رسالة مقدمة الى مجلس معهد القائد المؤسس للدراسات القومية والاشتراكية العليا، وهي جزء من متطلبات نيل درجة الماجستير من قسم الدراسات الدولية.

 من قبلالطالب رائد صالح علي

 بأشراف الدكتور حبيب عبد القادر الشاوي

 

المقدمة

         احتلت منطقة الخليج العربي الاولوية في سلم اهتمامات السياسة الخارجية الايرانية، على نحو جعلها ترنو دوماً ببصرها نحو هذه المنطقة لاكتساب واحتلال المكانة المتميزة والمشاركة بفاعلية في خضم مايجري في هذا الاقليم من تفاعلات، بحكم الارتباط المكاني وبالتالي الامني، ولاسباب ذات صلة وثيقة بالنزعة القومية الايرانية الرامية لتحويل الخليج العربي الى (بحيرة فارسية)، بعدما نجحت في توظيف مابحوزتها من عناصر وامكانات لصالح حركتها السياسية، وهي الاهداف التي برزت بشكل خاص في عهد الاسرة البهلوية منذ عشرينات القرن المنصرم حيث افلحت ايران ومنذ عام 1979 في توظيف العامل الديني كعنصر مضاف في خدمة استراتيجيتها التي لم تختلف في جوهرها على مدى العهود المتعاقبة على الحكم في ايران، وهو ماطبع السياسة الخارجية الايرانية في الخليج العربي بطابع التطرف والتشدد طوال العقد الاول من عمر ثورتها في ظل الحماس الايدلوجي الذي سيطر على ادراك صناع السياسة الايرانية، بشكل افضى الى القطيعة والفتور في العلاقات الايرانية- الخليجية، ازدادت بفعل الحرب العراقية- الايرانية، التي مثلت دليلاً بارزاً على النمط المتطرف الذي اتخذه مسار السياسة الخارجية الايرانية، على نحو حمل ايران اكلافٍ باهضة من وراء هذه السياسة.

ومنذ مطلع التسعينات من القرن العشرين شهد النظام الدولي تحولاً جوهرياً بفعل أفول نجم القطبية الثنائية، وغياب القوة الدولية الموازنة للولايات المتحدة التي غدت المهيمنة على النظام السياسي العالمي وتفاعلاته بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وهو ما انعكس على اقليم الخليج العربي الذي بات رازحاً تحت الهيمنة الامريكية سياسياً وامنياً، حيث غدت الولايات المتحدة الموجه الرئيس لتفاعلات المنطقة، ومما حتم على ايران اعادة ترتيب اوراقها في ظل عجزها عن تحقيق مشروعها الذي بشرت به، بالبحث عن وسائل جديدة لتحقق مقاصدها ازاء المنطقة في ظل القيود البيئية الجديدة، من خلال التحول الذي شهدته سياستها الخارجية التي اتخذت مسارات اكثر اعتدالاً واقل تطرفاً ميّزت سلوكها السياسي الخارجي خلال هذه الحقبة ضمن اطار سعيها للتكيف مع التحولات الدولية والاقليمية الجديدة بغية تحييد ضواغطها، خصوصاً وان هذه التحولات قد تزامنت مع ماشهدته ايران من تطورات على الصعيد الداخلي بعد وفاة الخميني.

من هنا يأتي اهتمام هذه الدراسة بالسياسة الخارجية الايرانية حيال منطقة الخليج العربي خلال عقد التسعينات من القرن العشرين حيث تمّ التركيز على سياسة ايران تجاه دول مجلس التعاون الخليجي دون العراق نظراً للظروف الاستثنائية التي ألمت به من جراء العدوان الثلاثيني الغاشم والحصار الجائر، مما كان له الدور في الحيلولة دون اداء العراق لدوره الاقليمي، من خلال تحجيم قدراته وتحييدها على النحو الذي منح ايران قوة مضافة ومجالاً واسعاً للتحرك.

فرضية الدراسة:-

         بناءاً على ذلك فان هذه الدراسة سوف تستند على فرضية مفادها ان السياسة الخارجية الايرانية خلال عقد التسعينات من القرن العشرين اخذت تنحو منحىً اعتدالياً- واقعياً تجاه المنطقة، كإنعكاس للمتغيرات الدولية والاقليمية والداخلية والتي كانت بمجملها عوامل ضاغطة دفعت ايران باتجاه التخفيف من حدة اندفاعها السابق، ضمن اطار بحثها عن هوية اقليمية جديدة مغايرة لما سبق، من اجل المضي في متابعة مقاصد سياستها الخارجية بأساليب جديدة بحيث تصب في النهاية في خدمة استراتيجيتها تجاه المنطقة، وبغية اثبات هذه الفرضية، فأن هذه الدراسة ستتوخى الاجابة عن التساؤلات الاتية: ماهي المتغيرات الخارجية والداخلية المؤثرة في عملية صنع السياسة الخارجية الايرانية حيال منطقة الخليج العربي خلال عقد التسعينات، وماهي اهداف تلك السياسة وادوات تنفيذها، والهياكل المساهمة في صنع هذه السياسة، ومن ثم ماهي محصلة السياسة الخارجية الايرانية تجاه المنطقة في ظل المعطيات التي افرزتها هذه الحقبة، واخيراً ماهي افاقها المستقبلية؟.

منهجية الدراسة:-

استندت هذه الدراسة في معالجة موضوعها على المنهج الوصفي التاريخي الذي يقوم على وصف الوقائع والاحداث التاريخية التي لها صلة بموضوع الدراسة، وتفسيرها. وكذلك تمّ الاعتماد على منهج التحليل النظمي، الذي يستند في تحليله على مدى قدرة الدولة على الاستجابة للضغوط البيئية (الخارجية والداخلية) والتكيف معها من خلال السلوك السياسي الخارجي الذي تنتهجه هذه الدولة وفقاً لامكاناتها ومواردها([1]). وقد حاول الباحث خلق نوع من الترابط بين المنهجين على النحو الذي من شأنه ان يفضي الى تحقيق الاهداف المتوخاة من هذه الدراسة.

هيكلية الدراسة:-

في ضوء التساؤلات التي طرحتها فرضية الدراسة، فقد تضمنت هذه الرسالة مقدمة ومدخل تمهيدي واربعة فصول وخاتمة، توزعت على النحو الاتي:

مدخل تمهيدي، تضمن التعرف على بداية الاهتمام الايراني وجذوره التاريخية بالخليج العربي في مرحلتين، الاولى: منذ عهد الاسرة البهلوية التي تسلمت السلطة في عشرينات القرن العشرين بعد سقوط حكم الاسرة القاجارية عام 1921 وحتى عام 1979 وهو العام الذي اطيح فيه بالنظام الملكي، واما المرحلة الثانية من عام 1979 وحتى نهاية عام 1989.

الفصل الاول: وبعنوان “المتغيرات الخارجية المؤثرة في صنع السياسة الخارجية الايرانية حيال الخليج العربي”، حيث تمّ فيه الاحاطة بالمتغيرات الخارجية التي تركت تأثيراً مهماً على صانع القرار السياسي الخارجي الايراني، فقد تمّ التركيز على دراسة الدول عوضاً عن الاحداث، لذلك توزع الاهتمام بدراسة هذه المتغيرات في مبحثين: الاول: تمّ فيه تناول المتغيرات الدولية وشملت الاتحاد السوفيتي (سابقاً)- روسيا الاتحادية (حالياً)، وكذلك الولايات المتحدة، في حين انصرف المبحث الثاني لدراسة المتغيرات الاقليمية، حيث شملت ابرز اللاعبين الاقليميين في المنطقة ضمن المحيط الاقليمي لايران وهم: تركيا، (اسرائيل)، الباكستان، جمهوريات اسيا الوسطى والقوقاز والعراق.

والفصل الثاني: وعنوانه “المتغيرات الداخلية المؤثرة في صنع السياسة الخارجية الايرانية حيال الخليج العربي”، اشتمل هو الاخر على مبحثين اولهما: انصرف لدراسة المتغيرات المادية وهي: الموقع الجيو-سياسي، والوضع  الاقتصادي والامكانات والقدرات العسكرية، واما المبحث الثاني: فقد تناول المتغيرات المجتمعية وهي: الايدلوجية، المؤسسة العسكرية، التكوين الاثني، والتيارات السياسية.

واما الفصل الثالث: فهو بعنوان عملية صنع السياسة الخارجية الايراني، وتضمن مبحثين، الاول: تمّ فيه تناول اهداف السياسة الخارجية الايرانية والتي انقسمت بدروها الى ثلاث اهداف: امنية وسياسية واقتصادية، واما المبحث الثاني: فقد توخى دراسة هياكل صنع السياسة الخارجية الايرانية التي شملت: مؤسسة ولاية الفقيه، والسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، والمؤسسات الاخرى التي لها صلة بالسياسة الخارجية الايرانية وهي مجمع تشخيص مصلحة النظام، مجلس الامن القومي.

واخيراً الفصل الرابع: بعنوان “محصلة السياسة الخارجية الايرانية تجاه الخليج العربي وآفاقها المستقبلية، حيث تمّ فيه تناول السلوك الايراني حيال القضايا المهمة في المنطقة ومستقبلها في ثلاثة مباحث. اهتم المبحث الاول بدراسة الموقف الايراني من احداث الخليج مابين 1990 و1991، في حين تناول المبحث الثاني الموقف الايراني من الترتيبات الامنية في المنطقة منذ عام 1991، واخيراً في المبحث الثالث تناولت الدراسة الافاق المستقبلية للسياسة الخارجية الايرانية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي من خلال ثلاث مشاهد مستقبلية وهي: مشهد الاستمرارية ومشهد التغيير ومشهد الاستمرارية والتغيير.

وتطرقت الخاتمة لتتناول اهم الامور التي تمّ بحثها في ثنايا هذه الرسالة والاستنتاجات الرئيسية التي توصلت اليها.

واخيراً ثمة صعوبات غير قليلة جابهت كتابة هذه الرسالة وفي مقدمتها ندرة المصادر الحديثة التي تخص القضايا الداخلية، وبصفة خاصة في ظل التحولات التي طرأت خلال مدة الدراسة، لكن الباحث وبجهد حثيث حاول تذليل تلك الصعوبات قدر المستطاع، واجراء الموازنة بين المصادر لاعتماد الارصن من بينها من اجل الخروج بهذا الجهد الاكاديمي المتواضع، الذي نتمنى ان يكون قد حقق ولو جزء يسير من الاهداف التي توخينا تحقيقها من هذه الدراسة فالكمال لله وحده، وتبقى الحكمة هي ضالة المؤمن بأخذها من أي وعاء خرجت، والله الموفق.

([1]) للمزيد من التفصيل انظر: د. اسماعيل صبري مقلد، نظريات السياسة الدولية دراسة تحليلية مقارنة، ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الثانية، 1987، ص ص131-145. 

مدخل تمهيدي

تطور السياسة الخارجية الايرانية تجاه الخليج العربي للمدة
من 1921 وحتى 1989م.

كان تاريخ السياسة الخارجية الايرانية ازاء منطقة الخليج العربي منذ بداية العقد الثاني من القرن العشرين تعبيراً عن سعي ايران الحثيث من اجل تحقيق اهدافها في بسط النفوذ والسيادة وابعاد النفوذ الاجنبي عن المنطقة، فقد كانت ايران تنظر الى الخليج على انه بحيرة فارسية ارضه جزء من ارض ايران، وتبلورت هذه السياسة بشكل واضح في العصر الحديث في عهد الاسرة البهلوية منذ عام 1925، اما قبل ذلك فقد شهدت ايران سلسلة من الازمات الداخلية في عهد الاسرة القاجارية جعلها تنصرف لمعالجتها دون الاهتمام بالقضايا الخارجية.

لذلك سوف نقسم تاريخ السياسة الخارجية الايرانية نحو منطقة الخليج العربي الى ثلاثة مراحل:

المرحلة الاولى وتبدأ من عام 1921 وحتى عام 1941 وهي المرحلة التي شهدت قيام رضاضان بانقلاب عسكري عام 1921 واعتلاءه عرش ايران في عام 1925 مفتتحاً عهد الاسرة البهلوية وحتى عام 1941.

اما المرحلة الثانية من عام 1941 وهو العام الذي تنازل فيه رضا شاه عن العرش الى ولي عهده ابنه محمد رضا بهلوي الذي حكم ايران حتى عام 1979 وهو العام الذي سقطت فيه الاسرة البهلوية بقيام الثورة الايرانية ذات المنهج الاسلامي واعلان الجمهورية.

واما المرحلة الثالثة: فتمتد من عام 1979 وحتى نهاية 1989 وهي المرحلة التي شهدت اندلاع الحرب العراقية الايرانية منذ عام 1980 وانتهاءها عام 1989 ووفاة الخميني عام 1989 لتبدأ ايران بنهاية هذه المرحلة حقبة جديدة في سياستها الخارجية.

المرحلة الاولى (1921ـ1941)

         شهدت ايران في اعقاب الحرب العالمية الاولى تدهوراً في اوضاعها الداخلية بفعل الظروف التي مرت بها اثناء الحرب،  حيث كانت ميداناً للصراع بين الدول المتحاربة بسبب متاخمتها لكل من روسيا القيصرية والدولة العثمانية فقد احتلت القوات الروسية والبريطانية ايران من ناحية والقوات العثمانية والالمانية من ناحية اخرى فأدت الحرب ونتيجة لتدني اوضاعها الاقتصادية والمالية وضعف السلطة القاجارية،  الى ظهور الحركات الانفصالية في الاقاليم الشمالية وخاصة في اذريبيجان وجيلان بمساعدة  السوفيت.([1])

         فضلاً عن سيطرة النفوذ الاجنبي في ايران، الذي تمثل بهيمنة بريطانيا بموجب معاهدة عام 1919 على الشؤون المالية والادارية والعسكرية، الامر الذي جعل من ايران محمية بريطانية([2])، واحتلال الاتحاد السوفيتي لمدينة باكو في شمال ايران عام 1920 وانتشار الافكار الشيوعية في هذه المنطقة عموماً([3]) الامر الذي ادى الى شيوع الاستياء الشعبي، والتذمر، وهو ما وضع بداية النهاية لحكم الاسرة القاجارية، حيث قام رضا خان وهو احد ضباط فرقة القوزاق بالتعاون مع ضياء الدين الطباطبائي الصحفي المشهور، بتدبير انقلاب على احمد شاه القاجاري تم في 21 شباط 1921.([4])

         عقب ذلك عمل رضا خان الذي اصبح وزيراً للحربية، على تحقيق هدف ضمان استقلال ايران بأبعاد النفوذ الاجنبي وتقوية سلطة الدولة المركزية، فبعد ايام قليلة من الانقلاب، قامت حكومة رئيس الوزراء ضياء الدين الطباطبائي بتوقيع معاهدة مع الاتحاد السوفيتي في 26 شباط 1921 في موسكو، والتي بموجبها تم الغاء سريان جميع المعاهدات والاتفاقيات المبرمة مع روسيا القيصرية، وما ترتب عنها من امتيازات للحكومة القيصرية في ايران، وفقاً للمادة الاولى من المعاهدة وبعدم التدخل في شؤون ايران الداخلية وهو ما مكن لايران من تأمين جبهتها الشمالية، و تحييد التهديد السوفيتي([5]).

         وفي الوقت ذاته قامت ايران بألغاء اتفاقية 1919 مع بريطانيا في نفس اليوم الذي عقدت فيه المعاهدة السوفيتية ـ الايرانية، وهو ما افضى الى سحب القوات البريطانية المرابطة في جنوب ايران([6]).

         وبذلك تمكنت ايران من تأمين الجبهتين الشمالية والجنوبية، من اجل الانصراف لترصين الوضع الداخلي وتقوية السلطة المركزية، فبعد انسحاب السوفيت من شمال ايران، تمكن رضا خان من القضاء على حركة ميززاكوجك خان، واسقاط جمهورية (كيلان) التي قامت بمساعدة الاتحاد السوفيتي والتي رمت الى اسقاط النظام القاجاري، كما استطاع وضع حد لحركات التمرد في اقليم اذريبجان التي قامت تحت زعامة الشيخ ((محمد حياباني)) والتي سعت الى الدفاع عن الحقوق القومية للاذربيجانيين بمعونة السوفيت ايضاً بالرغم من عقد المعاهدة المذكورة معهم، فضلاً عن القضاء على حركة التمرد بزعامة ((محمد تقني خاني)) في خراسان خلال فترة رئاسة رضا خان للوزارة ما بين عامي 1923و1925.([7])

         واستكمالاً لعملية ترتيب البيت الداخلي عمل رضا خان على الاستئثار بالحكم وتنصيب نفسه ملكاً على ايران، فقد حمل البرلمان على اصدار قرار تشريعي بأنهاء الحكم القاجاري، وصدر القرار في 12 كانون الاول عام 1925 القاضي بتنصيب رضا خان على عرش ايران الذي اصبح يسمى ((رضا شاه بهلوي شاهنشاه ايران)) وادى اليمين الدستوري في 15 كانون الاول 1925، مبتدءاً عهد الاسرة البهلوية في ايران، وبعد ان تم ترسيخ الوضع الداخلي لايران لصالح رضاشا اخذ يتوجه بأنظاره صوب الخليج العربي([8]) الذي كان خاضعاً لسيطرة النفوذ البريطاني منذ عام 1819 بعد ان نجحت في القضاء على القواسم الذين سيطروا على ساحلي الخليج منذ عام 1720([9])، حيث استطاعت ربط شيوخ المنطقة بمجموعة من المعاهدات ((الدائمية والمانعة)) التي منحت بريطانيا دوراً مهيمناً في تصريف الشؤون الداخلية والعلاقات الخارجية لشيوخ المنطقة جاعلة من الخليج العربي محمية بريطانية([10]).

         ومنذ نهاية الحرب العالمية الاولى سيطر النفوذ البريطاني في الخليج العربي بصورة متزايدة عما كان عليه قبل العرب، لعاملين: اولهما: خسارة المانيا والدولة العثمانية في الحرب، وثانيهما: قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وتشكيل الاتحاد السوفيتي الذي اعلن تخليه عن المنافسة الاستعمارية، وبذلك تهيأة الفرص البريطانية للهيمنة على الخليج العربي وتحويله الى ركيزة بريطانية([11]). ومن اجل ارضاء نزعته التعصبية والتوسعية، وبعد اعتلاءه عرش ايران قام رضا شاه عام 1925 بأحتلال المحمرة التي كانت تحت حكم الشيخ خزعل بن جابر الكعبي (1897ـ1925) لتدعيم موقع ايران الاستراتيجي، نظراً لما يوفره موقع المحمرة من مزايا، عند مدخل الخليج العربي من الناحية الشمالية، فضلاً عن امكانية تهديد النفوذ البريطاني في المنطقة، وايضاً دعم الاقتصاد الايراني من خلال الاستفادة من نفط المحمرة، التي اصبحت الاقليم العاشر لايران بأسم ((خوزستان))([12])، كما عملت الحكومة الايرانية على تشجيع الهجرة الى المنطقة في محاولة لتكوين تجمع من الايرانيين، يمكن استخدامهم كوسيلة لتأكيد الادعاءات الايرانية في مساعيها لضم بعض اجزاء المنطقة، ومما يسهل هذه الهجرة، هي تصاريح السفر المعمول بها انذاك والمسماة ((علم وخبر))، التي كان الايرانييون يستخدمونها في السفر الى الموانئ الايرانية على الخليج العربي، وللانتقال الى البحرين وغيرها من امارات المنطقة، حيث تتوفر فرص العمل في القطاع النفطي، مستغلين قلة عدد اليد العاملة في امارات الخليج العربي، وابتداءاً من عام 1928 لعبت الجالية الايرانية في البحرين دوراً في زعزعة الاستقرار، من خلال الترويج بعائدية البحرين لايران باعتبارها جزءاً منها، وكانت ايران تهدف ايضاً من وراء ذلك الى زعزعة الوجود البريطاني في المنطقة الذي شكل كابحاً امام تطلعاتها التوسعية، من اجل تسهيل ضم بعض اجزاء الخليج العربي اليها([13]). فقد اعلن وزير الخارجية الايرانية في 25 آيار 1934 قائلاً: ((ان البحرين جزء متكامل من ايران))، كما قامت في العام نفسه، بالاحتجاج على منح شيخ البحرين امتياز تنقيب النفط لشركة ستاندر داويل اوف كاليفورينا معتبراً هذا الامتياز قد منح دون موافقة الحكومة الايرانية، وارسلت بذلك صورة من الاحتجاج الى الحكومة البريطانية والامريكية والى سكرتارية عصبة الامم([14]).

         ولم تكف ايران في ادعاءاتها عند حدود البحرين، بل تعدتها الى المطالبة بعائدية جزر الساحل العماني الثلاث وهي طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى منذ عام 1923 لما لهذه الجزر من اهمية ستراتيجية في وقوعها بالقرب من طرق الملاحة عند مضيق هرمز، مما يمكن ايران من السيطرة على مدخل الخليج العربي والتحكم بالملاحة الدولية، حيث قدمت الحكومة الايرانية في ذلك العام رسالة الى بريطانيا اكدت فيها تبعية هذه الجزر لايران([15])، لكن بريطانيا لم تكن جادة وحازمة ازاء الادعاءات والتجاوزات الايرانية، فلم تتعدى التهديد بأستعمال القوة بالرغم من تعهدها بالدفاع عن المنطقة، بموجب المعاهدات المعقودة مع شيوخ الخليج، الامر الذي يعني استغلال بريطانيا لادعاءات ايران من اجل احكام سيطرتها على الخليج العربي تحت ستار الحماية([16]).

         ومع ظهور بوادر الحرب العالمية الثانية تلوح في الافق والتي اندلعت في عام 1939 فقد ادت الى توقف الادعاءات الايرانية في الخليج العربي، حيث انشغلت ايران بظروف الحرب، بأستثناء احتجاج الحكومة الايرانية لدى الحكومة الايطالية عام 1940 بسبب قصف البحرين بالمدفعية الايطالية.([17])

المرحلة الثانية: (1941ـ1979)

         شهدت ايران ابتداءاً من عام 1941 جملة من المتغيرات الداخلية والخارجية جعلت القيادة الايرانية عاكفة على معالجتها، ففي آب من العام نفسه اجتاحت القوات السوفيتية ايران من الشمال والبريطانية من الجنوب من جهة الخليج العربي بسبب القلق من النفوذ الالماني الذي تزايد في ايران مما ادى الى تشتيت الجيش الايراني بين الجبهتين وخسارته وهو ما قاد الى تنازل رضا شاه عن العرش الى ولي عهده (محمد رضا بهلوي) في ايلول 1941([18])، فضلاً عن ذلك ادت الحرب الى تراجع الاقتصاد الايراني وشحة المواد الغذائية الضرورية (الحبوب) وارتفاع الاسعار وتدهور الميزانية الحكومية، وهو ما شجع على بروز المعارضة الداخلة من قبل ابناء الاقليات العرقية من غير الفرس للمطالبة بحقوقهم وهم العرب والاذربيجانيون والاكراد، كذلك شهدت هذه الفترة تصاعد نشاط حزر (توده) بعد تنازل رضا شاه عن العرش([19]).

         افضت هذه الاوضاع الى تغير في سياسة ايران حيال القوى العظمى فقد ادرك محمد رضا عقم السياسة التي اتبعها والده، لذلك اعلن عشية توليه العرش، ضرورة قيام الصلات بلاده ((مع الحكومتين البريطانية والروسية اللتين ترتبط مصالحهما بمصالح الدولة الايرانية ارتباطاً وثيقاً)) فقد كان الشاه يروم اخراج القوات البريطانية والروسية من ايران والعمل على تحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وفعلاً تم في 29 كانون الثاني 1942 عقد معاهدة ثلاثية بين ايران وبريطانيا والاتحاد السوفيتي، ضمن فيها الحلفاء ((وحدة اراضي ايران وسيادتها واستقلالها، وبحمايتها من الاعتداء الالماني، واحتفاظ بريطانيا والاتحاد السوفيتي بحق استخدام الاراضي الايرانية لنقل الدعم اللوجستي للسوفيت وبقاء ما تراه من القوات، وتعهدت الدولتين بسحب قواتها من ايران بعد ستة اشهر وبدعم الاقتصاد الايراني من خلال تقديم العون، اما ايران من جانبها فأعلنت الحرب على المانيا في التاسع من ايلول 1943، وفي 28 تشرين الثاني من نفس العام انعقد ((مؤتمر طهران)) بحضور ستالين وتشرشل وروزفلت اعلن فيه الحلفاء في بيان مشترك تقديرهم لجهود ايران في دعم الحلفاء اثناء الحرب ضد المانيا، وتعهد بتقديم العون لمعالجة الوضع الاقتصادي في ايران نتيجة الحرب([20]).

         ازاء ذلك فقد تعزز نفوذ الحلفاء في ايران بعد تولي محمد رضا العرش وخصوصاً النفوذ الامريكي الذي اخذ يزداد منذ وصول القوات الامريكية الى ايران في كانون الاول 1942 التي سميت قيادة الخليج العربي
(Persian Gulf Command)، والتي قوامها 30.000 رجل، لدعم الاتحاد السوفيتي، كذلك ترافق نمو النفوذ الامريكي مع النفوذ البريطاني حيث عرضت شركة النفط الامريكية والانكليزية في عام 1944 عطاءاً لاستثمار النفط في جنوب شرقي ايران، الا ان ايران قررت تأجيل ذلك الى ما بعد انتهاء الحرب.([21])

         وحاول السوفيت الضغط على ايران للحصول على امتيازات نفطية من المنطقة الشمالية، الا ان ايران قاومت هذا الضغوط بفعل دعم البريطاني الامريكي، حيث كان السوفيت يسعون للهيمنة على تلك المنطقة، لذلك امتنعوا خلال المدة 1945ـ1946 عن سحب قواتهم من شمال ايران واستمروا بتقديم الدعم المادي والمعنوي من اجل تكريس قيام جمهوريتين مستقلتين في اذريبجان وكوردستان تابعتان للاتحاد السوفيتي، ولكن وبفضل الضغوط الامريكية والبريطانيا تخلصت ايران من الوجود السوفيتي في اقاليمها الشمالية عام 1946، بعد ان تم عرض القضية على الامم المتحدة([22]).

         وحيال تزايد نفوذ الولايات المتحدة في ايران منذ عام 1942، سعى الشاه لعقد معاهدة مع واشنطن لتحقيق هدفين اولهما: لموازنة قوة بريطانيا والاتحاد السوفيتي، وهي استمرار لسياسة القوة الثالثة لوالده، وثانيهما: تقوية سلطة الشاه في مواجهة المعارضة الداخلية ومطالب بالحرية السياسية، لذلك دعم الشاه عملية الحصول على الخبراء الامريكان في النواحي العسكرية والمالية منذ 1942، فهو يعتقد ان من مصلحة بلاده ((وجود ثلاثة قوى كبرى تهتم بالتطورات الايرانية افضل من اثنين فقط))([23]) وبقيام ثورة 14 تموز 1958 في العراق، ازدادت مخاوف الشاه من احتمال انتقال شرارة الثورة العراقية الى ايران، وكذلك بسبب نمو العناصر الشيوعية في الحكومة العراقية الجديدة، حيث ادرك الشاه الى تهديد السوفيت لم يعد محصوراً في الشمال فقط وانما التهديد السوفيتي يأتي من الجنوب ايضاً، من اجل ذلك اخذ الشاه يطالب الولايات المتحدة بمزيد من المعونات الدفاعية، بسبب معاداة النظام الجديد في العراق للملكية وكذلك بسبب كون ايران عضوة في حلف بغداد، فعقد الشاه ثلاث اتفاقيات دفاعية بشكل منفرد في عام 1959 مع الولايات المتحدة من جهة، وايران وتركيا وباكستان من جهة ثانية، الامر الذي زاد التوتر بين ايران والاتحاد السوفيتي الذي استمر حتى عام 1962([24]) حيث بدأت بوادر الانفراج بين الدولتين لعدة اسباب:

1ـ ان ايران اخذت تزيد من توجهها نحو الخليج العربي الذي وجدت فيه مصلحة ايرانية فكان العداء السوفيتي لايران وهو الجار الشمالي قد صرف ذهن صانع القرار الايراني عن الخليج العربي الذي اعتبرته ايران (بحيرة فارسية).

2ـ ويرتبط بالسبب الاول، وهو مسألة تدني عائدات النفط ولعدم الثقة بالضمانات الامريكية لمساعدة حلفاءها في الملمات.

3ـ اعلان ايران بأنها تتمتع عن اقامة قواعد للصواريخ على اراضيها في عام 1962، والتي ازالت عقبة مهمة في طريق تطبيع العلاقات بين الدولتين([25]) ويرتبط بذلك عامل اخر هو سياسة الشاه الجديدة منذ عام 1963 والتي سماها ((الثورة البيضاء)) او ((السياسة الوطنية المستقلة)) لايران والتي ساهمت في ازالة التوتر بين طهران وموسكو فقد رمت سياسة الشاه الجديدة الى ضمان السلم في الداخل والتعاون في ميدان السياسة الخارجية([26]).

         بيد ان ذلك لم يستمر طويلاً، فما ان اعلنت حكومة العمال البريطانية في السادس عشر من كانون الثاني عام 1968 بأنها ستقوم بالانسحاب من منطقة شرقي السويس أي الواقعة بين عدن وسنغافورة بضمنها منطقة الخليج العربي بنهاية عام 1971، لما يسببه هذا الوجود اكلاف اقتصادية باهضة([27]).

         عمل الشاه على سد الفراغ السياسي والفكري الذي سينشأ عن الانسحاب البريطاني، فأعلن ((ان الامن والاستقرار في المنطقة سيحافظ عليها من خلال القوة الايرانية بعد انسحاب بريطانيا من هناك))، لذلك شرع الشاه في تنمية قدراته الجوية والبحرية، حيث ارتفعت نسبة الانفاق العسكري في عام 1970 حتى وصلت الى حوالي 50% وكان معظمه سلاح امريكي الصنع، وكان هدف ايران من ذلك هو قطع دابر أي محاولة لاسقاط نظام الشاه من الداخل او الخارج وثانياً: تأمين الملاحة في الخليج العربي، وحماية الثروة النفطية لايران وحرية انسيابها، وكذلك قطع الطريق امام بروز اية قوة اقليمية (العراق) او دولية (الاتحاد السوفيتي)([28]).

         وكان الشاه قد استطاع بناء قدراته الذاتية في الميدانيين الاقتصادي والعسكري في ظل الوفرة المادية التي حصلت عليها ايران بفعل ارتفاع عائدات النفط في السبعينات، وهو ما جعل ايران تلعب دور الحارس للمصالح الغربية من جهة والمصالح الايرانية من  جهة اخرى([29]).

         وجاء هذا الدور ضمن اطار الاستراتيجية الامريكية حيال المنطقة، التي وضعت بعد عام 1968 ما سمي بـ ((ميثاق نكسون)) لضمان الامن والاستقرار في الخليج العربي([30]).

         وضمن هذا الاطار، اخذت ايران تتبع وسائل دبلوماسية بشكل نشيط لتحسين صورتها وتحقيق اهدافها في الخليج، فأبدت رغبتها في حل المسألة البحرينية بالوسائل السلمية، حيث اعلن الشاه بنيودلهي بالهند في الخامس من كانون الثاني 1969 ((ان سياسة بلادي الاساسية معارضتنا لاستخدام القوة لغرض الاستيلاء على اراضي خلافاً لرغبات اهلها، وبناء عليه فأقول للمرة الاولى اذا كان اهل البحرين غير راغبين في الانظمام الى بلادي فأن استخدام القوة لاعادة هذه الاراضي…امر مخالف لمبدأنا…)) وتتم تسوية قضية البحرين بفضل جهود الوساطة، وتدخل الامم المتحدة في عام 1970 بقرار من مجلس الامن.([31])

         بيد ان ايران بالرغم من اعلانها بتسوية المسائل العالقة في المنطقة بالطرق السلمية لم تسر في هذا الاتجاه الى نهاية فقد كانت تريد المساومة بين تنازلها عن البحرين مقابل الاستيلاء على الجزر الثلاث، حيث ذكر وزير الخارجية الايراني، بأنه ((تم الاتفاق على تنازل ايران عن البحرين مقابل حصولها على الجزر الثلاث ((ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى))([32])، فأقدمت ايران على احتلالها في الثلاثين من تشرين الثاني 1971 قبل يوم واحد من الانسحاب البريطاني من الخليج العربي، لقد كان هدف الشاه من ذلك امور عدة:

اولهما: تأكيد الدور الايراني في الخليج بأي صيغة كانت سياسية او عسكرية، وثانياً: جعل الشاه (زعيماً على المستوى الدولي)، وثالثاً: تأكيد الوجود العسكري الايراني في المنطقة وانه امر واقع لا محالة، وضمن هذا كان هناك اتفاقاً بريطاني امريكي ايراني في نهاية عام 1971 تضمن عدة اسس للسياسة البعيدة المدى في الخليج العربي وكما يأتي:([33]).

1ـ صيانة سيادة الدول التي استقلت حديثاً في الخليج.

2ـ ضمان حرية تدفق النفط والوصول اليه من قبل الغرب.

3ـ ويرتبط بأعلاه امن النظم القائمة ضد الفوضى الداخلية وعدم الاستقرار.

4ـ ان الدور السياسي والعسكري الايراني سيبقى صمام الاستقرار في المنطقة.

5ـ مقاومة الحركات اليسارية من أي دولة او حركة في الخليج.

         في اطار ذلك، قامت ايران عام 1973 بدعم السلطان قابوس بن سعيد ضد حركة التمرد في اقليم ظفار التي قامت في سلطنة عمان، حيث كانت ايران تسعى لمنع سيطرة الظفاريين على مضيق هرمز، وتهديد خطوط الملاحة الدولية عبر المضيق فيما تشكل خطراً على المصالح الايرانية والدولية.([34]).

         كان ذلك جزءاً من السياسة التي سارت عليها ايران في عقد السبعينات والتي تهدف الى الانغماس بشكل فعال ونشيط في الخليج العربي بالشكل الذي يجعل فيها الفاعل الرئيس والوحيد في شؤون المنطقة لذلك وبغية ابعاد أي فرصة للتدخل من قبل أي طرف خارجي، عملت على حل الخلافات البينية بين اقطار المنطقة منها الخلاف العراقي ـ الكويتي حول مسألة الحدود، وكذلك دعمها لحكومة عمان ضد حركة ظفار ((كما اسلفنا))، حتى لا تؤدي هذه النزاعات لخلق ذريعة لتواجد أي قوة خارجية، حي كانت ايران تخشى بعد انسحاب بريطانيا ان يؤدي هذا الفراغ الى تدخل القوتين العظميين، في ظل التنافس القائم بينهما مما يجعل الخليج حلبة لهذا التنافس وبالتالي تحديد الدور الايراني وهو مالا ينسجم مع الاستراتيجية الايرانية حيال الخليج.([35])

         ومن الجدير بالذكر ان الاسلوب الدبلوماسي الذي اتبعه الشاه خلال عقد السبعينات في تحقيق مراميه، كان يجري في ظل اجواء العلاقات بين الدولتين العظميتين انذاك والمتمثلة بأنتهاج سياسة ((الوفاق الدولي)) منذ عام 1972 والتي رمت الى تخفيف التوتر بين الدولتين في المناطق الساخنة في العالم، لذلك تم عقد عدة مؤتمرات ما بين عامي 1975و 1977 في جدة ومسقط وخلال الفترة من عام 1977 وحتى نهاية 1978عاشت ايران فترة اضطراب داخلي انشغلت فيها ايران قادت في النهاية الى انهاء عهد الاسرة البهلوية بسقوط الشاه وقيام الجمهورية في شباط 1979([36]).

المرحلة الثالثة 1979ـ1989

         بقيام الثورة الايرانية واعلان الجمهورية في عام 1979، توسمت دول الخليج بالنظام الجديد خيراً، وتوقعت ان يكون رجال الدين اكثر اعتدالاً ازاء المنطقة، في ظل الشعارات التي طرحها قادة الثورة في العداء للغرب والولايات  المتحدة بتخليها عن لعب دور (شرطي الخليج) وبأنتهاجها سياسة عدم الانحياز (لا شرقية ولا غربية)، وخروجها من حلف المعاهدة المركزية (السنتو)، والقيام بألغاء عقود التسليح المبرمة مع الولايات المتحدة وفرنسا، وتأييدها للقضية الفلسطينية بقطع علاقاتها مع ((اسرائيل))([37])، فضلاً عن ذلك عملت على الغاء معاهدة 1921 المبرمة مع السوفيت من جانب واحد([38]) الامر الذي لاقى ترحيباً من دول الخليج العربي، بالنظام الجديد، حيث قام الملوك ولامراء ببعث رسائل وبرقيات التهنئة الى خميني ورئيس الحكومة الايرانية مهدي بازكان، خصوصاً وان ايران اخذت تبدي بعض المواقف السلمية ازائهم وامكانية انسحابها من الجزر الاماراتية([39]).

         لكن على صعيد الواقع ظهر عكس ذلك، فبعد استقرار الاوضاع الداخلية في ايران مضت ايران في انتهاج سياسة الشاه السابقة، فأخذت تطرح شعارات تهدد امن واستقرار دول المنطقة من قبيل (تصدير الثورة) وتحرير اقطار المسلمين، وتحديد ايران لادعاءاتها السالفة من جزر وامارات الخليج العربي، فقد اعلن علي صادق روحاني ((ان البحرين ستظل جزءاً لا يتجزأ من ايران))([40]) وابدت ايران عدم استعدادها للتخلي عن الجزر الثلاث فذكر روحاني ((ان جزر الخليج ابو موسى وطنب الصغرى والكبرى تعد تاريخياً جزءاً من الامبراطورية الفارسية القديمة))([41]).

         كما قامت ايران ببعض الاعمال المهددة لاستقرار المنطقة مستغلة وجود بعض السكان ممن يدينون بالمذهب الشيعي في دول الخليج العربي لاحداث اضطرابات في المناطق ذات الاغلبية الشيعية، كما حصل في المناطق الشرقية للسعودية، التي ترافقت مع عملية اقتحام الحرم الشريف بمكة([42]).

         وبحلول عام 1980 ازدادت التهديدات الايرانية عندما بلغت ذروتها بقيام الحرب العراقية ـ الايرانية في ايلول من ذلك العام، حيث مدت ايران نطاق مواجهتها الى باقي دول الخليج العربي، تمهيداً لاسقاطها واقامة (انظمة اسلامية) موالية لها([43])، مبتدا’ بالعراق بأعتباره الكابح والمحدد لسياساتها حيال المنطقة.([44])

         لذلك عملت ايران على استغلال وجود الجاليات الايرانية في دول المنطقة لزعزعة امنها الداخلي فقامت بالتنسيق مع هذه العناصر بمحاولة للاطاحة بالنظام البحراني في كانون الثاني 1981 من خلال تنظيم مسلح اطلق عليه اسم (الجبهة الاسلامية لتحرير البحرين)) والتي تتخذ من طهران مقراً لها.([45])، وفلاً عن استغلال هذه العناصر الحسينيات والمساجد الموجودة في دول الخليج لاثارة النعرات الطائفية، ونشر افكار الثورة الايرانية، الدعوة للاطاحة بالنظم الخليجية القائمة([46]).

         هذه الممارسات وسواها أدت الى تجدد مخاوف دول المنطقة من احتمال وضع انظمتها على المحك بفعل الشعارات (تصدير الثورة) الايرانية، وازاء تطورات الحرب مع العراق، اتفقت دول الخليج العربي على تأسيس مجلس التعاون الخليجي في الرابع من شباط عام 1981، كهيكل اقليمي لصيانة امنها ضد التهديدات المحتملة.([47])

         فقد عملت ايران في خضم حربها مع العراق على تهديد طرق الملاحة الدولية في الخليج العربي وخليج عمان، مستغلة احتلالها للجزر العربية، كقواعد لقواتها المسلحة فقد قامت بوضع قواعد لصواريخ ((سلك دورم)) على جزيرة ابو موسى، وهاجمت قواته البحرية ناقلات النفط قرب السواحل العربية([48]) وهو ما اعطى ذريعة للتواجد البحري الاجنبي لحماية الامدادات النفطية الى العرب، في الخليج العربي وبالقرب منه، حيث قامت الولايات المتحدة بزيادة فاعلية الاسطول الخامس في قاعدة ديغورسيا في المحيط الهندي وبحر  العرب، فضلاً عن اعلانها في وقت سابق عن انشاء قوات الانتشار السريع لمواجهة اية تهديدات للخليج  العربي تنفيذاً لمبدأ كارتر، الذي عد الخليج منطقة حيوية للمصالح القومية للولايات المتحدة([49]) ونتيجة لازياد مخاوف دول الخليج العربي من مخاطر الحرب العراقية ـ الايرانية على انظمتها منحت الولايات المتحدة قواعد عسكرية وتسهيلات في الخليج العربي وبحر العرب قرب المحيط الهندي لموازنة التواجد السوفيتي في ليبيا واثيوبيا واليمن الجنوبي (عدن)([50])، كما اسفرت التهديدات الايرانية لناقلات النفط المارة عبر مضيق هرمز الى تواجد بريطاني وفرنسي لحماية هذه السفن من أي هجوم ايراني محتمل([51])، ازاء هذه التهديدات اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 1982 الى دعم العراق مادياً في الوقت الذي احرز فيه تفوقاً استراتيجياً على ايران([52])، حيث كانت دول المجلس قد ابتعدت عن دعم أي طرف منذ بداية الحرب([53]). بيد ان منذ عام 1986 وبعد احتلال القوات الايرانية لمدينة الفاو وتعرض دول المنطقة للتهديد بفعل قربها من ساحات القتال اخذت تطالب الدول الغربية بالتدخل لانهاء الحرب([54]) حيث كانت الدولتين العظميين من جانبها قد اعلنت حيادها ازاء الحرب وابدت رغبتها بأنهاء النزاع بين الدولتين([55]) وفي عام 1987 قام عدد من عناصر الحرس الثوري باقتحام المسجد الحرام رافعين شعارات تنادي بأن الخميني غدا (اماماً للمسلمين) مما ادى ذلك الى حدوث مصادمات اسفرت عن سقوط عدد من القتلى بين الحجاج([56]).

         بعد هذا الحادث جددت دول الخليج العربي دعمها للعراق بفعل ازدياد التهديدات الايرانية، في مؤتمر قمة عمان (الاردن) الاستثنائي الذي عقد في الفترة من 8ـ 11 تشرين الثاني 1987، والذي تعهدت بموجبه بدعم العراق الكامل وفقاً لميثاق الجامعة العربية، ومعاهدة الدفاع المشترك([57]).

         وازاء استمرار الحرب العراقية ـ الايرانية، وبغية الحيلولة دون تفاقم اثارها في المنطقة بما يهدد السلم والامن في الخليج العربي، اصدر مجلس الامن القرار (598) في 30 تموز 1987، داعياً الاطراف الى وقف القتال وتسوية النزاع بالطرق السلمية، الا ان ايران اصرت على استمرار الحرب، من اجل تحقيق اهدافها في المنطقة، فقد اعلن علي خامنئي رئيس الجمهورية انذاك في تصريح نقلته وكالة اسوشيتد بريس قوله ((ان دعوة الاممم المتحدة لوقف اطلاق النار في حرب الخليج لا تساوي فلساً)) واستمرت ايران في مواصلة الحرب([58]).

         الا انه ابتداء من نيسان 1988 وبفعل تكثيف الضغوط العسكرية على القوات الايرانية من قبل العراق، والتي ادت الى تكرار الهزائم العسكرية الايرانية، وانكسار معنويات الجيش الايراني بفعل الخسائر المتكررة، اضطرت ايران للموافقة على قرار مجلس الامن (598) في 18 تموز من العام نفسه، حيث نص قرار مجلس على وقف اطلاق النار بين البلدين في 20 آب 1988، وخاصة ايران من هذه الحرب مهزومة وتعاني من العزلة الدولية بعدما اخفقت في تحقيق مشروعها([59]).

         عقب ذلك شهدت ايران حملة من المتغيرات على الصعيد الداخلي بدأت بوفاة منظر ثورتها الخميني عام 1989، وتولي القيادة الدينية والسياسية من قبل شخصيات اكثر اعتدالاً التي تمثلت، بتولي علي خامنئي منصب المرشد خلفاً للخميني، ورفسنجاني الذي اصبح رئيساً للجمهورية، واتجاه هذه القيادة نحو تبني سياسيات اكثر توازناً في علاقاتها الخارجية، تأخذ بأعتبارها المصالح القومية الايرانية بعد انطفاءها جذوة الحماسي الثوري، وابتداءاً من مطلع عقد التسعينات من القرن العشرين([60]).

         في ضوء ما تقدم، يمكن القول، ان السياسة الخارجية الايرانية، خلال العهد البهلوي وما اعقب ذلك من فترة خلال العقد الاول بعد اعلان النظام الجمهوري، عبارة عن سعي ايران لفرض سيادتها ونفوذها على دول المنطقة، لتحقيق اهداف استراتيجيتها حيال الخليج العربي، وهو ما جعل دول المنطقة تتوجس من ايران وتحجم عن التعامل معها، بسبب التهديد الايراني لامن المنطقة، بفعل سياستها في تصدير الثورة، وهو ما ادى الى خسائر كبيرة لأيران وتدهور في اوضاعها الداخلية، فضلاً عن علاقاتها الخارجية حيث غدت ايران تعاني من انتهاء الحرب مع العراق من العزلة والدمار.

الفصل الاول

المتغيرات الخارجية المؤثرة في صنع السياسة الخارجية الايرانية حيال الخليج العربي

توطئة:

يقصد بالمتغيرات الخارجية ((الافرازات الناجمة عن طبيعة علاقة أي دولة مع غيرها من الوحدات السياسية الدولية من ناحية الخصائص التي يتميز بها النظام السياسي الدولي في مرحلة معينة من ناحية اخرى))، فالدولة انما تتحرك في ظل النظام الدولي الذي يتكون بدوره من عدد من النظم الاقليمية الفرعية، باعتبارها احدى وحدت ذلك النظام، والتي تدفع خصائص بها الى التعامل مع القيود التي يفرضها ذلك النظام او ما يمنحه من فرص، فلا يمكن لصانع القرار السياسي الخارجي ان يرسم سياسته الخارجية بمعزل عن هذه القيود والفرص، في اللحظة التي يتم فيها صناعتها فيها، فهذه القيود او الفرص في البيئة الخارجية لها تأثيرات التي قد تكون سلبية او تكون ايجابية في سعي الدولة لتحقيق اهدافها المرسومة، ومهما كانت تأثيراتها فلا يمكن لصانع القرار السياسي الخارجي ان يعفي نفسه منها او يتجاهلها، بيد ان ذلك لا يعني ان على صانع القرار ان يتعاطى مع كل المتغيرات الخارجية، وانما عليه ان يحرس على عدم استنزاف قدرات دولته، فالنظام السياسي الدولي ((هو الاطار الذي تنبع منه كافة المتغيرات الخارجية، باعتباره محصلة لعلاقات التفاعل بين الوحدات السلبية الدولية التي تعبر عن نفسها من خلال مجموعة من الانماط السلوكية ذات الطبيعة المتكررة))([61])

 

المبحث الاول: المتغيرات الدولية

 تشمل المتغيرات الدولية المؤثرة في صنع السياسة الخارجية الايرانية حيال الخليج العربي، والنابعة من طبيعة النظام السياسي الدولي الجديد، الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ـ روسيا (حالياً)، والولايات المتحدة الامريكية.

المطلب الاول: الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ـ روسيا الاتحادية (حالياً):

         شكل الاتحاد السوفيتي القطب الثاني في النظام السياسي الدولي الذي برز بعد الحرب العالمية الثانية الى جانب الولايات المتحدة، فقد افضى ذلك الانقسام الى ظهور كتلتين متنافستين على الصعيد العالمي (الكتلة الرأسمالية والكتلة الاشتراكية)، على نحو صان التوازن في النظام الدولي، بحكم تماثل توزيع القوة بين الدولتين العظميين، في ظل منطق الحرب الباردة الذي سيطر على العلاقات بينهما، بيد ان انهيار الاتحاد السوفيتي، وقيام جمهورية روسيا الاتحادية على انقاضه، افضى الى تراجع المكانة التي تمتع بها الاتحاد السوفيتي (سابقاً)، حيث تقلص التأثير الروسي في ظل المتغيرات التي طالت عناصر القوة الجيوـ سياسية والاقتصادية، التي خلفها انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي ادى بدوره الى خلق حقائق وقيود جديدة على السياسة الخارجية الايرانية.

         وكان لبروز الاتحاد السوفيتي، كدولة ذات ايدلوجية اشتراكية عالمية، مدخلاً لاندلاع الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية التي كان من ابرز مظاهرها الصراع الايدلوجي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة التي تزعمت المعسكر الرأسمالي والتي نظرت اليه (الاتحاد السوفيتي)، بأعتباره نظام ذو اهداف ثورية على المستوى العالمين فغدت الحرب الباردة، في جورها نزاعاً عالمياً بين الايدلوجية الليبرالية ـ الديمقراطية من جهة، والايدلوجية الاشتراكية ـ المشمولة من جهة اخرى، حيث احتلت الاعتبارات الايدلوجية دوراً هاماً في العلاقات بين المعسكرين([62])، لذلك شهد المجتمع الدولي، الانقسام بين كتلتين متنافستين لكل منهما ايدلوجية مناقضة للأخرى، تعمل على استقطاب الحلفاء الى جانبها، في اطار وحدة ايدلوجية وتحالف عسكري قامت عليه منظمة دائمة (حلف الناتو وحلف وارشو)، تخضع لتوجيه وقيادة احدى الدولتين العظميين([63]).

         حيث تحددت العلاقات بينهما بمنطق الصراع، الذي افضى الى اسقاط التمايز في الاهمية التي تتمتع بها المناطق الاستراتيجية الفعالة، والمناطق الهامشية غير المؤثرة، في علاقات القوى والمصالح الدولية، بعبارة اخرى، ان الصراع بين الدولتين العظميين لم يتحدد بحدود منطقة جغرافية معينة، وانما شمل العالم بأسره،  بحيث غدت جميع المناطق تؤثر في هذه العلاقات ((على مستوى واتساع مداها))، خصوصاً في ضوء امتلاك كل منهما لاسلحة التدمير الشامل، وقدرتهما على التدمير المتبادل في ظل توازن الرعب النووي([64]).

         وبالرغم من الطبيعة الصراعية لعلاقة الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة لم تستبعد عنصر التعاون ايضاً، وهو ما جعل هذه العلاقات تكون محكومة بالصيغة الثنائية (الصراع والتعاون)([65]).

ومن ناحية اخرى، فقد حكمت اعتبارات الموقع الجغرافي للاتحاد السوفيتي دوراً اساسياً في سياسته الخارجية، على نحو، قد يتجاوز احياناً الاعتبارات الايدلوجية([66])، وتجسد، تأثير الواقع الجغرافي للأتحاد السوفيتي من ناحيتين: الاولى: الناحية الاستراتيجية، فأحاطة الاتحاد السوفيتي ببحار مغلقة وغير صالحة للملاحة بسبب الانجماد([67])، وسيطرة الدول المعادية له، على ممراته البحرية، قلل من النفاذية السوفيتية الى البحار المفتوحة([68])، الامر الذي دفع صناع السياسة السوفيتية يسعون جاهدين للعمل على كسر الحصار الجغرافي الطبيعي، بالوصول الى المياه الدافئة، وهي احدى السمات التي ميزت الاستراتيجية السوفيتية من أجل تأمين حرية التحرك للقوات السوفيتية، واما الناحية الثانية لتأثير الموقع الجغرافي، فهي الناحية الامنية، فأمتداد الاراضي السوفيتية براً، بين قارتي اسيا واوربا، افضى الى اشتراكها بحدود طويلة مع اثنتي عشر دولة، مما ولد هاجساً امنياً للاتحاد السوفيتي دفع المخططين الاستراتيجيين لأيلاء الاهتمام بأمن المناطق الحدودية من التهديدات الخارجية المجاورة من جميع الاتجاهات، لذلك اتجهت الاستراتيجية السوفيتية نحو احتواء مصادر التهديد عن طريقين: اما اخضاع الدول المتاخمة للاتحاد السوفيتي، واحتواءها، وابقاءها على الحياد([69]) .

         ويمكن القول ان السياسة الخارجية السوفيتية طوال حقبة الحرب الباردة وحتى عام 1985، انطلقت من مكانة الاتحاد السوفيتي كدولة عظمى موازنة للولايات المتحدة في ظل النظام الدولي ثنائي القطبية، بحكم تماثل التوزيع النسبي لمستويات القوة بينهما، وهو ما حفظ التوازن بينهما على نحو جعل كلا الدولتين تتصرفان وفق قواعد متفق عليها من خلال الامتناع عن أي عمل فيه مساس بمصالح الاخرى، والاَّ تكون قد اخلت بشروط التوازن وتوزيع القوة بينهما([70]).

         ولكن ومع تولي ميخائيل غورباتشوف رئاسة الدولة في اذار 1985، شرع في سياسته الاصلاحية على الصعيدين الداخلي والخارجي من خلال سياسة اعادة البناء (البيروسترويكا)، والمكاشفة (الغلاغوست)، شملت هذه الاصلاحات على الصعيد الاقتصادي المزاوجة بين الاشتراكية والديمقراطية([71]).

         اما على الصعيد الخارجي، فقد استندت السياسة الخارجية الجديدة للأتحاد السوفيتي على مبادئ التعاون وتوازن المصالح والابتعاد عن المجابهة الايدلوجية من خلال الابتعاد عن ادلجة السياسة الخارجية([72])، والتخلي عن المنافسة مع الولايات المتحدة([73]).

فقد ادرك غورباتشوف ان وقف التدهور الاقتصادي لبلاده ومكانتها الدولية يستدعي اتباع سياسة خارجية جديدة حيال الولايات المتحدة والغرب، تتماشى مع مضمون تفكيره الجديد، لذلك انساق وراء الولايات المتحدة، وشرع بتقديم العديد من التنازلات، والاتفاق حول القضايا التي كانت موضعاً للخلاف بين الدولتين، حيث الغى دعم بلاده لكوبا، واقدم على سحب القوات السوفيتية من افغانستان عام 1989، وخفض الميزانية العسكرية والدخول في مفاوضات لنزع السلاح النووي، وتحقيق الوحدة الالمانية، وما تبع ذلك من انهيار النفوذ الشيوعي في اوربا الشرقية، والتحول بأتجاه الغرب، وسقوط جدار برلين، رمز الحرب الباردة، فكان في صالح الولايات المتحدة، التي استغلت انشغال الاتحاد السوفيتي بمشاكله الداخلية من اجل الحصول على المزيد من التنازلات الاستراتيجية، منها، ودفعه للسماح بهجرة اليهود السوفيت، واعادة العلاقات المقطوعة مع (اسرائيل) منذ عام 1967([74]) والاتفاق على الحد من الترسانة النووية الاستراتيجية بعقد اتفاقية ((STRAT)) التي وضعها غورباتشوف بأنها جاءت ((تفكيكاً للبنية التحتية للرعب النووي الذي سيطر على العالم))([75]).

         فضلاً عن تأييد التسوية السلمية للصراع العربي ـ الاسرائيلي بالتعاون مع الولايات المتحدة([76]).

         هذه التنازلات التي قدمها الاتحاد السوفيتي، قابلها رفض الولايات المتحدة والغرب تقديم المساعدات الاقتصادية، على نحو متعمد([77]) شكلت عوامل تظافرت في التعجيل بأنهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية كانون الاول 1991 أثر استقالة غورباتشوف في 25 كانون الاول من العام نفسه([78]) لتحل محله رابطة الدول المستقلة (الكومن ولث)، التي تتألف من (11) دولة، هي: روسيا، اوكرانيا، بيلاروسيا، ارمينيا، اذريبجان، جورجيا، اوزبكستان، طاجكستان، قيرغيزستان، تركمانستان، وكازخستان.([79])

         واصبحت جمهورية روسيا الاتحادية التي قامت على انقاض الاتحاد السوفيتي، الوريث الشرعي للاتحاد السوفيتي من الناحية القانونية، واكبر الجمهوريات المستقلة من حيث المساحة والسكان والناتج القومي، والمقدرة العسكرية، لذلك لم يتوازن قادة رابطة الدولة المستقلة، عن الاتفاق على منح روسيا الاتحادية مقعد الاتحاد السوفيتي في مجلس الامن، وان يستمر رئيس جمهورية روسيا بالتحكم بشفرة اطلاق الاسلحة النووية، بشرط عدم استخدام تلك الاسلحة، دون موافقة باقي الدول النووية في رابطة الدول المستقلة وهي: كازخستان، روسيا البيضاء واوكرانيا، بعد التشاور مع باقي اعضاء الرابطة، وان ترث روسيا معظم المؤسسات الاقتصادية والسياسية السوفيتية.([80])

         وبهذا التفكك الذي يشهده الاتحاد السوفيتي، تغير الواقع الجيوـ سياسي لروسيا، على نحو زاد من وهنها الجغرافي، بفعل انحسار الحدود الروسية، عن الخطوط التي كانت فيها من القوقاز واسيا الوسطى، ومنطقة بحر البلطيق من الغرب، والبحر الاسود الذي كان يشكل قاعدة للانطلاق السوفيتي الى البحر المتوسط مما ساهم في تضييق الخيارات الجيو ـ سياسية لصانع القرار الروسي([81])، وهو ما ترك تأثيره على السياسة الخارجية الروسية، في حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، التي شهدت هي الاخرى تحولاً جوهرياً في توجهاتها العامة تمثلت ملامحه في:([82])

1ـ التخلي النهائي عن الايدلوجية الماركسية اللينية التي حكمت السياسة الخارجية السوفيتية في الماضي وخيار المواجهة مع الغرب، لصالح سياسة التعاون الروسية مع الولايات المتحدة والغرب، والتأكيد على المصالح القومية الروسية، وهو ما ظهر بأعلان الرئيس الروسي بوريس يلتسين بأن بلاده سوف تتبع سياسة خارجية متحررة من القيود الايدلوجية وانها ستبذل جهودها للتعاون مع الغرب لاعادة بناء روسيا، وهو ما افضى الى تغيير العقيدة العسكرية الروسية من خلال اعلان يلتسين بأن روسيا لن تصوت صواريخها النووية تجاه المدن والقواعد العسكرية الامريكية، وان الولايات المتحدة لم تعد عدواً محتملاً لروسيا.

2ـ تبني الديمقراطية وحكم القانون واحترام حقوق الانسان والاقليات.

3ـ الاتجاه نحو تبني نظام اقتصاد السوق على النمط الغربي للخروج من الازمة الاقتصادية التي تعاني منها روسيا، على اعتبار ان ذلك هو ((البلسم الشافي)) من كل امراض النظام الاقتصادي الروسي.

4ـ التعاون مع الولايات المتحدة من اجل الحصول على القروض والمساعدات لاصلاح الاوضاع الاقتصادية المتردية.

         وقد ادى رفض الغرب لاندماج روسيا فيه الى اتباع سياسة خارجية جديدة في مرحلتها الثانية استهدفت، صياغة دور جديد لروسيا على الساحة الدولية اكثر موائمة مع مصالحها القومية، عوضاً عن الانسياق وراء الغرب في ظل استراتيجية السياسة الخارجية الروسية الجديدة التي مثلتها التيار القومي المتنامي في القيادة الروسية، التي ذهبت رؤيتها الى ان ((روسيا وامريكا يجب ان تقوم بينهما المنافسة بدلاً من العداوة))، بمعنى ان على روسيا ان تعمل على اقامة التوازن مع الولايات المتحدة على اساس المصالح وليس على اساس القوة لاحلال التعددية القطبية محل الاحادية الامريكية([83])، من خلال سعي روسيا للبحث عن دور اكثر تمايزاً واستقلالية عن الولايات المتحدة والتنافس من اجل اثبات المكانة والدور على الصعيد العالمي بعيداً عن الانسياق وراء الولايات المتحدة والغرب في ظل الاعتقاد السائد بأن روسيا ما تزال تمتلك عناصر القوة التي تأهلها لأن تصبح قوة مكافئة للولايات المتحدة([84]).

لذلك اتجهت روسيا نحو التحرك صوب محيطها الاقليمي وهو ما شكل عاملاً مؤثراً على السياسة الايرانية وكما يلي:ـ

 

1ـ الجمهوريات السوفيتية السابقة:

         وهي الجمهوريات المنضوية تحت لواء رابطة الدول المستقلة (الكومن ولث)، الذي تأسس في 21كانون الاول 1991(3)، من ((11)) دولة من دول الاتحاد السوفيتي السابق، فقد رمت روسيا من وراء انشاء هذه الرابطة، الى ابقاء هذه الجمهوريات ضمن دائرة النفوذ الروسي، التي انحسر عنها الحكم الشيوعي، من خلال صيغة التعاون مع هذه الدول فقد وجدت روسيا ان صيغة التعاون عبر هذه الرابطة تمثل حلاً وسطاً بين رغبة روسية في ابقاء هذه الجمهوريات تحت نفوذها دون فرض السيطرة المباشرة من جهة، وبين رغبة اوكرانيا وبيلوروسيا، الرافضين لاي صيغة للتعاون تكون لروسيا الدور المهيمن فيها، وبذلك كانت صيغة الكومن ولث تعبيراً عن توازن القوى بين الجمهوريات([85])، وبذلك تضمن روسيا نفوذاً متفوقاً على دول الكومن ولث في مواجهة أي قوة اقليمية او دولية([86]).

         لذلك اولت السياسة الروسية اهمية قصوى لاستعادة علاقاتها الاقتصادية والدفاعية مع هذه الجمهوريات التي اطلقت عليها اسم ((الدول الخارجية المجاورة))، من اجل تركيز نفوذها، واستعادة وجودها العسكري وتثبيته على امتداد الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي (سابقاً)، واحتواء النفوذ الاجنبي ومنعه الدخول الى هذه الجمهوريات وتهديد الامن الروسي([87])

 

2 ـ الخليج العربي:

         ففي الوقت الذي كانت فيه علاقة الاتحاد السوفيتي مع دول مجلس التعاون الخليجي قد تحددت وفقاً للاعتبارات الايدلوجية، حيث اتجهت السياسة السوفيتية، نحو التشدد بسبب علاقات دول المجلس مع دول المعسكر الغربي([88]).

         شهد التعامل الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تحولاً جوهرياً، في ضوء الازمة 5الاقتصادية الداخلية التي ورثتها روسيا عن الاتحاد السوفيتي، والتخلي عن ادلجة السياسة الخارجية الروسية، لصالح التأكيد على المصالح القومية، حيث اتجهت الجهود الروسية نحو تنمية علاقاتها مع دول الخليج العربية، من اجل استعادة نصيبها من الاسواق الخليجية، وايجاد مناطق نفوذ جديدة لها، ومنافسة الشركات الغربية، على اسواق الخليج الغنية، لتعويض ما فقدته روسيا من حصة في الاسواق العالمية خلال الاعوام 1990ـ1992، بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي، وتوجهها نحو الغرب في سياستها الخارجية، في ظل حالة الافتتان التي عاشها صناع القرار الروسي في السنوات الاولى عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، اذ ان روسيا لا ترغب في جعل الاتجاه المعادي للشيوعية ان يكون اتجاهاً معادياً لروسيا بعد الحرب الباردة([89]).

         وفي الوقت الذي كانت فيه منطقة الخليج العربي تقع ضمن دائرة ((الجوار القريب)) للاتحاد السوفيتي، اصبحت اليوم تقع ضمن دائرة ((الجوار البعيد))، في ظل الاولوية التي منحتها لروسيا لعلاقاتها مع دول رابطة الدول المستقلة، الا ان منطقة الخليج العربي، لم تفقد اهميتها في السياسة الخارجية الروسية خاصة في ظل الاعتبارات البرغماتية للسياسة الروسية تجاه المنطقة العربية، عموماً، والتي دفعت روسيا للبحث عن مصالحها الاقتصادية التي احتلت الاولوية في السياسة الروسية، والتي وجدت في الخليج العربي مخرجاً لازمتها الاقتصادية وميداناً للمصالح([90]).

         بسبب اهميته المتمثلة بأحتواءها على الاحتياجات النفطية الضخمة، وفوائضها المالية الكبيرة، وهي ماشكلت عامل جذب للمصالح الروسية([91]).

         لذلك يمكن تحديد المصالح الروسية في الخليج العربي بصورة عامة بالاتي:

1ـ دعم الامن الروسي، نظراً لقرب المنطقة من الجمهوريات السوفيتية الاسلامية السابقة التي اصبحت تشكل الحدود الجنوبية لروسيا، والتي ترتبط مع روسيا برابطة الدول المستقلة، وبالتالي اصبح هناك ترابط امني بين امن الخليج العربي واستقراره وامن واستقرار المحيط الجغرافي لروسيا من الناحية الجنوبية،([92]) فضلاً عن ذلك ان تنمية العلاقات الاقتصادية الروسية ـ الخليجية، يرتبط بأمن واستقرار منطقة الخليج العربي([93]).

2ـ جذب الاستثمارات الخليجية في ظل الحاجة للموارد المالية لانعاش الاقتصاد الروسي المتدهور([94]).

3ـ تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول المنطقة، وضمان الفوز بالمعاملة التفضيلية، لزيادة الصادرات الروسية من السلع والخدمات.

4ـ تنشيط تجارة السلاح، بزيادة صادرات الاسلحة الروسية الى الاسواق الخليجية، من اجل كسر احتكار الغرب لتجارة السلاح، وهو ما ولته الحكومة الروسية، اهتماماً خاصاً، حيث انشأت لهذا الغرض شركة ((روسفر جيني))، من كانون الثاني 1994، برئاسة المارشال يفجيني شابو شنكوف، بهدف تعويض الخسائر الناجمة عن انخفاض مبيعات الاسلحة للمنطقة العربية عموماً من 30مليون دولار عام 1986، الى 2 بليون دولار خلال عامي 1992و1993([95]).

         في ظل معطيات عصر ما بعد الحرب الباردة الذي احتل العامل الاقتصادي فيه اهمية قصوى بحيث اصبحت قيمة السلاح لا تقتصر على الجانب الامني والعسكري فحسب، بل اصبح ذو قيمة اقتصادية بالدرجة الاساسية([96]).

         فقد اصبح هدف روسيا، منذ نهاية حرب الخليج الثانية، هو ايجاد موطئ قدم لها في الخليج العربي، من خلال المشاركة في الترتيبات الجارية، بما يضمن نفوذها السياسي ومصالحها الاقتصادية، جنباً الى جنب مع الولايات المتحدة والدول الغربية بما يعزز مكانتها الدولية في ضوء ارتباط الخليج بأدوار القوى الدولية وفاعليتها، فسعي الروس الى لعب دور الضامن للامن والاستقرار، في المنطقة، في ضوء التوجه الخليجي، نحو ايجاد التوازن في العلاقات مع اللاعبين الدوليين، لضمان امن الخليج العربي وهو ما اتاحته الاتفاقية الامنية الروسية ـ الكويتية في 29 تشرين الثاني 1993([97]).

ويمكن القول ان روسيا استهدفت تحسين صورتها في المنطقة وتنمية التعاون التسليحي مع دول المجلس الخليجي وكسر احتكار الغرب لاسواق السلاح في المنطقة فضلاً عن الوصول الى المياه الدافئة عن طريق تقديم الضمانات الامنية لتضمن من خلالها دوراً مهماً في ترتيبات الامن الخليجي وهو ما اتاحته الاتفاقية الامنية الروسية ـ الكويتية في 29 تشرين الثاني 1993 خصوصاً وان روسيا تعهدت انذاك بعدم الاستمرار في دعم العراق، بعبارة اخرى ان روسيا تسعى لخلق التوازن في المنطقة عن طريق التوازن في المصالح على نحوٍ يجنبها الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة بشكل يهدد الاستقرار والامن في الخليج العربي([98]).

ويندرج التوجه الروسي نحو هذه المنطقة ضمن اطار السعي لتحقيق مصالحها الاقتصادية والامنية (كما هو الحال بالنسبة للخليج العربي)، ففي ظل المساعي الروسية للخروج من ازمتها الاقتصادية المتكررة، وسعيها للتعاون مع الغرب على قدم المساواة، سعت موسكو وقبيل انهيار الاتحاد السوفيتي للتأكيد على التعاون ونبذ الصراع في (الشرق الاوسط)، وتأييد الجهود السلمية لتسوية الصراع العربي ـ (الاسرائيلي)، بالتعاون مع الولايات المتحدة، حيث ذهبت الرؤية بأنه، بأمكان تحقيق المصالح السوفيتية من خلال تسوية الصراع العربي ـ (الاسرائيلي)، والحد من التسلح في المنطقة، فضلاً عن فسح المجال لاضطلاع الاتحاد السوفيتي بدور في عملية السلام([99]).

         وعليه وفي ضوء ما تقدم، ما هو اثر المتغير السوفيتي (سابقاً)، والروسي (حالياً) على ايران؟ للاجابة على ذلك يمكن القول، ان العامل التاريخي لعب دوراً كبيراً في ادراك صناع القرار الايراني، ونظرتهم التي شابها القلق والتوجس، حيال الاتحاد السوفيتي، منذ عهد القياصرة الروس، الذين اولو اهتماماً بالتوسع نحو الجنوب من اجل تأمين حدودهم الجنوبية والوصول الى المياه الدافئة وتظافر ذلك مع العامل الجغرافي في بلورة هذه الرؤية، فقد شكل الاتحاد السوفيتي الجار الشمالي لايران، والذي كان يشترك معها بحدود طويلة تقدر بـ (1543) كيلو متر، وهي اطول حدود لايران مع دول اجنبية، مما خلق هاجساً امنياً لايران من جارها العملاق، الذي كانت ايران تشكل بالنسبة له، اقصر طريق بري للوصول الى البحار الدافئة في الخليج العربي والمحيط الهندي، في غمار المنافسة مع المعسكر الرأسمالي([100]).

         واما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه الى عدة جمهوريات، وانشغال وريثته روسيا بمشاكلها الداخلية، تحررت ايران من هواجسها الامنية من جارها الشمالي العملاق، بعد تشرذمه وانحسار حدوده، على النحو الذي يساعد ايران على تفعيل حركتها الاقليمية وخصوصاً تجاه الخليج العربي الا انه من ناحية اخرى قد اضعف قدرة ايران على المناورة التي اتيحت لها خلال الحرب الباردة([101]).

         فوجدت ايران نفسها مرغمة على متابعة سياستها الخارجية المعتدلة و المتوازنة والتي دأبت عليها منذ الحرب الباردة، اخذت بأعتبارها حقائق الواقع السياسي الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فمن ناحية، ان موقع ايران الجيوـ سياسي المتاخم لجمهوريات اسيا الوسطى والقوقاز([102]) جعل السياسة الروسية على ما يبدو وتندفع نحو زيادة التعاون مع ايران القناعة الروسية، بأن توثيق العلائق مع ايران سيحول دون قيام الاخيرة، بأي اعمال من شأنها الاضرار بالمصالح الروسية في منطقة اسيا الوسطى، وبالتالي التأثير على حجم التعاون بين البلدين، وهو بالتأكيد ما سينعكس سلباً على ايران ذاتها، في ظل ما تعانيه من عقوبات اقتصادية من قبل الولايات المتحدة، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى، ترى روسيا ان هناك مصالح مشتركة مع ايران في استقرار الوضع القائم في اسيا الوسطى، خصوصاً في ظل القلق الايراني من احتمال تصدير النزاعات في هذه المنطقة الى اقاليمها الشمالية التي تشترك اثنياً مع شعوب هذه المنطقة، وخاصة مع اذربيجان لذلك تأمل كل من ايران وروسيا ان يفضي التعاون بينهما في الحيلولة دون قيام الازمات والاضطرابات في اسيا الوسطى على نحو يهدد مصالحهم. وتأمل، روسيا، نحو تنمية العلاقات الاقتصادية مع ايران في ظل الحاجة الى العجلات الاجنبية وزيادة الواردات منها، فضلاً عن تأمين فرص العمل لعشرات الالوف من الخبراء والمختصين الروس([103]). كما تهدف الى اقامة تحالف مع ايران لتشكيل محو موسكو ـ طهران الى جانب محور موسكو ـ دلهي ـ بكين، بالشكل الذي يتيح لروسيا الخروج من معضلتها الجيوـ سياسية، من ناحيتين: الاولى النفوذ الى الخليج العربي ومياهه الدافئة وثرواته عبر البوابة الايرانية، والثانية: قطع الطريق على النفوذ الاجنبي، من الوصول الى اسيا الوسطى الذي اخذ يتنافس بشدة على المنطقة والناحية الثالثة: احتواء المحاولات الامريكية الرامية لعزل روسيا([104]) من خلال سعي الولايات المتحدة لخطب ود ايران لاحباط محاولة اقامة محور موسكو ـ طهران([105]).

         ازاء ذلك، فأنه لم يعد امام ايران، غير انتهاج سياسة خارجية معتدلة ومتوازنة في علاقاتها على الصعيد الدولي، مع الولايات المتحدة والغرب من جهة وروسيا من جهة اخرى، من اجل ضمان عدم استعداد أي طرف، وضمان تحقيق مصالحها، فهي من ناحية استغلت تركيز الاهتمام الدولي على العراق لفتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة والغرب، وهو ما ظهر خلال قمة منظمة المؤتمر الاسلامي المنعقد في طهران، في كانون الاول 1997، حيث صرح الرئيس محمد خاتمي، عن نيته، اعادة النظر في سياسة ايران الخارجية خلال عامين، مخاطباً الولايات المتحدة بقوله: ((اننا نحترم الشعب الامريكي العظيم، وبأمكاننا من خلال الحوار العقلاني التقدم نحو السلام والامن والطمأنينة))،([106]).

         ومن ناحية اخرى حرصت ايران، على تنمية علاقاتها مع روسيا، وخصوصاً في النواحي التسليحية منذ عام 1989، بسبب الحصار الامريكي على ايران، والعقوبات الاقتصادية، فقد شهد ذلك العام التوقيع على اتفاقية ((اعلان المبادئ)) الذي نص على موافقة سوفيتية على ((التعاون مع الجانب الايراني فيما يخص القدرات الدفاعية))، وبذلك اصبح الاتحاد السوفيتي المزود الرئيسي للتسليح الايراني خلال عام 1990و1991([107]).

 

         صفوة القول ان انهيار الاتحاد السوفيتي قد زال الخطر السوفيتي الذي كان يهدد ايران من الجهة الشمالية الا انه من الناحية الاخرى قلل من فرص ايران للمناورة في ظل المتغيرات الدولية في حقبة ما بعد الحرب الباردة التي افضت الى خلق تحديات جديدة لايران بنشوء الجمهوريات الاسلامية الى جوارها من الناحية الشمالية والتي جعلت كل من روسيا والولايات المتحدة تسعيان لضمان ضم ايران الى صفها لاحتواء الطرف الاخر وهو ما جعل ايران تدرك ان انضمامها لاحد الطرفين يعني مواجهة عداء الطرف الاخر لذلك لم يعد امام ايران غير خيار التوازن من خلال الحفاظ على علاقات معتدلة مع جميع الاطراف على قدم المساواة دون تمييز.

المطلب الثاني: الولايات المتحدة الامريكية:

          افضى انهيار الاتحاد السوفيتي الى احداث تغيير جوهري في بنية النظام السياسي الدولي بصعود الولايات المتحدة كقوة احادية مهيمنة ومتفوقة على سواها، بعدما نجحت في انهاك الاتحاد السوفيتي اقتصادياً من خلال اقتحامه في سباق للتسلح (كما اسلفنا)، لتغدو الولايات المتحدة هي  القوة العظمى الوحيدة التي تملك مقومات القوة الثلاث([108]).

         فزوال القطب المنافس للولايات المتحدة، قد اعطى مصداقية لقوتها العسكرية بأعتبارها اكبر قوة عسكرية في العالم، مما يعطيها ميزة نسبية للمحافظة على هيمنتها على العالم اكثر من غيرها خاصة مع عدم وجود منافس لها على الزعامة وفي التحكم في السياسة الدولية، وقدرة اكبر على احتواء العالم الثالث، مما جعل الولايات المتحدة تذهب للتأكيد على ان قيادتها للعالم هي الصيغة النهائية والثابتة للنظام الدولي وغير قابلة للتغيير، فكانت (حرب الخليج الثانية) اثباتاً لمصداقية القوة العسكرية الامريكية وقدرتها على الدفاع عن مصالحها، واخذ زمام المبادرة الدبلوماسية والعسكرية لوضع حد للتوترات الاقليمية([109]) ومنع قيام أي قوة اقليمية خارج الحدود المرسومة من قبل الولايات المتحدة وعلى نحو يهدد المصالح والزعامة الامريكية للعالم([110]).فقد اصبحت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على ادارة عمليات عسكرية واسعة النطاق خارج حدودها، مما جعلها الشريك الامني الرئيسي في العديد من المناطق([111]).

         اما الركيزة الثانية التي اعتمدتها الولايات المتحدة هي توظيف شرعية الامم المتحدة كمنظمة عالمية لصالح إستراتيجيتها، عن طريق استغلال الاجماع داخل مجلس الامن الدولي من قبل الدول دائمة العضوية عن طريق الانتقائية والازدواجية في تطبيق القوانين الدولية كوسيلة للتحكم والضبط في النظام الدولي، لمنع الدول الاخرى من تحدي القطب المهيمن او مناهضته، والسعي نحو جذب كل الاطراف غير المؤمنة بقيمها وسياساتها، وممارسة مختلف الضغوط والاغراءات عليها من اجل الدخول في النظام الدولي تحت قيادتها([112])، فمن ابرز ملامح النظام الدولي الجديد هي اعمال قواعد القانون الدولي ومبدأ الامن الجماعي كغطاء يستخدم للقضاء على بؤر التوتر في العالم عن طريق استخدام القوة المسلحة تحت راية الامم المتحدة، وهذا يعني الاتجاه نحو شرعية جديدة تكون فيها النظم والقواعد تنطبق على جميع الدول والشعوب الداخلة في النظام بالطريقة التي تسهل ايقاع العقاب على الدول الخارجة عنه بصيغة تستوي وعمل الحكومات الوطنية ولكن على نطاق عالمي (حكومة عالمية)([113]).

         وبذلك يمكن القول، ان التغيرات على مستوى النظام السياسي الدولي الجديد، لا بد وان تلقي بظلالها على نمط العلاقات وتوازن القوى على صعيد النظم الاقليمية الفرعية المكونة لهذا النظام([114])، والتي يشكل الخليج العربي  واحداً منها 

        الهوامش

([1])للمزيد من التفصيل انظر: فوزي خلف شويل، ايران في سنوات الحرب العالمية الاولى، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1985، ص ص50ـ60.

([2]) عقدة هذه المعاهدة في 19 آب 1919 في طهران بين بريطانيا وايران نالت بمقتضاها بريطانيا مكاسب مكنتها من السيطرة على النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية، حيث تضمنت استعانة المؤسسات الرسمية الايرانية بعدد من المستشارين الانكليز، واضطلاع لجنة مشتركة من الضباط، بأعادة تنظيم الجيش الايراني وتزويده بالاسلحة والمعدات البريطانية، ويتولى تنظيم الشؤون المالية مفتش بريطاني، ويعاد النظر في التعريفة الكمركية، فضلاً عن قيام لجنة خاصة، بدراسة مشاريع السكك الحديدية والطرق التي يمكن تنفيذها داخل ايران، على ان يجري تغطية مصروفات هذه المشاريع، بواسطة قرض بريطاني مقداره مليون جنيه، بضمانة الكمارك الايرانية، كما نصت المعاهدة على ان تتولى الشركات البريطانية استثمار النفط في عربستان، انظر: د. عبد العزيز سليمان نوار، التاريخ الحديث للشعوب الاسلامية، دار النهضة العربية، بيروت، 1973، ص496ـ497.

([3]) انظر: صالح محمد صالح العلي، التاريخ السياسي لعلاقة ايران بشرقي الجزيرة العربية في عهد رضا شاه بهلوي (1925ـ1941)، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1984،ص30.

([4]) اسعد محمد زيدان الجواري، سياسة ايران الخارجية في عهد احمد شاه (1909ـ1925)، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1987، ص179ـ180.

([5]) تألقت هذه المعاهدة من 26 مادة، نصت على احترام سيادة واستقلال ايران، ورسم الحدود بين البلدين وفقاً لمعاهدة 1881 واعادة مدينة فيروزة (Firouzeh)، التي منحت لروسيا بموجب معاهدة 1983، وابقاء مدينة سيراكس (Seraks) وتخولها الى روسيا، وكذلك حق ايران في استخدام بحر قزوين الذي منعت مناستخدامه بموجب معاهدة 1828، وتعهد الاتحاد السوفيتي من جانبه بعدم التدخل في شؤون ايران الداخلية، وعدم مساندة الحركات الانفصالية الايرانية، للمزيد من التفصيل انظر: د. عودة سلطان عودة، جهاد صالح العمر، العلاقات الايرانية ـ السوفيتية 1917ـ1941، مركز الدراسات الايرانية، جامعة البصرة، 1990،ص ص10ـ12،41ـ52.

([6]) للمزيد من التفصيل انظر: محمد كامل محمد عبد الرحمن، سياسة ايران الخارجية في عهد رضا شاه (1921ـ1941)، مركز الدراسات الايرانية، جامعة البصرة، 1988،ص ص 53ـ64.

([7]) صالح محمد صالح العلي، مصدر سابق،ص34ـ35.

([8]) المصدر نفسه، ص41.

([9]) للمزيد من التفصيل انظر: سليم طه التكريتي، المقاومة العربية في الخليج العربي، منشورات وزارة الثقافة والاعلام العراقية، بغداد، 1982، ص ص96ـ120.

([10]) عقدت بريطانيا مع شيوخ الخليج العربي في عام 1820 معاهدة ((السلام العام))، تعهدوا بموجبها بأيقاف التعرض للسفن والمصالح البريطانية، وكذلك اتفاقية لهدنة البحرية في الاول من حزيران لعام 1843 ولمدة عشر سنوات، لوقف الاعتداءات البحرية بين شيوخ الساحل العماني، الامر الذي منح بريطانيا سلطة الفصل في النزاعات البحرية، وفي ايار 1853، تم عقد معاهدة ((السلام الدائم)) بين شيوخ المنطقة تحت اشراف الحكومة البريطانية، واتفاقية الحد من تجارة الرقيق في 22 آيار 1956 واهم هذه الاتفاقيات التي كرست السيطرة البريطانية هي ((المعاهدة المانعة)) في آذار عام 1892 والتي تعهد بموجبها شيوخ المنطقة بعدم الدخول في أي تعاقد مع أي حكومة غير بريطانيا وبعدم الموافقة على أي مقيم على اراضيهم دون موافقة بريطانيا، وكذلك عدم التنازل او بيع او رهن أي جزء من اماراتهم الاَّ لبريطانيا، للمزيد من التفصيل انظر: د. سيد نوفل، الخليج العربي او الحدود الشرقية للوطن العربي، دار الطليعة، بيروت، 1969، ص ص 262ـ272، وكذلك النصوص الاصلية للمعاهدات، ص ص 398ـ419.

([11]) صالح محمد صالح العلي، مصدر سابق، ص49ـ50. كذلك انظر: د. مصطفى عبد القادر النجار، د. حسين القهواني واخرون، تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصرة، مطبعة جامعة البصرة، 1984، ص 204

([12]) انظر: د.جعفر عباس حميدي، د. طارق نافع الحمداني، د. صادق ياسين الحلو، تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، كلية التربية الاولى، جامعة بغداد، 1991، ص ص185ـ192.

([13]) انظر: محمد جاسم الندواي، السياسة الايرانية ازاء الخليج العربي حتى الثمانينات، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1990، ص ص 47ـ51، وكذلك انظر: سيد نوفل، مصدر سابق، ص273ـ276.

([14]) انظر د. جمال زكريا قاسم، الخليج العربي دراسة لتاريخ الامارات العربية (1914ـ1945)، دار الفكر العربي، القاهرة 1976.

([15]) انظر: د. جعفر عباس حميدي، طارق نافع الحمداني، صادق ياسين الحلو، مصدر سابق ص ص230ـ235

([16]) د. سيد نوفل، مصدر سابق، ص121.

([17]) د. جمال زكريا قاسم، مصدر سابق، ص266.

([18]) للمزيد من التفصيل انظر: عبد الهادي كريم سلمان، ايران في سنوات الحرب العالمية الثانية، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1986، ص ص 49ـ78.

([19]) للمزيد من التفصيل انظر: المصدر نفسه، ص107ـ116.

([20]) المصدر نفسه، ص ص82ـ84،102ـ104.

([21]) دونالدولير، ايران ماضيها وحاضرها، ترجمة عبد النعيم محمد حسنين، مكتبة مصر، القاهرة، 1958، ص123ـ124.

([22]) ر.ك رمضاني، الخليج العربي ومضيق هرمز، ترجمة عبد الصاحب الشيخ، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، ص60.

([23]) نقلاً عن: روح الله رمضاني، سياسة ايران الخارجية (1941ـ1973)، ترجمة علي حسين فياض، عبد المجيد حميد، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1948، ص276.

([24]) ادى عقد هذه الاتفاقيات الى مهاجمة ايران من قبل السوفيت فقد انتقد خروشوف حكم الشاه واعتبر سياسته انها ستؤدي الى جعل ايران قاعدة عسكرية امريكية، انظر: ر.ك رمضاني، مصدر سابق،ص ص66ـ67.

([25]) انظر: ر.م. بوريل، الخليج العربي، ترجمة مكي حبيب المؤمن، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1976، ص ص24ـ27.

([26]) اخذ الشاه بهذه السياسة ابتداءاً من عام 1936 وتضمنت اصلاحات على صعيد السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، فعلى صعيد السياسة الداخلية، قام الشاه بأصلاح قانون الاراضي، والقضاء على الاقطاع في الريف، وتحقيق العدالة الاجتماعية بالشكل الذي افضى الى تضييق الهوة بين الفقراء والاغنياء، وعزز وحدة ايران الداخلية، كما عمل على ابعاد العناصر الموالية للخارج من ايران، وكان الشاه يرى ان الامن ليس فقط يتحقق بالقوة العسكرية وانما كذلك النمو الاجتماعي والاقتصادي، اما على صعيد السياسة الخارجية فقد استندت كما بين الشاه على: ((مبادئ متابعة السلام، والتعايش السلمي مع جميع الشعوب والمجمعات بغض النظر عن اختلاف الايدلوجات وانظمة الحكم وعلى دعم كل جهد يرمي الى انشاء وضمان العدالة الاجتماعية بمقاييس وطنية او دولية ومحاولة ردم الشقة بين الاغنياء والفقراء وعلى التعاون الدولي لمكافحة الامية والجوع والمرض والامراض الاجتماعية المعاصرة الاخرى)). انظر: روح الله رمضاني، مصدر سابق ـ ص ص333ـ334.

([27]) انظر: جعفر عباس حميد واخرون، مصدر سابق، ص ص33،214ـ218.

([28]) انظر: د. اميل نخلة: العلاقات العربية ـ الامريكية في الخليج العربي، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1978ن ص ص 37ـ40.

([29]) د. عبد المنعم سعيس العرب ودول الجوار الجغرافي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987، ص84.

([30]) يقوم ميثاق نكسون على فكرة الربط بين امكانيات البلد الحليف والمساعدة الامريكية العسكرية والتكنلوجية له، كان ذلك ترجمة عملية لعملية التركيز الامريكي على السعودية وايران لضمان الامن في الخليج العربي والذي اصبح يشكل حاجة ملحة لواشنطن بسبب حاجتها للبترول الخليجي بعد ظهور بوادر ازمة الطاقة لديها مع بداية السبعينات، وتزويد قواتها بالوقود الموجود في المحيط الهادي وفيتنام، وفضلاً عن قيام الثورة العراقية عام 1968 المناهض للتواجد الاجنبي في المنطقة، وقيام التقارب السوفيتي مع الصومال واليمن الجنوبي عند مضيق باب المندب الاستراتيجي الذي يشكل طريق نقل الطاقة الى اوربا الغربية وامريكا، وكان السبب المباشر هو ان الولايات المتحدة ارهقت الحرب في فيتنام ميزانيتها المالية، لذلك جاء التأكيد دعم محور الرياض طهران بالتعاون مع بريطانيا واطفاء بؤر الصراع بين اقطار المنطقة لضمان الواقع الراهن، مقابل احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري مباشر في قاعدة (ديغورسيا) وسط المحيط الهندي لمواجهة الحالات الطارئة في حالة اخفاق الحلفاء في مواجههتها، انظر: علي حسين علي، مجلس التعاون الخليجي دراسة في الاطار الامني الاقليمي ـ رؤية عربية، معهد الدراسات الاسوية والافريقية، الجامعة المستنصرية، 1985، ص ص44ـ51.

([31]) من خلال الجهود الدبلوماسية التي قامت بها بريطانيا والسعودية والكويت، حيث كانت المحادثات تجري بسرية تامة في لندن وسويسرا، اسفرت عن قبول الشاه بفكرة (الوسيط الدولي) حيث ارسل الامين العام للامم المتحدة (يوثانت) ممثلاً عنه لتقصي الحقائق وهو السيد (فيتوريو ونسبير جوشياردي ـ (Vittorio Winspear Guicciardi ) الذي وصل البحرين في نيسان 1970، والذي رفع تقديره الى الامين العام مؤكداً فيه رغبة سكان البحرين في دولة مستقلة ذات سيادة، فصادق مجلس الامن على التقرير في 11/آيار/ 1970 بالاجماع، تبعه اعلاه ايران موافقتها على استقلال البحرين، للمزيد من التفصيل انظر: ابراهيم خلف العبيدي، الحركة الوطنية في البحرين 14ـ1971، مطبعة الاندلس، بغداد، 1976، ص ص273ـ281، وكذلك نص التقرير الذي قدمه فيتوريو ص ص332ـ347.

([32]) المصدر نفسه، ص283.

([33]) د. اميل نخلة، مصدر سابق، ص39ـ40.

([34]) انظر: ر.ك. رمضاني، مصدر سابق ص127ـ130.

([35]) صبر ذبيح، منوجهر بروين، سياسة ايران في الخليج الغربي وانفاقاتها العسكرية، ترجمة علاء الدين احمد حسين، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1980، ص ص12ـ13،24ـ26.

([36]) محمد جاسم النداوي، مصدر سابق ص ص98ـ103،121.

([37]) د. محمد جاسم النداوي، مصدر سابق، ص145.

([38]) د. عبد المنعم سعيد، مصدر سابق، ص86.

([39]) د. محمد جاسم النداوي، مصدر سابق، ص144.

([40]) د. نزار عبد اللطيف الحديثي، العلاقات العربية ـ الفارسية، الدار العربية، بغداد، 1982، ص40.

([41]) د. عبد المنعم سعيد، مصدر سابق. ص86.

([42]) د. محمد جاسم النداوي، ص130.

([43]) د. عبد المنعم سعيد، مصدر سابق، ص86.

([44]) خليل اليابس مراد، حرب الخليج وانعكاساتها على الامن القومي العربي، دار الحرية للطباعة بغداد، 1987،ص27.

([45]) د. محمد جاسم النداوي، مصدر سابق، ص135.

([46]) المصدر نفسه، ص ص133ـ135.

([47]) انظر: برزان التكريتي، الصراع الدولي في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي وتأثيره على اقطار الخليج العربي، الدار العربية، بغداد، 1982، ص ص158ـ159.

([48]) د. محمود علي النداوي، خيارات الخليج العربي: خطر الاجتياح الايراني او العمل العربي المشترك، في ندوة الابعاد الاستراتيجية للحرب العراقية ـ الايرانية، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1988،ص 40 ـ41.

([49]) عملت الولايات المتحدة على (انشاء قوات الانتشار السريع ـ Rapid Deployment Force) منذ عام 1975، في اعقاب الحظر النفطي بعد حرب اكتوبر 1973، وارتفاع اسعار النفط عام 1975، كوسيلة للتدخل المباشر في المناطق التي تتعرض للتهديد السوفيتي، لحماية المصالح الامريكية اينما وجدت، وهي تمثل عودة لستراتيجية الاحتواء منذ الخمسينات ضد الاتحاد السوفيتي، وتنطوي على احتمال احتلال منابع النفط، وتم الاعلان عن انشاءءها في اذار 1980، مع اعلان عقب غزو افغانستان من قبل الاتحاد السوفيتي (مبدأ كارتر)، وتقوم خطة عمل هذه القوات على تخزين الاسلحة والذخائر والمستلزمات الاخرى في قواعد موجودة في المحيط الهندي والخليج العربي، وهي المناطق المعرضة لاحتمال التدخل السوفيتي، اما قواعد هذه القوات فتوجد في الولايات المتحدة و اويكيناوا، وفلوريدا، كارولينا الشمالية، وكامبل كنتكي، حيث ان وجود القواعد في المحيط الهندي والخليج يسهل عملية التدخل السريع، حيث تقتصر عملية النقل للأفراد فقط فيما تقوم هذه القواعد بتقديم العون اللوجستي، وكانت للولايات قواعد وتسهيلات عسكرية في (عمان، البحرين، السعودية، الصومال، كينيا، تركيا، مصر والفلبين). انظر: د. محمد انور عبد السلام احمد، معالم الاستراتيجية الدولية في منطقة الخليج العربي والمحيط الهني (الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي)، في: مستقبل الخليج  العربي وستراتيجية العمل العربي المشترك (ندوة )، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1981، ص ص139ـ144.

([50]) جمال زهران، الصراع العراقي ـ الايراني والتوازن الاقليمي، مجلة السياسية الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (71)، كانون الثاني 1983، ص122.

([51]) انظر: منذر الموصلي، قراءات في حرب الخليج، دار العروبة، بيروت، 1988، ص383ـ385.

([52]) د. رفيق رؤوف، الرهانات الدولية على استمرار الحرب العراقية ـ الايرانية، في: الابعاد الاستراتيجية للحرب العراقية الايرانية (ندوة)، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1988، ص163.

([53]) د. جمال زهران، مصدر سابق، ص121.

([54]) د. رفيق رؤوف، مصدر سابق، ص163.

([55]) للمزيد من التفصيل انظر: وارين كريستوفر، النزاع العراقي الايراني رؤية امريكية، ترجمة كاظم لازم، في الصراعات الغربية في الخليج العربي، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1983، ص ص 98ـ106.

([56]) منذر الموصلي، مصدر سابق، ص342.

([57]) د. محمود علي الداود، مصر سابق، ص 38ـ39.

([58]) د. حسين عمر توقة، الحرب العراقية ـ الايرانية واثرها على الامن القومي العربي، في: ندوة الابعاد الاستراتيجية للحرب العراقية ـ الايرانية، مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة، 1988، ص ص 96ـ 98.

([59]) انظر: فتحي علي حسين، تسوية الصراع العراقي الايراني، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (95)، كانون الثاني 1989، ص117ـ119.

([60]) انظر: هاني الياس الحديثي، المستقبل السياسي لايران، نشرة العالم الثالث، مركز دراسات العالم الثالث، كلية العلوم السياسة، جامعة بغداد، العدد (1)، 1990، ص ص6ـ10.

([61]) د. مازن اسماعيل الرمضاني، السياسة الخارجية ـ دراسة نظرية، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1992، ص240ـ241.

([62]) د. السيد امين شلبي، الوفاق الامريكي السوفيتي مراحله ومكوناته، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (65)، تموز 1981، ص23.

([63]) انظر: عبد القادر محمد فهمي، النظام السياسي الدولي دراسة في الاحوال النظرية والخصائص المعاصرة، دار وائل للطباعة والنشر، عمان، 1997، ص ص69ـ72.

([64]) للمزيد من التفصيل انظر: د. اسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية دراسة في الاحوال والنظريات، ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الخامسة،1987، ص ص52ـ58،283.

([65]) انظر: د. السيد امين شلبي، مصدر سابق، ص ص10ـ12.

([66]) المصدر نفسه، ص24ـ25.

([67]) د. مازن اسماعيل الرمضاني، السياسة السوفيتية حيال ايرا، ف: العلاقات الدولية لأيران، مركز دراسات  العالم الثالث، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1988،ص136.

([68]) د. السيد امين شلبي، مصدر سابق، ص18.

([69]) انظر: د. مازن اسماعيل الرمضاني، السياسة السوفيتية…..، مصدر سابق، ص 136ـ138.

([70]) د. عبد القادر محمد فهمي، مصدر سابق، ص 70ـ71.

([71]) عدي صدام حسين، عالم ما بعد الحرب الباردة دراسة مستقبلية، رسالة دكتوراه (منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1998، ص79ـ80.

([72]) انظر: المصدر نفسه، ص 80ـ81.

([73]) للمزيد من التفصيل انظر:فتحي حسن عطوة، الاتحاد السوفيتي والشرق الاوسط بعد قمة مالطا، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (100)، نيسان 1990،
ص ص 237ـ240.

([74]) عدي صدام حسين، مصدر سابق، ص 82ـ84.

([75]) انظر: د. شفيق المصري، النظام العالمي ملامح ومخاطر، دار العلم للملايين، بيروت، 1992، ص67ـ68.

([76]) انظر: فتحي حسن عطوة، مصدر سابق، ص238.

([77]) محمد سيد احمد، لماذا انهار الاتحاد السوفيتي، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (108)، نيسان 1992، ص119.

([78]) لطفي الخولي، الصراع على الصراع على السلطة في روسيا الاتحادية، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد 108، نيسان 1992، ص 145.

([79]) انظر: معتز محمد سلامة، امن الكومن ولث بين الدور الروسي ومصادر التهديد، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (119)، كانون الثاني 1995، ص15ـ216.

([80]) د. محمد السيد سليم، العرب فيما بعد العصر السوفيتي (المخاطر والفرص)، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (108)، نيسان 1992، ص149.

([81]) للمزيد من التفصيل انظر: زبغنيو بريجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى الاولوية الامريكية ومنطلقاتها الجيوـ ستراتيجية، ترجمة امل الشرقي، الاهلية للنشر والتوزيع، عمان، 1997، ص ص117ـ122.

([82]) د. محمد السيد سليم، مصدر سابق، ص149ـ150.

([83]) نبيه الاصفهاني، مصدر سابق، ص227.

([84]) لمى مضر جري الامارة، سياسة روسيا الاتحادية تجاه منطقة الخليج العربي وافاق المستقبل، رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة صدام، 2000، ص 56ـ58.

([85]) انظر: معتز محمد سلامة، مستقبل الدور الروسي في الكومن ولث الجديد، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (112)، نيسان 1993، ص157ـ158.

([86]) المصدر نفسه، ص157.

([87]) روبرت باريليكي، انهيار الاتحاد السوفيتي واتثيره على امن الخليج ، في :- امن الخليج في القرن الحادي والعشرين ، مركز الامارات بالدراسات والبحوث الاستراتيجية ، ابو ظبي ، 1998  ص137.

([88]) د. جمال علي زهران، الدور الروسي في توازن امن الخليج، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (122)، تموز 1995،ص55.

([89]) المصدر نفسه، ص153ـ154.

([90]) لمى مضر جري الامارة، مصدر سابق، ص172.

([91]) الالكسندر فيلونك، مصدر سابق، ص108.

([92]) نورهان الشيخ، السياسة الروسية في منطقة الشرق الاوسط، قضايا استراتيجية، المركز الغربي للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، العدد (13)، كانون الثاني 1998، ص11ـ12.

([93]) الالكسندر فيلونك، مصدر سابق، ص108.

([94]) المصدر نفسه، ص108.

([95]) نورهان الشيخ، مصدر سابق، ص10ـ11.

([96]) د. جمال علي زهران، أمن الخليج محددات وانماط تاثير العامل الدولي ، قضايا خليجية ، المركز العربي للدراسات الاستراتسجية ، القاهرة ، حزيران 1998،  ص24.

([97]) د. جمال علي زهران،الدور الروسي….، مصدر سابق، ص ص52ـ55.

([98]) المصدر نفسه، ص ص55ـ59.

([99]) انظر: ملفين جودمان، موسكو والشرق الاوسط خلال التسعينات ، في : فيبي مار ، وليم لويس ، امتطاء النمر تحدي الشرق الاوسط بعد الحرب الباردة ، ترجمة عبد الله جمعة الحاج ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ، ابو ظبي  ،1998 ،  ص30،41.

([100]) انظر: محمد كاظم علي، العلاقات الايرانية ـ  السوفيتية (1979ـ1986)، سلسلة الدراسات الايرانية، معهد الدراسات الاسيوية والافريقية، الجامعة المستنصرية، 1986،ص ص 1ـ3،7ـ9.

([101]) د. ظافر ناظم سلمان، مصدر سابق، ص 311.

([102]) الالكسندر دوغلين، محور موسكوـ طهران، مجلة شؤون الاوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، العدد (76)، تشرين اول 1998،ص39.

([103]) لمى مضر جري الامارة، مصدر سابق، ص167ـ168، وكذلك انظر: نورهان الشيخ، مصدر سابق، ص18.

([104]) انظر: الالكسندر دوغين، مصدر سابق، ص39ـ42، وكذلك انظر: فليكس ان يورلوف، مصدر سابق، ص10ـ11.

([105]) انظر: الكسي غروميكو، رؤية روسية للتقارب مع ايران حلف اوراسيا الجيوـ سياسي، مجلة شؤون الاوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، العدد (76)، تشرين الاول 1998، ص27،29،37.

([106]) نقلاً عن: المصدر نفسه، ص27،29.

([107]) ملفين جودمان، مصدر سابق، ص35.

([108]) انظر: د. رضوان راضي العبد الله، الابعاد السياسية للتطور في النظام الدولي، في: مصطفى الحمارنة (تحرير)، العرب في الاستراتيجيات العالمية، مركز الدراسات الاستراتيجية، عمان، 1994، ص ص63، 65ـ68.

([109]) د. سعيد حقي توفيق، النظام الدولي الجديد، دراسة في مستقبل العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، عمان، الاهلية للنشر والتوزيع، 1999، ص ص 25،34،96.

([110]) د. هيثم الكيلاني، معالم النظام العالمي الجديد في وثيقة امريكية، مجلة شؤون عربية، جامعة الدول العربية، القاهرة العدد (91)، ايلول 1997، ص214.

([111]) انظر: مالك عوني، الاستراتيجية العسكرية الامريكية وموقعها من السياسة الخارجية الامريكية، مجلة السياسة الدولية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، العدد (127)، كانون الثاني 1997، ص ص 95ـ97.

([112]) د. سعد حقي، مصدر سابق، ص107.

([113]) د. عبد المنعم سعيد، ما بعد الحرب الباردة: النظام الدولي الجديد بين الفوضى والاستقرار، في: مصطفى الحمارنة (تحرير)، العرب في الاستراتيجيات العالمية، مركز الدراسات الاستراتيجية، عمان،1994، ص30، وللمزيد من التفصيل انظر: د. محمد الدوري النظام الدولي الجديد والقانون الدولي، في: د. باسل البستاني (تحرير)، النظام الدولي الجديد اراء ومواقف، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1992، ص ص15ـ40.

([114]) الدار العربية للدراسات والنشر والترجمة، الولايات المتحدة واتجاهات التفكير الاستراتيجي الجديد في المنطقة، تقديرات استراتيجية، الدار، القاهرة، العدد (24)، 15 آذار 1996، ص9.

تابع…الصفحة التالية