د.غازي فيصل حسين                                 

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

المقدمة

            إن تحليل تاريخ إيران يتميز بنوع خاص من الشعور القومي، الذي يربط الوضوح بالتشدد السياسي، وتبدو القومية كتعبير عن تحولات عميقة أثرت في بلورة مضامين العلاقات الداخلية والخارجية لتنمية الشعور بعظمة إيران.

          لذا تأخذ التحديات المستقبلية لسياسة إيران الخارجية طابعاً فلسفياً (1)، للحفاظ على المصلحة القومية ولتحقيق توازن أكبر في المصالح المتبادلة، فقد عبرت أفكار (مُحمد مُصدّق) رئيس وزراء إيران (1952م-1953م)، عن الإيمان العميق: بالتحرر من هيمنة الاحتكارات الأجنبية، وبالقضاء على المشكلات العرقية، والاجتماعية، والمذهبية لشعوب إيران، وببناء مجتمع ديمقراطي حديث. بذلك استقطبت الجبهة الوطنية الإيرانية إلى جانبها الحركة (التمامية الإسلامية) (2) إضافة للحزب الشيوعي الإيراني. وبعد أكثر من ربع قرن من سقوط حكومة مُصدق، التقت ذات التيارات السياسية لإنهاء عهد الشاه (محمد رضا بهلوي)، ولصياغة قواعد جديدة لعلاقات القوة، بناء على مفهوم خاص للتوازن الدولي في منطقة الخليج العربي، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا (3).

          لقد وجدت أفكار الطريق الخاص، صدى بين عدد من شعوب العالم الثالث، بمعنى: التحرّر من هيمنة الآيديولوجيات العالمية، وتحقيق التحديث بالاستناد على الإرث الثقافي والروحي ضمن إطار تعزيز التقاليد، وهذا ما يمثل ديالكتيكية اجتماعية، تختلف عما هو موجود في البلدان الصناعية الرأسمالية المتقدمة.

        “إن إيران تريد نشر نفوذ الإسلام في العالم“، على حد تعبير آية الله (روح الله خميني) (4)، الذي حكم إيران في الفترة من عام ( 1979م -1989م)، ثم أضاف مؤكداً أن طهران: “لا تجبن أمام اتهامها بالتوسعية، وبأنها تحلم بإقامة إمبراطورية إسلامية كبرى“، وانطلاقاً من هذه المبادئ، حدد الإمام خميني ثلاثة أهداف أساسية لجمهورية إيران، تتمثل بـ: القضاء على الصهيونية، والرأسمالية، والشيوعية في العالم.

          بناء على ما تقدم، يأتي اختيار موضوع: سوسيولوجية السياسة الخارجية الإيرانية، كمحاولة للتحليل النفسي للعقل الإيراني في مجال العلاقات الخارجية، بمعنى آخر: دراسة تحليلية للآيديولوجية الدينية-السياسية ولتصوراتها المفترضة، لبناء نظام دولي إسلامي. ولتوخي الموضوعية اعتمد البحث على نصوص لآراء عدد من الشخصيات الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية، وعلى انطباعات وبحوث وأفكار لعدد من الكتاب المتخصصين بالشؤون الإيرانية من بلدان الاتحاد الأوربي، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا إضافة لروسيا الاتحادية.

       عموماً، ستبقى هذه المصادر متواضعة، كما سنحاول اعتماد أهم الأفكار كفرضيات أولية للإجابة على سؤال محوري: ما هو جوهر السياسة الخارجية الإيرانية ؟ بمعنى آخر، كيف يمكن أن يكون الدين الإسلامي آيديولوجية ممكنة التطبيق في السياسة الخارجية ؟ ونعتقد، أن الإجابة ممكنة عبر عرض وتحليل معطيات الموضوع، وفق الآتي: دراسة جيوستراتيجية السياسة الخارجية الإيرانية؛ عرض مبادئ الاستقلال والوحدة الناجزة؛ تحليل الفلسفة الإسلامية-القومية، والآيديولوجية الدينية-الكونية؛ ثم أخيراً، تحليل ثوابت ومتغيرات السياسة الخارجية الإيرانية.

  1. جيوستراتيجية السياسة الخارجية الإيرانية :

         إن السياسة الخارجية لإيران ستبقى كما كانت دائماً، لأنها بنيت للدفاع عن المصالح الخاصة لبلدنا. إن فلسفتنا السياسية هي: التفاهم مع البلدان الغربية، وهذا لن يتغير لكن هذا الموقف لا يمنعنا من رؤية 2500 كم من الحدود المشتركة مع الاتحاد السوفيتي، لذا فنحن نرتب البيت بسلام وحسن جوار، وبصداقة مع السوفييت دونما تخلي عن مبادئنا السياسية (5). بهذه العبارات حدد شاه إيران (محمد رضا بهلوي) مفهوم السياسة الخارجية منذ عام 1963م، والتي استندت على إستراتيجية تضمنت أربعة مفاهيم للقوة (6):

  • التحالف مع الغرب للحصول على العلوم والتكنولوجيا.
  • موازنة الخوف من الماركسية، بإرساء علاقات طبيعية ومتكاملة مع الاتحاد السوفيتي.
  • لمجابهة الخوف من الإسلام السياسي، حاول جعل إيران بلداً مسلماً بالمعنى الديني للكلمة، وليس بالمعنى السياسي.
  • جعل إيران القوة المهيمنة في الخليج العربي، والشرق الأوسط ، والمحيط الهندي.

        بناء عليه، تطور التعاون العسكري والتكنولوجي بين إيران والدول الغربية الصناعية الرأسمالية، وبدرجة أقل مع الاتحاد السوفيتي وبلدان المنظومة الاشتراكية. ففي مجال التعاون الاقتصادي والاستثمار الأجنبي مع إيران خلال ( 1973-1976م)، احتلت اليابان 47% ، والولايات المتحدة الأمريكية 20%، وألمانيا الغربية 15%، وفرنسا 5%.

         واتبع الاتحاد السوفيتي دبلوماسية هادئة بعد زيارة الرئيس ليونيد برجينيف Leonid Brezhnev لطهران عام 1963. حيث استوردت إيران معدات عسكرية غير إستراتيجية. وقامت الشركات السوفيتية ببناء مجمع الحديد والصلب في أصفهان، وبوشر بالعمل لمدّ أنبوب الغاز الذي بدأ بتجهيز الاتحاد السوفيتي بـ 9.3 مليار م3 عام 1976م (7). وعبر تطبيع وتنمية العلاقات الاقتصادية والسياسية الإيرانية-السوفيتية، حاول الشاه (محمد رضا بهلوي) إضفاء طابع الاستقلال القومي على سياسته الدولية، لكي يتمكن من تطبيق إستراتيجيته للهيمنة الإقليمية.

           لقد تميّزت سياسة إيران الخارجية المحكومة بظروف الموقع، بالتنوع والتوسع لضمان الأمن الإقليمي، واستقرار دول منطقة الخليج ، والشرق الأوسط في مواجهة إستراتيجية الاحتواء السوفيتية (8).

        أدّت هذه الفلسفة لتكوين منظومة من التحالفات الإقليمية السياسية والاقتصادية والعسكرية، جعلت من إيران نقطة مركزية في محورين:

-الأول : يمثل أنقرة – طهران – إسلام آباد، تبلور عملياً في منظمة المعاهدة المركزية Central Treaty Organization، عام 1955، وفي منظمة التعاون الإقليمي للتنمية R.C.D عام 1964م، لكن منظمة المعاهدة المركزية فشلت في وقف توسع نفوذ الاتحاد السوفيتي الذي وطّد، ووسع علاقاته في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة مع مصر، والعراق، وسوريا، واليمن الجنوبي .

– الثاني : يتمثل في محور القاهرة – الرياض – طهران الذي تشكل في عهد الرئيس (محمد أنور السادات) .

         وبعد إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م، حصل تطور راديكالي في السياسة الخارجية الإيرانية، عندما أُدينت سياسة الهيمنة والتوسع، وتمّ الإعلان عن الخروج من الأحلاف، وحل منظمة المعاهدة المركزية Central Treaty Organization، وبدأت إيران تبحث عن إرساء علاقات متوازنة مع دول الجوار الإقليمي، وأعلنت وزارة الخارجية عن الإيمان بمبادئ الاستقلال، وفلسفة حركة عدم الانحياز في العلاقات الدولية(9).

  1. مبادئ الاستقلال والوحدة الوطنية الناجزة :

        يفترض ابتداءً، التمييز بين ثلاثة مراحل هامة في الثورة الإيرانية :

– الأولى: إسلامية ليبرالية، بدأت في 1 شباط 1979م لغاية إقالة (مهدي بزركان) رئيس الوزراء، بعد الهجوم على السفارة الأمريكية في طهران في 4 تشرين الثاني 1979م .        -الثانية: إسلامية اشتراكية، تبدأ منذ احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، وتستمر لحين تصفية الحزب الشيوعي الإيراني عام 1984م، حيث بدأت المرحلة الثالثة: الشمولية الاستبدادية الإسلامية، والتي تميزت بالتطرف المذهبي، وبالاحتكار المطلق للسلطة من قبل رجال الدين.

         لقد تعايشت في المرحلة الأولى، ذات الطابع الليبرالي، قوى التحالف الليبرالية، واليسارية، والاسلامي التي حققت الثورة، وبالرغم من عدم حصول تغيرات جذرية على صعيد السياسة الداخلية فإن السياسة الخارجية شهدت تحولاً هاماً عندما تخلّت إيران عن إستراتيجية التحالفات التقليدية: فهي لم تعد القوة المسؤولة عن أمن الخليج العربي، ولا الحليف الاستراتيجي للدول الأوربية ، والولايات المتحدة الامريكية، بل الدولة المنتمية لحركة عدم الانحياز، والمؤمنة بمبادئ الاستقلال.

            إن السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة، وفق تصور (كريم سنجابي)، وزير الخارجية، تقوم على أربعة دعائم: التاريخ؛ الموقع الجغرافي؛ ومُثل الإسلام الروحية والإنسانية، ومبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات مع الدول الأخرى.

           لقد تحملت إيران عبر التاريخ النفوذ الإمبريالي الروسي والبريطاني، ثم هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا يؤكد كريم سنجابي:إننا نريد اقتلاع بقايا الإمبريالية من بلادنا، سواء جاءت من الشمال أم من الجنوب، من الشرق أم من الغرب” (10).

          لإيران، من الناحية الجيوسياسية حدوداً طويلة مشتركة مع الاتحاد السوفيتي (روسيا الاتحادية)، والذي ترك عبر التاريخ أطيب الذكريات وأسوئها، حسب اعتقاد (كريم سنجابي)، مع ذلك شدد سنجابي على أهمية بناء علاقات ودية مع الاتحاد السوفيتي، ورفض تحويل إيران الى قاعدة للاعتداء، أو للدعاية المضادة للسوفييت. وبالمقابل حذر سنجابي من المطامع السوفيتية في إيران، قائلاً: “لن نسمح بتكرار مطالب مزعجة، على غرار الطلبات المتعلقة بالحقوق والامتيازات البترولية والادعاءات الإقليمية، أو الإعلان عن جمهوريات تتمتع بالاستقلال الذاتي تحت حمايته، نحن سندافع بأي ثمن عن استقلال وسلامة ووحدة إيران” (11).

           لذا لن تتساهل إيران، بتطبيق مبدأ احترام “المقابلة بالمثل المطلق” مع القوى الكبرى والدول الإقليمية المجاورة. وتطبيقاً لهذا المفهوم، أعلن (كريم سنجابي) عن: رفض “جميع الاتفاقيات والعقود التي لا تبنى على المساواة، وعلى احترام المصالح المتبادلة“، وعلى سبيل المثال: “فإن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية التي بنيت على معاهدات غير متكافئة، يفترض إعادة النظر بها (12).

         ضمن هذا الإطار، يمكن تفسير خروج إيران من منظمة المعاهدة المركزية C.E.N.T.O مع بقائها في منظمة التعاون الإقليمي للتنمية R.C.D لاعتقادها بأهمية التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي مع تركيا وباكستان، والعمل على توفير الأجواء السياسية لانضمام أفغانستان، والهند، والعراق لتطوير فاعلية منظمة التعاون الإقليمي للتنمية.

          لقد اعتبرت الدول الأوربية الغربية، والولايات المتحدة الأمريكية، بعد الاحتلال السوفيتي لأفغانستان عام 1979، أن الإسلام حليف استراتيجي موضوعي في مجابهة الإلحاد الشيوعي، والنظرية الماركسية-اللينينية، لكنه اكتشف في الثورة الإيرانية كما يبين (سيمون جارجي) Simon Jargy، وجهاً آخر: أي الإسلام المضطهد الذي يُحمل الإمبريالية الأمريكية المسؤولية الأساسية في استلابه وإذلاله، فهو ذلك الإسلام المبني على اعتبار كل سلطة زمنية على أرض الإسلام غير شرعية. لذا يجب اللجوء إلى المقاومة السلمية داخلياً، والتي تتحول عند توفر الشروط إلى هجوم شعبي وثورة مسلحة لإحلال السلطة الدينية (13).

            إن رفض الجمهورية الإسلامية، الخضوع للإمبريالية يُمثل الالتزام السياسي بمبادئ الاستقلال التي تدفع إيران لرفض التبعية للاستراتيجيات الدولية التي لا تتناسب مع إمكانياتها وقدراتها، سواء في الخليج العربي، أو في المحيط الهندي، والقرن الإفريقي. ولإيمانها بأهمية التشاور والحوار مع البلدان الإقليمية المجاورة، حذّرت طهران من خطورة إبدال التعاون بالتهديد العسكري.

         وبعد استقالة (كريم سنجابي) لم تطرأ مباشرة تحولات عميقة على الاتجاهات الرئيسية للدبلوماسية الإيرانية، لكن السنوات اللاحقة شهدت بالتأكيد، تغيرات دراماتيكية في مجال السياسة الخارجية، وفي مقدمتها اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، وتعقيداتها الإقليمية والدولية التي ماتزالُ تنعكس بآثار سلبية على العلاقات والأمن الإقليمي في الخليج العربي، والشرق الأوسط ، وشمال إفريقيا.

  1. الآيديولوجية الإسلامية الأممية :

       إن الآيديولوجية الدينية الأممية لإيران، تستند على الاعتقاد بأن إيران مؤهلة لتكريس جهودها وزعامتها الرائدة؛ لتحقيق هدفها الإستراتيجي في بناء نظام دولي إسلامي. ويجسد الإمام خميني مفهومه للدور الإيراني عندما يطرح فكرة:  “إن الإسلام مسؤولية مقدسة من الله لأنفسنا، ويجب أن ينمو بقوة وثبات حتى يُكرم الإسلام بشموله للعالم (14). أي أن الدور القيادي لإيران يُعدّ بمثابة واجب، وتكليف سماوي، “فالحكومة الإيرانية في الظرف الراهن، هي النموذج الوحيد الذي لا يماثله أي نظام في بلدان العالم الثالث“، كما يعتقد الإمام خميني: “حيث يحتل الفقيه موقع السيادة في الدولة، ومنه تُستمد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية شرعيتها، أي: من سيادة دين الله” (15).

           بناء عليه، يفترض تصدير النموذج الإيراني بإضفاء سمة الشمولية والكونية والشعبية على الأفكار والآيديولوجية الإسلامية الإيرانية، ويتم نشر النموذج الإسلامي الإيراني من خلال البعثات التبشيرية الدينية، والمذهبية للشبيبة الإيرانية إلى بلدان العالم؛ لنشر الدعوة الإسلامية الشيعية في المجتمعات العربية، والإفريقية، والآسيوية.

           وفي هذا المجال، شدد الإمام خميني في حديثه لسفراء إيران في العالم على وجوب عدم استخدام السيوف لتصدير الأيديولوجية الإسلامية لاعتقاده: “بأن تصدير الأفكار بالقوة لا يُعد تصديراً، يُمكننا تصدير الإسلام فقط عندما نساعد الإسلام والنظم الإسلامية على النمو في هذه البلدان. هذه هي مسؤوليتكم، وهذا هو واجبكم الذي يفترض أن تنجزوه، يجب الترويج لهذه الفكرة بالاعتماد على نهج يقود الدعاية للإسلام من خلال المطبوعات (16)، والصحف، والصور عن الجمهورية الإسلامية، هذه الحملات هي التي تؤدي لنشر الإسلام على الصعيد الدولي.

          فالاعتقاد الديني الأممي والرؤية الإسلامية للعالم، يُمثل خلاصة الآيديولوجية الإيرانية لإعادة بناء الأمة الإسلامية، واعتبار إيران محورها المركزي، وترتكز هذه الآيديولوجية نظرياً وعملياً على مجموعة المبادئ الآتية:

  • الإسلام ظاهرة سياسية، لذا يجب تكوين الحكومة الإسلامية بما يتطابق مع نموذج النبي محمد ( ) والإمام علي، أي الممتدة من إندونيسيا إلى المغرب العربي إضافة للجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، والمناطق الإسلامية في ألبانيا، ويوغسلافيا.
  • الثورة الإسلامية، يجب أن تكون شاملة لكي تؤسس الدولة الإسلامية بناء على الأحكام الإلهية، حيث تتجسد في رئيس الجمهورية المصالح القومية، أما الأمة الإسلامية، فيجسدها الإمام، لذا يفترض العمل لبناء هذا النموذج للدولة في جميع البلدان الإسلامية.

          بناءً على ما تقدم، يجبُ إزالة جميع النظم المُنحلة التي تقود البلدان العربية والإسلامية وإحلال نظم إسلامية فاضلة تكتمل بظهور الإمام المهدي الذي يقيم “حكومة الله العالمية، وعندما ينجز هذا الهدف، سيكون من الممكن تحقيق الانتصار على الغرب الرأسمالي، والعالم الشيوعي، عندها تعود القدس كواحدة من المدن الإسلامية المقدسة (17).

  1. جدلية الترابط بين الإسلام والقومية :

        من الثوابت الجيوستراتيجية لمكونات إيران الحديثة، التفاعل والتداخل بين القومية والدين الإسلامي الذي تبلور بعد إعلان الجمهورية في آيديولوجية دينية شمولية كونية، تتوجه نحو الشعوب الإسلامية، ونحو جميع المستضعفين حيث تُطرح كواحدة من الآيديولوجيات التحررية في العالم الثالث.

        ويعتقد الإمام خميني، أن مفهوم الدولة القومية (الوطنية) الحديث ناقص فلسفياً لأنه من صنع العقل البشري الضعيف، كما يؤمن بأن النظام الدولي المعاصر هو نظام جائر، بسبب تقسيمه للعالم إلى أقوياء وضعفاء. عملياً، لم تتمكن الآيديولوجية الإسلامية الإيرانية من تحقيق نجاحات هامة على الصعيد الإقليمي، أو الدولي بفعل الطبيعة الراديكالية للسياسة الخارجية الإيرانية (18):

  • المعارضة لفلسفة القومية العربية لتناقضها مع الأممية الإسلامية.
  • المعارضة للسياسة السوفيتية التوسعية، وللآيديولوجية الماركسية الملحدة.
  • المعارضة للإمبريالية الغربية، وللأممية المسيحية.

        وهذا ما أكد، الطبيعة المتطرفة للجمهورية الإسلامية الثيوقراطية ودفعها للتعارض مع الفلسفات والنظريات المختلفة للنظم السياسية المعاصرة، وللتناقض مع قواعد القانون الدولي والمجتمع الدولي، مما يعني: رفض الإيمان بمبادئ التعايش السلمي والوفاق بين الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والثقافية والاقتصادية، وهو ما يتناقض أيضاً مع مبادئ وأهداف حركة عدم الإنحياز للعمل المشترك من أجل بناء السلم والأمن والتعاون الدولي.

         إن التأثير الآيديولوجي على السياسة الخارجية في أي دولة يقدم تحدياً فكرياً منهجياً صعباً. لذا يرى (روح الله رمضاني)، أن السياسة الخارجية في بلد مثل إيران، تعاني عملياً من صعوبات تطبيقية بفعل مثالية الآيديولوجية الدينية. حيثُ يمكننا تمييز ظاهرتين:

الأولى: شمول السياسة الرسمية على دلالتين، دينية وزمنية، مما يؤدي للغموض والارتباك، ويجعل من الصعوبة التكهن بطبيعة القرارات والتصريحات أو لتحديد الاتجاهات المتعلقة بفعاليات الدبلوماسية الإيرانية.

-الثانية: الازدواجية بين السياسة الرسمية والشعبية، التي أدت للتداخل والفوضى في مجال الإدارة.

           وهذا ما دفع (مير حسين موسوي) رئيس الوزراء، لوصف وزارة الخارجية، بأنها: “غير منظمة، تبدو كوحدات مختلفة تعمل بغير انسجام“، وهذا ما دفع موسوي لاقتراح تأسيس وحدة للتنسيق والتنظيم داخل الوزارة، لبناء العلاقة بين الوزارة والبعثات الدبلوماسية الإيرانية. كما اقترح تأسيس هيئة لتحديد: “قاعدة للسياسة الخارجية، بناء على المفهوم الآيديولوجي، ومبادئ الحكومة الدينية” (19).

         عموماً، يمكن تأشير ثلاثة اتجاهات في العلاقات الخارجية لإيران: إعطاء أولوية خاصة للدول الإسلامية؛ ثم لدول العالم الثالث؛ والدول الأخرى. وضمن نفس الإطار يقسم علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية، دول العالم إلى مجاميع: الأخوة؛ الأصدقاء؛ المحايدين؛ ثم الأعداء. ويقصد بالأعداء، الحكومات التي تشن عدواناً على إيران أو التي تتبنى موقفاً سياسياً معادياً لإيران (20).

          يُمكننا، استخلاص العناصر الأساسية للسياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، من خلال تحليل مضامين الآيديولوجية الثيوفراطية (21):

  • رفض التبعية سواء للغرب أو للشرق.
  • معاداة الإمبريالية.
  • تمييز الولايات المتحدة الأمريكية كعدو أساسي.
  • الكفاح ضد القوى الكبرى وإسرائيل.
  • تحرير القدس ومناوئة الدول الصديقة لإسرائيل.
  • توثيق العلاقات مع الشعوب المضطهدة ودعمها، خصوصاً في البلدان الإسلامية.

           إن شعار: “لا شرق، ولا غرب“، يترجم، ويجسد مفهوماً آيديولوجياً لاعتماد الإسلام كطريق ثالث بين الماركسية والليبرالية، لمعارضة التواطؤ بين القوى الدولية الكبرى الذي قسم العالم الى مناطق للنفوذ، كما جزّأت سابقاً الاتفاقيات الروسية-البريطانية، إيران إلى منطقتي نفوذ عند نشوب كل حرب عالمية (22).  بناء عليه، يفترض تأسيس نظام دولي جديد، مبني على استقلال الدول عن الكتلتين الشرقية والغربية، واعتماد الإسلام كآيديولوجية ، وكطريق خاص لتنظيم الحياة والعلاقات بين الدول.

         إن تحليل العلاقة بين المضامين الفلسفية للسياسة الخارجية الإيرانية وتطبيقاتها للتعبير عن الآيديولوجية الإسلامية، يُعد عملية صعبة، سواء من خلال معاينة التطبيقات الفعلية لإستراتيجية العلاقات الدولية لإيران، أم عبر تحليل التصريحات السياسية لأقطاب الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وذلك لسببين رئيسين:

الأول: الطبيعة المتقلبة والمتناقضة في مكونات الوقائع السياسية0

– الثاني: إن القرارات والالتزامات المُحددة للإستراتيجية السياسية يفترض أن تعبر عن جوهر الآيديولوجية الإسلامية الثيوقراطية في فلسفة الإمام خميني.

            لكن الواقع التطبيقي أكثر تعقيداً، فمبدأ لا شرق، ولا غرب، يعكس ظاهرياً هذه الفلسفة أما مضمونه الداخلي فيعكسُ رفض تاريخ كامل من الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على إيران. وهذا يبين أسباب التداخل والتناقض، بين ما هو آيديولوجي عقائدي، وما هو ظرفي مرحلي وتطبيقي، في السياسة الخارجية الإيرانية، بمعنى آخر، إن العامل المؤثر في صنع السياسة الخارجية يتضمن معنى مزدوجاً: آيديولوجية ثيوقراطية مثالية، غير واقعية، تتقاطع مع برغماتية أممية شمولية، حيث يتولد ويتبلور دياليكتيك السياسة الخارجية الإيرانية، أي التناقض والتفاعل بين ما هو ديني، روحي وسببي، وبين ما هو دولي، مادي وواقعي، يتعلق بالمصالح المشركة لإيران الإقليمية والدولية.

     عملياً، أدت الفلسفة السياسية الثيوقراطية، والتطرف الديني والمذهبي، لإثارة أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، وهي الأزمة الدبلوماسية التي حدثت عندما اقتحمت مجموعة من الطلاب الإسلاميين، لاعتبارات آيديولوجية، السفارة الأمريكية دعماً للثورة الإيرانية، واحتجزوا  / 52/ أميركياً من العاملين في السفارة كرهائن في 4 تشرين الثاني 1979م لمدة 444 يوم، وبعد فشل محاولات الولايات المتحدة الأمريكية للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن قامت الولايات المتحدة بعملية عسكرية لإنقاذهم في 24 نيسان 1980م، ولكنها فشلت، وأدت إلى تدمير طائرتين، ومقتل ثمانية جنود أمريكيين.

           وانتهت الأزمة، لأسباب سياسية واقتصادية خالصة، بالتوقيع على اتفاقات الجزائر في يوم 19 كانون الثاني 1981. وأفرج عن الرهائن رسمياً في اليوم التالي، بعد دقائق من أداء الرئيس الأمريكي الجديد (رونالد ريجان)  Ronald Reagan اليمين الدستورية. ووصفت الأزمة بأنها حادثة محورية في تاريخ العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، لقد كانت الأزمة عاملاً في هزيمة الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر)  Jimmy Carter في الانتخابات الرئاسية. كما عزّزت الأزمة من وضع الإمام خميني في إيران، وكانت الأزمة أيضاً بداية لفرض عقوبات اقتصادية أمريكية ودولية على إيران.

          وضمن إطار المصلحة السياسية المُجردة، وقفت إيران ضد الانتفاضة الإسلامية في حماة السورية عام 1982م، التي اندلعت ضد الرئيس حافظ الأسد، وجوبهت الانتفاضة بقوة عسكرية كبيرة من قبل الجيش والشرطة، التي قامت بحصار مدينة حماة وتصفية ما يزيد عن 30,000 مدنيّ حسب تقديرات منظّمات حقوق الإنسان. كما استخدمت إيران في علاقاتها السياسية مع المنظمات الإسلامية المناهضة للاحتلال السوفيتي في أفغانستان سياسات متباينة، تنسجم مع المصالح والعلاقات الاستراتيجية مع السوفييت (الشيطان الأصغر)، وتتناقض مع الآيديولوجية الإسلامية للجمهورية الإيرانية، المساندة للشعوب الإسلامية والمناهضة لسياسات الهيمنة الإمبريالية للقوى الكبرى.

       نلاحظ، أن إيران تشن حملات سياسية آيديولوجية معادية “للشيطان الأكبر“، لكنها في نفس الوقت تقوم وبدافع المصالح الاقتصادية والعسكرية ببيع النفط للولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوربا الغربية، لتشتري الأسلحة من الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية والصين، بجانب صفقاتها السرية للتسلح مع واشنطن وإسرائيل، فقضية إيران كونترا التي عقدت بموجبها إدارة الرئيس الأمريكي (رونالد ريغان) اتفاقاً مع إيران لتزويدها بالأسلحة، بسبب حاجة إيران الماسة لأنواع متطورة منها أثناء الحرب مع العراق، حيث كان الاتفاق يقضي ببيع إيران، ما يقارب 3,000 صاروخ تاوTOW  المضادة للدروع، و18 صاروخ هوك Hawk أرض جو، المضاد للطائرات مع الأدوات الاحتياطية لـ 240 صاروخ هوك، التي نُقلت على دفعات من إسرائيل إلى إيران، على متن طائرة DC-8  التي انطلقت من 20 آب عام 1985م، وحتى 17 شباط 1986م، مقابل إخلاء سبيل خمسة من الأمريكان المحتجزين في لبنان.

         ومن الجدير بالذكر، أن الولايات المتحدة الأمريكية شهدت عام 1985، خلال ولاية (رونالد ريغان)، تحديات دبلوماسية وعسكرية كبيرة في الشرق الأوسط وأميركا الوسطى. وكان ريغان ومدير المخابرات الأمريكية C.I.A وقتها ويليام كيسي  Casey  Williams معروفين بخطاباتهما وسياساتهما المتشددة، المناوئة للشيوعية والاتحاد السوفييتي. وكانت إيران- كونترا عبارة عن مخطط سري تعتزم إدارة ريغان بمقتضاه بيع أسلحة لدولة عدوة هي إيران، واستعمال أموال الصفقة لتمويل حركات الكونترا المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا.

        البرغماتية السياسية الإيرانية، ذات طبيعة تضليلية، حيث يبدو التناقض واضحاً بين المثالية الآيديولوجية، للحديث عن مواجهة ومعاداة الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر، والادعاء بدعم ورعاية الشعوب المضطهدة والمظلومة في العالم الثالث، وبين الواقع الذي فرضته المصالح الاقتصادية والسياسية الإيرانية، التي حوّلت الاتحاد السوفيتي إلى حليف استراتيجي لبناء المفاعلات النووية ومنظومات الصواريخ والقوة الجوية، بجانب التعاون مع الصين، واليابان في مجال استثمار حقول النفط والغاز، وبناء المؤسسات الاستراتيجية، لكي تتحول لقوة عسكرية للهيمنة الإقليمية على الخليج العربي، والشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، حيث حوّلت الدعم المُفترض للبلدان النامية، من معونات مادية لضمان التنمية إلى أشكال مختلفة من الأسلحة ، وتدريب الميليشيات الإرهابية، لتحقيق الهيمنة الآيديولوجية الإيرانية الثيوقراطية، عبر إثارة أعمال العنف والحروب الأهلية، من خلال استغلال وإثارة التنوع الديني والمذهبي في المجتمعات، مما يُعد شكلاً من أشكال التدخل العسكري والسياسي السافر في الشؤون الداخلية للدول، ويهدد الأمن الإقليمي والعالمي.

           مما يعني، أن الإستراتيجية السياسية الإيرانية، استهدفت التحول إلى قوة عسكرية تلعب دوراً أساسياً في المجال الإقليمي والإسلامي، وهذا يتطلب استبعاد النفوذ الإمبريالي للقوى الدولية. وفي الواقع أن دور الولايات المتحدة الأمريكية، انتهى في إيران بعد الثورة عام 1979م، لذا اضطرت واشنطن لإعادة بناء علاقاتها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، ولكن بقيت مرتبكة في لبنان، والخليج العربي. أما الاتحاد السوفيتي فحاول الاحتفاظ بعلاقات تعاون مع إيران وتعزيز نفوذه باحتلال أفغانستان واقترابه من المياه الدافئة، والنفط في الخليج العربي. مما أثار مخاوف تقليدية نفسية لدى طهران، وبرر تقارب إيران مع الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى والذي أخذ طابعاً تجارياً ، أو لشراء الأسلحة والتفاوض حول الرهائن وتصفية الديون.

        نستخلصُ، أن الإسلام السياسي الآيديولوجي في النظام الثيوقراطي الإيراني، يحاولُ الجمع بين الإنسان والمجتمع بهدف الانتصار على التخلف ورفع الاضطهاد عن الشعوب، وادعاء العمل للكفاح من أجل إنهاء الإمبريالية في بلدان آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، مما يعني باختصار: بناء قوة ثالثة تعتمد على عناصر التاريخ، والمجتمع والثقافة، والعوامل الروحية الإسلامية مع المحافظة على الخصائص القومية للشعوب.

          وبعد تحليل العناصر الجيوسراتيجية للسياسة الخارجية الإيرانية وتحديد مبادئها ومعاينة الأيديولوجية الدينية كفلسفة قومية، أو أممية للنظام الثيوقراطي، وأثرها في بناء السياسة الإيرانية، نرى ضرورة دراسة وتحليل الثوابت والمتغيرات، لغرض الاقتراب من الاستنتاجات العلمية والموضوعية لسياسة إيران الخارجية.

  1. السياسة الخارجية الإيرانية: الثوابت والمتغيرات :

         يعتقد (تي. كويلر يونغ) (23): أنّ غالبية الإيرانيين معادون للروس لأسباب تاريخية، ومعادون للغرب لأسباب آيديولوجية، وهذا ما يبين الدافع الحقيقي للتمسك بمبدأ ” لا شرق ولا غرب”، كقانون جوهري في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تعبيراً عن رفضها للهيمنة السياسية، والاقتصادية ، والثقافية،  والفكرية والنفسية، ولكافة أشكال التدخل الأجنبي والعمل على تطوير علاقاتها مع جميع البلدان المحرومة، على قاعدة الاحترام المتبادل.

           لقد حاولت إيران تطبيق هذه السياسة بعد عام 1979، حيث بوشر بتنمية العلاقات مع الدول الإسلامية، ودول العالم الثالث التي كانت مهملة في عهد الشاه (محمد رضا بهلوي)، وشكل مجلس الشورى الإسلامي “لجنة العشرة” (24)، لغرض متابعة ومراقبة تنفيذ هذه السياسة بصورة منتظمة ولتحديد حجم التبادل السياسي والاقتصادي مع بلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي هذا المجال، يؤكد النائب الأول لرئيس الوزراء، (علي رضا معايري)، على اتجاه إيران لشراء السلع الغذائية من البلدان الإسلامية، حيث توسعت العلاقات الاقتصادية بشكل خاص مع تركيا، وباكستان، وعدد من دول الخليج العربي. ولكن النائب الأول لرئيس الوزراء، انتقد البيروقراطية الموروثة، التي تحاول عرقلة تطبيق هذه السياسة (25).

          ومن أبرز مُشكلات وزارة الخارجية الإيرانية، استمرار ظاهرة الصراع بين الإدارة الدبلوماسية، والإدارة الشعبية الثورية، مما يعرقل إمكانية إرساء آليات منطقية وثابتة في صنع السياسة الخارجية. وعلى الرغم من هذه العقبات والتحديات، شرعت الدبلوماسية الإيرانية في إقامة علاقات جديدة مع / 22 / دولة إفريقية، على مستوى سفارة (26). كما نشرت إيران متخصصين من متطوعي الجهاد من أجل البناء، في عدد من الدول الإفريقية لإنجاز مشاريع زراعية وصناعية.

           إن استمرار حالة الثورة في إيران، رافقه انعدام الوفاق السياسي الداخلي، وتعميق التناقض بين الفلسفة الدينية والفلسفة العلمانية، لذا واجه، ويواجه نظام رجال الدين، مآزق حقيقية في مجال العلاقات الدولية، من أبرزها: رفض الآيديولوجية الدينية لمفهوم النظام الدولي المعاصر والقانون الدولي، دونما اقتراح لبديل منطقي لبناء نظام دولي إسلامي. فمع تبني إيران الظاهري لاستراتيجية سلمية لتحقيق الثورة الإسلامية العالمية، فلقد أثبت الواقع الفعلي تبنيها لإستراتيجية (أزموية) لبناء النظام الإسلامي العالمي (27). وهذا ما أدى لتحديد وتقييد السياسة الخارجية بثوابت آيديولوجية أرثودوكسية دوغمائية طبعت التصريحات والقرارات والالتزامات وخلق ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الإيرانية المُتشددة، المعزولة إقليمياً ودولياً.

          إن تمسك الإيرانيين، “بطرح نظريتهم لعالم أوسع من حدود إيران (….)، عن طريق القوة المسلحة” (28)، يؤدي إلى تعميق روح التعصب بين الشعوب، ويرى ليونيد ايڤانوڤيتش ميدڤيدكو Леонид Иванович Медведько إن مفهوم “تصدير الثورة” يُشكل خطورة على الأمن القومي لبلدان الشرق الأوسط ولجمهوريات آسيا الوسطى (29)، لذا لن تثق الدول العربية بالسياسة الإيرانية، وستتصاعد نفقات التسلح في البلدان العربية لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية التوسعية المعادية للأنظمة العربية المدنية والوضعية. ويعتقد ليونيد ايڤانوڤيتش ميدڤيدكو: إن التفاهم الأمريكي-الإيراني (30)، وارد مستقبلاً لأهمية إيران في مواجهة الاتحاد السوفيتي ولتحقيق التوازن في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

          إن الصراع كما يتصوره (كلود جوليان) Claude Julien: ليس بين جعل إيران سوفيتية أو أمريكية، بل بين أن تكون دينية عنصرية منغلقة ومتطرفة، تصدر الإرهاب، أو دولة تعترف بشرعية الدول الأخرى، وتتعايش معها ضمن إطار المواثيق المُنظمة للعلاقات الدولية (31). ومن المؤكد أن السياسة الخارجية واجهت، وتواجه عقبات كبيرة في مجال التطبيق، تجسدت بشكل بارز في فشل إستراتيجية تصدير الثورة، سواء عن طريق الحرب العراقية-الإيرانية التي انتهت بانتصار العراق وهزيمة الجيوش الإيرانية في 8 آب 1988م، أو عن طريق نشر المنظمات الإرهابية أو اثارة المشكلات الطائفية والتمييز المذهبي بجانب تغذية الحروب الدينية. لقد واجهت هذه السياسات طريقاً مسدوداً، مما عمق النظرة السلبية لفلسفة النظام الإيراني، وكرس ظاهرة التنافر في علاقة الأديان الأخرى مع الإسلام.

           لقد أدت الخسائر الفادحة التي مُنيت بها إيران بفعل سياسة الدبلوماسية غير الواقعية، إلى تقلص التظاهرات والتأييد الشعبي المؤيد للحرب والتوسع، حيث أكدت صحيفة نيويورك تايمز: إن التظاهرات في طهران والمدن الأخرى تحولت للمطالبة بوقف نزيف الدم أو للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية الصعبة (32). وهذا ما آثار جدلاً واسعاً حول ضرورة إعطاء الأولوية للإصلاحات الاقتصادية والضغط على القيادة للتفكير جدياً بإنهاء الحروب.

           ولإنقاذ إيران من مأزقها، اتسع نفوذ هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس الشورى الإسلامي لتبني سياسة خارجية معتدلة وواقعية من أجل الحفاظ على الجمهورية الإسلامية، حتى لو اضطر للتصادم مع المبادئ المتفق عليها بصورة جماعية” (33). ويُعد رفسنجاني من أكثر المتحمسين لإيلاء أهمية أكبر لحل مشاكل إيران الاقتصادية الصعبة، وهو من دعاة الإبقاء على خيار وضع حد لإنهاء الحرب عن طريق التفاوض.

          وبدعم من الإمام خميني، لم يتردد (هاشمي رفسنجاني) من الإعلان: بأن بمقدور إيران تحقيق أهدافها بوسائل أخرى غير الحرب، وفي 2 حزيران 1988م، تحدث هاشمي رفسنجاني في التلفزيون مؤكداً أنه: سيفعل كل شيء لمنع أعداء إيران من تصويرها أمام الرأي العام الدولي، على أنها صانعة الحروب، بينما يحاول العراق البحث عن السلام. وعندما نتحدث عن نصر على الجبهة، يجب أن لا ننسى بأن نترك الباب مفتوحاً أمام أي حل غير عسكري” (34). هذه العبارة اعتبرت كتهيئة لإعلان إيران: الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم /  /598 الصادر في 18 تموز 1988م.

           وفي ذات الحديث، اعترف (هاشمي رفسنجاني)، بارتكاب أخطاء في السياسة الخارجية، أسهمت في فشل إيران وعد إحراز أي انتصار عسكري، كما انتقد بشدة الدبلوماسية الإيرانية، خاصة على صعيد العلاقات مع البلدان الغربية، عندما أعلن: “ بأن أحد الأخطاء التي ارتكبناها وسط الجو الثوري السائد في إيران، هو خلق الأعداء باستمرار. لقد دفعنا هؤلاء الذين كان يمكن أن يكونوا محايدين، إلى صفوف الأعداء، ولم نفعل شيئاً لاجتذاب من كان يمكن أن يصبحوا أصدقاء لنا” (35).

            من الواضح، أن (هاشمي رفسنجاني) قد حدد مهمة إعادة هيكلة السياسة الخارجية الإيرانية، بهدف وضع حدّ للعزلة الدبلوماسية عبر تطبيق سياسة عقلانية في محيط العلاقات الدولية. لقد وضع (هاشمي رفسنجاني)، الذي تصفه صحيفة الفايننشال تايمز: بأنه الرجل الذي لا يشعر بالخجل من التعامل مع “الشيطان الأكبر” من مسافة معقولة، سيناريو مرحلة الانفتاح السياسي، لإيمانه بأن الغاية تبرر الوسيلة (36). ومن المؤكد، أن برنامج إنقاذ الاقتصاد من الدمار سيدفع إيران للانفتاح على الاستثمارات والرساميل الأجنبية، لإعادة بناء الهياكل الصناعية، والزراعية في البلاد.

           ومما لا شك فيه، أن العلاقات الإيرانية-الأمريكية، تعكس مجموعة من الحقائق السياسية الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية المُشتركة. وضمن هذا الإطار، يحدد (هنري كيسنجر) Henry Kissinger، ثلاثة أهداف أساسية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، حيثُ يوجدُ نصف احتياطي العالم من النفط (37):

  • ضمان حماية خطوط الملاحة لمنع تكرار حدوث هزات وصدمات بترولية تهدد الديمقراطيات الغربية.
  • منع الهيمنة السوفيتية (الروسية) على المنطقة.
  • الحفاظ على وحدة الأراضي الإقليمية للدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية وتشجيع تقدمها.

      ويعتقد (هنري كيسنجر): أن انتشار قطع البحرية الأمريكية في الخليج العربي، أدى إلى الضغط على الأصوليين في إيران، وأمام العجز الإيراني في كسب الحرب ضد العراق، جاءت حادثة إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية (38)، لتكون من عوامل إعادة النظر الشاملة في سياسة إيران الخارجية، وجاءت موافقة إيران على قرار وقف إطلاق النار المرقم / 598 / الصادر في 18 تموز 1988م عن مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة، على أساس الخضوع للأمر الواقع والقبول بمنطق الهزيمة العسكرية أمام الجيش العراقي؛ ليشكل فرصة هامة لإعادة ترتيب علاقات القوة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

الخاتمة :

          لقد أخذت السياسة الخارجية الإيرانية، طابعاً شمولياً وكونياً، في إطار نظرية ثيوقراطية إسلامية تستهدف التمهيد لظهور دولة (ولاية الفقيه)، لإحقاق العدل والسلم والأمن، وهذا يعني: رفض الأنظمة الوضعية الدستورية المدنية، بوصفها غير شرعية، مما يوجب على المسلمين شن الحروب لتقويض الجمهوريات والممالك والإمارات، والإعلان عن تأسيس الجمهوريات الإسلامية التابعة لدولة ولاية الفقيه في إيران.

          ولتحقيق الأهداف الإستراتيجية الإيرانية، يفترض تغيير النظام المعاصر للعلاقات الدولية، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني: أن إيران مضطرة لاتباع سياسة خارجية تتصادم، وتتقاطع آيديولوجياً وإستراتيجياً مع العالمين الاشتراكي والرأسمالي، عبر شرعنة الحروب، والعنف المسلح؛ لتحقيق المقاصد والأهداف المتوخاة، لإعلان ظهور الجمهورية الإسلامية العالمية التي يقودها الإمام المهدي. وتأخذ نظرية الحرب في الآيديولوجية الإيرانية، معنى جهادياً راديكالياً، لتبرير مواجهة الظلم والطغيان السياسي والاقتصادي لإعادة تقسيم العالم وفق منظور ثيوقراطي مذهبي إقصائي متطرف.

            ومن المؤكد، أن الحرب والعنف المسلح، لن يكون الأداة الجذرية لإعادة صياغة المضمون الحضاري للعلاقات الدولية، بل وعلى العكس، سيقود سباق التسلح الإقليمي والحروب لتكريس أشكال جديدة من الأزمات والتطرف، وتنامي ظاهرة الإرهاب، والتمييز الديني والمذهبي مما يعمق التعسف والعنصرية والاستبداد. لذا يبدو أن مستقبل إيران يرتبطُ بالعمل على بناء دولة مدنية، غير ثيوقراطية، تمثل وفاقاً قومياً بين الأديان والقوميات والثقافات المكونة للجمهورية الإيرانية، على أن يكون الرئيس رمزاً للوحدة الوطنية، وليس مركزاً للسلطة (39)، السياسية، والمذهبية.

            أي بناء دولة دستورية، غير منحازة لمذهب ولجميع الإيرانيين، دولة قادرة على ضمان أمنها الداخلي والخارجي، عبر تحقيق العدل الاجتماعي، والمساواة الدينية والمذهبية، وازدهار الحريات السياسية والاقتصادية والدينية، دولة تنتهج سياسة خارجية تستمدّ مبادئها من التاريخ والجيوبوليتك، وتحترم تقاليد التوازن والتعاون مع دول الجوار الجغرافي، وتؤمن بحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

الهوامش والمصادر :

  • روح الله روحاني، سياسة إيران الخارجية، البصرة، مركز دراسات الخليج العربي، 1984م، ص 474.
  • التمامية الإسلامية (السلفية) Integrisme: تعني التمسك بتمام الدين كنظام ورفض مظاهر التحديث والتطور الاجتماعي، فكل حداثة ضلالة، حسب اعتقاد التيارات السلفية.
  • Bechir Boumaza, Ni émir ni ayatollah, Paris, Cana, 1984, p. 118.
  • خطاب الإمام آية الله روح الله خميني، عند إعلانه قبول إيران لقرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598، الصادر في 18 تموز 1988م، في: صحيفة الوطن، الكويت، 21 تموز 1988م، ص 18.
  • Freidoune Sahebjam, L’Iran des Pahlavis, Paris, Berger-Levrault, 1966.
  • Paul Balta et C. Ruleau, L’Iran insurgé, Paris, Sindbad, 1979, p. 267.
  • Hellène Carrère D’Encausse, « L’URSS et la guerre du Golfe », in : Politique Internationale, No. 15, Printemps, 1982, p. 193.
  • Fatemeh Ghadimipour, « Les relations régionales de l’Iran avec les pays non-arabes », in : Politique Etrangère, No. 2, 1976, p. 150.
  • Bechir Boumaza, Ni émir ni ayatollah, cit., p. 281.
  • Paul Balta, « La politique de l’Iran : De la Monarchie à la République islamique », in:  Quelle Securit Pour le Golfe ? Paris, ifri, 1984, p. 49.
  • Paul Balta et C. Ruleau, L’Iran insurgé, Op.cit., p. 281.
  • Le Monde, 11-12 mars 1979.
  • Simon Jargy, L’Orient déchiré, Genève, Labor et Fides, 1984, p. 219 et 223.
  • K. Ramazani, Khomeini’s Islam in Iran’s Foreign Policy, London, Cambridge University Press, 1983, p. 18.
  • انظر حديث علي خامنئي (رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية) والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، للإطلاع على توضيحات تتعلق بمفهوم ونظرية ولاية الفقيه، في: صحيفة الجمهورية، بغداد، 24 كانون الثاني 1988م، ص 11.
  • K. Ramazani, Khomeiny’s Islam in Iran’s Foreign Policy, Op.cit., p. 19.
  • Paul Balta, « La politique de l’Iran : De la Monarchie à la République islamique », Op.cit., p. 53-54. Et Simon Jargy, L’Orient déchiré, Op.cit., p. 224. Et Ali Khomeiny, Principes politiques, philosophiques, sociaux et religieux, Pris, Libres-Hallier,1979, et Ali Khomeiny, Pour un Gouvernement Islamique, Paris, Fayolle, 1979.
  • Olivier Roy, « Islamisme et Nationalisme », in : Le Monde, 24 avril 1987, p. 3.
  • K. Ramazani, Khomeiny’s Islam in Iran’s Foreign Policy, Op.cit., p. 20-21.
  • , p. 21.
  • , p. 21.
  • Olivier Roy, « Islamisme et Nationalisme », Op.cit., p. 3.
  • تي. كويلر يونغ، بروفيسور في جامعة برينستون الأمريكية، في: صحيفة الوطن، الكويت، 1 تموز 1988، ص 12.
  • لجنة العشرة“: تضم رئيس الوزراء الإيراني، ووزير الخارجية، ووزير الاقتصاد، ووزير البترول، إضافة لشخصيات برلمانية أخرى.
  • Ali Reza Moayeri, « Une politique d’ouverture à l’égard de l’Afrique », in : Jeune Afrique, 18 mars 1988, p. 76.
  • يؤكد النائب الأول لرئيس الوزراء الإيراني، على قطع إيران لعلاقاتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والتجارية مع إسرائيل وجنوب إفريقيا، على الرغم من وجود استثمارات إيرانية، منذ عهد الشاه، في جنوب إفريقيا.
  • اتبعت إيران دبلوماسية التدخل في الشؤون الداخلية للدول في إطار استراتيجية تصدير الثورة، ومن الأمثلة البارزة لأثارة إيران للأزمات والنزاعات والحروب: حرب الخليج الأولى، أحداث مكة، دعم الأحزاب والتنظيمات الشيعية في الحرب الأهلية اللبنانية، تكوين تنظيمات عسكرية شيعية في البحرين ومصر وتونس والسودان والسنغال ونيجيريا وإثارة الصراعات والأزمات الطائفية في باكستان وأفغانستان والهند وماليزيا واندونيسيا وفي العديد من البلدان الإسلامية والأوربية.
  • السيد الرئيس صدام حسين، من حديث في اجتماع لمجلس الوزراء، 14 آب 1988م.
  • ليونيد ايڤانوڤيتش ميدڤيدكو، ” أزمة الشرق الأوسط وحرب الخليج”، في: صحيفة الأنباء، الكويت، 7 تشرين الثاني 1987م، ص 3.
  • صحيفة الواشنطن بوست: أكدت احتلال إيران عام 1986م للمرتبة الثانية في تصدير النفط للولايات المتحدة الأمريكية، حيث قدرت قيمة المبيعات بـ مليار دولار، في: صحيفة الأنباء، الكويت، 7 تشرين الثاني 1987م، ص 12.
  • كلود جوليان، في: صحيفة لوموند ديبلوماتيك، (نص) مترجم في: مجلة الطليعة العربية، باريس، 19 تشرين الأول 1987م، ص 12.
  • صحيفة نيويورك تايمز، (نص) مترجم في: صحيفة الرأي العام، الكويت، 8 تموز 1988م.
  • جان كيراس، “التجريبيون في إيران يختارون السلام مع العراق لإنقاذ سلطتهم”، في: صحيفة لوموند، منقول عن صحيفة الوطن، الكويت، 1 تموز 1988م، ص 10.
  • صحيفة لوموند، باريس، منقول عن صحيفة الوطن، الكويت، 26 تموز 1988م.
  • خلال هذه الفترة، قامت إيران بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، وحسنت من علاقاتها مع بريطانيا وبدأت في مناقشة استئناف العلاقات الدبلوماسية مع كندا، في: صحيفة لوموند، باريس، منقول عن صحيفة الوطن، الكويت، 5 تموز 1988م، ص 19.
  • الفايننشال تايمز، منقول عن صحيفة الوطن الكويتية، 5 تموز 1988م، ص 15.
  • هنري كيسنجر، “حان الوقت لبدء حوار مع إيران”، في: صحيفة نيوزويك، منقول عن صحيفة الأنباء، الكويت، 13 تموز 1988م، ص 21.
  • أشار الرئيس الإيراني علي خامنئي، في رسالته الموجهة للأمين العام للأمم المتحدة، خافيير بيريز دي كويلار Javier Pérez de Cuéllar، التي تضمنت قبول إيران لقرار مجلس الأمن المرقم 598، إلى دخول دول أخرى في الحرب ومقتل 290 مواطننا إيرانياً من خلال اسقاط الطائرة الإيرانية من قبل السفن الحربية الأمريكية في الخليج العربي. منقول عن صحيفة الأنباء، الكويت، 19 تموز 1988م، ص 27.
  • Hochang Nahavandi, « Iran : soviétisation ou libération ? », in : Politique internationale, No. 19, printemps. 1983, p. 90.

________

المعلومات الواردة تعبر  عن رأي كاتبها و لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

 

Print Friendly, PDF & Email