قضايا سياسية

ستظل ذكرىّ الثورة التحريرية الجزائرية نبراسًا وطنيًا خالدًا

الجزائر: محمـد عبدالـرحمـن عريـف 

لا يزال تاريخ الاحتلال الفرنسي في الجزائر يثير نقاشات حادة على المستويين الوطني والدولي، ذلك أن تصفيته تمت بالدم والحروب والآلام وهروب الأقدام السوداء، مما طبع مقاربات هذا التاريخ بالحقد والمرارة والضغينة والإيهام والمغالطة من خلال محاولة تشويه الأبحاث التاريخية التي تمت منذ أواسط القرن العشرين في فرنسا وخارجها. وبتواز تام تسمع في الضفة الأخرى للبحر المتوسط خطابًا يندد بسياسة الإبادة التي قامت بها فرنسا بالجزائر، خطابًا لا يهمه إلا تصوير الطابع الشيطاني للاستعمار متغافلين في تحريرهم للمذكرات عن الوقائع المعيشة طيلة فترة الاستعمار.

إن التاريخ الشفهي مصدر مكمل يحدد أو يصحح الوقائع التي وثقتها المصادر التقليدية، وفى ظل عدم توفر الوثائق لأسباب تتعلق بالمدة القانونية للاطلاع أو لأنها فقدت، يستدعى ذلك أحيانًا الاعتماد على الشهادات والروايات الشفهية لاعتبارات أنها ستكون المصدر الأساسي للتوثيق التاريخي. لا وثائق يعني لا تاريخ… لقد كان ذلك هو الشعار التقليدي في تناول المواد غير الوثائقية في البحث التاريخي، ولكن العصر الحديث بكل ما استجد فيه من تكنولوجيا المعلومات منذ بداية ظهور أجهزة التسجيل الصوتي وأجهزة تصوير الفيديو وصولاً إلى البريد الالكتروني والإنترنت فرض تغيير ذلك الشعار.

 تأتي قضية التأريخ الشفهي (الفرنسي الجزائري) لينطبق عليها محاولات المؤرخون في إيراد شروط كثيرة لتحْويل الرواية الشفهية إلى رواية مدونة، طالما أن أغلب التراث الشفهي يحمل في طياته تناقُضات كثيرة مع التاريخ المدون، من ذلك فأن أغلب الروايات الشفهية تسودها ثلاثة مفاهيم ثقافية مهمة، هي: افتِقارها لمفهوم القياس الزمني، وعدم وضوح الفِكْرة التاريخية فيها، والثالثة النظر إلى الماضي بمثالية كبيرة، وهذا كلُه يشكل إحْدى المشكلات التي تواجه البحث في التاريخ الشفهِي عمومًا وليس في موضوعنا فقط.

 إن من يظن أن الروايات الشفهية لا تصلح وثائق ومستندات لدراسة التاريخ، قد يتراجع عن رأيه إذا تذكر أغلب الوثائق المدونة كانت في الأصْل روايات شفهية متناقِلة قبل أن تدون، وعلى هذا الأساس فإن الوثائق الشفهية لا تقل أهمية عن الوثائق المدونة، ولا تتفوق الأخيرة على الأولى، إلا بكونِها تخضع لطرق متعددة للتأكد منها، وخلوها من التزوير، ولكن ليس من الصعب أن نضعَ ضوابطَ مُماثِلة لإثبات صحة الوثائق الشفهية قبل تسجيلها، بواسطة آلات التسجيل أو تدوينها.  

  نستنتج مما سلف ذكره، أنه بقدر ما يكون الباحث، مندفعًا مهووسًا لمعرفة الحقيقة التاريخية، إلا أنه يمكن للمؤرخين الجزائريين والباحثين بشكل عام، أن يطَلعوا على الملفات السرية للغاية ما دام أن فتحها أضحى ممكنًا، على أن يقتصر عند التدوين التاريخي، ذكر أسماء وألقاب من صنعوا التاريخ من الأموات والشهداء فقط، أما الأحياء فتستبدل أسماؤهم وألقابهم  بحروف مختصرة، تفاديًا لأي حساسية أو إشكال. وبناء على ذلك  لا يمكن اهمال ما اتفقنا عليه من أن أحداث الثامن من مايو 1945… التي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الجزائريين اعتبرت منعرجًا هامًا في اتجاه القضية الجزائرية، وذلك  بمساهمتها في بلــــــورة الوعي القــومي لدى الشعب الجزائري حتى أصـبح يؤمن بضرورة الكفاح المسلح (الثورة) لاسترجاع ما أخد بالغدر والقوة لتحقيق الحرية والاستقلال التام للجزائر .

  إنَ هذا التراث الشفهي فيه كثيرًا من نقاط الاختلاف أو الغموض في بعض جوانب تاريخ المنطق المدون، وحقيقة أخرى يجب ألا تغْرُب عن أذْهانِنا، وهي أنَّ التراث الشفهي والمحافظة عليه أمران مهمَّان لإبراز الخصوصيَّة الثَّقافية، التي تعدّ من القضايا الرئيسة في حياة الشعوب. هذا الأمر فطنت له اليونسكو منذ عام 1984م، عندما أعلنت في خطتها آنذاك ضرورة المحافظة على التراث الشفهي أيا كان نوعه، وجعلته من محفزات التنمية الوطنية.

…لماذا يقال بأن الجرائم في حق الإنسانية غير قابلة للتقادم؟. ولماذا يقال بأنه لا يمكن العفو عنها؟. وإذا كان الأمر كذلك فان اتفاقيات (إيفيان1962) تكون قد عالجت كل الأمور لأنها أعفت عن كل جرائم الحرب التي ارتكبت خلال الاستعمار إلا أنها أهملت مشكل الجرائم في حق الإنسانية. استطاعت فرنسا الاستعماريّة البقاء في الجزائر، على الرغم من كل ما ارتكبته من مجازر.

   لقد أقر البرلمان الفرنسي قانونًا سُمّي بقانون العار رقم 158 (قانون 23 فبراير 2005)، القانون الذي مجّد الأعمال الشنيعة التي قام بها الاستعمار الفرنسي في مستعمراته المختلفة عبر العالم نظرًا لما يحتويه من تضليل للحقائق وتشويه وتحريف للتاريخ ونظرًا لإهانته لذاكرة الشعوب وتاريخها. لأانه متعلق بعرفان الأمة وبالمساهمة الوطنية لفائدة الفرنسيين المرحلين. وحيث أنه أهمل وأغفل جملة وتفصيلًا الطرف الآخر، أو بالأحرى الوجه الأسود للاستعمار الفرنسي والممارسات اللاإنسانية والجرائم والنهب والسرقة والتنكيل والتعذيب والتجهيل وطمس الهوية ومحو الشخصية والتاريخ والدين. وحيث أن القانون نص على إدخال مقررات وبرامج دراسية جديدة تبرز الإيجابيات الحضارية للحقبة الاستعمارية!.

   مناسبة احتفال فرنسا بعيدها الوطني الذي يخلّد في الرابع عشر من يوليو كل عام، يمكن عمل تظاهرات بمئات الأشخاص في باريس رافعين لافتات تطالب فرنسا بإنهاء ما يسمى بعلاقات التبعية التي تربطها بمستعمراتها السابقة في أفريقيا. ويردد المشاركون في المسيرات هتافات تندد بدعوة رؤساء فرنسا لقادة ثلاث عشر بلدًا إفريقيًا للمشاركة في احتفال فرنسا بعيدها الوطني. على أن يعتبر المتظاهرون أن الهدف من تلك الخطوة هو “عدم تأكيد ولاء” تلك البلدان لباريس. وأن ذلك النهج السياسي أدى إلى “نهب موارد البلدان الأفريقية من كبريات الشركات الفرنسية والحكام المحليين الفاسدين وإبقاء الأغلبية الكاسحة من سكان تلك البلدان في حالة من الفقر المدقع والجهل المطبق”.

  على وسائل الإعلام أن تلعب دور كبير في مقاضاة فرنسا على ماضيها الاستعماري في الجزائر أكثر ما تقاضيها الدولة وتطالبها بالتعويضات “وسائل الإعلام بشتى أنواعها تقاضي فرنسا يوميًا ومعنويًا، وهذا يؤثر عليها أكثر من مقاضاتها ماديا”، مثلما هو واقع رفضها من تسليم الجزائر أرشيف تاريخ الجزائر وثورتها.

  في النهاية اقول: لماذا يقال بأن الجرائم في حق الإنسانية غير قابلة للتقادم ؟ ولماذا يقال بأنه لا يمكن العفو عنها؟ وإذا كان الأمر كذلك فان اتفاقيات (إيفيان 1962) تكون قد عالجت كل الأمور لأنها أعفت عن كل جرائم الحرب التي ارتكبت خلال الاستعمار إلا أنها أهملت مشكل الجرائم في حق الإنسانية. والتساؤل الذي يلح في الطرح هو: كيف تصادق فرنسا على قانون يمجّد الاستعمار والأعمال الوحشية في عصر العولمة ومجتمع المعرفة والمجتمع الرقمي، في عصر حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والحوار بين الشعوب والأمم والحضارات والديانات.

…مهما اعتذرت فرنسا وكانت معها علاقات لا يمكن أن نطوي هذه الصفحة أو ننسى تلك الجرائم ، إنها جراح عميقة غائرة في قلب كل جزائري وطني لا يرضى عن هذا الوطن بديلًا مهما كانت الصعاب ومهما. فكيف ننسى كل هؤلاء وكيف نغفر لفرنسا جرائمها التي تعد تصفية وإبادة للجنس البشري وبالتحديد كل ما هو جزائري وعربي مسلم تعرض للتنكيل والقتل والحرق دون هوادة ودون أدنى رحمة، ومن يقرأ تاريخ تلك المرحلة الهامة في مسار الحركة الوطنية الجزائرية ونضال الشعب الجزائري يعرف جليا ويدرك مدى الحقد الذي كانت تكنه فرنسا لهذا الوطن..؟.      

   لا نستطيع إلا أنْ نُحيي بإعجاب وتقدير تلك الأمثلة الباهرة التي ضُربت في الشجاعة الثورية، فقد ساهموا مساهمة إيجابية فعالة في الثورات الكثيرة التي توالت وتجددت في بلاد الجزائر منذ سنة1830 ضد الاحتلال الفرنسي، وأن الثورات الرئيسية دائمًا تكون على يد الشباب، فقد تركوا لنا صورًا حية خالدة لوطنية الجزائريين المضحين بأنفسهم في كثير من المناسبات، ويقين الجزائريين، أن الثورة ستنتهي لا محالة بالحصول على الاستقلال.

   إن خير تكريم وتبجيل للشهداء الأبرار.. أنْ ذكرىّ رجال بواسل حرروا الوطن بوحدتهم واتفاق كلمتهم وزلزلوا عرش فرنسا، حتى عاد هذا الوطن حرًا ابيًا كما كان.. فعلينا أن نكون أوفياء لتضحياتهم الجسام وإن خير الوفاء أن ندافع عن وصية نطقـت بها شفـاه أحد شهداء الحرية ‹ديدوش مراد› قبل أن ترتفـع روحه إلى بارئـهـا (إذا استشهدنا.. دافعوا عن ذاكرتنا).

… ستظل ذكرىّ الثورة الجزائرية نبراسًا وطنيًا خالد.. وستبقى كاريزما هؤلاء الثوار حالة خاصة!. العزة للجزائر والمجد للشعب والخلود للشهداء الأبرار.

* د.محمـد عبدالـرحمـن عريـف.. كاتب وباحــث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock