قضايا اقتصاديةقضايا سياسية

سلطنة عمان علي خطي التطبيع مع دولة اسرائيل

إن الزيارة المفاجأة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلي سلطنة عمان تفتح أفاق علاقات إقتصادية و تجارية و أيضا سياسية و عسكرية بعيدة الأمد و ذات طابع إستراتيجي بالأساس في الخليج الفارسي. مع العلم أن الخطر الإيراني و توسعه في المنطقة يشكل خطرا إقليميا للمصالح الإسرائيلية و الخليجية في نفس الوقت. أما بخصوص هذه الزيارة الأولي من نوعها بصفة مفاجأة و علنية إلي دولة عربية خليجية تكرس نظرية التطبيع الشامل بين دول مجلس التعاون الخليجي و دولة إسرائيل. فرئيس الوزراء الإسرائيلي يحمل في جعبته لسلطنة عمان صفقات متعددة تشمل المبادلات التجارية و التعاون المالي قصد جلب الإستثمارات المباشرة و خاصة منها التركيز علي جانب الإنفتاح الإقليمي البحري علي المحيط الهندي قصد تطويق التحركات العسكرية الإيرانية و المزيد من التنسيق العسكري مع دولة الإمارات العربية المتحدة التي هي أيضا تقيم علاقات دبلوماسية طبيعية عبر القنصلية الإسرائيلية بدبي.

إن هذه العلاقات الخليجية الإسرائيلية ترتكز بالأساس علي الأولوية الإقتصادية و خاصة منها المبادلات التجارية و تنويع الإستثمارات في البنية التحتية و الترفيهية و العقارية. بالعودة إلي كلمة تطبيع فهي تحمل في مدلولها اللفظي نوع من الكراهية و نبذ الطرف الآخر و هي كلمة غريبة في المصطلحات اللغوية العالمية. إذ تشير هذه الكلمة إلي تطبيع مع كائنات فضائية غريبة عن كوكبنا الذي يضم مخلوقات حيوانية و أيضا بشرية. إلا أن هذه الكلمة تدخل في زاوية العداء و الكره و النقمة لتكون فاصل بين شعبين متناحرين. فالدين للديان و الكون لبني الإنسان الذي كرمه الله و خلق منه شعوبا و قبائلا لتتعارفوا و لا لتتقاتلوا و أيضا لتبرموا صفقات تجارية و مالية و أبرز قدوة علي ذلك هو النبي محمد صلي الله عليه و السلم الذي كان يزو القبائل اليهودية لإبرام صفقات تجارية في القماش و الحرير. فهنا يكمن مربط الفرس, هل يجوز تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أو لا؟. في المقابل تجرم بعض الدول العربية التطبيع منها بعض الدول الشمال إفريقية خاصة منها الحركات الإسلامية و الحركات القومية الشيوعية و التي حولت هذا الملف إلي مجالس نوابها للتصويت علي هذا القانون. تعتبر هذه الدول أن أي علاقة تقام مع دولة إسرائيل أو مع بنيامين نتنياهو بمثابة جريمة دولية كبري مما يقلص بالنتيجة علاقتها الدبلوماسية و مساعداتها المالية خاصة من قبل العم سام ترامب تحت نظرية “معاداة السامية”.

فالمشهد الدبلوماسي في العلاقات الدولية يشهد العديد من المتغيرات المتسارعة خاصة بعد ما يسمي بالربيع العربي خاصة بعد وصول الحركات الإسلامية التي تكن كره شديد لدولة إسرائيل و حكامها و أبرز دليل علي ذلك قطع تلك العلاقات بالكامل خلال فترة حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي العياط و ذلك عبر حرق السفارة الإسرائيلية بالقاهرة و طرد سفيرها مع تهديده بالقتل. كما أن الثورات المضادة بعودة الرموز الفاسدة السابقة في تلك الدول تصنف في خانة تعميق المشكلة و ليست بأي حال من الأحوال جزء من الحل في الإستقرار الإقتصادي و السياسي. بالتالي يضل المشهد العربي في العلاقات الدولية مع دولة إسرائيل يتراوح بين التطبيع العلني مثل (مصر و الأردن و قطر و السعودية و دولة الإمارات العربية المتحدة و أيضا سلطنة عمان). أما بقية الدول العربية فهي تقيم علاقات سرية أو “تجرم التطبيع” أحيانا. فعالمنا أصبح اليوم يرتكز بالأساس علي المصالح الإقتصادية و كل دولة أصبحت تولي إهتماما داخليا أكثر منها بالتدخل في شؤون الدول الأخري. أما القضية الفلسطينية فقد تخلي عنها الجميع في ظل وفاة نظرية القومية العربية الإشتراكية الثورية بحيث أصبحت الساحة السياسية كلها تحت المظلة الأمريكية و جميع الحكومات العربية تتعامل مع القضية الفلسطينية كأنها صفقة بين الولايات المتحدة الأمريكية و دولة إسرائيل و فلسطين. كما أن لقاء السلطان قابوس بن سعيد مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس تمحور حول قضية القدس و عودة اللاجئين و خاصة منها إيجاد حل سلمي و نهائي لذلك الصراع الذي طال أمده منذ 1948 إلي أيامنا هذه و هذا يندرج ضمن التحضير لبدء تطبيق بنود “صفقة القرن”.

أما بعض الدول العربية التي مازالت تعيش في إنكماش و عزلة و هي قلة قليلة لا صوت لها دوليا تجرم التطبيع بتعلة “التضامن” مع شعب عربي تم إغتصابه و هتك عرضه و إحتلاله و ما صفقة القرن تلك حسب موقفها الرسمي إلا أنها مؤامرة للقضاء علي القضية الفلسطينية بالضربة القاضية و إختزالها في دويلة صغيرة تقتصر علي قطاع غزة و رفح و العريش و الشيخ زويد. فسلطنة عمان غيرت اليوم من منهجها و موقفها الرسمي في التعامل مع هذه القضية و خاصة بعد زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية و لقائه بسلطان سلطنة عمان قابوس بن سعيد في العاصمة مسقط الذي حول هذه العلاقة إلي كابوس إيراني و ذلك بإعتبارات إقليمية و تخوفات مستقبلية من تسهيل التحركات الإسرائيلية في المياه الإقليمية الخليجية.

إن القوة الضاربة التي يراهن عليها بنيامين نتنياهو بالتحالف مع الدول الخليجية هدفها الأساسي تطويق و حصار جمهورية إيران الإسلامية. بالنتيجة يسارع مجلس التعاون الخليجي بزيادة برنامج تسلحه بصفة غير مسبوقة خاصة منها الإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية و دولة قطر و أيضا سلطنة عمان قصد مواجهة إيران المحتملة بعد تزايد الإضطرابات خاصة من قبل الجانب اليمني و السوري و التواجد المكثف للحرس الجمهوري الإيراني في المنطقة. أما بالعودة إلي الجانب الإقتصادي فالمبادلات التجارية تشهد حركية طبيعية حتي ما قبل التطبيع أو أيضا في السر و علي سبيل المثال نذكر هنا تونس التي كان لديها مكتب تجاري إلي غاية سنة 1995 ينظم المبادلات التجارية و أيضا المغرب التي لديها جذور عرقية تصل حتي إلي أعلي مستواياتها في الحكومة الإسرائيلية نظرا للجالية اليهودية الكبري خاصة منها عائلة “ليفني” و التي تنحدر منها النائبة الإسرائيلية تسيبي ليفني و عائلة “كوهين” العريقة. أما مصر و الأردن فهي في حالة سلم دائم وفقا لإتفاقية “كامب ديفد” التي تنص علي أنه لا حرب بين تلك الدول و تبقي المبادلات التجارية خاصة منها في مجال طاقة الغاز الأهم في جوهر تلك العلاقة و تتمثل بالأساس في صفقات بالمليارات بين (مصر و إسرائيل و الأردن).

إن التحول الغريب في مجمل هذه العلاقات يتمحور حول تسارع أغلب دول الخليج الفارسي نحو التطبيع الدبلوماسي الكامل إما عبر فتح سفارات أو قنصليات و تبادل الزيارات العلنية بين كبار المسؤولين في الدولة. فهذه العلاقات الإقتصادية و التجارية و السياسية الخليجية – الإسرائيلية تندرج ضمن التحالف الإقليمي البعيد الأمد, أما التخوين حسب منظور حكام دول الخليج لا يمثل محل جدل سياسي أو قانوني لأن تلك العلاقات تقام بالأساس علي الثقة المتبادلة بين الطرفين في المعاملات الدولية. بالتالي تقتصر عمليات الخيانة في كشف أسرار الثكنات العسكرية أو المراكز السياسية الحساسة مثل الأعمال الداخلية بوزارات الأمن و غيرها و التي تعد في مجملها معلومات سرية للغاية يصعب الوصول لها و تقتصر علي كبار المسؤولين فقط. هنا تراوح دول مجلس التعاون الخليجي بين مفهوم “حليف أو خائن” و تفويض القضية الفلسطينية للإدارة الأمريكية لإيجاد حل سلمي دائم تحت مسمي “صفقة قرن”. بالتالي الخيانة أصبحت اليوم تتمحور داخليا وهي تتلخص في خيانة الأمانة في الدولة عبر حكامها كنهب ثروات شعوبها و التضييق علي الحريات الفردية و إنتهاكات حقوق الإنسان و حرمة الفرد الشخصية. بالإضافة إلي ذلك تفقير و تحقير تلك الشعوب التي تطالب بإرادة الحياة و طرد الجلاد الذي عذب و قتل الأبرياء و سجن الصحافيين و قطع أوصالهم علي غرار الصحفي بجريدة واشنطن بوست الأمريكي المقيم و السعودي الأصل جمال خاشقجي.

فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock