التجاني صلاح عبدالله

كاتب وباحث سوداني
يتم استهداف الدول الفاشلة (الدول الفاشلة هي الدول التي تفقد حقها السيادي في احتكار قوتها بشكل شرعي , مما يعرضها للاضطرابات وحركات العصيان المدني ,أو تكون سيادتها مقيدة بسبب تعرضها لعقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية ,أو وجود قوات أجنبية علي أراضيها ,أو هي الدولة التي لا تستطيع أن تلعب دورا فاعلا ككيان مستقل على أراضيها) لما تحتويه وتجمعه من ثروات طبيعية ضخمة أو لتحقيق مصالح سياسية خاصة مرتبطة بها أو لزيادة امتداد الهيمنة والسيادة لدى الفواعل في تلك المناطق ,لهذه الاعتبارات وربما غيرها يجري استهداف الدول الفاشلة.
تصنف الوحدات السياسية ,أو الدول إلى دول قوية قادرة على حماية نفسها , أو دول ضعيفة أو فاشلة أو مارقة وإلى غير ذلك من التصنيفات على أساس مفهوم قوة الدولة, وهو من المفاهيم المحورية التي كثرت فيها الجدالات والنقاشات منذ أربعينات القرن التاسع عشر.
القوة في أحدى تعريفاتها أنها نقيض الضعف والخوف. الدولة إذا عرفت أسباب القوة فقد تجاوزت أسباب الضعف ,والدول تسعى إلى القوة وتعظيمها بدوافع السيطرة والهيمنة أو على الأقل المحافظة على القوة , يعني ذلك كله أن اتجاهها للقوة يمثل ابتعادا كبيرا عن الضعف والفشل. في هذا المعنى يقول”ايمانويل كانط” :الدولة تسعى إلى القوة ولو استطاعت أن تغزو كل العالم لفعلت. ساعتها فقط يكون البقاء مضمونا تماما.
لا احد ينكر حقيقة الفشل. لأنه عرض ربما يلحق بالفرد أو الدولة. لا احد ينكر حقيقة الفشل وعلاماته وأعراضه. مثلما لا تنكر حقائق النجاح والتقدم والتطور. أما أن يتم استهداف الدول بإلحاق صفة الفشل بها وفقا للعوامل أو المؤشرات الأمنية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تضعها هي نفسها , ومن غير المستبعد تتحكم بها وتبرئ نفسها فيها ,ومن ثم استهداف ذوات تلك الدول وسيادتها فهذا شأن آخر .
البعض يعتبر أن حالة التدهور أو القصور أو الإخفاق أو التدني ,في المجالات الأمنية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة ,هي مؤشر للتصنيف والتسليم بأنها دولة فاشلة ,أيا ما كان المسبب في ذلك القصور أو التدني أو الإخفاق الذي وصلت إليه الدولة ,سواء كان نتيجة سياسات خاطئة ومتخبطة من النخب الحاكمة ,أو نتيجة عرض خارجي قوي تقع الدولة تحت وطاء ته ,مثل الحصار والعقوبات الاقتصادية ,أو كان نتيجة الإكراه عن طريق حروب الجيل الرابع من الحروب غير المتماثلة ,التي تستغني فيها الدول الكبرى عن استعمال ترسانتها العسكرية ونيرانها ,وتستخدم فيها الأطفال والنساء من ذات الدولة المستهدفة ,في وجود تعاون من الطابور الخامس لإحداث القلاقل وعدم الاستقرار والفوضى ,وصولا إلى إعلان العصيان المدني في كافة المرافق ,أو سواء كان نتيجة أي مسبب أخر .
وكان نتيجة هذا المفهوم (إعلان الفشل) الذي تلجأ إليه الدول الكبرى متعمدة,والتي تخصص لهذا الغرض مؤسسات وهيئات,مثل صندوق السلام ومجلة السياسة الخارجية فورين بوليسي,وجامعة جورج ماسون وغيرهم,كان نتيجة ذلك المفهوم الذي يعرف الفشل بأنه:فقدان الدولة حقها السيادي في احتكار قوتها بشكل شرعي مما يعرضها للاضطرابات وحركات العصيان المدني,أو تكون سيادتها مقيدة بسبب تعرضها لعقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية,أو وجود قوات أجنبية على أراضيها,أو هي الدول التي لا تستطيع أن تلعب دورا فاعلا ككيان مستقل على أراضيها, كان نتيجة ذلك هو إصدار قوائم للدول الفاشلة في شهر يوليو من كل عام,وهذه الدول الفاشلة يجري استهدافها أو بالأحرى استنزافها كما هو مشاهد,باعتبار المصالح السياسية والاقتصادية,والثروات الطبيعية الضخمة التي تحتويها.
وإذا أمعنا النظر في العوامل والمؤشرات مثل المؤشر الأمني والسياسي والاقتصادي والمجتمعي ,التي وضعتها تلك المؤسسات ، نجد أنه كان من السهل لديها تحييد تلك العوامل وتوجيهها إلى أغراض سياسية ,تتفق تماما مع مصالح واستراتيجيات الدول الكبرى ,بمعني أنها محاولة لإضفاء الشرعية والقانونية لما سوف تقوم به الدول الفاعلة لاحقا بحق هذه الدول ,وعليه فإنها تصنف كوريا الشمالية مثلا دولة فاشلة مثلما تصنف الصومال دولة فاشلة ,مع ما بلغته كوريا الشمالية من التطور العلمي والتقني ,وليس من الصعب في ذلك أن نقف على تسييس العوامل والمؤشرات التي يتم الاستناد عليها ,والتي تفتقد النزاهة المهنية العلمية ,ووفقا لذلك تصنف كوريا الشمالية دولة فاشلة بل ومارقة ,لأنها تشكل تهديدا امنيا حقيقيا للولايات المتحدة.
ومع ذلك فان هذه المؤسسات مختلفة عن بعضها في تناولها لمؤشرات وقياس الفشل ,فمؤسسة برتلسمان مثلا تعتمد على المؤشر السياسي والأمني في قياس الفشل ,بينما تعتمد مؤسسة الاقتصاد والسلام المؤشر الأمني فقط ,وتعتمد مجوعة عالم الاقتصاد المؤشر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ,في حين تعتمد جامعة جورج ماسون وصندوق السلام المؤشرات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية,وهذا الاختلاف في تناول المؤشرات ينتج عنه تباين في قياس الفشل مما يعني أن تقييم الفشل غير موحد وغير مطلق لأنه يختلف من جهة لأخرى,ومن الطبيعي أن لا يثق في هذا التصنيف إلا الجهات التي أصدرتها,أوبالا حرى الجهات التي من مصلحتها هذا القياس.
ومع ذلك فان إضافة وصف الفشل للدولة وتسميتها بالفاشلة Failed Stateيظل أمرا يفتقد للمهنية العلمية ,لما ينطوي عليه الوصف من الظلم والإجحاف المتعمد والمقصود ,لان الفشل أو الانهيار صفات متغيرة وليست ثابتة ,بل أن من طبيعة الأفراد والدول التعرض للنكبات والإخفاق ,وأن الدولة أو الأفراد ينجحون دائما بعد تعرضهم لتجارب الفشل والانهيار والتدمير كما في تجربة اليابان علي سبيل المثال ,أما أن تلصق صفات النقص والمهانة بما يعطي انطباعا بأنها مكون أساسي للدولة مهما كان حجم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والأمنية بها , فهذا مما يتنافي مع حقائق الأشياء ويخالف المعقول ,ومع هذا فان إضافة الصفات الناقصة للدول وتسميتها بها لا يخرج من مسمى الظلم ,ولا يخرج أيضا من مسمى الحرب النفسية والتشهير ومحاولة زعزعة الثقة لديها ,وتشكيكها في ثوابتها واستراتيجياتها وعقيدتها ,مجرد إطلاق هذه التسمية يعطي شعورا وإحساسا بأن هذه الدول القوية الفاعلة لديها من الحق في أن تسمي من تشاء بما تشاء.
ومع هذا فان مسمى الدولة الفاشلة والذي كان دخول المتغيرات السياسية والنظرة النفعية فيه ,ليتم اجتياح الدول ونهب ثرواتها ,وإخضاعها تحت مسميات مسؤولية الحماية وحفظ الأمن والسلم الدوليين ,باعتبار أنها غير مؤهلة لتكون جزاء من المنظومة الدولية , (نحو 20 دولة عربية تسمي دولا فاشلة) فانه يمثل سقطة فكرية وأخلاقية وتكشف عن نفوس مريضة بالتسلط والكبر والهيمنة