محمد عبدالرحمن عريف

   قد لا يشتهر أي مصطلح في مفردات السياسة الليبية في المرحلة التي سبقت الاستقلال مثلما اشتهر مشروع (بيفن/ سفورزا)، واستحق اللعنات من كل المواطنين على أنه وجه قبيح للسياسة الاستعمارية، مليء بكل أنواع الخداع والغدر. ولقد كان هذا المشروع مدعاة لنقمة الشارع الليبي، وعاملًا على تحفيز الهمم وفتح عيون الليبيين على طبيعة وحجم المؤامرات التي تحاك ضد بلادهم.

  البدايات جاءت في الأمم المتحدة، حيث كان مشروع (بيفن/ سفورزا) –في الواقع- صورة معدلة من مشروع القرار البريطاني المقدم إلى اللجنة السياسية. فقد أدركت بريطانيا أن مشروع قرارها يواجه عقبات كبيرة قد تؤدي إلى الحيلولة دون نجاحه. وقد أدركت أن عليها أن تسلك أحد طريقين لتمرير مشروعها على أن تتفق مع الدول المؤيدة لإيطاليا (وهي دول أمريكا اللاتينية). كذلك تتفق مع إيطاليا نفسها حتى تستقطب تأييد الدول اللاتينية التي تشكل في -ذلك الوقت- أكبر كتلة لديها سياسة موحدة تجاه مسألة المستعمرات الإيطالية.

  لقد اختارت بريطانيا الاتفاق مع إيطاليا، فكان اتفاق (بيفن/ سفورزا)، ثم قامت بريطانيا بإدخال تعديلات على مشروع قرارها الأساس ليتناسب مع الصفقة التي أبرمها الوزيران البريطاني والإيطالي. وقد قوبل هذا الاتفاق باستياء من جانب كثير من الوفود التي رأت فيه محاولة لوضع اللجنة السياسية ومن ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام أمر واقع أبرم خارج كواليس المنظمة الدولية. وقد تكتلت مجموعة الدول العربية مع عدد من الدول الإسلامية والاتحاد السوفيتي في محاولة لعرقلة مشروع القرار المعدل. غير أن هذه المعارضة لم تجد فتيلًا عند نظر مجموعة العمل لمشروعات القرارات، فقد رأت أغلبية الوفود في مجموعة العمل أن مشروع القرار البريطاني حسب تعديله هو المشروع الوحيد القادر على الحصول على الأغلبية المطلوبة، ولذلك فقد أوصت مجموعة العمل (10 أصوات مؤيدة) و(4 معارضة)، وامتناع وفد عن التصويت، إلى اللجنة السياسية باتخاذ المشروع أساسا للنقاش. وينص المشروع على ما يلي:

أولا: تحصل ليبيا على استقلالها بعد عشر سنوات من تنفيذ هذا القرار بشرط أن تقرر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن هذه الخطوة مناسبة. مع وضع برقة تحت الوصاية الدولية، على أن تتولى المملكة المتحدة إدارتها، دون أن يؤثر ذلك على وحدة ليبيا. ووضع فزان تحت الوصاية الدولية، على أن تتولى فرنسا إدارتها، دون أن يؤثر ذلك على وحدة ليبيا. ووضع طرابلس تحت الوصاية الدولية في نهاية عام 1951، على أن تتولى إيطاليا إدارتها، دون أن يؤثر ذلك على وحدة ليبيا. على أن تستمر الإدارة العسكرية البريطانية المؤقتة بعملها خلال فترة الانتقال بمساعدة مجلس استشاري يتكون من ممثلين عن (مصر، فرنسا، إيطاليا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، وممثل عن الشعب)، على أن تحدد اختصاصاته بالاتفاق مع الإدارة.

ثانيا: العمل على تنسيق السياسة بين الإدارات الثلاث حتى لا ينشأ ما قد يعرقل استقلال ليبيا أو يؤثر في وحدتها. ويتولى مجلس الوصاية الدولية التابع لهيئة الأمم المتحدة متابعة تنفيذ ذلك. وفي اللجنة السياسية احتدم النقاش حول هذا المشروع، فهاجمته العراق التي اتهمت مجموعة العمل بتجاهل كافة مشاريع القرارات الأخرى، وهوجم المشروع من قبل عدد من الوفود على أنه مناف لمطالب أهل البلاد في الاستقلال والوحدة.

  بينما كانت المناقشات في اللجنة السياسية على أشدها، كان الانفجار الغاضب في كل مدن ليبيا وقراها، فقامت المظاهرات والإضرابات رفضًا للمشروع وتعبيرًا عن مناهضة أية فكرة ترمي نحو عودة الحكم الإيطالي، وإبداء للاستعداد لمقاومة إيطاليا بالقوة المسلحة إن لزم الأمر، وتعالت الهتافات مطالبة بالاستقلال والوحدة، ووجه المواطنون سيلًا من البرقيات والنداءات إلى زعماء البلاد للاتحاد ومواجهة الموقف، ووجهت برقيات إلى الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية، كما وُجهت برقيات إلى وزير خارجية بريطانيا واصفة اتفاقه مع (سفورزا) بأنه خال من أي خلق ويتعارض مع الوعود التي قطعتها بريطانيا إلى الشعب الليبي. كما أبرق مندوب المؤتمر الوطني البرقاوي، ومندوب هيئة تحرير ليبيا في الأمم المتحدة محتجا على المشروع.

  لقد برزت أهمية الوحدة السياسية، فاتفقت مجموعة من الأحزاب في طرابلس على تشكيل المؤتمر الوطني الطرابلسي على غرار المؤتمر الوطني البرقاوي، وأصبح السيد بشير السعداوي زعيمًا له. وعودة إلى اللجنة السياسية التي ما زالت تنظر في المسألة الليبية، فقد تقدم وفد بولندا باقتراح يقضي بأن يسمح لممثلي ليبيا بإبداء رأيهم في مشروع القرار البريطاني، وقد اتفق وفدا طرابلس وبرقة على أن يتحدث الدكتور علي نور الدين العنيزي أمام اللجنة الأولى نيابة عن الوفدين، وجاء في كلمته “إن مشروع القرار مناف لمبادئ الأمم المتحدة ويشكل تهديدا للسلام والأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط” وقال: “إن الليبيين عازمون على استخدام كل الوسائل لمقاومة هذه المحاولة لاستعمارهم” وأعلن: “أن البلاد عازمة على العصيان المدني إن لم تغير بريطانيا من موقفها”.

  لقد كانت كلمة الدكتور علي العنيزي مؤثرة، غير أن اللجنة السياسية مضت في بحثها للمسألة الليبية وأجرت جملة من الاقتراعات على مشاريع القرارات الأخرى. فرفضت مشروع القرار العراقي بأغلبية (22) صوتًا ضد (20) صوتًا وامتناع (8) دول عن التصويت، كذلك رُفض مشروع القرار السوفيتي والهندي، وسحبت كتلة أمريكا اللاتينية مشروع قرارها. ثم طُرح مشروع القرار البريطاني، فحاولت عدة دول أن تدخل عليه تعديلات فلم يقبل أي منها سوى تعديل تقدمت به النرويج يقضي بجعل منح ليبيا استقلالها بعد عشر سنوات أمرًا إلزاميًا.

  هكذا طرح المشروع للتصويت بعد تعديله من قبل النرويج فأقرته اللجنة السياسية بأغلبية (34) صوتًا ضد (16) صوتًا وامتناع (7) دول عن التصويت. وهكذا أصبح المشروع موصى به من قبل اللجنة السياسية إلى الاجتماع العام للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يتطلب أغلبية الثلثين لإقراره. كان مفتاح المشروع يكمن في الفقرة (ج) الخاصة بوصاية إيطاليا على طرابلس، فهذه الفقرة هي التي تضمن تأييد دول أمريكا اللاتينية للمشروع، وبدون أصوات الدول اللاتينية فإن المشروع مصيره حتمًا إلى السقوط.

   من جهة أخرى فإن هذه الفقرة هي أضعف حلقات المشروع، لأن عددًا من الدول –وإن كانت تحبذ الوصاية على ليبيا- إلا أنها لا ترى إيطاليا وصيًا مناسبًا. ولذلك فقد وجهت الدول المعارضة للمشروع جل اهتمامها إلى إسقاط هذه الفقرة أو حذفها كمدخل لإسقاط المشروع كله.

  قام أعضاء الوفد الليبي بتحرك نشط بين مختلف الوفود لشرح خطورة الموقف والأبعاد التي تترتب على إقرار هذا المشروع. وتمكن الدكتور علي نور الدين العنيزي من عقد صداقة مع المندوب الدائم لدولة هايتي السيد (أميل سان لو) لما لمس فيه من تعاطف مع قضية الشعب الليبي، وأقنعه بضرورة معارضة الوصاية الإيطالية على طرايلس، وكان الأمل معقودًا على الموقف الشخصي للسيد (سان لو)، فقد كان معروفًا أنه كان قد تلقى تعليمات من حكومته بالتصويت إلى جانب المشروع، وقد صوت بالفعل إلى جانب مشروع القرار في اللجنة السياسية. وقد تطلب الأمر من الدكتور العنيزي ملازمة (سان لو) معظم تلك الفترة مذكرًا إياه بما لاقاه الشعب الليبي من معاناة تحت الحكم الإيطالي. وقد نجح الدكتور العنيزي في حمل السيد أميل سان لو على أن يصوت خلافًا لتعليمات حكومته.

انهيار مشروع بيفن/ سفورزا

  لقد عُرض المشروع على الاجتماع العام للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 17 مايو 1949، وكان يتطلب ثلثي الأصوات لإقراره. وكانت الصورة واضحة والأصوات محسوبة، فالمشروع سيتحصل على أغلبية الثلثين إذا صوتت له دول أمريكا اللاتينية والدول المؤيدة لمبدأ فرض وصاية على ليبيا، ومصلحة دول أمريكا اللاتينية تكمن في وصاية إيطاليا على طرابلس وبدونها فإن المشروع لا يهمها نجاحه، ولكن هناك عدد من الدول لا ترغب في رؤية إيطاليا وصية على أى جزء من ليبيا ورغم ذلك ستؤيد المشروع بجملته. وجرت المناورات الإجرائية المعتادة، فتقدمت عدة دول بطلب تصويت منفرد على الفقرة (ج) الخاصة بالوصاية الإيطالية على طرايلس، فكانت نتيجة التصويت (33) صوتًا ضد (17) صوتًا وامتناع (7) دول عن التصويت، أي أن الفقرة لم تحز على أغلبية ثلثي الأعضاء الحاضرين المصوتين، كان الفارق صوتًا واحدًا، هو صوت مندوب هايتي (أميل سان لو)، الذي غير تصويته عما كان عليه في اللجنة السياسية.

   بسقوط هذه الفقرة أصبح مشروع القرار آيلًا للسقوط إذ لم يعد لدول أمريكا اللاتينية أية مصلحة في تأييده، علاوة على أن سقوط هذه الفقرة مضافًا إليها فقرة أخرى تتعلق بوصاية إيطاليا على الصومال أدى إلى وجود ثغرات في مشروع القرار غير قابلة للرتق. وعند تصويت الجمعية العامة على المشروع كانت النتيجة (14) صوتًا مؤيدًا ضد (37) صوتًا وامتناع (7) دول عن التصويت، وهكذا جرى دفن مشروع (بيفن/ سفورزا) سيئ الذكر.

  على إثر سقوط هذا المشروع، بادر الوفد العراقي بتقديم مشروع قرار يقضي بمنح ليبيا استقلالها فورًا، وتقدمت دول أخرى منها الباكستان بمشروعات قرارات لإبقاء القضية الليبية حية في الأمم المتحدة، غير أنها رفضت جميعًا، وقبل اقتراح تقدمت به بولندا يقضي بإحالة القضية إلى الدورة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

إعلان استقلال برقة

  انقضت الدورة الثالثة إذن دون أن تتوصل الجمعية العامة إلى نتيجة فيما يتعلق بالقضية الليبية. كان هذا مدعاة لنفاد صبر الليبيين وتزايد قلقهم على مصير بلادهم. وقد كانت تطورات مشروع (بيفن/ سفورزا) في الجمعية العامة بمثابة ناقوس خطر ينبه إلى ضعف الوضع الدولي لقضية الاستقلال، فقد كان الأمر مرهونًا بصوت واحد لوضع ليبيا كلها في طريق مظلم عنوانه الوصاية الدولية. ومما زاد الأمر خطورة غياب الاتفاق بين القوى الوطنية في الأقاليم الليبية حول الأسس التي بموجبها ينبغي تحقيق الاستقلال.

  بتاريخ أول يونيو 1949، انعقد في بنغازي اجتماع للمؤتمر الوطني (البرقاوي)، أعلن فيه الأمير إدريس السنوسي استقلال برقة، وطالب بريطانيا والدول العربية والمجتمع الدولي بالاعتراف بهذا الاستقلال، وعبر عن أمله في أن تتحقق وحدة طرابلس وبرقة في المستقبل. في الواقع فإن هذه الخطوة كانت دون الاستقلال الكامل للإقليم، ولكنها كانت أبعد بكثير من الحكم الذاتي. وهي بقدر ما أثارت من ابتهاج وترحيب فقد أثارت أيضا بعض الانتقادات.

  مهما قيل من انتقادات حول هذه الخطوة، واعتبار البعض لها على أنها خطوة انفصالية، إلا أن الواقع هو أن لدى الأمير إدريس ما يبرر إقدامه عليها، خاصة على ضوء التطورات التي شهدتها القضية الليبية في الأمم المتحدة. كذلك فقد كانت هذه الخطوة –سواء أراد لها الأمير ذلك أم لم يرد- عاملًا ساعد على تحقيق جملة من الأمور منها اختبار نوايا بريطانيا ووعودها تجاه ليبيا عامة وتجاه برقة خاصة. كذلك إثبات قدرة العناصر الليبية على استلام الأمور وإدارة شؤون الدولة كرد على حجج من يقولون بعكس ذلك.

  الحقيقة أن هذه المناسبة استغلها الأمير لتأكيد اهتمامه بتحقيق وحدة ليبيا، وحثه لزعماء الأحزاب والجمعيات في طرابلس للعمل على تحقيق ذلك، وقد كان هذا المعنى واضحًا في خطاب الأمير الذي ألقاه بالمناسبة، وفي تصريحه الذي أدلى به إلى عدد من زعماء وقادة جمعية عمر المختار، وكذلك في البرقية التي أرسلها في نفس اليوم إلى زعماء طرابلس مؤكدا لهم أنه ما زال يعمل من أجل وحدة برقة وطرابلس. وكانت المناسبة فرصة لإذابة الجليد وإنهاء القطيعة، حيث بادرت الجبهة الوطنية (الطرابلسية) بإيفاد وفد لتهنئة الأمير باستقلال برقة، ولم يلبث المؤتمر الوطني (الطرابلسي) أن أرسل وفدا للمباركة للأمير ولبحث مسالة الزعامة السنوسية مع زعماء برقة. وقد لقي الوفدان ترحيبًا حارًا في بنغازي، وطلب الوفدان بأن يمر الأمير بطرابلس في طريقه لزيارة بريطانيا للإطلاع على وجهات النظر ونقلها إلى لندن، وهو ما قام به الأمير فعلًا في رحلتي الذهاب والعودة ولقي ترحيبًا منقطع النظير.

  لقد كان استقلال برقة وما ترتب عليه إثباتًا عمليًا لحقيقتين وضعتا المتشددين في طرابلس وبرقة أمام مسؤولياتهم، الحقيقة الأولى إمكانية برقة بقيادة السيد إدريس أن تخطو لوحدها خطوات نحو الاستقلال. والحقيقة الثانية أنه مهما بلغت درجة استقلال برقة إلا أنه لن يعمر طويلًا دون استقلال ليبيا بأقاليمها الموحدة. لقد فرضت وحدة ليبيا نفسها من خلال خطوة يصفها البعض بأنها انفصالية. وكانت هذه الخطوة عاملًا مساعدًا في المرحلة الانتقالية، فقد تحولت حكومة برقة إلى إدارة انتقالية، كُونت على غرارها غدارات في طرابلس وفزان أثناء المرحلة الانتقالية.

  بدون شك فقد مهدت الاتصالات التي جرت بين أبناء الوطن، والوفود المتبادلة، وزيارة الأمير إدريس إلى طرابلس، مهدت كلها السبيل أمام الاتفاق الذي تم أثناء مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1949 بين وفد المؤتمر الوطني (البرقاوي) ووفد المؤتمر الوطني (الطرابلسي) ووفد حزب الاستقلال حول ضرورة المطالبة الجماعية الموحدة بالاستقلال، وحول الأسس التي ينبغي أن تؤسس عليها دولة ليبيا المستقلة.

   تطورت الأوضاع وبتاريخ 30 سبتمبر 1949 افتتحت اللجنة السياسية جلساتها وخصصت أربع عشرة جلسة للمناقشة العامة للمسالة الليبية. وقد كان واضحا – منذ البداية- أن مشاريع الوصاية لم تعد تجد لها قبولا. كذلك فقد ساهم تنافس المعسكرين إلى توفير ظروف ملائمة أجبرت الدول المعنية على الاتفاق على منح ليبيا الاستقلال. لم يكن هناك أي خلاف يذكر إلا في التفاصيل (الموعد، الفترة الانتقالية، القضايا الإجرائية، وغيرها).

  استمعت اللجنة السياسية إلى كلمات وفود الدول وكانت كلها تؤيد منح ليبيا الاستقلال، كذلك أدلى مندوبون عن المنظمات التالية بيانات أمام اللجنة. ومثل السيد عمر فائق شنيب المؤتمر الوطني (البرقاوي)، فطالب في بيانه بالاستقلال، وأعلن أن برقة بقيادة الأمير إدريس السنوسي تنتظر بفارغ الصبر تحقق الاستقلال الكامل، وأعلن عن رفضه لأية فترة انتقالية طويلة، ونادى بضرورة توحيد البلاد تحت الإمارة السنوسية، وقال إن الخطوة التي أعلنت في برقة لا تشكل أي عائق أمام وحدة البلاد، ثم أعطى الكلمة لأحد أعضاء الوفد الذي تلا برقية من الأمير إدريس يعلن فيها رفضه لأية فترة انتقالية، ويطالب بمنح البلاد استقلالها فورًا.

  ثم تحدث السيد بشير السعداوي ممثلًا للمؤتمر الوطني (الطرابلسي)، فطالب بالاستقلال وبتوحيد ليبيا، وقال بأن ليبيا الموحدة سوف تكون عاملًا لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وكرر مطالبة المؤتمر بمنح ليبيا الاستقلال فورا دون إبطاء. ثم أدلى السيد عبد الله الشريف ببيان نيابة عن حزب الاستقلال (طرابلس)، فطالب بالاستقلال الكامل، وقال بأنه إلى أن يتم تشكيل حكومة دستورية فإن لجنة تابعة للأمم المتحدة ينبغي أن تشرف على تنفيذ قرار الجمعية العامة.

   لقد تلقت اللجنة السياسية جملة من مشاريع القرارات قدمتها العراق والهند والولايات المتحدة والباكستان. وأحيلت مشاريع القرارات إلى لجنة فرعية مكونة من (21) عضوًا . وفي بداية عملها وافقت اللجنة الفرعية على اقترح من مندوب فرنسا فيها يقضي بعدم مناقشة مشاريع القرارات واحدًا بعد آخر، وبدلًا من ذلك تناقش اللجنة المسألة الليبية حسب المواضيع التي تحتويها. وهكذا كان مطروحًا أمام اللجنة المواضيع التالية: “الاستقلال. المدة التي يجب ان ينجز خلالها. التطور الدستوري وتشكيل الحكومة. الإشراف خلال المرحلة الانتفالية (مجلس الأمم المتحدة: اختصاصاته وتشكيله وكيفية تعيين مندوب الأمم المتحدة واختصاصاته). وقد جرى الاتفاق على هذه البنود وتقريرها في اللجنة الفرعية بعد مداولات واقتراحات متعددة، وضمنت في مشروع قرار موحد.

  لقد كانت الأمور تسير نحو ما يبتغيه الليبيين، غير أن مشكلة بقيت عالقة وتهدد بعرقلة التطورات الإيجابية، وهي استمرار مطالبة مصر بتعديل حدودها مع ليبيا سواء أمام مؤتمر الصلح أو خلال دورات الجمعية العامة. وقد قدم مندوب الباكستان –بإيحاء من مصر- اقتراحًا بأن يفوض مندوب الأمم المتحدة يعاونه مجلس الأمم المتحدة للقيام لبحث المطالب المصرية. وقد عارض مندوب الاتحاد السوفيتي هذا الاقتراح، وقال إن ذلك يعني اقتطاع أجزاء من ليبيا قبل أن تستقل، وأوضح بأن هذه المهمة هي من اختصاص الحكومة الوطنية المقبلة في ليبيا وليست من اختصاص أي طرف آخر. ورفض الاقتراح الباكستاني بعد أن عارضته أمريكا وبريطانيا وفرنسا. غير أن ذلك لم يمنع المندوبين المصريين من إثارة هذه المسألة كلما عرضت القضية الليبية، كما حاول المندوب المصري في مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا أن يوجه المجلس في اتجاه تعديل الحدود الليبية، مما دفع الأمير إدريس في سبتمبر 1950 إلى توجيه برقية إلى السيد أدريان بلت (مندوب الأمم المتحدة في ليبيا) يخطره فيها بالآثار السلبية التي تشكلها المطالب المصرية على العلاقات الطيبة بين البلدين.

    لقد حذر الأمير من أي إجراء يتخذ في هذا الخصوص قبل استقلال ليبيا، وقال بان أي قرارات تتخذ قبل الاستقلال ذات مساس بـ”أراضي الليبية لن تكون قرارات عادلة وحتمًا فهي منافية للقرار رقم 289″، وأوضح بـ”أن ليبيا لن تقبل أبدًا ولن تعترف بأي قرارات من هذا النوع تتخذ قبل أن تتحقق السيادة الليبية أو قبل أن يكون في مقدورها أن تدافع عن مصالحها أمام الجمعية العامة من خلال ممثليها المعتمدين”. غير أن إثارة المندوب المصري لمسألة الحدود لم تؤثر على مسار الأمور لا في اللجنة السياسية ولا في الجمعية العامة، فقد أقرت اللجنة السياسية مشروع القرار بأغلبية (50) ضد لا أحد وامتناع (8) دول عن التصويت.

  في جلسة الجمعية العامة المائتين والخمسين المنعقدة بتاريخ 21 نوفمبر 1949، عُرض مشروع القرار الموصى به من اللجنة السياسية وأُقر بأغلبية (49) صوتًا ضد لا أحد وامتناع (9) دول عن التصويت. وحمل القرار الرقم (289) –الدورة الرابعة-. ويقضي القرار بأن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات سيادة، وتنفيذا لهذا القرار، عينت الجمعية العامة السيد أدريان بلت (مساعد الأمين العام للأمم المتحدة) مندوبًا للأمم المتحدة في ليبيا، وتم تشكيل مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا من مندوبين عن كل من الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، مصر، الباكستان، إيطاليا، وممثلين عن برقة وطرابلس وفزان، ومندوب يمثل الأقليات.

   بعد مداولات عديدة، أقر مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا خطة تقدم بها السيد أدريان بلت لتنفيذ قرار الأمم المتحدة، وتتضمن الخطة انتخاب المجالس المحلية في برقة وطرابلس وفزان في يونيو 1950. واختيار اللجنة التحضيرية لأعمال الجمعية الوطنية التأسيسية في وقت لا يتجاوز يوليو 1950. (وهي اللجنة التي عُرفت بلجنة الواحد والعشرين). وانتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية ودعوتها إلى الاجتماع في خريف 1950 (لجنة الستين). وتؤلف الجمعية الوطنية التأسيسية حكومة مؤقتة في أوائل عام 1951. مع إقرار الجمعية الوطنية التأسيسية للدستور خلال عام 1951. وإعلان الاستقلال وإنشاء حكومة وطنية قبل 1 يناير 1952، وهو الموعد الذي حدده قرار الأمم المتحدة كموعد أقصى للاستقلال.

   بصدور قرار الأمم المتحدة، وبتشكيل المجلس الدولي، وبتعيين مندوب الأمم المتحدة، بدأت مرحلة جديدة عرفها المؤرخون بمرحلة بناء دولة ليبيا الحديثة أو مرحلة التطور الدستوري. ولم تكن مرحلة سهلة ميسرة، إنما كانت محفوفة بالمصاعب والتحديات والعقبات. كان على رجال ليبيا أن يثبتوا أنفسهم في ميدان لم يألفوه ولم يتدربوا عليه. كانوا يحسبون أن المرحلة ستكون مرحلة صراع داخلي سلمي من أجل بناء ليبيا الدستورية المستقلة، وهكذا كانت المرحلة، غير أن محاولات عديدة بدأت من أطراف غير ليبية لعرقلة تلك الجهود المضنية التي كان أبناء ليبيا يبذلونها للتوفيق والتسديد، ولقيادة سفينة الاستقلال في هذا البحر المتلاطم من الأطماع الدولية التي وجدت لها مكانا حتى داخل مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا.

  كانت الخلافات سرعان ما تسوى، وكان تجاوز نقاط الإشكال هي السمة الغالبة، وكانت حلول الوسط تُغلّب على كل محاولات التشدد و التشنج، وكان تعاون السيد أدريان بلت غير محدود، فلقد أبدى تفهما لأوضاع البلاد وقام بتكييف إجراءاته بما يتناسب مع تلك الأوضاع، واتصفت إدارته بالحكمة وبالرغبة الأكيدة في الوصول بليبيا إلى موعدها مع الاستقلال في التاريخ الذي حددته الأمم المتحدة دون أي تأخير.

   تم –في الموعد المحدد- تشكيل اللجنة التحضيرية المعنية بالأعداد للجمعية الوطنية التأسيسية. وقد تألفت اللجنة مـن (21) عضوًا، وأصبحت تعرف بلجنة (الواحد والعشرين). وانعقدت اللجنة في طرايلس، واتخذت قرارًا بالإجماع يحدد الأسس والمبادئ التي تقوم عليها الجمعية الوطنية التأسيسية . وفي الواقع فإن اللجنة التحضيرية قد استبقت الأحداث، وكانت بإجراءاتها التي اتخذتها في موقع مكنها من تجاوز كافة العوائق والعقبات، وأمكنها في وقت قياسي من أن تتفق على تكوين الجمعية الوطنية التأسيسية.

  بتاريخ 25 نوفمبر 1950 عقدت الجمعية الوطنية التأسيسية أول اجتماعاتها بحضور أعضائها الستين وعدد كبير من الشخصيات الوطنية، وحضر الاجتماع كذلك مندوبون عن الإدارات البريطانية والفرنسية، وأعضاء السلك القنصلي، وممثل عن مندوب الأمم المتحدة (كان السيد أدريان بلت في نيويورك يحضر اجتماع الدورة الخامسة للأمم المتحدة)، كما حضر الجلسة الافتتاحية للجمعية جميع أعضاء مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا فيما عدا مندوبي مصر والباكستان.

  لقد تحركت الجمعية الوطنية التأسيسية بسرعة –رغم محاولات العرقلة التي واجهتها- وقامت بمهامها وأنجزتها، فشكلت لجنة فرعية لصياغة الدستور، وأقرت شكل الدولة والعلم، وكان من أول ما قامت به الجمعية -بعد إقرارها لشكل الدولة- إصدارها قرار مبايعة الأمير محمد إدريس السنوسي ملكًا على المملكة الليبية المتحدة. وفي السابع من أكتوبر 1951 أقرت الجمعية التأسيسية الدستور الليبي الذي يعده فقهاء القانون الدستوري وثيقة دستورية متزنة ومتكاملة.

  كانت مناقشات الجمعية لمواد الدستور تسير بطريقة هادئة، وكانت تعمل على تسوية ما يعترضها من عقبات، وكان دور الأمير إدريس بارزًا في تسوية أهم نقاط الخلاف سواء فيما يتعلق بالعاصمة أو ما يتعلق باختصاصات الملك.

Print Friendly, PDF & Email