د.محمد عبدالرحمن عريف

 كارثة بدأت في 14أيار/ مايو 1948 عندما غادر المندوب السامي البريطاني القدس إلى بريطانيا وذلك تمهيدًا لإعلان قيام دولة الاحتلال “إسرائيل” في اليوم التالي، ولكن اليهود لم ينتظروا ففور مغادرة المندوب السامي البريطاني في الساعة الرابعة ظهرًا، أعلن بن غوريون قيام دولة الاحتلال وبعد 11 دقيقة من الإعلان قام الرئيس الأمريكي ترومان بإعلان اعتراف الولايات المتحدة بقيام دولة الاحتلال مما يدل بوضوح على تنظيم الأمر قبل مدة من صدوره. وبعد إعلان دولة الاحتلال خاضت عدة جيوش عربية معظمها غير نظامي في قتال اليهود وحققت انتصارات في الجولة الأولى، فتدخل مجلس الأمن بضغط من الولايات المتحدة وفرضت هدنة بحجة إفساح المجال للوسيط الدولي (الكونت برنادوت) لإيجاد اتفاق بين الطرفين.

 سبعون عامًا وعام.. تبقى هي النكبة في سياقات فلسطينية وعربية ودولية، وفى سياقات تحولات في موازين قوى تعمل لصالح إسرائيل -ولا تعمل لصالح مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية- وتأتى في ظل تحولات ومفاهيم وتصورات سياسية سلبية حول القضية الفلسطينية، وأخطر هذا التصورات الوصول لقناعات وإدراكات سياسية عربيه ودولية بضرورة إنهاء القضية الفلسطينية، العالم وصل لهذه القناعة وهذا أخطر ما يمكن تلمسه بعد هذه السنون الطويلة، فبدلًا من تزايد الإدراك والقناعة بحتمية وضرورة حل القضية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام الدولة الفلسطينية، ومراعاة قرارات الشرعية الدولية.

 عندما نتحدث عن نكبة فلسطين، نتحدث عن جرح مستمر منذ التشريد الأول حتى اليوم، نتحدث عن مأساة ومؤامرات ومجازر مختلفة ترتكب بحق شعب تخلى عنه الصديق والقريب من أجل عيون دولة الكيان الغاصب “إسرائيل” التي أقامها الاستعمار البريطاني بموافقة الأمم المتحدة والدول الغربية كعربون صداقة لحل قضية اليهود وكأن حل المشكلة اليهودية لا يتم إلا على أكتاف وجراحات الشعب الفلسطيني.

 لقد فشلت إسرائيل ومعها الولايات المتحده من إلغاء قرارات الشرعية الدولية التى تشكل ديمومومة القضية الفلسطينية، هذا الإنجاز لا بد أن يسجل هنا، وفى سياقه نجح الفلسطينيون ليس فقط في الحفاظ على هويتهم الوطنية، وعلى تواجد الشعب الفلسطيني الذى يعادل سكانه ما بين النهر والبحر عدد سكان إسرائيل. بل أيضًا في تحقيق شخصية دولية لهم، بالإعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحده وبرفع علمها إلى جانب أعلام الدول الأخرى، وفى التمثيل الدبلوماسي الذى يغطى معظم دول العالم. وبالتواجد الفلسطيني على أرض فلسطين، ولعل هذا من أهم الدروس التي أستوعبها الشعب الفلسطينى عدم تكرار النكبة ثانية في عملية تهجير جديده. وفى الحفاظ على المخيمات رغم كل المعاناة كدليل على النكبة الكبرى والتي ما زالت قائمه، ولا يمكن لأى قرار أمريكى بإنهاء دور وكالة الغوث بإزالتها.

 نعم في مقابل هذه الإنجازات لا شك هناك سجل من الفشل والعبرة بالفشل في تجنب أسبابه، وبداية هذا الفشل في حرب 1948 وضياع 77 في المائة من فلسطين، وفى حرب 1967 والتي بعدها أحتلت إسرائيل كل الأراضى الفلسطينية وما زالت حتى وقتنا الحاضر، ومن صور الفشل التفاوض في ظل عناصر من الضعف، وعدم توظيف عناصر القوة في التفاوض.

 الواقع أن احتلال فلسطين أغرب سابقة في التاريخ الحديث.. حيث استوطنت أقلية أرض الأكثرية بدعم سياسي ومالي وعسكري من الخارج، حيث يعيش اليوم أكثر من70% من شعب فلسطين في المنافي واللجوء، وهكذا يجد اللاجئون أنفسهم في أسوأ حال منذ النكبة، يطلب منهم تحت غطاء السلام أن يسقطوا حقوقهم ولا سيما حق العودة إلى أرضهم التي هجروا منها والذي تحميه كل الشرائع والقوانين، فهؤلاء لم ينتظروا أكثر من نصف قرن في الشتات، مقاومين مناضلين صابرين، خارجين من غبار ستة حروب وعدد لا يحصى من الغارات والإغارات لكي يقّروا بعدها أنه ليس لهم وطن وليس لهم حق أو تاريخ، وأن هذا كله وهمٌ وخيالٌ كما أراد المتلفعون بجلد اسمه السلام حتى أصبح الصائح أن القدس عربية إسلامية مختل العقل أو إرهابيًا تطارده الأنظمة والحكومات المحبة للسلام، وبالمقابل فإنه رغم كل النوائب سيبقى الشعب الفلسطيني مكافحًا عن حقوقه حتى يعود لأرضه.

 إذا جمعنا التفصيلين فإنهما يعنيان أن الخطة الأميركية تفتح الطريق لتنفيذ تطهيرعرقي ضد سكان القدس الفلسطينيين. أما الوقاحة التي لم يتجرأ عليها تاريخيًا أي محتل من قبل، فهي التأكيد على أن الكيان الفلسطيني في قطاع غزة، وما سيتبقى من الضفة بعد سلب معظمها لصالح المستعمرين، سيكون منزوع السلاح بالكامل ومجرد من أي إمكانية للدفاع عن النفس، ولكن سيكون عليه دفع أتاوة، وتكاليف حماية، للحكومة الإسرائيلية وجيشها. وما يعنيه ذلك، أن الفلسطينيين سيبقون خاضعين للاحتلال، ولنظام الأبرتهايد الإسرائيلي وسيكون عليهم أن يدفعوا لإسرائيل ثمن إحتلالهم، وثمن ما يتكلفه جهاز الأمن الإسرائيلي لإستعبادهم.

 الحقيقة أنه بإستثناء مرحلة الإنتفاضة الأولى، فإن إسرائيل كانت تجبي من الفلسطينيين تحت الإحتلال تكاليف إحتلالهم وتحقق أرباحًا، من خلال جمع الضرائب، والرسوم، والغرامات ومصادرة المياه، والأراضي، والثروات الطبيعية. وكلما كان الإحتلال مربحًا كلما انعطف الجمهور الإسرائيلي نحو العنصرية والتطرف الشوفيني، كما ظهر ذلك بوضوح في كل إنتخابات إسرائيلية. لن يزول الإحتلال، ولن يسقط نظام الأبارتهايد ما دام مربحًا، وما لم تصبح تكاليفه أكبر من مكاسبه.

 بعد مرور سبعين عامًا وعام على تهجير الفلسطينيين من ديارهم, هناك العديد من فلسطينيي الشتات لا يفضلون البقاء في محل إقامتهم ويطالبون بالعودة الى فلسطين, خاصة أولئك الذين يقطنون دول مثل أميركا وأوروبا والخليج العربي, ولكن الغالبية منهم مَثّلَهُم اللاجئ الفلسطيني الذي يعيش حياة البؤس والشقاء في مخيمات اللجوء في لبنان والأردن وسوريا، ولو أُعطي حق المواطنة الكاملة في تلك البلدان مع تعويضهم عن ممتلكاتهم التي خسروها فلا شك أن نسبة غير قليلة ستقبل بذلك.

 إن مدى القلق الأمني الديمغرافي عند الكيان الإسرائيلي من موضوع عودة اللاجئين, والذي أدى بدوره إلى تشدد الإحتلال  في موقفه من قضية اللاجئين لاعتباراتهم الأمنية الديمغرافية, الأمر الذي ساهم فعلياً وعملياً في اطالة أمد الصراع, وجعل الساعين إلى الحل يَلهثون نَحوه عبثاً, وبناءً على ما سبق نجد أن تعقيدات الصراع العربي الإسرائيلي المختلفة الجوانب, ألقت بظلالها على صعوبة إيجاد حل لقضية اللاجئين. لتبقى تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين وتوازن الحل فيها يقتضي إجراء مفاوضات لا على حقوق الشعب الفلسطيني التي تضمنتها قرارات الشرعية الدولية, وإنما لبحث آليات تنفيذ تلك الحقوق والقرارات دون وضع عصا الأمن الديمغرافي الإسرائيلي في دواليب عملية السلام ليتم تشكيل أساسيات الحل السياسي الدائم, فالفلسطينيون يريدون فعلاً تحقيق السلام ولكن سلاماً يكون قريباً من العدالة وليس سلاماً يُملي فيه الطرف القوي شروطه واعتباراته الأمنية على الطرف الضعيف.

 إن أية اتفاقيات أو معاهدات سلام لا تتناول وضع حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين, لن تؤدي إلى إنهاء الصراع العربي مع الكيان الإسرائيلي, وبالتالي لن تكون هناك حالة من السلام الشامل في المنطقة العربية في ضوء تواصل قضية اللاجئين الفلسطينيين وتفاقم معاناتهم في مخيمات اللجوء بالوطن والشتات رغم مرور سبعين عامًا على النكبة.

 إنني عدت من الموت لأحيا، لأغني فدعيني أستعر صوتي من جرح توهّج وأعينيني على الحقد الذي يزرع في قلبي.. فلقد علمتني ضربة الجلاد أن أمشي على جرحي وأمشي.. ثم أمشي .. وأقاوم!.. هكذا كتب محمود درويش.

سبعون نكبة ونكبة للعرب.. وإن كتب الناس فوق القبر “لم تمت”.