قرون فلن تتغير معي”، طالبا منهم المغادرة!

هذه الكلمات تعكس مدى رفض “ماكرون” ـ الذي يجمع في شخصيته بين الثائر ضد ظلم “الباستيل”، والرجل الباريسي المهذب قاطن “الإليزيه”ـ لكافة مظاهر “السيرك السياسي”، مؤكداً على أهمية احترام “مبدأ سيادة الدولة” في كافة أشكالها وأبعادها دون أي تردد أو مجاملة!

أما اللقطة الثانية فكانت لمن يستحق بجدارة لقب “القيصر”، الرئيس الروسي “بوتين” الذي حضر في أسطول ضخم ـ يليق بمقام القيصر ـ، والذي ينحني ليرفع قبعة أحد أفراد “حرس الشرف ” الفلسطيني الذين إصطفوا لإستقباله في زيارته الرسمية، معبراً في تواضعه الجم، عن احترامه لدولة فلسطين ورموزها، حتى وإن تمثلت في قبعة تحمل رمز وشعار الدولة!

بينما اللقطة الثالثة والطريفة، والتي تحمل أبعاداً مختلفة، والتي نلمس فيها “الحكمة الإنجليزية” فكانت من نصيب ولي العهد البريطاني الأمير “تشارلز” ـ المولع بالإطلاع على الثقافات وخاصة الدين الإسلامي ـ، والذي تجاوز “بينس” وزوجته، اللذين وقفا لمصافحته خلال “الاحتفال”، بشكل “محرج” بالنسبة إلى نائب الرئيس الأمريكي، الأمر الذي ربطه البعض موقف “الأمير” من مهاجمة الإدارة الأمريكية للناشطة البيئية “غريتا تنبرغ”، بينما أراه من زاويتي المتواضعة، رفضاً لكل المفاهيم الخاطئة التي ترتكز عليها “المسيحية ـ الصهيونية” التي يدين بها “بنيس”، والتي تُبشر بـ “صراع الحضارات”، والتي تقود اليه خطتهم المزمع الإعلان عنها هذه الأسبوع، المعروفة  باسم “صفقة القرن”، وكأنها رسالة تحذير من الأمير ” لا ترتكبوا حماقة جديدة، تفوق إعلان بلفور”، جعلت “بينس” يعض على شفته!

ختاماً، لعله من نافل القول ما يتردد أن “لا يصح إلا الصحيح”، إذ لم يعد من السهل خداع البشرية من خلال عقد “محافل هوليوودية”، لا تهدف إلا إلى غسل العقل البشري، من أجل غايات انتخابية، أو سياسية ضيقة قائمة على الفساد والإفساد، فالإنفتاح العالمي اليوم من خلال الفضاء السيبراني، يجعل تصدير هذا الزيف يبدو مستحيلاً، وأن “المقامرين” بمثل هذه الأحداث لا يحصدون إلا ما حصده ما يرقب “زوبعة في فنجان”! 

Print Friendly, PDF & Email