إن التفاعلات ذات الصلة بعملية التحول الديمقراطي في أفريقيا، لا تنشأ من فراغ، وإنما تحدث وفقاً لعملية نظامية تبدأ من البيئة السياسية المحيطة سواء كان ذلك على المستوى الوطني/ الداخلي، أو على المستوى الإقليمي والدولي/ الخارجي، وذلك من خلال تنامي مجموعة من الضغوط من الفاعلين على هذين المستويين، وفقاً لتصورات بمطالبات ومناشدات للإصلاح السياسي من خلال التحول الديمقراطي، بناءً على قواعد ونظم عمل وسياسات وآليات، تتبعها أنماط سلوك مناسبة من جانب الأنظمة الحاكمة والقوى والتنظيمات السياسية، على المستويين الرسمي (الحكومي) وغير الرسمي (غير الحكومي)، من أجل الوصول إلى تحول ديمقراطي حقيقي.
أولاً. التغييرات الدستورية والإجرائية الأفريقية
لقد مثلت التحركات التي قامت بها الدول الأفريقية نحو إجراء تغييرات أو تعديلات دستورية مرحلة مهمة من مراحل التطور الدستوري، يمكن تناول بعض جوانبها كالتالي:
1. الرابطة بين الإصلاح السياسي والمراجعة الدستورية
إن بداية التناول لعملية الإصلاح السياسي ترتبط بالمراجعة الدستورية للدستور القائم، وفي هذا الصدد ينبغي الإجابة على التساؤل الآتي: هل الدستور القائم يتوافق ويتواكب مع دوافع وأهداف وقدرات الدولة على تطبيق الإصلاح السياسي؟ ومعنى هذا أن طرح التساؤل السابق يركز من حيث المبدأ على محاولة إضفاء الطابع الدستوري Constitutionalization على عملية الانتقال الإصلاحي، أو الربط بين الإصلاح الدستوري والإصلاح السياسي. ولكن هل يمكن أن يترتب على إجراء تلك العملية أن يتواكب معها بالفعل الإصلاح السياسي؟
وإثارة مثل تلك التساؤلات ليس لمجرد الاطمئنان إلى مدى العلاقة بين العمليتين الدستورية والسياسية، وإنما يتجاوز الأمر ذلك إلى محاولة استكشاف الإمكانات الكامنة في الحلول الدستورية للخروج من نظام سياسي يتسم بقدر من عدم المشروعية القانونية، وعدم الشرعية السياسية إلي نظام سياسي آخر،‏ يرتجى منه أن يكون مشروعاً قانونياً Legality وشرعياً Legitimacy‏ سياسياً،‏ وخصوصا فيما يتعلق بسلطة الحاكمين في ظل النظام السياسي المزمع الخروج منه.‏ وهكذا فإن الهدف الأساس من التعامل مع عملية الإصلاح الدستوري هو تقديم إطار تحليلي لميكانيزمات العملية الدستورية التي تتيح الخروج وتواكبه من سياق غير إصلاحي سلطويAuthoritarian Context‏ إلى نظام إصلاحي سواء بالانتقال نحو الديمقراطية أو بالانتقال نحو المشروعية القانونية/ الشرعية السياسية.
إن إحدي المكاسب التي قد تتحقق من خيار الإصلاح الدستوري تتمثل في التمكن من دراسة تكلفة التغييرات والتعديلات الدستورية في السياقات الانتقالية‏،‏ وكيفية اللجوء إلي حلول متنوعة‏،‏ لتحقيق الانتقالات السياسية والدستورية بأقل كلفة‏،‏ كما هو الأمر في الحالات الأفريقية المختلفة‏.‏ وكيف تجري ترجمة جدلية الإصلاح على المستوي الدستوري في السياقات الانتقالية‏.‏ إن بعض عناصر الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن تقديمها من خلال محاولة تحديد قضايا ومشكلات عمليات إعادة البناء والإصلاحات الدستورية أو ما يمكن تسميته بالهندسة الدستورية Constitutional Engineering.
وفي إطار التناول لبعض الجوانب المتعلقة بالتعديلات والتغييرات الدستورية ذات الصلة بالتحولات الديمقراطية في أفريقيا، يمكن التركيز على ما يلي:
أ.‏ القضايا الدستورية في سياق التحول الديمقراطي‏
إن الدستور في أحد معانيه ليس مجرد مجموعة من القواعد القانونية والنصوص الدستورية التي تصمم وتصاغ من أجل استيفاء الجوانب الشكلية لمنظومة النظام السياسي في دولة ما، وإنما يتجاوز الدستور وضعه هذا إلى كونه منهاج العمل والدليل المرشد لإدارة أمور الدولة وتسييرها في مناحي العمل ومجالات التعاون المختلفة.
بمعنى أن الدستور يعد الأيديولوجية الخاصة بكل دولة، والتي تتضمن إطارين رئيسين ومتكاملين، أحدهما فكري ويعني التصورات النظرية حول وضع الدولة داخلياً (سيادة الدولة وسلطتها الوطنية، الإقليم الوطني، المواطَنة)، وإقليمياً (الدولة في محيطها الإقليمي)، ودولياً (الدولة في محيطها الدولي)، وطبيعة العلاقات والتفاعلات الداخلية والخارجية، وطبيعة الأهداف والمصالح التي تسعى الدولة إلى تحقيقها من وراء علاقاتها المتنوعة، والمبادئ ومنظومة القيم التي تحكم سياسات السلطات الحاكمة والمؤسسات العاملة، وأنماط سلوكها وممارستها تجاه الحقوق والحريات والواجبات والالتزامات لأفراد الشعب (فرادى وجماعات)، والكيفية التي يتم بها التوظيف والاستثمار للموارد والقدرات والإمكانات في تلك الدولة وفي الدفاع عنها وحمايتها، والكيفية التي بموجبها، تجري متابعة ومراجعة تقييم أداء مؤسسات الدولة وأجهزتها والعلاقات فيما بينها، ومراقبة الممارسين للسلطة والخاضعين لها ومحاسبتهم، والعلاقة بين الدستور وغيره من القوانين والأعراف المرعية داخل المجتمع، والكيفية التي بموجبها يمكن إحداث تعديلات أو تغييرات دستورية مستقبلية.
أما الإطار الحركي ذا الصلة بالدستور فيتمثل في كيفية تفعيله ووضعه موضع التطبيق والتنفيذ الفعلي، ولذلك تجتهد الأنظمة الحاكمة الرشيدة في إعمال النصوص الدستورية، والسير بمقتضاها، ويعد عدم التزام الأنظمة بذلك خروجاً على دساتيرها، ولذلك تدمغ القرارات والسياسات المتخذة وأنماط السلوك والممارسات والأعمال التي أقدمت عليها بعدم دستوريتها.
‏ب.‏ التغييرات الدستورية في سياق التحول الديمقراطي:
يبدو أن الاهتمام الجديد بالدستورية Constitutionalism والديمقراطية في إعادة صياغة الدساتيرِ وصناعتها في أفريقيا، تزامن مع حالة الرضا والقبول الجماعي للتطورات التي اقترنت بفناءَ التفرقة العنصريةِ في جنوبِ أفريقيا، وانهيار عِدّة أنظمة استبدادية ودكتاتوريات عسكرية في أجزاء أخرى مِنْ أفريقيا (إثيوبيا، الصومال، ليبيريا،…)، ومقدمة الحكمِ الديمقراطيِ أنظمة في العديد مِنْ البلدانِ في أنحاء القارةِ كافة، تَضاءلَ ويَفْسحُ المجال لوجهة نظر واقعية، وأكثر حذراً مِنْ الفرصِ التي يمكن أن تتيحها الديمقراطية، وأيضاً التهديدات التي يمكن أن تترتب على الإخفاق في توظيفها واستثمارها في هذا الجزء من العالمِ؛ لا سيما أن الحركات المناصرة للديمقراطية في أفريقيا تُواصلُ مُوَاجَهَة قيودِ هائلةِ موروثة فَرضتْ عليها مِن الأنظمة الحاكمة الاستبدادية والدكتاتوريات العسكريةِ، وسوء الإدارة الاقتصادية لعقود من السنين، والتضييق على منظمات المجتمع المدني، واتساع فجوة الفراغ السياسي بين النخب والصفوات الحاكمة ومواطنيهم، والتسييس العنيف للتعدديات (العرقيةِ، الإثنية، الدينية، الإقليمية…) الذي أفضى إلى النزاعاتَ والصراعات والحروب الأهلية العَنيفةَ وحالات الإبادة الجماعية بالإضافة إلى العوائق المهمة المتصلة بمشكلات التنمية والنمو والتطوير الاقتصادي عُموماً، كما يقع على كاهل تلك الحركات بث الثقة والمصداقية في الديمقراطية مقدمة للتغيير السياسي، وأيضا تعميق وترسيخ الأهداف والمبادئ والمؤسسات الديمقراطية.
يفترض عند الشروع في وضع دستور جديد أو إحداث تغييرات أو تعديلات على دستور قائم أن تكون هناك هيئة أو جمعية تأسيسية‏،‏ تكون المرجعية الرئيسة في كل ما يتعلق بالتوجهات وبالتحركات ذات الطابع الدستوري، أو أن تهيئ الظروف المناسبة للتعبير عن القبول أو الرفض لمشروع الدستور المقترح عبر الطرق الاستفتائية، أو من خلال مناقشته داخل البرلمانات من جانب ممثلي الشعب بداخله، أو غيرها من الطرق.
إذن فعملية تَصميم القواعدِ القانونية / الدستورية وصناعتها لحُكْم المجتمعِ على درجة كبيرة من الأهمية لضمان الحكم الرشيد والناجح. وما لم يحدث ذلك بطريقة تشاركيةُ وشاملةُ Participatory and Inclusive Constitution Making (أقاليم، ومنظمات، وأفراد، ومجموعات، وجماعات)، ويترتب عليها سياسات ومؤسسات تتسم بالطابع الديمقراطي Institutionalization of Democracy تنظيماً وسلوكاً، مع تأَكّيدْ حقوقَ الأفراد والحد من السلطاتَ الحكوميةَ، ويكون هناك التزام وضمان احترام الفصل بين السلطات، والانتخابات الدورية (العادلة والتنافسية)، وحكم القانون، واستقلال سلطةِ القضائية، والحقّ في الملكيةِ الخاصّةِ. فإن تلك المساعي والجهود التي ستبذل في هذا المجال سَتخفقُ في إنْتاج القواعدِ القانونية/ الدستورية الضرورية ذات العلاقة بحياةِ الشعوب، وستظل تلك الشعوب تنظر لمثل هذه القوانينِ والدساتير والمؤسساتِ الناتجة عنها تحقيقاً لمطالب أجنبية صمّمَت لاستغلالهم وتَهميشهم.
ثانياً: التغييرات الدستورية الأفريقية
على الرغم من الطابع الخاص لكل سياق انتقالي داخل كل دولة أفريقية والذي يمكن أن تؤدي إلى اكتشاف مجموعة من الأهداف والمصالح التي يعلقها الفاعلون السياسيون على صياغة القواعد الدستورية‏ وتعديلها،‏ فإن جانباً من هذا يرتبط بالعقلانية القانونية ‏Legal Rationalization‏ بمعنى إضفاء الرشد القانوني على العديد من القوانين، وعلى رأسها دستور الدولة، وفي هذا الصدد قد تتخذ الدول أشكالا مختلفة حسب طبيعة السياق السابق على الانتقال نحو الإصلاح السياسي؛ ففي سياق سلطوي حديث مثلاً يتخذ هذا الوضع شكل تقليص مساحة الاستبداد ‏Arbitrary‏ المرتبط بالقيادة الفردية‏،‏ وبشخصنة السلطة‏،‏ وبضعف التمايز بين المؤسسات والحاكمين‏،‏ وبالأشكال المختلفة من الميراثية ‏Patrimanialism‏ والرئاسية‏،‏ كما في حالة الكونغو الديمقراطية على سبيل المثال‏.‏ وقد تتخذ العقلانية القانونية الشكل المتمثل في فك الارتباط بين الحزب والحد والدولة‏،‏ وتحسين القدرات للنظام السياسي‏،‏ وتندرج حالات مثل تنزانيا والسنغال وكينيا وإثيوبيا في هذا الإطار‏.
ومن ثم فإن منطق الهندسة الدستورية المواكبة للانتقالات الديمقراطية مبني على إعادة ترسيم التوازنات التي يتوصل إليها في السياق الانتقالي والتقليص من حالة عدم اليقين‏’Uncertainty‏ الذي يرافقه‏،‏ على ضوء ذلك يمكن فهم القرار الواعي للنخب أطراف الانتقال بالاتفاق حول قواعد دنيا‏،‏ وإضفاء الدستورية على عملية التحولات بحسبانها جزءاً من مرحلة التثبيت ‏Consolidation Phase‏ التي تتسم بتعلم قواعد العمل السياسي وتمثلها وقبولها في إطار نظام دستوري إصلاحي/ ديمقراطي‏.
ويمكن الإشارة إلى تجارب بعض الدول الأفريقية سواء فيما يتعلق بالتغييرات أو بالتعديلات الدستورية المواكبة لعملية التحولات الديمقراطية كالتالي
1. التغييرات والتعديلات الدستورية في كينيا
تعد كينيا واحدة من الدول التي أدخلت العديد من التغييرات والتعديلات على دستور الاستقلال، ففي 12 ديسمبر 1964، كان استصدار ما يعرف بالدستور الجمهوري وكان أكثر اختصارا عن سابقه، ولم يلبث أن عُدِّل هذا الدستور، في ديسمبر 1966، وبموجب التعديل دُمج المجلسان، مجلس النواب ومجلس الشيوخ في مجلس واحد، وهو الجمعية الوطنية. وفي إبريل 1969، اتخذت الجمعية الوطنية قرارا بتعديل 128 قسما من الدستور وتضمين نصوص جديدة عديدة، وأن كانت التغيرات التي حدثت لم تكن على درجة من الأهمية، وظل هذا الدستور معمولا به حتى عام 1979، وقد شهدت أعوام 1983، و1986 و1988، و1991 استصدار دساتير جديدة، كما شهد عام 1992 استصدار دستور جديد للبلاد في محاولة لإضفاء قدر من الإصلاحات السياسية على البلاد وفي عام 1997 استصدر دستور آخر. وفي عام 1998 صدر الدستور المعمول به حتى الوقت الحاضر.
لقد كان التغيير الذي طرأ على دستور كينيا لعام 1991 ليس فقطممهّداً الطريق لبداية الأخذ بنظام رسمي انتخابييقوم على تعدّد الأحزاب في عام 1992، لَكنَّه وَضعَ الأساس أيضاً لعملية إصلاح دستوري شاملةِA Comprehensive Constitutional Reform Processففي الوقت الذي لم يكن في كينيا قبل هذا التغيير سوى حزب سياسي واحدفقط وهو إتحاد كينيا الأفريقي الوطني (كانوThe Kenya African National Union (KANU)ومع التطبيق لنظام التعددية الحزبية في عام 1992، كان هناك أكثر مِنْ ثمانية أحزاب سياسية قَدْ سُجّلتْ رسمياً لخوض الانتخابات التنافسية، وقد تزايد العددِ إلى 27 حزباً في عام 1997.
إن الدستور الصادر في عام 1998 يتشابه إلى حد كبير مع دستور عام 1992، سواء من حيث الشكل أو المضمون فكلاهما مقسم إلى أحد عشر فصلاً، وكلاهما يتكون من مائة وسبعة وعشرين مادة، وكلاهما يركز على وضع الدولة أنها جمهورية ذات سيادة، وعلى السلطة التنفيذية، وعلى البرلمان، وعلى القضاء، وعلى المواطن، وعلى الحقوق والحريات للأفراد، وعلى ميزانية الدولة والخدمة المدنية والأراضي والعموميات، وعلى المرحلة الانتقالية.
2. التغييرات والتعديلات الدستورية في ليبريا
إن التعديلات الدستورية كانت على رأس أولويات العمل السياسي، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، كما كانت خطوة لعودة الشرعية الدستورية إلى ليبيريا، لاسيما أن هناك العديد من المقدمات والمعطيات التي تشاهد في الوقت الراهن، وتعزز من الاقتناع بصحة هذا التوجه وسلامته، والذي إن نجح سيمثل سابقة محمودة في مجالات إيجاد تسويات سلمية وعملية للحروب والصراعات والنزاعات وفي مجالات بناء السلام، وإعادة البناء للعديد من الدول المتضررة بتلك الحروب والصراعات والنزاعات في القارة الأفريقية.
لقد استقر الرأي عند القوى الوطنية الليبيرية المختلفة على ضرورة الإبقاء على الدستور الوطني الصادر في عام1986. وتجدر الإشارة إلى أن ليبريا كانت قد استبدلت دستور 1986 بدستورها الصادر في عام 1847، والذي علّق العمل بموجبه في 12 أبريل 1980، بعد الانقلاب الذي أطاح بنظام الحكم الذي كان يرأسه في ذلك الحين وليام تولبرت Tolbert. وبدأ العمل في الإعداد لدستور جديد في 12 أبريل1981. وأكملت لجنة الدستور الوطنية عملها في ديسمبر 1982، وقدّمت مسوّدة الدستور في مارس 1983؛ وبعد ذلك، طرحت مسوّدة الدستور للنقاش العامّ، ثم شكلت لجنة استشارية دستورية عدد أعضائها 59 لمراجعة مسوّدة الدستور، وأكملت اللجنة عملها في 19 أكتوبر1983.
وفي 3 يوليه 1984، طرح الدستور الجديد للاستفتاء الوطني العام، وكان التصدّيق عليه في6 يناير 1986، ودخل حيّز التنفيذ منذ ذلك التاريخ.
وإذا كان هذا الدستور ليس وليد المرحلة الراهنة إذ إنه صدر عام 1986، فإنه ليس هناك ما يمنع من الالتزام به من جانب أية حكومة تأتي إلى حكم البلاد، طالما كان صالحاً لذلك، ثم إن المرونة التي تتمتع بها الكثير من الدساتير في الوقت الراهن تجعل هناك إمكاناً لإدخال أية تعديلات ترى الحكومات أنها ضرورية كل في حينها. ومعنى هذا أن النظام الحاكم الذي سيتولى الحكم في ليبيريا يدعمه دستور جرى العمل بموجبه من قبل، وهو الأمر الذي يساعد في سرعة العودة للشرعية الدستورية.
3. التغييرات والتعديلات الدستورية في أوغندا
أما عن الدستور الأوغندي المعمول به في الدولة، فالجدير بالذكر أنه سبق للحكومة والبرلمان الاتفاق على تشكيل لجنة خبراء لمراجعة الدستور، وتقديم توصيات بشأن تعديله، وخلال عام 2005، أعلنت اللجنة تقريرها، وقدمت توصيات خاصة بالفترة الانتقالية التي يجري فيها التعديل، وتسبق الموعد المقرر لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كان مقرراً انعقادها في مارس 2006. وفي 21 سبتمبر 2005، أعلن وزير العدل والشؤون الدستورية رأي الحكومة في بيان أوضح فيه اتفاق الحكومة مع التوصيات بعامة، وأن الاختلاف يتركز حول موضوعين أساسيين أولهما إجراءات النص على التحول لمرحلة الحزبية التنافسية الكاملة في إطار ديمقراطي. وثانيهما يتعلق بإجراءات تعديل النص الخاص بمدد ولاية رئيس الجمهورية التي ينص عليها الدستور الحالي بفترتين متتاليتين فقط، والمقترح المطروح هو تعديلها إلى مدد متتالية بدون قيد زمني.
وكانت توصيات لجنة مراجعة الدستور تشير إلى أن الاستفتاء العام هو الأداة الدستورية للحصول على الموافقة الشعبية بشأن إقرار التحول الديمقراطي للحزبية التنافسية الكاملة، وإقرار تعديل النص الدستوري الخاص بمدد ولاية رئيس الجمهورية، ولكن الحكومة أعلنت أن أغلبية الثلثين في البرلمان الأوغندي كافية لإقرار تعديل مدد ولاية الرئيس، وأن الاستفتاء الشعبي هو وسيلة إقرار الحياة الحزبية التنافسية على أن تحتفظ الحكومة بحق صياغة سؤال الاستفتاء وتحديد موعده، وأنها لن تفصح عن الصيغة التي ستطرحها في الاستفتاء. وهذا النقاش العام أثار ضجة كبرى بين الأحزاب على جانبي الحكومة والمعارضة، كما أنه استدعى الدول المانحة لإبداء رأيها علانية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وأيضا أبدى عدد من المستثمرين الرأي، وفي مقدمتهم المؤسسات المالية الدولية، ويجمع الأطراف الخارجية على ضرورة إقرار الحياة الحزبية الكاملة والتحول الديمقراطي الكامل، وعدم تعديل النص الخاص بمدد ولاية رئيس الجمهورية والاكتفاء بمدتين متتاليتين فقط، كما هو منصوص عليه، وموقف الأطراف الأجنبية هو موقف قوي، فالدول المانحة تدفع نقدا نصف ميزانية أوغندا السنوية، وهي تهدد بإنقاص أو إبطاء سداد المعونات المقدمة من الخارج، كما أنها تتحدث عن الفساد وسوء توزيع الميزانية.
وعلى مستوى المؤيدين للرئيس يوري موسيفيني تصاعدت المظاهرات التي خرجت يوم 31 مارس 2005 بالعاصمة كمبالا للمطالبة بتعديل الدستور لإلغاء القيود المفروضة على عدد فترات الرئاسة؛ للسماحببقاء يوري موسيفيني في السلطة، بدلا من تنحيه في مارس 2006 وفق ما ينص عليه دستورالبلاد. ومن ثم فإن السلطة التنفيذية في أوغندا تواجه واحدا من أهم التحديات الصعبة، وتتمثل في مطالبتها بضرورة إجراء تعديل دستوري يتيح لرئيس الجمهورية التقدم للترشيح لأي عدد من المدد الرئاسية، في حين أن المطالبات الشعبية / الوطنية والدولية تعارض أي تعديل في هذا الشأن، بمعنى الإبقاء على أن لا تزيد فرصة الرئيس للترشيح لإعادة انتخابه عن مدتين اثنتين فقط، وترى أن التعديل الواجب إجراؤه يكون في اتجاه التحول الديمقراطي، والسماح بالتعددية الحزبية والسياسية والانتخابات التنافسية.
4. التغييرات والتعديلات الدستورية في إثيوبيا
إن التحول الديمقراطي الذي جرى الإعداد له، ومحاولة وضعه موضع التنفيذ في إثيوبيا، قد بدأ مع الجهود الأولى لوضع ميثاق الفترة الانتقالية في أعقاب الإطاحة بالنظام الماركسي السابق وبالتحديد منذ نهاية شهر مايو عام 1991، وقد توالي تنفيذ التصور المتفق عليه بشأن مستقبل إثيوبيا على الرغم من المشكلات الداخلية والإقليمية المتنوعة، وحظي هذا التصور وتنفيذه بدعم الدول المانحة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ففي ميدان الاستقرار الداخلي وبناء نظام الحكم الفيدرالي ظل الشعار المعلن هو التحول الديمقراطي، وجرى إعداد مشروع الدستور الفيدرالي استعدادا للانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 1993، كما أجريت الانتخابات وشكلت الحكومات الإقليمية في أقاليم الدولة الأربعة عشر.
وفي ديسمبر 1993، أعلنت الحكومة عن تصورها للمرحلة الأخيرة من هذه المسيرة، بإعداد مشروع الدستور الدائم، وتحديد النصف الثاني من شهر مايو 1994، موعدا لانتخابات أعضاء الجمعية التأسيسية التي ستناقش المشروع، وتصدر الدستور، على أن يعقب هذا إجراء الانتخابات لاختيار أعضاء البرلمان الاتحادي قبل عام 1994.
كان التصديق على الدستور الدائم للدولة الإثيوبية، في 8 ديسمبر 1994، وخرج إلي حيز النفاذ والعمل بموجبه خلال عام 1995، وتضمنت ديباجته الإشارة إلي التزام الأمم والقوميات والشعوب الإثيوبية بالممارسة الكاملة والحرة لحقهم في تقرير المصير وبناء مجتمع سياسي يقوم على حكم القانون، وقادر على ضمان السلام الدائم ونظام ديمقراطي وتقدم اقتصادي وتنمية اجتماعية، وأنه من أجل تحقيق هذا الهدف فإنه ينبغي الاحترام الكامل للحريات الأساسية للأفراد والشعوب، وحقوق الحياة معا على أسس من المساواة وبدون أي تمييز ديني أو ثقافي… وغير ذلك.
ثالثاً. التعددية السياسية في أفريقيا
يرى المدافعون عن التعددية السياسية في الدول الليبرالية التقليدية، أن أهم ما يمكن أن يسم الأنظمة السياسية في الدول المعاصرة هو وجود تلك التعددية، والتي تتجسد أساساً في وجود الأنظمة الحزبية سواء كانت ثنائية أو متعددة، وأن هذه التعددية السياسية/ الحزبية هي التي تعطي الفعالية/ الدينامية للنظام السياسي وعلى مستوى مؤسساته المختلفة، حيث أنها تكون قادرة على إحداث توازن ولو نسبي مع الأنظمة الحاكمة، من خلال كونها أداة تأثير واحتجاج على أنماط لسلوكها، فضلاً عن كونها جماعة مصلحة وضغط، تسعى للوصول إلى السلطة. وفي إطار التناول لهذا الموضوع ستكون الإشارة إلى بعض الجوانب ذات الصلة كالتالي:
1. ظاهرة التعددية الحزبية
أ. الجدلية بين الديمقراطية غير الحزبية والتعددية الحزبية في أفريقيا
يُعد الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني واحداً من المدافعين عن فكرة “الديمقراطية غير الحزبية”. بدعوى أنّ النظام الذي تتبناه حركة المقاومة الوطنية National Resistance Movement (NRM) التي يقودها وتسير وفقاً له، هو نظام يَضْمنَ التطبيق الفعلي للدّيمقراطية ويضمن تَجَنُّبَ المخاطرِ المُدرَكةِ من وراء التعددية الحزبية/ السياسية Multiparty. وهذا النّظامِ علاوة على ذلك يضمن تحقيق الأهدافِ الأخرى المتعلقةِ بالحِفاظِ على والاَرتْقِاء بالوحدةِ الوطنيةِ وبالاستقرار الوطني؛ وذلك بتصنيفها حركة صافية الفكر وذات أهدافِ محددة وواضحةِ، وتضم في عضويتها العناصر والكوادر الجيدةِ“Clear-Headed Movement with Clear Objectives and Good Membership.”، فهي من ثَمّ البديل المناسب للتنظيمات والأحزاب السياسية، القادرة على إدارة الدولة وقيادتها، وذلك بمنأى عن النزاعات والصراعات التي تتسبب قيها مثل تلك التنظيمات، سواء فيما بينها وبين النظام الحاكم، أو فيما بينها وبين بعضها البعض، أو حتى فيما بين أعضائها والمنتسبين والموالين داخل كل منها، وهو الأمر الذي تنعكس تأثيراته السالبة على بقاء الأمة ووحدتها وتماسككها لاسيما في ظل وجود مجتمعات تعاني أساساً من التعدديات المختلفة (العرقية والإثنية والإقليمية والقبلية وغيرها)، وأن هذه التنظيمات والأحزاب ستتأسس وفقاً لتلك التعدديات، وستكون انتماءاتها وولاءاتها لها.
ويرى البعض أن الديمقراطيةِ الحزبِية تَتطلّبُ وجود مجتمعَ مدنيَ، قَدْ وَصلَ إلى مرحلة سياسيةِ من التَّطَوّر والنضج، بحيث يكون قادراً على أداء دور مستقل، ولا تَخْدعُ تنظيماته ومؤسساته بالوعود العقيمة من قِبل السّياسيين، وأن تتمتع تلك التنظيمات والمؤسسات بالقدرة على الانضَباطَ، وأن لا تَلْجأُ إِلى العنفِ، أو إلى أي طرق أخرِى لا تؤدي إِلى السّلامِ أو الانسجام Peace or Harmony داخل النظام السياسي.
ب.التعددية الحزبية كبديل للأحادية الحزبية
تعد كثرة الأحزاب السياسية وتكتلها واحدة من مثالب النظم السلطوية في أفريقيا. فالحزب السياسي بطبيعة الحال يضم مجموعة من الأفراد في إطار المنافسة السياسية على الموارد في المجتمع في النظم السياسية الديمقراطية، عندما تجرى انتخابات، يشكل الحزب الفائز الحكومة، فيصبح من حقه استخدام قوة الدولة سلطوياً لتخصيص الموارد على نحو يحقق مصالح المواطنين في الدولة. ويرى البعض إن الحزب السياسي هو وليد المجتمع الحديث والنظم السياسية المحدثة، وليس فقط المجتمعات الديمقراطية. أي منظمة يطلق عليها اسم “حزب سياسي”، سواء كان في مجتمع حر أو في إطار حكم شمولي، يصبح من مهامه أن ينظم الرأي العام، ويعكس مطالب الشعب لمركز السلطة والقرار السياسي في الحكومة.
فالحزب ينقل إلى أتباعه سياسة الحزب وأهدافه وضروب المصالح التي من المفترض أن يسعى لتحقيقها في حالة حصوله على السلطة. ولكن، لكي يصل الحزب إلى السلطة عن طريق الانتخابات في مجتمع ديمقراطي، لابد له من الحصول على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي.
وطبقاً للقيادات الجديدة من أمثال يوري موسيفيني وميليس زيناوي وأسياس أفورقي ،فإن الأحزابِ السياسية فاسدةُ فساداً كبيراً Preeminent ويتضح ذلك على مستويين:
الأول: أن الأصوات في الانتخابات التنافسية الحزبية، يُمكنُ أَنْ تُشتَري، وقد دأبت الأحزاب في العديد من الدول على فعل ذلك كثيراً.
الثاني: أن رغبةُ الأحزاب وحرصها على شراء أصوات الناخبين، يرجع أساساً إلى أن العديد من الأحزابِ لا تتأسس على قواعد ونظم عمل ومبادئُ قويّة وسليمة، ومن ثم فهي تفتقد البرامج والأهداف الواضحة والمحددة التي يمكن أن تفيد بها حتى الأعضاء المؤسسين والمنتمين إليها، ونتيجةً لذلك، فإن هذه الأحزاب تَفْقدُ شرعيتها، ولا تكون في واقع الأمر ممثلة ولا معبرة عن قطاع أو قاعدة شعبية محددة في المجتمع، وتسمح لنفسها بالدخول في مساومات وتحالفات مشروعة وغير مشروعة من أجل البقاء، وهو ما يترتب عليه حدوث نوع من الفوضى في الممارسة السياسية، وهو يَقُودُ تبعاً لذلك إِلى عدم الاستقرار الحكومي بخاصة وعدم الاستقرار السياسي بعامة.
2. فعالية الأحزاب السياسية
لقد أصبحت الأحزاب السياسية المنشأة حديثاً – مثلها كمثل نظرائها من الأحزاب الوطنية الأخرى – عبارة عن حركات جماعية في شكل تكتلات تتسم بضعف التنظيم، وقصر التوجه والفراغ الأيديولوجي. يضاف إلى ذلك، سيطرة النخبة على هذه الأحزاب، والتدرجية في كسب المؤيدين، والاعتماد الكبير على الحضر قاعدة لهم، من دون اعتماد برامج وسياسات متقنة توضح مشروعاتهم في حال الوصول للسلطة. وعند حصولهم على السلطة – كما حدث في بنين تحت حكم سوجلو، وفى زامبيا تحت حكم شيلوبا، وفى ملاوي تحت حكم مولوزى – تقبلوا الهيكل التنظيمي للدولة كما هو، وواصلوا تنفيذ سياسات من سبقوهم، هذا فضلاً عن اتباعهم لبرامج التكيف الهيكلي التي يعرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، دون طرح نماذج خاصة بهم لتحقيق النمو الاقتصادي. وفى مواجهة الضغوط والتحديات التي تعرضوا لها من قبل الناخبين، لجؤوا إلى تكتيكات تذكر بالحكم السلطوي الذي طالما ادعوا بأنهم قضوا عليه وحلوا محله.
وفى كينيا، حيث حصلت أحزاب المعارضة على غالبية الأصوات، وفشلت في تشكيل حكومة بفعل العقبات الدستورية والانقسامات الحادثة في صفوف المعارضة ذاتها، أخذ المجال السياسي في الانكماش لصالح الحزب الحاكم. كما استمر الحزب الحاكم في استخدام السلطة القمعية للدولة لإبعاد عملية التحول الديمقراطي، رافضاً إصلاح القوانين التي من شأنها توسعة المجال السياسي. ولذلك، حتى عندما كان البرلمان يجيز بعض القوانين التي من شأنها كشف مساوئ التسلط، كان لدى الرئيس صلاحية تأجيل تنفيذ هذه القوانين. وفى هذا الإطار، بدت كينيا وكأنها في مرحلة انتقالية طويلة من النظام المتسلط في ظل نظام التعددية الحزبية إلى شكل من أشكال الديمقراطية لم تتضح طبيعته ولا حدوده بعد.
رابعاً: الانتخابات الدورية التنافسية في أفريقيا
إن تجربة الانتخابات في أفريقيا هي تجربة جديرة بالاهتمام والمتابعة، وإذا كان هذا الموضوع أكبر بكثير من مجرد تناوله في دراسة محدودة كهذه، نظرا لتعدد موضوعاته وتشعب قضاياه والزوايا المختلفة التي يمكن تناوله من خلالها. لذلك فسوف يجري التركيز على بعض الجوانب ذات الصلة، والتي تحيط بالظاهرة الانتخابية في أفريقيا وما يتعلق منها بالانتخابات الرئاسية خاصة، نظراً للطبيعة المهمة والمحورية لهذه الانتخابات في القارة الأفريقية. وسيكون تناول تلك المسألة كالتالي:
1. الظاهرة الانتخابية في أفريقيا
أ. جذور الظاهرة الانتخابية في أفريقيا
تعد الانتخابات بصورتها المعاصرة في أفريقيا مجرد تقليد موروث عن الاستعمار، أو هو تقليد وافد على القارة الأفريقية، سواء كان ذلك خلال الحقبة الاستعمارية، أو فيما بعد الاستقلال، حيث إن النظم السياسية الأفريقية في مرحلة ما قبل الاستعمار لم تكن تعتمد على الانتخابات بالشكل المتعارف عليه حالياً من حيث عمليات التصويت وفكرة الأغلبية والأقلية وغيرها، وإنما كانت لدى تلك النظم تصورات وآليات وممارسات ذات طابع ديمقراطي خاص بها وتستعين به في عمليات التجنيد السياسي وفي الممارسة السياسية، و كانت تتسم بأنها يتأكد بداخلها قيم الحوار والتوافق والجماعية السياسية، وليس التركيز على الفردية والانقسام وفكرة الأغلبية، كما هو الحال في الديمقراطية الغربية.
ولذلك يمكن الإشارة إلى أن الظاهرة الانتخابية في أفريقيا ترجع أصولها التاريخية إلى أوائل القرن العشرين، وعلى سبيل المثال فقد أدخل المبدأ الانتخابي إلى نيجيريا عام 1912، مع صدور دستور كليفوردClifford Constitution. وفي الغالب فقد استغلتها القوى الاستعمارية لإضفاء الشرعية على وجودها الاستعماري في المستعمرات الأفريقية من ناحية، كما أن العملية الانتخابية كانت تقوم بوظيفة انتقائية بموجبها يجري اختيار أو الإبقاء على أكثر العناصر انتماء وولاء للقوى الاستعمارية، وهو الأمر الذي كانت له انعكاسات على عملية الانتخابات فيما بعد الاستعمار، تتمثل على سبيل المثال في سياسات عدم المشاركة السياسية وضيق نطاق التنافس الانتخابي، وشيوع منطق الأبوية الجديدة Neopatrimonialism الذي يجري في إطاره توزيع مغانم السلطة والثروة في الدولة على أساس أنها تعمل ركيزة للتراكم الرأسمالي والسيطرة الاجتماعية.
ب. الظاهرة الانتخابية في أفريقيا بعد الاستقلال
يشير البعض إلى إجراء العديد من الانتخابات في ظل عمليات التحول الديمقراطي التي بدأت كثير من الدول الأفريقية في الأخذ بها منذ انتهاء الحرب الباردة، وكذلك انتهاء الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي لصالح الأخير، ويدللون على ذلك بأن أكثر من 100 انتخاب قد أجريت بالفعل خلال الفترة ما بين عامي 1989 و1994، وأن مثل تلك الانتخابات جرت في بَعْض البلدانِ للمرة الأولى منذ الاستقلال. وأن هذا يعد أمراً على درجة من الأهمية لتفَهْم ديناميكا الحراك السياسي، الذي بدأت الدول الأفريقية تتأثر به منذ تحولها نحو الأخذ بالتحولات الديمقراطية، بالمقارنة بحقبة شيوع الحزب الواحد في ظل الأنظمة الاستبدادية، والتي اتسمت بقدر ضئيل ومحدود من الفاعلية في الحياة السياسية في تلك الدول.
إن طبيعة الانتخابات في مرحلة ما بعد الاستعمار في أفريقيا، تميل نحو الأنموذج غير التنافسي الخاضع لتنظيم الدولة، ففي العديد من الدول الأفريقية مثل توجو وبنين وسيراليون وكينيا وزامبيا وأنجولا والسودان والتي أخذت بنظام الحزب الواحد، كانت الانتخابات تجرى لإضفاء الشرعية على النظم الحاكمة، كما أنه في دول مثل جامبيا وبتسوانا وموريتانيا وزيمبابوي والسنغال فقد ظل نظام الحزب الواحد هو المسيطر على الواقع السياسي في تلك الدول ولسنوات طويلة، وقد شهدت دول أخرى مثل نيجيريا عام 1979، وغانا عامي 1969، 1979، وأوغندا عام 1980 انتخابات تنافسية وقائمة على التعددية الحزبية، وعلى الرغم من كون الانتخابات كانت تجرى على أساس التعددية الحزبية وبطريقة دورية وتنافسية، ولكن لا ينتج عنها أي تغيير يذكر فيما يتعلق بالقيادة والإدارة والنظام، وذلك يرجع للعديد من الأسباب ومنها
(1) الطبيعة الجامدة للنظم الحاكمة ذات الطابع الاستبدادي، حيث أنها لا تعد وسيطا أو فاعلاً اجتماعيا محايدا، وإنما تقوم بانتهاك القواعد، كما تقمع القوى السياسية المناوئة خلال العمليات الانتخابية، ودأبت على التلاعب والتحكم بنتائج الانتخابات.
(2) ظروف البيئة السياسية الدولية: فسياسات الحرب الباردة لم تشدد على مسألة الانتخابات الحقيقية والديمقراطية الأصيلة، وإنما كانت تعطي الأولوية للبحث عن الحلفاء السياسيين في إطار صراع القوة الأيديولوجية، ولذلك كان القادة الأفارقة يتلقون الدعم من المعسكر الشرقي ومن المعسكر الغربي على السواء، كما كانوا يقمعون الثورات السياسية من أجل الانتخابات التعددية بقسوة وبدعم من القوتين العظميين
وتبعاً لما سبق يمكن عد تلك الانتخابات التي كانت تجرى في العديد من الدول الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستقلال وحتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي ذات طابع تعددي قسري، باستثناء موريشيوس التي شهدت تداولاً للسلطة من خلال الانتخابات التنافسية الحزبية. ومنذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي يلاحظ وجود اتجاه عام نحو السياسات التعددية والتنافس الانتخابي القائم على التعدد الحزبي، وبحلول عام 1997 كانت حوالي ثلاثة أرباع الدول الأفريقية خاضعة للحكم الديمقراطي وفقا لمنطق الانتخابات الدورية، وان كان معظمها مشكوكا في محتواها ومضمونها.
2حالات دراسية للانتخابات في أفريقيا جنوب الصحراء
أ. الانتخابات في ليبيريا
معظم المقدمات والمعطيات كانت تشير إلى أنّ انتخابات ليبريا الرئاسية والتشريعية التي جرت في أكتوبر 2005، من يمكن أن تكون شفافة وعادلة ونزيهة. Transparent & Fair وأن تسمح هذه الانتخابات بالخروج بإستراتيجية يسهل تطبّيقها، ويترتب على ذلك استعادة الأمن والاستقرار وعودة الشرعية الدستورية وعمليات إعادة البناء، وأن يرى الممثلون الدوليون سواء من جانب قوات حفظ السلام المدعومة من الأمم المتحدة، أو من جانب الجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا وهم يتركون البلاد خلال عام 2006، بعد إنقاذ ليبريا من استمرار الانهيار الذي ظل يتهددها لسنوات عديدة. إذن ينظر إلى الانتخابات في ليبيريا بحسبانها مقدمة لعملية إعادة بناء طويلة، تتوقف في وضعها موضع التنفيذ الفعلي ونجاحها على مدى ما تتمتع به النخبة الحاكمة القادمة من شرعية سياسية، ومن مدى نجاحها في الإدارة السليمة لاقتصاديات البلاد، وعلى الشركاء الدوليين أن يسهموا في هذا الشأن بإتاحة بيئة أمنة مستمرة ومحققة.
إن التحضير للانتخابات هو خطوة على الطريق الصحيح، وتتطلّب اهتماماً مستمرا وجدّياً. كما أنه من الضروري عودة اللاجئين والأشخاص المشردين داخلياً إلى أوطانهم، وكذلك فإن من الأهمية التعامل الحازم والجاد مع قضايا الحكم والإدارة الاقتصادية والفساد وغيرها من القضايا والمشكلات التي تشغل بال كلّ شخص تقريبا في البلاد، وذلك وفقا لنتائج التحقيقات التي أجريت من قبل إيكواس ECOWAS والمفوضية الأوربية. وجرى اقتراحها وتداولها في المراحل النهائية للمفاوضات مع الحكومة الانتقالية.
ومن المهم الإشارة إلى أن العناصر الرئيسة الثلاثة الضرورية التي ساعدت على دفع ليبريا إلى الأمام في الأجل القصير والمتوسط تتمثل في الانتخابات النظيفة Clean Elections، والارتباط الدولي في الإشراف على تجميع الإيرادات والحكم الاقتصادي  Economic Governanceعموماً، وتعزيز الأمن Maintenance Of Security، وهناك عدّة قضايا مهمة سيكون من الضروري التعامل معها في الأجل الطويل. ومن بينها المواطنة Citizenship، إعادة الاندماج للمقاتلين السابقين Reintegration Of Ex-Combatants، لا مركزية الحكومة Decentralization Of Government، الإصلاح القضائي Judicial Reform، والإصلاح الدستوري Constitutional Reform أيضا من المحتمل استهداف التقليل من سيطرة السلطة التنفيذية Lessening Executive Power،وهذه القضايا يجب أن يتعامل معها بجدية، وبأسرع ما يمكن من جانب الحكومة المنتخبة.
ويمكنها أن تدعو لمؤتمر وطني شامل لمناقشة مثل تلك القضايا ولتقرير الأولويات بين هذه وغيرها، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار دعم الرأي العام لتلك القضايا، ولأي عملية من جانب الحكومة للتغيير. كما أن الحضور الدولي على درجة كبيرة من الأهمية، وخصوصاً في تلك المرحلة المهمة من مراحل التحول في ليبيريا.
ب. الانتخابات الأوغندية
لقد أصبحت مسألة فتح الفضاء السياسي، والسماح بعودة الأحزاب السياسية لممارسة نشاطها التقليدي من المسائل الخلافية والمثيرة للجدل في أوغندا. وقد نظم دستور 1995 هذه المسألة حيث تناولت المادة 74الإجراءاتالواجب إتباعهاللعودة إلى نظام التعددية الحزبية، على أن يجري ذلك من خلالاستفتاء شعبيأو انتخابات عامة، وهذا يعني عدم الانتقائية في تطبيق مواد الدستور، بمعني أناختيارالديمقراطية على أساس التعددية الحزبيةيجبأن يكون وفقاً للقواعد الدستورية القائمة، وهو ما يعني أن فتح الفضاء السياسي يجب أن يخضع لاستفتاء شعبي عام كما نص الدستور أي بعد خمس سنوات من اعتماد الدستور القائم عام 1995.وعلى هذا الأساس أجري الاستفتاء العام الأول في 29 يونيه 2000، حول النظام السياسي الذي يجب أن يحكم البلاد، وكان سؤال الاستفتاء: هو “أي نظام ترغب في أن يتم العمل به في أوغندا نظام الحركة (حركة المقاومة الوطنية) أم التعددية الحزبية؟”، وكانت نتيجة الاستفتاء أنه من بين 51.1% من إجمالي جمهور الناخبين الذين شاركوا بأصواتهم في الاستفتاء فإن 90.7% منهم صوتوا لصالح الاستمرار بنظام الحركة.
والجدير بالذكر أن موسيفيني الذي وصل إلى السلطة عام 1986، انتخب رئيسا للبلاد منذإقرار الدستور عام 1995 في انتخابات عامي 1996 و2001. وقررت أوغندا إجراء استفتاء شعبي في يونيه 2005 على عودة التعددية إلىالبلاد بعد تعليق العمل بها إثر تسلم موسيفيني مقاليد السلطة. وتسلم البرلمانالأوغندي وثيقة رسمية من الحكومة لتنظيم استفتاء بشأن عودة التعددية، يعقبها إجراءانتخابات عامة تجرى ما بين 12 فبراير إلى 12 مارس من عام 2006. كما تسلم البرلمان في 15 فبراير 2005 مقترحات بتعديل الدستور للعودة بنظامتعدد الأحزاب، والسماح لموسيفيني بالترشح لولاية رئاسية جديدة. وكان موسيفيني قد حظر على الأحزاب السياسية ممارسة حقها بعد وصوله للسلطة عام 1986، محملاً إياها مسؤوليةالاضطرابات التي وقعت في البلاد منذ استقلالها عام 1962.
وقد تزايدت المخاوف من حدوث اضطرابات سياسية في الوقت الذي اقتربت فيهأوغندا من أول انتخابات تعددية منذ عام 1986، والتي كان محددا لها أن تجرى في مارس 2006، وعند موعد تنحيموسيفيني عن الحكم، غير أنه لم يكن واضحاً في ذلك الحين ما إذا كان الرئيس الأوغندي سيقدم علىهذه الخطوة؛ حيث يلزم الدستور الأوغندية موسيفيني بالتنحي عن كرسي الرئاسة بحلول الانتخاباتالتي ستجرى عام 2006، إلا أن الكثير من مؤيديه طالبوا بتعديل الدستور لإلغاءالقيود المفروضة على عدد فترات الرئاسة التي يتولاها الرئيس، حتى يبقى في السلطة. وفي حين لم يوضح موسيفيني ما إذا كان سيقبل فترة رئاسة ثالثة أو لا فإن التزامه الصمت، وعدم وجود أي خليفة محتمل له، دفعا المعارضة إلى فهم أنه يسعى إلى أنيصبح رئيسا للبلاد مدى الحياة.
3. تقييم ظاهرة الانتخابات في أفريقيا
على الرغم من أن التعددية الحزبية والانتخابات التنافسية أصبحت القاعدة أو المبدأ العام في أفريقيا، فإنه من الضروري التمييز بين أشكال الظاهرة ومضامينها، ففي معظم الدول الأفريقية تشير التطورات الأخيرة إلى أن الانتخابات تبدو مجرد مناورة من جانب النظم الحاكمة، نظرا لما تنطوي عليه من مضامين اقتصادية تتمثل في تدفقات المعونات والمساعدات الاقتصادية، ويرجع ذلك إلى دورها في دعم وتحسين الصورة السياسية للنظم الحاكمة في الميدان الدولي، وحتى بالنسبة للنظم التي تقلدت السلطة من خلال الانتخابات الشعبية مثل زامبيا، فإنها ارتدت بعد ذلك إلى الحكم الأوتوقراطي من خلال إجراء انتخابات مصطنعة، ومن هنا يتمثل الوضع السائد في اتجاه معظم الحكام إلى ما يمكن تسميته بالانقلابات الانتخابيةElectoral Coup d`Etat يضمنون من خلاله اختيارهم وبقاءهم في السلطة. وذلك تحت ما يسمى بعملية الانتخاب الشعبي، وتشمل الوسائل المتبعة في هذا السياق قمع أحزاب المعارضة وإجبارها على الانصياع والخضوع، والإفساد السري للعملية أو الترتيبات الانتخابية، وهو ما يمكن تسميته أيضاً بالانتخابات الحرة الميكيافلية.
والأمثلة على ذلك عديدة وتشمل دولاً كالنيجر وجامبيا وغانا والكاميرون وزيمبابوي وتوجو وكينيا وزامبيا وساحل العاج والسنغال وأوغندا، ففي زامبيا مازال الرئيس روبرت موجابي قابعا في السلطة منذ عام 1980، وفي زامبيا تحول الرئيس باتريك إلى مستبد وذلك بالتلاعب في القوانين الانتخابية لضمان تأييد حكمه، واستمراره في السلطة والحيلولة دون مجرد تفكير كينث كاوندا في ترشيح نفسه والمنافسة على السلطة مرة أخرى، وقد ساعد ذلك الأسلوب الذي انتهجه تشيلوبا على إعادة انتخابه في عام 1996. كما أن طبيعة العملية الانتخابية وسياساتها ونتيجتها في العديد من الدول مثل جامبيا والنيجر وغانا، كانت واحدة حيث كان التلاعب والسيطرة السمتين البارزتين في كل مرحلة من مراحل عملية الانتقال، حيث تضمن ذلك من خلال التغييرات الدستورية، وإحكام السيطرة على الهيئة الانتخابية، وتدمير القواعد والتنظيمات الانتخابية وإفساد العملية الانتخابية، بما في ذلك تسجيل الأصوات، وإجراء الانتخابات، وما يتبعها من عمليات تؤدي إلى الإبقاء على النخبة الحاكمة.
إن ما سبق توضيحه يشير إلى أن تجربة الانتخابات في أفريقيا مازال يكتنفها الكثير من الغموض والجدل، وقد شابها في ذات الوقت قدر من الفوضى والتخبط والاضطراب والعنف والتراخي، ومازالت تواجه العديد من المعوقات والتحديات التي تؤثر على فعاليتها وصدقيتها بوصفها آلية من آليات التحول الديمقراطي والتغيير السياسي داخل القارة الأفريقية، وليس مجرد طقوس فارغة المضمون تؤدى لمجرد اقترانها بالتعددية السياسية، وأنه ينحصر دورها في تهدئة الداخل وتهيئته وترضية الخارج واستيفاء متطلباته، ومن أجل تفعيل تلك الآلية بحسبانها واحدة من أهم آليات الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في أفريقيا فإن الأمر يستدعي ضرورة الاهتمام بما يلي:
أ. دعم المبادئ الدستورية وحكم القانون؛ لأن ذلك سوف يضمن بعض العدالة، والوضوح النسبي فيما يختص بالشؤون الانتخابية.
ب. التأكيد على الحيادية والاستقلال النسبي للأبنية المؤسسية للانتخابات، والتي يسند أمرها إلى الهيئة الانتخابية والسلطة القضائية والصحافة والبوليس.
ج. تقوية المجتمع المدني حتى يمكن أن يكون ضامنا للقيم والممارسات الديمقراطية في الدولة.
د. رفع خط الفقر الأساسي للشعب، والذي غالبا ما يدعم العمالة والخضوع الانتخابي.
ه-. مناقشة قضية أزمة التراكم في أفريقيا والتي تجعل من الاستيلاء على السلطة في الدولة مشروعا سياسيا ذا قيمة كبيرة حيث تصبح كل التكتيكات العادلة وغير المشروعة مسموحا بها وجائزة في سبيل تحقيقه.
و. ضرورة أن تنشئ الدول الأفريقية لجان انتخابية مستقلة، وأن يكون ذلك بموجب إدخال التعديلات الدستورية اللازمة، وأن تحدد صلاحيات هذه اللجان وسلطاتها وأن تتكون من شخصيات مستقلة، وأن تتولى هذه اللجان إدارة العملية الانتخابية من تسجيل أسماء الناخبين في السجلات إلى عمليات الاقتراع والإدلاء بالأصوات في مقار اللجان الانتخابية، حتى إعلان النتائج والبت في الشكاوى والطعون، وأن تكون قرارات اللجنة المستقلة تلك نهائية ومقبولة من جميع الأطراف الحزبية على جانبي الحكومة والمعارضة.
خامساً. تداول السلطة في أفريقيا
يلاحظ فيما يتعلقبحالات لتداول السلطة في أفريقيا وجود ظاهرتين فرعيتين على درجة كبيرة من الخصوصية والأهمية، أولاهما: ذات صلة باعتزال بعض الرؤساء لمناصب الرئاسة إما لعزوفهم عن الترشيح لها، وإما لوجود ضغوط داخلية ودولية تدفعهم لعدم الترشيح. وأخراهما: ذات صلة بحرص بعض الزعماء الأفارقة على البقاء في السلطة سواء كان ذلك يتعارض مع الدستور، أو كان الأمر يتعارض مع الضغوط الداخلية أو الدولية. ويمكن الإشارة إلى بعض النماذج التي توضح هذا التباين كالتالي:
1. ظاهرة اعتزال الرؤساء في أفريقيا
يمكن الإشارة إلى بعض نماذجها كالتالي:
أ. جزر سيشل
في جزر سيشل، وعلى الرغم من أن الرئيس المعتزل (مارس 2004) فرانس ألبرت رينيه كان قد أمضى في السلطة 27 عاما متوالية منذ أن قاد انقلابا عام 1977 بعد عام واحد من إعلان استقلال الدولة عام 1976 وحكم البلاد بنظام الحزب الواحد حتى انتهت الحرب الباردة، فقد خضع الرئيس رينيه للضغط الأنجلوفوني (البريطاني/ الأمريكي)، فأجرى تعديلاً الدستور، وألغى نظام الحزب الواحد وأنشأ نظاماً سياسياً ديمقراطياً متعدد الأحزاب، يضمن حريات الإنسان وحقوقه عام 1993، وجرى انتخابه رئيسا للجمهورية، وفي انتخابات عام 2001، واجه معركة انتخابية عنيفة في الانتخابات الرئاسة، حيث حصل على 54% من إجمالي أصوات الناخبين وحصل حزب المعارضة على 44% من الأصوات.
ويبدو أنه آثر الاعتزال عن المغامرة بخوض انتخابات رئاسية جديدة كان مقرراً لها أن تجرى عام 2006، وقد أرجع البعض ذلك لأسباب صحية، وردَّ البعض الآخر ذلك إلى تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.، أو إلى أن الأمر ذا صلة بدستور الدولة الذي لا يتيح له التقدم للترشيح لمنصب الرئاسة لمرة ثالثة.
ب. موزمبيق
في موزمبيق يلاحظ أن الرئيس شيسانو، والذي ظل يحكم البلاد لمدة ثمانية عشر عاماً، حكم البلاد خلالها في ظل سيادة الحزب الواحد، كما حكم البلاد في ظل التحول نحو التعددية الحزبية، أعلن أنه لن يرشح نفسه لخوض انتخابات الرئاسة، وأنه طلب من حزب فريليمو الحاكم أن يختار مرشحا للانتخابات الرئاسية، وفي يومي الثاني والثالث من ديسمبر 2004، شهدت موزمبيق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والتي تجرى كل خمس سنوات وفقا للدستور الموزمبيقي.
وقد تنافس في تلك الانتخابات خمسة مرشحين على منصب رئاسة الجمهورية، في مقدمتهم مرشح الحزب الحاكم جوبوزا، ومرشح حزب رينامو دالاكاما، ودومينجوس مرشح حزب السلام والتنمية والديمقراطية، كما تنافس مرشحو ثمانية عشر حزباً حول مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 250 مقعدا، وتولت اللجنة القومية للانتخابات موضوعات التنظيم والإشراف على المعركة الانتخابية، بدءاً من تسجيل أسماء الناخبين، وحتى إعلان نتائج الانتخابات، وقد استقبلت الدولة فرقا من المراقبين الدوليين لمتابعة العملية الانتخابية من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والمنظمة التنموية للجنوب الأفريقي (سادك) والبرتغال، بالإضافة إلى مركز كارتر للديمقراطية والانتخابات بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك فقد شاركت في أعمال المتابعة للانتخابات منظمات المجتمع المدني الموزمبيقية، ومنظمات حقوق الإنسان. وقد أشارت النتائج النهائية إلى فوز حزب فريليمو ومرشحه للرئاسة على حزب رينامو ومرشحه للرئاسة.
ج. ناميبيا
أما في ناميبيا فقد أعلن الرئيس الناميبي سام نجوما خلال اجتماع مؤتمر الحزب الحاكم (سوابو) يومي 28، و29 مايو 2004 لتسمية مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها عام 2007، الاعتزال وعدم ترشيح نفسه في تلك الانتخابات والاكتفاء برئاسته للحزب الحاكم. وكان مرشح الرئيس لهذا المنصب هو نائبه بوهاما، ولكن وزير الخارجية هاميو تينيا كان قد أعلن عن ترشيح نفسه ومنافسة نائب الرئيس في الاقتراع الذي جرى في المؤتمر العام للحزب.
وعلى الرغم من قيام الوزير بنشاط واسع على مستوى القيادات والقواعد الحزبية لضمان تأييدها له، إلا أن الرئيس نجوما سارع بعزله من منصبه واتهمه بالقيام بنشاط ضار بوحدة الحزب والعمل على انقسام وتشرذم الأنصار والمؤيدين للحزب، وجاءت نتيجة التصويت في المؤتمر العام للحزب 339 صوتا لصالح بوهاما نائب الرئيس، و176 صوتا لصالح هامبو تينيا وزير الخارجية السابق، وهكذا حسم أمر ترشيح بوهاما لرئاسة الجمهورية عام 2007.
د. كينيا
يلاحظ أن الرئيس دانييل آراب موى عندما فاز في الانتخابات التي أجريت في نهاية عام 1997، قد أعلن عن عدم ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة عند إجرائها في عام 2002، وهو الأمر الذي زاد من اشتداد درجة المنافسة بين الحزب الحاكم وبين أحزاب المعارضة، التي كانت تأمل في الفوز بمنصب الرئاسة هذه المرة، وبالفعل ففي أعقاب الانتخابات تمكنت المعارضة من الفوز بهذا المنصب.
2. ظاهرة الحرص على البقاء للرؤساء في أفريقيا
تشير عملية تعديل الدساتير في العديد من الدول الأفريقية إلى مدى حرص العديد من الرؤساء في أفريقيا إلى الاهتمام والحرص على البقاء في السلطة، وعلى الرغم من أن تلك الدساتير هي وليدة حقبة ما بعد الحرب الباردة، ويفترض أن تحترم على الأقل حداثتها، وخصوصية أنه بدأ العمل بها في ظل حكم معظم هؤلاء الرؤساء إن لم يكن كلهم، ومن ثم كان ينبغي أن يضربوا المثل في الالتزام والإقتداء بها، إلا أن ما حدث كان غير ذلك، ويبدو أنه طالما أن الأمر متصل بمسألة البقاء في السلطة بالنسبة لهم فإن كل المعوقات ينبغي أن تزول، حتى وإن كانت عقبات دستورية، ولذلك نجحت بعض الدول في إجراء التعديلات الدستورية على البنود المقيدة للبقاء وإنشاء بنود دستورية مطلقة للبقاء والاستمرار لهؤلاء الرؤساء إما بقاء مطلقاً كما هو الحال في مصر وأوغندا، أو نسبياً بتمديد فترات الرئاسة، ويمكن الإشارة إلى بعض النماذج كالتالي:
أ. تشاد
يبدو أن أمر تعديل الدستور من أجل البقاء في السلطة لم يكن قاصرا على أوغندا وحدها، وإنما سبقتها إلى ذلك دول أخرى مثل تشاد على سبيل المثال، ففي النصف الثاني من شهر مايو 2004، وافق البرلمان التشادي على تعديل مادة الدستور التي تحدد مدة الرئاسة للجمهورية بفترتين متتاليتين فقط، ويقضي التعديل بأن تتوالى الرئاسة إلى ثلاث فترات متتالية، وكل فترة خمس سنوات، وحيث أن الرئيس إدريس ديبي قد أمضى في منصب الرئاسة فترتين متتاليتين وتنتهي خلال عام 2006، فإنه يصبح من حقه الترشيح والفوز في الانتخابات المقبلة والاستمرار في رئاسة البلاد لمدة أخرى مقبلة، وقد ساعدته الظروف الدولية والإقليمية على إجراء التعديل الدستوري، بوصفه الوسيط الأفريقي والدولي في موضوع الحرب الأهلية في دارفور بالسودان، كما أنه يحظى بمساندة أمريكية وفرنسية وأوروبية لمواصلة مساعيه الحميدة في هذا الشأن.
ب. مالاوي
إذا كانت محاولات تعديل الدستور قد نجحت في بعض الدول، فإنها فيما يتعلق بالحالة المالاوية لم تنجح، فقبل أن تنتهي الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السابق باكيلي موليزي اجتهد في محاولة تعديل الدستور ليسمح لنفسه بالتقدم للترشيح لفترة رئاسة ثالثة، بعد أن شغل فترتين رئاسيتين ولمدة عشرة أعوام منذ عام 1994 وحتى عام 2004، إلا أن محاولته في هذا الاتجاه باءت بالفشل، ومع ذلك احتفظ برئاسته للحزب الحاكم، في حين جرت الانتخابات لانتخاب رئيس جديد للدولة خلفا للمنتهية ولايته في مايو 2004، وتنافس في انتخابات الرئاسة خمسة مرشحين هم: بنجو واموثاريكا مرشح الحزب الحاكم (الجبهة الديمقراطية المتحدة)، ومجوي ريزانو قائد تحالف الوحدة المعارض الذي يضم سبعة أحزاب، وجون تمبو مرشح حزب مؤتمر مالاوي، بالإضافة إلى مرشحين مستقلين آخرين.
وفي أعقاب عملية الاقتراع والتصويت في الانتخابات اتهمت المعارضة أن هناك مخالفات وعمليات تزوير كبيرة في تلك الانتخابات، وفي الوقت الذي أشارت فيه لجنة الانتخابات إلى أنها تأكدت وتحققت من صحة نتائج الانتخابات، التي تشير إلى فوز مرشح الحزب الحاكم بإجمالي نسبة أصوات تقدر ب 35% من إجمالي الأصوات، وحصول مرشح حزب مؤتمر مالاوي بنسبة 27% من إجمالي الأصوات، وحصول مرشح تحالف الوحدة على 26%، وحصول المرشحين المستقلين على نسب تقل عن 9% من إجمالي الأصوات، بينما أعلنت وفود المراقبين القادمين من الاتحاد الأوروبي والكومنولث البريطاني والمنظمة التنموية للجنوب الأفريقي (سادك) أن المخالفات الخطيرة كانت هي الطابع العام للانتخابات في مالاوي، وأن وسائل الإعلام الرسمية انحازت انحيازا واضحا للحزب الحاكم، وأن الحزب الحاكم قد استخدم كل إمكانات الدولة من سيارات ووسائل اتصالات ومواصلات في الحملة الانتخابية، وأن استخدام المال العام من ميزانية الدولة قد ظهر في الإعلان عن مشروعات وبرامج خلال الحملة الانتخابية، وعلى الرغم من ذلك ورغم أن أحزاب المعارضة رفضت تلك النتيجة، وذكرت أنها ستطعن أمام المحكمة العليا، إلا أن الحزب الحاكم لم ينتظر، ودفع بمرشحه الفائز لأداء القسم الدستوري وتولي السلطة، وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الجديد أعلن أنه لن يعيد ترشيح نفسه لفترة رئاسة ثانية في الانتخابات التي ستجرى عام 2009، وبأنه سوف يعتزل العمل السياسي.
ج. الكاميرون
إن سياسة البقاء في السلطة تشير إلى أن واضعي تلك السياسة يبدو أنهم كانوا أكثر استشرافا للمستقبل عن غيرهم، حيث تقوم سياستهم على إطالة فترة البقاء في المنصب دون الحاجة إلى اللجوء إلى تعديلات مستقبلية، ففي حين أن القاسم المشترك لفترات الرئاسة الوارد في الدساتير الأفريقية المعدلة مع أوائل تسعينيات القرن الماضي هو أربع أو خمس سنوات، لا تتعدى فترات البقاء في منصب الرئاسة فترتين؛ لكن يلاحظ أن الكاميرون حرصت في دستورها على أن تكون الفترة الواحدة مدتها سبع سنوات، فهي وإن اشتركت مع معظم الدساتير الأفريقية في مسألة الفترتين الرئاسيتين، فإن إطالة الفترة الرئاسية تجب أية مشكلات في هذا الخصوص، فعلى الرغم من أن الرئيس بول بيا يحكم البلاد منذ عام 1982، وعلى الرغم من التعديل الدستوري الذي جرى عام 1996 ولا يسمح لرئيس الدولة أن يشغل المنصب أكثر من فترتين رئاسيتين – كل فترة رئاسية مدتها سبع  سنوات، فقد رشح بيا نفسه في انتخابات عام 1997 وفاز بها، ثم رشح نفسه في انتخابات عام 2004 وفاز بها بنسبة 92.5%، في الوقت الذي كان يتنافس معه خمسة عشر مرشحاً، ويرجع البعض سبب ذلك إلى تشتت أحزاب المعارضة، بالإضافة إلى الاتهامات بوجود الانحرافات، وعدم النزاهة في العملية الانتخابية التي تسيطر عليا الأجهزة الحكومية في الكاميرون.
د. رواندا
في الأسبوع الأخير من شهر مايو 2003، عرضت حكومة رواندا مشروع الدستور الدائم للبلاد على الاستفتاء الشعبي العام ودعت فرق المراقبين الدوليين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وسجلت النتائج المعلنة الموافقة العامة على الدستور الدائم فقد شارك 87% من المسجلين في دفاتر الناخبين ووافق 93% من المشاركين الذين أدلوا بأصواتهم وأجمعت تقارير المراقبين على أن العملية الانتخابية كانت حرة ونزيهة، واستعدت البلاد لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية لأول مرة بعد مذابح الإبادة الجماعية عام 1994، وهذا الإجراء كان بغرض إنهاء الفترة الانتقالية التي عاشتها الدولة منذ ذلك التاريخ، ومن ثم فإن الانتخابات كانت ستجرى على أساس ديمقراطي تعددي يتنافس فيها الأحزاب السياسية طبقا لنصوص الدستور الجديد.
وبهذا تكون رواندا قد اختارت النظام الديمقراطي التعددي على خلاف أوضاع بعض الدول مثل أوغندا قبل التعديلات الدستورية الأخيرة، وهذا الوضع لاقى استحسانا من جانب الدول المانحة للمعونات وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
ه-. زيمبابوي
في زيمبابوي وعلى الرغم من تصاعد المعارضة السياسية المطالبة بإحداث تغييرات حقيقية والتحرك باتجاه إقامة تحول ديمقراطي فعلي، فإن النظام الحاكم وعلى رأسه روبرت موجابي استمر في منصبه، وتمكن من مواجهة الضغوط التي تمارسها المعارضة في الداخل فضلاً عن مقاومة الضغوط الخارجية. وكان الرئيس روبرت موجابي قد أعلن في عام 2004، أنه لن يرشح نفسه في انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها عام 2008، وأنه قرر البقاء في المنصب حتى ذلك التاريخ حتى يختار خليفته في حكم البلاد وقيادة الحزب الحاكم، وأشار إلى أنه باعتزاله يكون قد أمضى 28 عاما (1980 – 2008) في تحمل مسؤولية الحكم في البلاد الرئاسة؛ إلا أن موجابي تقدم للترشح وللمنافسة في انتخابات الرئاسة عام 2008، ونجح في الانتخابات، وعزا ذلك إلى أن الظروف التي تمر بها البلاد وموقف الدول الغربية السلبي تجاه بلاده، فضلاً عن رغبة الشعب في زيمبابوي في بقائه واستمراره في السلطة هي التي دفعته لخوض الانتخابات.
و. أوغندا
لقد نشأ النظام السياسي في أوغندا منذ عام 1986، عندما سيطر الرئيس موسيفيني على السلطة في البلاد وحكمها من خلال سيطرة حزب حركة المقاومة الوطنية على جميع مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية، وفي أعوام التسعينيات من القرن الماضي صدر دستور البلاد الدائم في عام 1995، والذي تضمن الإشارة إلى أنه لا يجوز لرئيس الجمهورية الأوغندية التقدم للترشح لمنصب الرئاسة أكثر من مدتين كل مدة منها خمس سنوات، ولما كان موسيفيني قد فاز في انتخابات الفترة الرئاسية الأولى في عام 1996، وكذلك في الانتخابات على فترة الرئاسة الثانية التي أجريت في عام 2001. فلا يحق له وفقاً للدستور التقدم للترشيح لفترة رئاسية ثالثة، وهو الأمر الذي يحاول النظام الحاكم الالتفاف عليه، والسعي لإجراء تعديلات دستورية، يتم بموجبها يزاد مدد تولي منصب الرئاسة إلى ثلاث مدد رئاسية بدلاً من مدتين اثنتين، حتى يتمكن موسيفيني من التقدم للترشح لفترة رئاسة ثالثة، ويحاول النظام الحاكم مقايضة هذا التعديل الدستوري بتلبية بعض مطالب المعارضة المتعلقة بالتوسع في تطبيقات الديمقراطية، وتظهر نتائج تلك الأزمة وتأثيراتها في ضغوط الدول المانحة والمؤسسات المالية والنقدية العالمية على الرئيس موسيفيني بالتوسع في تطبيقات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعدد الحزبي الكامل، وأن يمتنع عن ترشيح نفسه لولاية ثالثة عن طريق تعديل الدستور الحالي، كما أسفرت الضغوط الداخلية عن انشقاق في داخل الحزب الحاكم، وفي حركة واسعة تقوم بها أحزاب المعارضة مثل الحزب الديمقراطي وحزب المحافظين وحزب مؤتمر الشعب وغيرها، حول النظام الديمقراطي، حيث أصرت تلك الحركة المعارضة على معارضة تعديل نص رئاسة الجمهورية، وتشير إلى أن عشرين عاما من حكم الرئيس موسيفيني (1986-2006) وسيطرة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة المركزية والإقليمية والريفية، والتي شابها الفساد وتجمد التنمية، لا تشجع على قبول استمرار النظام الحاكم.
وعلى الرغم من المأزق الدستوري الذي وقع فيه النظام الحاكم في أوغندا، وذلك بعد انتهاء الفترتين الرئاسيتين المحددتين لرئيس الدولة للبقاء في منصبه والتين لا يسمح الدستور الصادر عام 1995 في المادة 105، بتجاوزهما، إلا أن النظام الحاكم تمكن من الخروج من هذا المأزق بدفع البرلمان للتصويت على إلغاء الفقرة التي تقيد الترشح للرئاسة، مقابل السماح بالتعددية السياسية، وبإقرار البرلمان ذلك في يوليه 2005، فقد تمكن يوري موسيفيني من التقدم للترشيح لمنصب الرئاسة في الانتخابات التي أجريت أواخر شهر فبراير 2006، والتي أسفرت نتائجها عن فوز موسيفيني في تلك الانتخابات.
وعلى الرغم من ذلك فقد استطاعت النخبة الحاكمة من ممارسة ضغوطها على البرلمان الأوغندي حتى وافق على إلغاء الفقرة الثانية من المادة 105 من الدستور، والتي تقيد عدد فترات الرئاسة بفترتين فقط غير قابلتين للتجديد، وهو الأمر الذي يفتح الطريق أمام موسيفيني، ليس للتقدم لانتخابات 2006، والتي فاز فيها بالفعل، ولكن لتجعل الطريق أمامه مفتوحاً ليتقدم لأي عدد من الفترات، ومثل هذا الإجراء وإن كان قد أتاح الفرصة أمام موسيفيني للبقاء في السلطة، إلا أن هذا الوضع سيعمق الفجوة بين نظامه الحاكم والمعارضة من جهة، وبينه وبين الدول والمؤسسات المانحة من جهة أخرى.