أولاً: “مبدأ نيكسون”
    حتى بداية السبعينيات، لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية سياسة خارجية متكاملة، في ما يتعلق بمنطقة الخليج العربي. ودفع رحيل البريطانيين، عام 1971، الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون Richard Milhous Nixon ـ (1969 ـ 1974)، وهنري كيسنجر Henry Alfred Kissinger، وزير الخارجية، إلى الاهتمام المباشر، والشامل، بمنطقة الخليج. إلاّ أن واشنطن لم تتوصل، سريعاً، إلى سياسة موحَّدة، متكاملة، إلاّ بعد حظر النفط العربي، في حرب أكتوبر 1973.
    وكان أول تصريح رسمي، في صدد الخطط الأمريكية لمرحلة ما بعد فيتنام، ما أعلنه الرئيس نيكسون، في جزيرة جوام Guam ، في المحيط الهادي، في يوليه 1969، حول عزم بلاده على اتّباع سياسة جديدة، ترتكز على دعم الأنظمة المؤيدة للولايات المتحدة الأمريكية، لتأخذ على عاتقها دوراً رئيسياً في قمع المتمردين، وتخفيف العبء عن واشنطن، أي المشاركة الإقليمية، والحدّ من الدور الأمريكي المباشر. وهو ما يتطلب تزويد الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية، درعاً واقية، وتقديم المساعدات، العسكرية والاقتصادية، المطلوبة. كما ذكر نيكسون أن بلاده، لن تقدر، بل هي غير راغبة في تقديم الرجال والمال والسلاح، للحفاظ على الوضع القائم في العالم. وذكَّر الآخرين بمسؤولياتهم، الدولية والإقليمية. مما يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية، لن تستمر في دور الشرطي العالمي، لأنه أدى إلى تخبطها في أزمات، اقتصادية وسياسية وأخلاقية. وكان الدور الجديد الذي رسمه نيكسون ـ كيسنجر للولايات المتحدة الأمريكية، يرتكز على ابتعادها عن التدخل المباشر، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيّر إستراتيجيتها، المرتكزة على ضمان تفوق واشنطن وحماية مصالحها الاقتصادية. وهو يفترض دعمها، عسكرياً واقتصادياً، للأنظمة الحليفة، لكي تتمكن من القيام بدور الحامي لمصالحها.
    وكانت ترجمة هذه السياسة، التي سميت “مبدأ نيكسون” (Nixon Doctrine)، في الخليج العربي، إعطاء إيران الدور العسكري الأساسي للحفاظ على الأمن، أي أداء الدور، الذي كانت تؤديه بريطانيا. وفي ضوء ذلك، سُلِّمت الجُزُر، الواقعة في مدخل الخليج العربي، والتابعة لإمارتَي رأس الخيمة والشارقة (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) إلى إيران، لحماية مضيق هرمز، وتحقيق طموحات الشاه التوسعية.
    وأعلن الرئيس ريتشارد نيكسون مبدأه، في خطابه أمام الكونجرس، في 18 فبراير 1970. وبطبيعة الحال، فإن ذلك المبدأ، لم يقتصر على منطقة الخليج، وإنما احتوى على العناصر الرئيسية في السياسة الأمريكية، القائمة على أن الولايات المتحدة الأمريكية، لن تستطيع تحمل مسؤولية الدفاع عن كل الشعوب الحرة في العالم، وإنما ستكتفي بتقديم المساعدات لها، ولن يكون تدخّلها، إلاّ إذا دعت الضرورة القصوى إلى ذلك[1].
    وهكذا حل مبدأ نيكسون محل “مبدأ أيزنهاور Eisenhower Doctrine” ، المتعلق بالشرق الأوسط، والمُعلن في 5 يناير 1957، والقائم على استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل المباشر، بطلب من دول المنطقة.
    ومع ذلك، يُلاحظ أن مبدأ نيكسون، لم يتعرض لتقليص الوجود البحري الأمريكي، الذي استمر قائماً، في القواعد العسكرية، في المحيط الهندي والخليج العربي. ومن ثَم، يَعُدّه كثير من الباحثين “مبدأ مياه زرقاء”(Blue Water Doctrine)، من الناحية العسكرية. وتأكد ذلك، حين صحب إعلان ذلك المبدأ تحوّل واضح في أولويات الدفاع الأمريكية، من القوات البرية إلى القوات الجوية والبحرية.
    وعلى الرغم من أن الرئيس ريتشارد نيكسون، لم يحدد، صراحة، الدول أو الدولة، التي ستعتمد عليها الولايات المتحدة الأمريكية في حماية مصالحها الحيوية، في الخليج، إذ اكتفى بالقول: “إن أمن الخليج يقوم، أساساً، على مسؤولية دوله، وإن الولايات المتحدة الأمريكية، ستقتصر على منح أو بيع السلاح اللازم لتلك الدول، وإمدادها بالخبرات الفنية والتدريب اللازم؛ ولن تتدخل، إلاّ في حالة حدوث خطر أو هجوم، يكون أكبر من طاقة تلك الدول على مواجهته”،إلاّ أنه كان من الواضح أن واشنطن، كانت ترى إمكانية اشتراك كلٍّ من المملكة العربية السعودية وإيران، في الحفاظ على الأمن والاستقرار، في منطقة الخليج، ومن ثَمّ، تلجأ هاتان الدولتان إليها، من أجل الدعم والسلاح.
    غير أن الولايات المتحدة الأمريكية، لم تلبث أن ركّزت اعتمادها على إيران، التي بدت أنها الأقوى في الهيمنة، السياسية والعسكرية، خاصة بعد التفوق، الذي أحرزته البحرية الإيرانية، التي استطاعت الحصول على مدمرات وطرادات وفرقاطات حربية وقوة جوية، في الوقت الذي لم يكن لدى المملكة العربية السعودية كاسحة ألغام واحدة. ناهيك أن المملكة العربية السعودية، كانت موضع شك من قِبل السياسة الأمريكية، في أن تبادر إلى تحويل الأسلحة والمعدات، التي تُقدّم إليها، إلى الدول العربية المواجِهة لإسرائيل. لذلك، اختارت الولايات المتحدة الأمريكية إيران، التي كان موقعها على الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي، يعطي المبرر الكافي لتسليحها، على أساس أنها مهددة تهديداً مستمراً، فضلاً عن الصفاء بينها وبين إسرائيل، فلن تجد الولايات المتحدة الأمريكية معارضة من جماعات الضغط الصهيونية في تسليحها.
    ولتلك الأسباب جميعها، اتجهت السياسة الأمريكية نحو طهران. واستغلت طموح الشاه إلى الهيمنة، السياسية والعسكرية، على الخليج، إذ طالما كرر، في تصريحاته، أن قواته أصبحت تفوق قوة بريطانيا، التي كانت في الخليج، أضعاف المرات. وهكذا، بدأ شاه إيران، على نحو ما ذكره أحد الباحثين، يتحول من وضعيته، كإمبراطور، إلى وكيل، بل شرطي، لخدمة المصالح الأمريكية في المنطقة.
    إلى جانب التفوق العسكري، الذي أحرزته إيران في منطقة الخليج، فإنها كانت، في الوقت نفسه، حريصة على تحقيق تفوّق، سياسي واقتصادي وبشري، في المنطقة. وعلى الرغم من تنازلها عن مطالبها في البحرين، إلاّ أنه كان هناك وسائل أخرى، لتأكيد تفوّقها في الخليج، أفضل من الإلحاح في المطالبة بأراضي الغير. ومن تلك الوسائل تشجيعها الهجرة الإيرانية إلى الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وكلها تعاني عجزاً واضحاً في العمالة.
    وإضافة إلى ما أسهمت به إيران في تغيير نمط التركيبة الديموجرافية، في كثير من كيانات دول الخليج، فقد وضح تفوّقها الاقتصادي في المنطقة، كما تمكنت، بعد سيطرتها على جزر الخليج الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، من التحكم في مضيق هرمز. وظهر تفوّقها السياسي واضحاً، حين استجاب كل رؤساء الخليج وحكامه الدعوة لحضور المهرجانات الصاخبة، التي أقامها الشاه محمد رضا بهلوي، في 14 أكتوبر 1971، في مناسبة مرور ألفين وخمسمائة عام على قيام الحكم الإمبراطوري في إيران، إذ أقام احتفالا ضخماً بين أطلال مدينة برسيبوليس القديمة Persepolis ، عاصمة الأخمينيين. وفيها توّج نفسه شاهنشاه إيران وإمبراطورها.
    وقد تركت تلك الاحتفالات أعمق الأثر في حكام الخليج، حتى إن الشيخ راشد بن سعيد المكتوم، حاكم دبي، آنذاك، لم يخفِ إيمانه بضرورة التطلع إلى طهران، لكونها مركز القوة الحقيقية في المنطقة.
    ومن الطبيعي أن يجد طموح الشاه ترحيباً كافياً، من الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تدرك أهمية إيران، كقوة إقليمية، في تنفيذ سياستها. وأصبح من الواضح، أن الشاه هو المرشح الأوفر حظاً للاضطلاع بمهمة تأمين المصالح الأمريكية، خاصة أن المملكة العربية السعودية، بمواردها البشرية المحدودة، كانت لا تستطيع الاضطلاع بتلك المهمة، بينما العراق لا يزال يسعى من أجل استقراره الداخلي، تشغله باستمرار مشاكله مع الأكراد، في الشمال، وصراعه المزمن مع إيران، حول حقوق السيادة على شط العرب، ناهيك بادّعائه مواصلة الصراع مع إسرائيل، والأهم من ذلك كله صداقته وتعاونه الواضح مع الاتحاد السوفيتي، فضلاً عن توجهاته الأيديولوجية البعثية، المغايرة، بطبيعة الحال، للسياسة الأمريكية. أمّا بالنسبة إلى مصر، فإنه على الرغم من طرد الرئيس محمد أنور السادات الخبراء السوفيت، في 18 يوليه 1972، وتلويحه بالصداقة الأمريكية، فإنه كان مشغولاً بالإعداد للحرب، من أجل استعادة سيناء. واستطراداً، لم يكن مؤهلاً، بين دول المنطقة، للاضطلاع بمهمة إقرار الأمن والوكالة عن الولايات المتحدة الأمريكية في حماية مصالحها، سوى إيران، بحكم ما تمتلكه من طاقات بشرية وإمكانات، تؤهلها لأداء ذلك الدور.
    كان منطقياً، إذاً، أن يقع اختيار الولايات المتحدة الأمريكية على إيران، لممارسة دور الشرطي الإقليمي. إذ إنه إلى جانب المعايير الموضوعية السابقة، كان الشاه حليفاً موثوقاً به، كما كان صديقاً شخصياً للرئيس نيكسون، والأهم من ذلك، أن بلاده تشكل حلقة أساسية في حلقات الحرب الباردة، بين المعسكرَين الكبيرَين.
    وقد بدأت الاتصالات الأمريكية مع إيران، تتخذ شكلاً عملياً، خلال زيارة الرئيس، ريتشارد نيكسون، ووزير خارجيته، هنري كيسنجر، إلى طهران، وهما في طريق العودة من موسكو، بعد اجتماعهما مع ليونيد بريجينيف Leonid Llich Brezhnev، في 26 مايو 1972[2].
    وخلال المباحثات الأمريكية ـ الإيرانية، أكّد الشاه أن السوفيت لا يزالون مستمرين في محاولاتهم الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج، كما أنهم يطمعون في نفط إيران. وأبدى استعداده للاضطلاع بحماية المنطقة، وحماية المصالح الأمريكية فيها، شريطة أن يكون شريكاً، وليس تابعاً، مُظهراً استياءه وضِيقه الشديدَيْن من بعض أشكال التدخل الأمريكي في شؤون بلاده، منذ الانقلاب المضاد، في أغسطس 1953، الذي أطاح حكومة الجبهة الوطنية، التي كان يتزعمها الدكتور محمد مصدق، والتي عمدت إلى تأميم النفط الإيراني. ولذلك، طلب الشاه من الرئيس الأمريكي، أن تسحب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA) كل الرسميين، الذين عُيِّنوا خبراء ومستشارين، في الوزارات والجيش الإيراني، بعد عام 1953. كما طلب أن يكون كل الاتصالات، في المستقبل، بين طهران وواشنطن، من خلال قناة مباشرة، تصل بين مجلس الأمن القومي الأمريكي والشاه، في قصره، في نيافاران (Niavaran)[3].
    وعلى الرغم من أن الرئيس نيكسون استجاب لمطالب الشاه، إلاّ أن تلك الاستجابة، أدّت، فيما بعد، إلى نتائج عكسية. إذ إنه في خلال الشهور الأخيرة لنظام الشاه، لم يكن في مقدور وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أن تحصل على المعلومات الكافية، التي كانت في حاجة إليها، والتي يمكنها أن تتيح لواشنطن التوصل إلى تصور دقيق لما كان يحدث في إيران، وربما ساعدتها على إنقاذ عرش الشاه.
    وعلى أي الأحوال، فقد استغلّت الولايات المتحدة الأمريكية طموح الشاه، وتفوّق بلاده، البشري والعسكري، لكي يملأ الفراغ، الناجم عن الانسحاب البريطاني من الخليج، إذ إلى جانب المعايير الأمنية الإقليمية، كانت تعمل على دعم إيران، لمنع بروز العراق، كقوة مهيمنة على المنطقة. وقد قبِل الشاه أداء تلك المهمة، لأنها تنسجم مع طموحاته، من جهة، وتدر عليه الأموال، من جهة أخرى، لتمويل ثورته البيضاء، التي كان قد أعلنها في الوقت، الذي لم تكن فيه موارده النفطية، قد وصلت إلى حدّ، يمكنه من التغلب على ما يترتب على تلك الثورة، من متاعب اقتصادية.
    وقد بدأ النشاط الإيراني العسكري يظهر واضحاً، في الخليج، على أثر استيلاء إيران على جزر الخليج الثلاث (طُنب الصغرى، طُنب الكبرى، وأبو موسى)، في نوفمبر 1971، بإيعاز أمريكي وتواطؤ بريطاني. كما مضى الشاه يعمل على توثيق علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، مما أثار حفيظة العراق، الذي كان يَعُدّ الخليج مجالاً لنفوذه، فبدأ سباق التسلح بين العراق وإيران. وفي حين اعتمدت طهران على واشنطن، اعتمدت بغداد على موسكو، خاصة بعد توقيعهما معاهدة الصداقة والتعاون، في 9 أبريل 1972. ومن ثَم، أخذت الحرب الباردة تشق طريقها إلى الخليج.
    ولعله من المفيد الإشارة إلى أن التفاهم بين الشاه والرئيس نيكسون، أسفر عن اشتراك القوات الإيرانية في تنفيذ مهمة شاقة، هي قمع الحركة اليسارية في إقليم ظُفار، التابع لسلطنة عُمان، في نهاية عام 1973.
    وكانت هذا الحركة قد استعرت، قبل عدة سنوات، وتلقت تأييداً ودعماً من الاتحاد السوفيتي، وبعض الأنظمة اليسارية الأخرى، من خلال جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية. وعندما استولى السلطان قابوس بن سعيد على السلطة في عُمان، في 23 يوليه 1970، بدأ هجماته على الثوار، في يناير 1972، بعد أن دعم قواته المسلحة بضباط وطيارين بريطانيين وباكستانيين وأردنيين. وما لبثت كفته أن رجحت، على أثر مشاركة القوات الإيرانية، التي تجاوز عددها عشرة آلاف مقاتل، في قمع تلك الحركة. ولم ينكر الشاه، وقتئذٍ، وجود قواته في ظُفار، واشتراكها في القتال، تأييداً لحكم السلطان، بل كان يسعده أن يدرك العالم، أنه قد أصبح يؤدي المهمة الموكولة إليه، على خير وجه. وأعلن أن إيران صارت حامية للمصالح الدولية في المنطقة، وفي مقدمتها نفط الخليج. وكان واضحاً أن دور الشاه في قمع الحركة اليسارية في ظفار، إنما ينبع من حرصه على مضيق هرمز، وعدم هيمنة أي أنظمة معادية عليه، من جهة، ومن ثَمّ، حماية الأنظمة المعتدلة، والمصالح الغربية، من جهة أخرى.
ثانياً: حظر النفط والتهديدات العسكرية الأمريكية
    واجهت السياسة الأمريكية التحدي الكبير، حينما اندلعت حرب السادس من أكتوبر 1973، واتخذت منظمة “الأوابيك OAPEC” قرار حظر النفط على الدول الغربية، المساندة لإسرائيل، بتخفيض الإنتاج، للضغط على الدول الغربية عموماً، لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية.
    وعلى صعيد سياسة واشنطن الخليجية، دفع الحظر النفطي العربي القادة الأمريكيين إلى التراجع الجزئي عن مبدأ نيكسون، وعن الاعتماد على الشاه فقط. كما فرض على المسؤولين الأمريكيين تطوير إستراتيجية عدم التدخل إلى إستراتيجية ردع وتطويق. ونمّ على الإستراتيجية الجديدة سيل من التصريحات الأمريكية، على أعلى مستوى، حول غزو حقول النفط في الخليج، إذا ما تعرضت الصادرات النفطية، مرة أخرى، لحظر عربي، أو إذا استمرت الدول المنتجة للنفط في زيادة أسعاره. وقد قال هنري كيسنجر، في 22 ديسمبر 1974: “إن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بعمل عسكري، للسيطرة على أسعار النفط، سيكون أسلوباً خطراً. لا أقول أنه ليس هناك حالات يجب ألاّ تستخدم القوة فيها، ولكن أحد أسباب استخدامها، هو ظهور نزاع حول الأسعار. والسبب الآخر، يكمن في حصول عملية اختناق فعلي للعالم الصناعي“.
    وطوال السنوات التي أعقبت حرب أكتوبر 1973، وحتى إعلان مبدأ كارتر، في 23 يناير 1980، توالت تصريحات المسؤولين الأمريكيين، حول التدخل الأمريكي في الخليج العربي، لحماية مصادر النفط والسيطرة عليها. كما ضاعفت مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية دراستها حول أمن الخليج، من وجهة نظر المصالح القومية الأمريكية في المنطقة.
ثالثاً: التطويق الإستراتيجي للخليج العربي
    لم تكتفِ الدوائر الأمريكية بإطلاق التهديدات، وإعداد الدراسات حول الوضع في الخليج العربي، بل بدأت، منذ عام 1974، تتحرك لمواجَهة التحرك السوفيتي في المنطقة، وحظر النفط العربي، تطبيقاً لمخطط، وُضع في البنتاجون ومجلس الأمن القومي، في شأن انتشار القوات الأمريكية، في عملية تطويق إستراتيجية للخليج العربي. فلقد شنت إدارة الرئيس نيكسون، في مرحلتها الأخيرة، وإدارة الرئيس جيرالد فورد، Gerald Rudolph Ford ـ (1974 ـ 1977)، حملة واسعة لنشر القدرة العسكرية الأمريكية في منطقة البحر الأبيض المتوسط ـ المحيط الهندي ـ الخليج العربي، في محاولة لعرض قوّتها العسكرية، بهدف دفع العرب إلى التخلي عن استخدام النفط كسلاح سياسي.
    ولقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية، إلى حدٍّ بعيد، في دفع العرب إلى رفع الحظر النفطي عليها، في مارس 1974، بعد صدور تلميحاتها إلى خطط عسكرية أمريكية لاحتلال أبو ظبي، إذا ما استمر الحظر النفطي عليها.
    وفي حركة تطويق (كماشة) تقليدية، بدأت القوات الأمريكية بالانتشار التدريجي، شرقاً، انطلاقاً من المحيط الأطلسي، وغرباً، انطلاقاً من المحيط الهندي، في عملية تطويق إستراتيجية للبلدان المصدرة للنفط. ولقد أحاط جيمس شلسينجر James R. Schlesinger ، وزير الدفاع الأمريكي، المسؤولين في المنطقة علماً، بأن تنقلات الأسطول الأمريكي، ستكون أكثر عدداً وانتظاماً مما كانت عليه في الماضي.
    وفيما خص دول الخليج مباشرة، تركز الوجود العسكري الأمريكي في البحرين وسلطنة عُمان، إضافة إلى القواعد العسكرية، في إيران والسعودية، التي تضم مئات المستشارين العسكريين الأمريكيين. ففي البحرين، عقدت الحكومة اتفاقاً مع الولايات المتحدة الأمريكية، سمحت، بموجبه، لوحدات من البحرية الأمريكية، باستخدام تجهيزات قاعدة الجفير البحرية، التي كان يستخدمها الإنجليز. إلاّ أن هذا الاتفاق بقي سراً، بناء على طلب حكومة البحرين، التي طالما أنكرت إيجارها الأمريكيين هذه القاعدة.
    وفي أوائل 1975، طلبت الولايات المتحدة الأمريكية، من عُمان، حق استعمال قاعدة مصيرة. ومصيرة جزيرة ذات موقع إستراتيجي مهم، وتُعَدّ قاعدة أساسية للأسطول السابع الأمريكيأمّا الوجود العسكري المكثف، فقد خصصت له قاعدة خارج المنطقة، أجرت في جزيرة بريطانية، تقع في المحيط الهندي، وهي جزيرة دييجو جارسيا (Diego Garcia)، ومنها تنطلق حاملات الطائرات وغيرها من سفن الأسطول السابع، فتصل إلى الخليج خلال 48 ساعة، أو نحو ذلك.
    الوجه الآخر للسياسة الأمريكية في الخليج، حتى إعلان “مبدأ كارتر”، كان في تنمية العلاقات الأمريكية بدول الخليج، على مختلف الأصعدة: سياسياً، من خلال إقامة العلاقات الدبلوماسية بدول الخليج الصغيرة، وتطوير العلاقات بالمملكة العربية السعودية وإيران. واقتصادياً، من خلال تنمية المصالح، التجارية والمالية، المتبادلة، تطبيقاً لمعادلة النفط لقاء التكنولوجيا. وأخيراً، عسكرياً، عبْر إغراق الدول الخليجية، باستثناء العراق، بالسلاح الأمريكي، بعد عجزها عن تطويع العراق، ليكون تحت المظلة الأمريكية، منذ ثورة 14 يوليه 1958، في العراق.
رابعاً: الخطر العراقي في منطقة الخليج العربي
    حددت دراسة، أصدرتها مؤسسة “أمريكان إنتربرايز”، عام 1978، مكامن الخطر في منطقة الخليج العربي، في ست نقاط . كان ضمنها، بل نقطة أساسية فيها، “الخطر العراقي”. فالعراق مصدر قلق محتمل بسبب مقدرته العسكرية الفاعلة. وفي أي هجوم شامل محتمل على المملكة العربية السعودية، فإن في استطاعة القاذفات والمقاتلات العراقية، أن تخترق نظام الدفاع الجوي. وسوف تحتفظ بهذه الميزة، حتى تستوعب القوات السعودية طائرات F-15 الحديثة. وفي المدى القصير، فإن في استطاعة العراقيين أن يصلوا إلى الظهران، براً، في غضون 24 ساعة. ومن المتوقع أن يقدِم العراقيون على اتخاذ إجراءات جوية، لمعاقبة المملكة العربية السعودية على دعمها للأنظمة التقليدية، أو لأنها تنتج النفط أكثر مما ينبغي، أو لأنها تعرقل الحصول على أسعار أعلى للنفط. ومثل هذا الهجوم قد يحدث من جراء دعم المملكة العربية السعودية المحدود للكويت في نزاعها الإقليمي مع العراق“.
خامساً: تبلور “مبدأ كارتر”
    منذ وصول الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر Jimmy (James Earl) Carter إلى السلطة، عام 1977، ازداد تواتر استخدام التهديد بالتدخل العسكري، لضمان الأمن والاستقرار في الخليج العربي، ولحماية المصالح الأمريكية. ففي سبتمبر 1977، أصدر كارتر مذكرة، موجَّهة إلى أمانة الدفاع ومخططَّي الإستراتيجية الأمريكية في البنتاجون، “اعتبرت، بموجبها، منطقة الخليج من المناطق الإستراتيجية، ذات الأولوية، والتي ستدافع عنها الولايات المتحدة الأمريكية ضد أي اعتداء أجنبي“.
    وفي مطلع 1978، وضع الرئيس جيمي كارتر، تصوره لحماية آبار النفط، في وثيقة، اسمها ( BD – 18). أشار فيها إلى أن الاستعدادات الأمريكية للتدخل في الدول النفطية والخليجية، تتركز في “إعداد جيش إضافي صغير”، يستطيع التحرك، بسرعة، إلى مناطق النزاع الإستراتيجية، من دون أن يؤثر ذلك في الجيش الأمريكي الأساسي. وتشير الوثيقة إلى أن الأخطار، التي تهدد النفط في الشرق الأوسط، تنبثق من الحركات الراديكالية، في الدرجة الأولى، ومن الأطماع السوفيتية، في الدرجة الثانية.
    وفي ضوء المستجدات الجديدة في المنطقة، فإن انهيار نظام الشاه، والغزو السوفيتي لأفغانستان، دفعا الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن “مبدأ نيكسون”، القاضي بالاعتماد على الحلفاء المحليين، واعتماد سياسة جديدة في الخليج العربي، تعتمد على تعزيز الوجود العسكري الأمريكي، في الخليج، والتهديد باستخدامه، وإيجاد قوة الانتشار السريع، لضمان استمرار تدفق النفط، أي إدخال المنطقة في دائرة الأمن الغربي.
    وبسقوط الشـاه، ودخول آية الله الخميني إيران، في الأول من فبراير 1979، سقط مبدأ نيكسون. فتغيُّر ميزان القوى المحلي، والخوف من عدوى الثورة الإسلامية، وعدم وجود بديل محلي من إيران، قادر على القيام بدور شرطي في المنطقة، كل ذلك دفع القادة الأمريكيين إلى ضرورة البحث عن إستراتيجية جديدة في الخليج العربي، لحماية المصالح الأمريكية فيه.
    اعتقد القادة الأمريكيون، في الأيام الأولى للثورة الإيرانية، أنهم خسروا، بسقوط الشاه، حليفاً ثابتاً، وقوياً، ولكنهم لن يخسروا كل النفوذ، الذي يتمتعون به في المنطقة. وكان هنالك محاولات للدخول في حوار مع الثورة الإسلامية، على حدّ قولهم، بهدف احتوائها، وإبقاء إيران ضمن مناطق النفوذ الأمريكية. هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح، بسبب الموقف المتصلب لقادة الثورة الإيرانية، الذين رأوا الإمبريالية الأمريكية، هي العدو الأول لمصلحة الشعب الإيراني. هذا التوجه الراديكالي للثورة الإيرانية، الذي جسدته مسألة الرهائن الأمريكيين، زاد مخاوف الأمريكيين، وحسم الجدل في الأوساط الإستراتيجية الأمريكية، حول فاعلية “مبدأ نيكسون”، وحول الخيارات المطروحة في المنطقة. فقد استبعدت، وبشكل نهائي، فكرة البديل المحلي من إيران، وبدأت تتبلور الصورة الجديدة للسياسة الأمريكية: حضور لافت للقوة الأمريكية في المحيط الهندي، وتطوير برنامج سياسي ـ عسكري، يجعل المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، في منعة من عدوى عوامل الاضطراب. وحظي تكثيف الوجود، العسكري والسياسي، الأمريكي، في الخليج العربي، بنوع من الإجماع في الأوساط الأمريكية، على أساس أنه البديل الوحيد من “مبدأ نيكسون”، القادر على ضمان الأمن والاستقرار في الخليج، ومن ثَمّ حماية المصالح الأمريكية.
    وبناءً على ذلك، قدم سبجنيو بريجنسكي Zbigniew Kazimierz Brzezinski ، مستشار الرئيس جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي، مذكرة تتضمن أُطُر عمل جديدة في الخليج العربي، لتأكيد قوة وتأثير الولايات المتحدة الأمريكية في تلك المنطقة، وإصرارها على حمايتها من الأخطار، الخارجية والداخلية، بمختلف الوسائل، خاصة بعد اختلال ميزان القوى، الإستراتيجية والإقليمية، لمصلحة الاتحاد السوفيتي.
    وتضمنت خطة بريجنسكي، التي تمثل المصدر الأساسي لـ “مبدأ كارتر”، الأسس التالية:
1. وضع سياسة أمريكية جديدة في المنطقة، تشبه “مبدأ ترومان”، الذي رسم، بعد الحرب العالمية الثانية، الخط، المحظور على الاتحاد السوفيتي تجاوزه.
2. إعلان السياسة الأمريكية الجديدة على العالم وعلى الشعب الأمريكي، لدراسة ردود الفعل. وفي ضوء ذلك، تتخذ الولايات المتحدة الأمريكية ما يمكن من إجراءات عملية، لحماية أمن الشرق الأوسط والخليج العربي.
3. نتيجة لتفوق الاتحاد السوفيتي في القوى التقليدية الإقليمية، في الشرق الأوسط والخليج العربي، فإن على الولايات المتحدة الأمريكية، أن تبني قواتها المسلحة من جديد، وأن تكون مستعدة للرد، فوراً، على أي تهديدات سوفيتية في الخليج بصورة خاصة.
4. العمل على تشجيع تحالفات أو ترتيبات تعاون أمني، بين الدول المعتدلة، بما فيها مصر وإسرائيل والمملكة العربية السعودية والأردن[4].
5. ضرورة التعاون القريب مع المملكة العربية السعودية، لكونها، بعد سقوط الشاه الركيزة الأولى للنظام الأمني الإقليمي في منطقة الخليج.
    كان مضمون هذه المذكرة، موضوع مناقشات عديدة، بين أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي، الذي اجتمع، غير مرة لدراستها ودراسة الموقف في الخليج العربي، بعد نجاح الثورة الإيرانية، وتحديد ملامح السياسة الأمريكية الجديدة.
    وانحصرت المناقشات داخل مجلس الأمن القومي الأمريكي، ووزارة الخارجية، في تيارَيْن رئيسيَّيْن:
1. التيار الأول، تيار متطرف، يمثله مجلس الأمن القومي بزعامة بريجنسكي. ويطالب بوضع إستراتيجية جديدة لمنطقة الخليج العربي، لحماية المصالح الأمريكية، ترتكز على حق الولايات المتحدة الأمريكية في التدخل، عسكرياً، لضمان هذه المصالح.
2. التيار الثاني، تيار وزارة الخارجية، الأقل تطرفاً، المنادي بالتريث والاعتدال، لسببين رئيسيَّين:
أ. أن الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدة لمواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتي. ولذلك، فمن الأفضل البدء بإعادة بناء التفوق العسكري الأمريكي النووي، أو على الأقل، إعادة التوازن إلى ميزان القوى الإستراتيجي بين واشنطن وموسكو.
ب. ضرورة الإعداد، السياسي والسيكولوجي، لهذه الإستراتيجية. ذلك أن وضع إستراتيجية جديدة، يستلزم تهيئة شعوب المنطقة لقبولها، والولايات المتحدة الأمريكية، لم تفعل شيئاً، بعد اتفاقات كامب ديفيد، لتصحيح الخلل، الناجم عن اتفاقات مصر وإسرائيل، حتى داخل صفوف أصدقاء واشنطن.
    كان من الواضح، أن التيار المتطرف هو الذي سينتصر، لأنه يعبّر عن أيديولوجية ومصالح المؤسسات العسكرية ـ الصناعية. فبينما كان التيار الثاني يفترض إعادة النظر في مجمل الأهداف الأمريكية، وتكيّف واشنطن مع المتغيرات الدولية. وهو ما تعارضه الأوساط الفاعلة في الولايات المتحدة الأمريكية، لتعارُضه مع مصالحها الاقتصادية. أمّا التيار الأول، فيركز في الأسلوب، من دون أن يمس الأسس الثابتة للسياسة الخارجية الأمريكية.
    وفي ضوء المتغيرات الجديدة، كانت مراكز البحوث، ودوائر الاستخبارات، ووزارة الدفاع الأمريكية، ومراكز اتخاذ القرار الأمريكي، تعيد قراءة مصادر الخطر على النفط الخليجي، وأشارت مجلة “فورتشن Fortune” الأمريكية، في عددها الصادر في 7 مايو 1979، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، ستتدخل عسكرياً، إذا وقع أحد الاحتمالات التالية:
1. غزو سوفيتي لمنطقة الخليج العربي، للاستيلاء على منابع النفط.
2. حظر نفطي، يعمد إليه السعوديون، لتحقيق أهداف سياسية.
3. غزو عراقي للكويت، أو المملكة العربية السعودية؛ إذ تستطيع القوات المدرعة العراقية، التي تستخدم بصورة رئيسية معدات سوفيتية، أن تكتسح أيّاً من الدولتَين، بسرعة. ويتطلب إبعاد القوات البرية العراقية، إنزال قوات من مشاة البحرية، من الأسطول السادس، أو السابع، وقوات مشاة من الفرقتَيْن 82 و101.
4. في حالة انقلاب نظام الحكم في المملكة العربية السعودية، وطلب العائلة الحاكمة مساعدة.
5. إذا أغلق المتمردون مضيق هرمز.
سادساً: “مبدأ كارتر”، وإخراج الخليج من الصراع الدولي، وإدخاله دائرة النفوذ الأمريكي
    في 23 يناير 1980، أعلن الرئيس، جيمي كارتر، في رسالته السنوية إلى الكونجرس، عن حالة الاتحاد الأمريكي، مجموعة من المبادئ والأفكار، التي ستمكن الولايات المتحدة الأمريكية من التحرك السريع، في مواجَهة الاتحاد السوفيتي، في معركة التنافس والصراع بين العملاقَين، سواء كان لحماية مصالح كلٍّ منهما، أو لتحقيق أحدهما مكاسب جديدة، على حساب مصالح الطرف الآخر.
    ومجموعة الأفكار التي طرحها الرئيس، كارتر، وهي ما اصطـلح على تسـميته “مبدأ كارتر”، ركزت في مناطق الشرق الأوسط، والخليج العربي، وجنوبي آسيا، في محاولة لإعادة الهيبة والنفوذ الأمريكيَّيْن، وللدفاع عن المصالح، الأمريكية والرأسمالية، بشكل عام، في تلك البقعة من العالم، التي أصبحت، باعتراف جميع المحللين السياسيين، بما تمثله من نفط ومال وموقع إستراتيجي، من أكثر المناطق أهمية، بالنسبة إلى سياسة الدول الكبرى.
وجاء في الرسالة: “… ليكن موقفنا واضحاً، إن أي محاولة تقوم بها قوة خارجية، للسيطرة على منطقة الخليج الفارسي[5].
    لقد كانت رسالة الرئيس كارتر إلى الكونجرس، المدخل والمؤشر إلى إعادة تقييم الإستراتيجية الأمريكية، تجاه منطقة الشرق الأوسط عامة، والخليج العربي بالتحديد. وخلال السنة الأخيرة من ولايته، عمل الرئيس كارتر على بلورة مبدئه، وتجسيده على أرض الواقع، من خلال سياسة متعددة الأبعاد، أبرزها:
1. إعلان تطوير قوة الانتشار السريع الأمريكية، لكي تتدخل، بسرعة، في أي نقطة في الكرة الأرضية، إذا ما تعرضت مصالح الولايات المتحدة الأمريكية للخطر.
2. محاولة الولايات المتحدة الأمريكية ربط دول المنطقة أمنياً بها، حيث أكد الرئيس كارتر، أمام الكونجرس، في 23 يناير 1980، استعداد واشنطن بالتعاون مع دول المنطقة، لوضع إطار للتعاون الأمني، يخدم القيم المختلفة، والالتزامات السياسية، ويضمن استقلال الجميع وأمنهم وازدهارهم.
3. التركيز على تعزيز الوجود العسكري الأمريكي، في المحيط الهندي، وفي مدخل الخليج العربي، وفي الحصول على القواعد والتسهيلات العسكرية، البحرية والجوية، الضرورية، في مناطق: شمالي أفريقيا، ومصر، والقرن الأفريقي، والصومال وكينيا، والخليج العربي، وعُمان، والبحرين.
    وقد ترجم وزير الدفاع الأمريكي، هارولد براون Harold Brown، في خطابه أمام مجلس العلاقات الخارجية، في 6 مارس 1980، توجهات الإدارة الأمريكية، التي رسمها “مبدأ كارتر”. وحدد، أولاً، المصالح الحيوية كالتالي:
1. تأمين الوصول إلى النفط.
2. مقاومة التوسع السوفيتي.
3. تدعيم الاستقرار في المنطقة.
4. دفع مسار السلام في الشرق الأوسط، وضمان أمن إسرائيل.
    وبعد تحديده عناصر الردع غير العسكرية، التي تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية استخدامها، تطرق إلى عناصر الردع العسكرية التالية:
1. قوة الانتشار السريع وإبراز القوة.
2. تطوير القدرة على استخدام القوة العسكرية استخداماً أكثر فاعلية.
3. تطوير أدوات القتال التقليدية.
4. الرد الجماعي، من قِبل القوى المحلية، والقوات الأمريكية، وقوات أخرى من خارج المنطقة.
    واستطرد وزير الدفاع، قائلاً: “وعلى سبيل المثال، فإننا نعمل، مع عدد من دول المنطقة على زيادة تسهيل وصول الولايات المتحدة الأمريكية إلى المرافق الحيوية. وكذلك نجري محادثات مع الأطراف، القادرة على تقديم المساعدات إلى تلك الدول، التي تحتاج إليها، في إطار برنامج دعم اقتصادي، ومساعدة عسكرية. كما نجري مشاورات مع دول، في المنطقة وخارجها، حول التعاون العسكري”. وأكد وزير الدفاع الأمريكي توجُّه حكومته إلى تدريبات، تؤديها الأسلحة المختلفة في الجيش الأمريكي، ومناورات مشتركة مع الدول، الصديقة والحليفة، في المنطقة.
    إن مجمل هذه الخطط تكشف، بوضوح، أن الإدارة الأمريكية، لا تريد لأي دولة من الدول الحليفة لها، أن تؤدي دور الشرطي، لحراسة آبار النفط. وأنها قررت الاضطلاع، وحدها، بهذا الدور، بعد انهيار نظام الشاه.
    ويُعَدّ “مبدأ كارتر” محاولة أمريكية للدفاع عن المصالح الغربية، في منطقة الخليج العربي، التي تحتل مكاناً بارزاً على خريطة صراعات الدول الكبرى. وتنبع أهمية الخليج العربي من عاملَيْن أساسيَّيْن:
·    أحدهما إستراتيجي، وتتزايد أهميته مع انتصار الثورة الإيرانية، ودخول السوفيت إلى أفغانستان، ونمو حركات التحرر الوطني في دول المنطقة، ثم الحرب العراقية ـ الإيرانية، في 22 سبتمبر 1980.
·    وثانيهما اقتصادي، يتمثل في كون المنطقة تحتوى على أكبر مخزون نفطي.
    وترتبط بالمصالح النفطية الغربية في الخليج، مجموعة أخرى من المصالح، تتعلق باستثمارات الغرب في المنطقة، وبدور رؤوس الأموال الخليجية ـ البترودولار ـ في حل أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، خاصة من خلال تجارة الأسلحة والودائع المالية في المصارف الغربية.
    فاستناداً إلى “مبدأ كارتر”، نصبت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها زعيمة لحماية مصالح العالم الحُر، وأعطت لنفسها حقاً في حماية النفط، من منابعه حتى مصباته، مما أسمته “الخطر السوفيتي”، حتى لو استدعى ذلك تدخلاً عسكرياً. وهو ما يعني أن “مبدأ كارتر”، يرتكز على إدخال الخليج العربي ضمن دائرة الأمن الغربي، وتحويله إلى منطقة نفوذ أمريكية، وإخراجه من دائرة الصراع الدولي.


[1] أُنظر نص خطاب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، في الكونجرس الأمريكي، في 18 فبراير 1970
[2] اجتمع الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، والرئيس السوفيتي، ليونيد بريجينيف، في 26 مايو 1972، في موسكو، حيث تم التوقيع على اتفاقية الحد من الأسلحة الإستراتيجية (سولت ـ 1)
[3] موقع “نيافاران” شمالي شرقي طهران
[4] المشكلة الرئيسية، التي تعترض وصول الإدارة الأمريكية إلى ترتيبات أمنية، هي مطالبة المملكة العربية السعودية بعدم إشراك إسرائيل، كطرف أساسي في هذه الترتيبات. ولذلك، فشل هارولد براون، وزير الدفاع الأمريكي، خلال زيارته المنطقة في الفترة من 9 إلى 19 فبراير 1979، في إقناع المسؤولين السعوديين بوجهة النظر الأمريكية
[5] يطلق الرئيس الأمريكي على الخليج العربي لفظ الخليج الفارسي.’)، ستُعَدّ تهديداً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية. وسنردّ عليها بكل الوسائل الضرورية، بما فيها استخدام القوة المسلحة