سلطة ومسؤولية رئيس الدولة في النظام البرلماني
د عبدالغني بسيوني

نشأ النظام البرلماني في إنجلترا نتيجة لتطور تاریخی طویل، وكان ثمرة لظروف وأحداث السياسية وإجتماعية خاصة بها.إذ كان النظام السياسي في إنجلترا ملكيا مطلقا في العصور الوسطى حيث كان الملوك يتمتعون بسلطات مطلقة، ثم أخذ يتحول بالتدريج إلى الملكية المقيدة منذ القرن الثالث عشر، نتيجة لتقلص سلطة الملوك لصالح البرلمان

وبعد ذلك، بدأ تكوين النظام البرلماني في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأخذ شكله التام في القرن التاسع عشر، بعد إنتقال سلطات الملك إلى الوزارة التي أصبحت مسؤولة أمام البرلمان وتمخض الوضع في النهاية عن تحول سلطات الملك إلى سلطات إسمية أو شكلية فقط، وتأكد مبدأ عام مسؤولية رئيس الدولة بصفة مطلقة.

وهكذا أسفرت التطورات المتلاحقة خلال عدة قرون من الزمان عن ظهور النظام البرلماني وبروز أركانه في إنجلترا الملكية، وخاصة تقرير مبدأ عدم المسؤولية الملك بصفة مطلقة، سياسية وجنائية ومدنية.

ولقد أدى نجاح النظام البرلماني في إنجلترا إلى الأخذ به في عدد من الدولة الأوروبية، وكذلك في كثير من دول العالم، كنظام للحكم فيها. وإذا كانت بعض الدول التي اعتنقت النظام البرلماني ذات نظام ملكي، فإن البعض الآخر يأخذ بالنظام الجمهوري، وبطبيعة الحال ليس الملك كرئيس الجمهورية!

وذلك لأن الملك يتقلد السلطة بالوراثة بينما يختار رئيس الجمهورية بالطريقة التي قررها دستور كل دولة، حيث تؤثر طريقة إختيار رئيس الجمهورية على مركزه الدستوري والفعلي في الدولة

ولقد أدى إقتباس دول جمهورية للنظام البرلماني من إنجلترا بلده الأم إلى إحداث تطورات عميقة في هذا النظام، خاصة بالنسبة لسلطة رئيس الدولة ومسؤوليته.

إذ أن مبدأ عدم مسؤولية رئيس الدولة لم ينتقل بشكله المطلق الذي عرف به في الدول البرلمانية الملكية، لأن رئيس الدولة في الدول الجمهورية البرلمانية غير مسؤول سياسية، ولكنه يسأل من الناحيتين الجنائية والمدنية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن رئيس الدولة في الدول الجمهورية البرلمانية – رغم تقرير عدم مسؤوليته سیاسية – يمارس سلطات كبيرة في كثير من الدول الجمهورية ذات النظام البرلماني، لا سيما في تلك التي ينتخب فيها رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة أو يشترك الشعب في إنتخابه .

هذه التطورات التي أصابت النظام البرلماني، تستلزم إعادة التفكير في مسؤولية رئيس الدولة، والبحث عن كيفية إقامة التوازن بينها وبين سلطاته.

وبناء على ما تقدم، فقد جاء هذا البحث في بابين رئيسيين، وخاتمة على النحو التالي: الباب الأول: سلطة ومسؤولية رئيس الدولة في النظام البرلماني التقليدي، الباب الثاني: سلطة ومسؤولية رئيس الدولة في النظام البرلماني المتطور، الخاتمة: سلطة ومسؤولية رئيس الدولة في النظام البرلماني بين التوازن النسبي والتوازن المختل۔

تحميل الكتاب