شبكة الغاز الروسية مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط يمكن أن تعزز النفوذ الروسي هناك مع ضمان دور البلاد كمورد رئيسي للطاقة إلى أوروبا

توفر روسيا 35٪ من إجمالي واردات أوروبا من الغاز، وقد عملت منذ فترة طويلة على تجنب الجهود الأوروبية لتنويع مصادر الطاقة. ويتعين، هنا، على روسيا أيضًا أن تقلق بشأن علاقاتها الحزينة مع أوكرانيا، وهي القناة لمعظم صادراتها المتجهة إلى أوروبا. وبناء شبكة نقل الطاقة عبر منطقة “الشرقالأوسط” من شأنه أن يسمح لموسكو بالبقاء في قلب اللعبة.

وفي هذه الشبكة الجديدة، تعد تركيا واحدة من أهم نقاط العبور. تدير شركة “غازبروم” (الروسية) بالفعل خط أنابيب “بلو ستريم”، الذي يعالج حوالي 16 في المائة من صادرات الغاز من موسكو إلى أوروبا عبر تركيا وبلغاريا. ومن المتوقع، الآن، أن يتم إنشاء خط أنابيب ثانٍ، TurkStream، قبل نهاية هذا العام. وستُنقل حوالي 14 في المائة من صادرات الغاز إلى موسكو عبر تركيا واليونان.

ويُضاف هذان الخطان إلى مشروع نورد ستريم 2 (خط الأنابيب الرابط بين روسيا وألمانيا)، ستجعل خطوط الأنابيب الثلاثة أوروبا أكثر اعتمادًا على الغاز الروسي مع توسيع الفجوة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن استخدام روسيا للبنية التحتية للطاقة كما لو أنها سلاح سياسي. وستكون خطوط الأنابيب الثلاثة، معا، أكثر من كافية لتحل محل الصادرات التي تصل إلى أوروبا عبر أوكرانيا.

سيتم تشغيل محطة أخرى للشبكة الجديدة عبر المنطقة الكردية شبه المستقلة في العراق قبل الاتصال بشبكة خطوط الأنابيب التركية لمزيد من التصدير إلى أوروبا. في سبتمبر 2017، وقبل أيام من عقد حكومة إقليم كردستان استفتاء سيئًا بشأن الاستقلال، وقعت شركة الطاقة الروسية المملوكة للدولة “روسنفت” اتفاقًا مع حكومة إقليم كردستان لتمويل خط أنابيب للغاز بقيمة مليار دولار من كردستان إلى تركيا.

ومن المتوقع أن يكون خط الأنابيب قادرًا على تلبية 6 في المائة من الطلب السنوي على الغاز في أوروبا. وبعد ذلك، في أكتوبر 2017، استحوذت شركة “روسنفت” على حصة مسيطرة في خط أنابيب نفط كردستان العراق الحالي إلى تركيا مقابل 1.8 بليون دولار. وكان هذا الخط في قلب العلاقات المتوترة بين الحكومة المركزية في العراق وحكومة إقليم كردستان منذ عام 2013، عندما بدأت أربيل في تصدير النفط من جانب واحد إلى تركيا عبر خط الأنابيب، وهي خطوة انتقدتها بغداد باعتبارها انتهاكا دستوريا كبيرا.

عززت روسيا التوتر الحاصل بين بغداد واربيل لجني أكثر العقود المربحة الممكنة. ففي أعقاب التوسع الروسي في قطاع الطاقة في كردستان، يبعث إيغور سيتشين، رئيس شركة “روسنفت”، برسالة إلى الحكومة المركزية العراقية تفيد بأنه منذ أن أظهرت بغداد “عدم وجود موقف بناء واهتمام” بالعمل مع “روزنفت”، لا خيار سوى التعامل مع حكومة إقليم كردستان، والذي أظهر “اهتمامًا أكبر بتوسيع التعاون الإستراتيجي”.

نجحت اللعبة: بغداد، التي تسعى لإبعاد موسكو عن أربيل، فتحت مفاوضات مع شركة “روسنفت” لتقديم عروض لبناء خط أنابيب جديد للنفط من حقول نفط كركوك إلى الحدود التركية، وتجنب أراضي حكومة إقليم كردستان. وسيحل خط الأنابيب الجديد محل الخط السابق الذي تم تدميره في الحرب ضد “تنظيم داعش”.

وفي سوريا، في الوقت نفسه، فازت روسيا بالحق الحصري في إنتاج النفط والغاز في يناير 2017. على الورق، هذا لا يعني كثيرا: تبلغ احتياطيات النفط المؤكدة في سوريا 2.5 مليار برميل (حوالي 0.2 في المائة من الحصة العالمية)، واحتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة غير كافية لتلبية الاستهلاك المحلي حتى، لكن القيمة الرئيسية لسوريا بالنسبة لموسكو، مثل تركيا، تكمن في موقعها مركزا لنقل الصادرات.

بدأت الآلات النفطية الروسية في سوريا قبل التدخل العسكري للكرملين عام 2015. في عام 2009، اقترحت قطر إنشاء حقل جنوب بارس / شمال القبة (الذي تشاركه فيه إيران) عبر الأردن وسوريا والسعودية وتركيا. بناءً على طلب روسيا، رفض بشار الأسد التوقيع على الخطة، لأن موسكو تخشى أن تؤدي الصفقة إلى تقليص دورها في سوق الغاز الطبيعي في أوروبا. وبدلا عن ذلك، ورد أن روسيا وافقت على بناء خط أنابيب بين إيران والعراق وسوريا على افتراض أنه سيكون من السهل التعامل مع إيران أكثر من قطر.

لقد أعاقت الثورة التي تلت تلك الخطط، لكن من المرجح أن يزداد النشاط الروسي مع تحول سوريا إلى إعادة الإعمار، مع الأولوية في جميع العقود لموسكو. ومع قرار إدارة ترامب بمغادرة سوريا في الوقت الذي تظل فيه روسيا راسخة هناك، فإن أي مشاريع للبنية التحتية للطاقة التي تمر عبر سوريا سوف تحتاج إلى موافقة موسكو. في الواقع، تستعد روسيا بالفعل لجني ثمار كبيرة، حيث تتخلى الولايات المتحدة عن أكبر حقول النفط السورية بسحبها.

كما عمَقت موسكو العلاقات التجارية مع لبنان جزءا من جهودها لدحر النفوذ الأمريكي في المنطقة، حيث تضاعف حجم التجارة بين روسيا ولبنان من 423 مليون دولار في عام 2016 إلى 800 مليون دولار في عام 2018. كما فضل قطاع النفط والغاز في لبنان الشركات الروسية. وفازت شركة “نوفاتيك” الروسية بحصة 20 في المائة في مباني استكشاف بحرية العام الماضي. ومن المتوقع أن يُباع المزيد من القطع في المزاد هذا العام.

لكن مصلحة روسيا الأساسية في لبنان قادت إلى سوريا. في يناير، وقعت شركة “روسنفت” اتفاقًا مدته 20 عامًا لإدارة وتطوير مرفق تخزين النفط في طرابلس، لبنان، والذي يقع على بعد 18 ميلًا فقط من الحدود السورية وعلى بعد 37 ميلًا من ميناء طرطوس السوري الخاضع لسيطرة روسيا، وهو موطئ قدم موسكو الوحيد على البحر المتوسط.

وبقيت قيمة الصفقة سرية، لكن قرب المنشأة من سوريا يمكن أن يسمح لموسكو باستخدامه لتوصيل الوقود السري لنظام الأسد، وهو نشاط سعت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية إلى إحباطه.

ولا شيء من هذا يعني القول بأن جسر موسكو الأرضي للطاقة هو حقيقة وشيكة. تبقى إعادة الإعمار في سوريا بعد عدة سنوات، وستكون قيمة البلد مركزا للطاقة منعدمة طالما أنها تخضع لعقوبات أمريكية مشلولة… تحتل تركيا والعراق الوعد الفوري لطموحات موسكو في مجال الطاقة ، بينما تدل المشاركة الروسية في لبنان وسوريا على أن أوروبا تنمو في أوروبا.

وتعد تركيا والعراق من أكثر الدول الواعدة لطموحات موسكو في مجال الطاقة، في وقت يظهر فيه التزام روسيا بلبنان وسوريا أن موسكو ملتزمة باللعبة الطويلة المتمثلة في تأمين وتوسيع احتكارها لسوق الطاقة في أوروبا.

لكن إذا نجحت روسيا في خططها، فستكون الآثار المترتبة على الأمن الأوروبي عميقة. أوروبا تعتمد بشكل أكبر على الغاز الروسي، مما سيضع تأثيرها في الكرملين، مما يحد من قدرتها على معاقبة البلاد على مخالفاتها مثل قتل المعارضين الروس على الأراضي الأوروبية.

لن يكون هناك الكثير لمنع بوتن من إغلاق صنابير الغاز إلى أوروبا، كما كان الحال في الماضي، حالة نشوب الخلافات السياسية. مع ازدياد الطلب على الطاقة في أوروبا، تخاطر الدول الأوروبية بالدخول في علاقة تبادلية مع موسكو.

يمكن أن تتأثر خطط روسيا أيضًا بمنطقة كانت فيها واشنطن من الناحية التاريخية الضامن الأمني ​​الرئيسي. وبما أن واشنطن تتخفف من الشرق الأوسط، فإن موسكو تفعل العكس، باستخدام مشاريع الطاقة.

قد يكون من الصعب دفع المكائد الروسية. فعلى الرغم من أن كلا من قبرص وإسرائيل، الحليفان الوفيان للولايات المتحدة، لديهما احتياطيات كبيرة من الغاز المؤكد، لا يمكن لأي منهما تزويد أوروبا بشكل واقعي في هذه المرحلة.

مجلة  فورين بوليسي –  بقلم فارشا كودوفايور ، جريج إيفريت * – 17/4/2019  

سيطر الصراع على النفط ومصادره على جانب كبير من صراعات القرن العشرين، فكانت الإستراتيجيات تقوم على تأمين نفوذ الدول الكبرى في مناطق الإنتاج، وتأمين خطوط وممرات النقل، لضمان توفيره بالأسعار المناسبة للدول الصناعية الكبرى، لكن، ومع حلول الربع الأخير من القرن، بدأ بساط الصراع ينسحب من تحت النفط لينتقل تدريجياً ليصبح صراعاً على مصدر جديد “الغاز”.
من سيبيريا الغربية.. إلى أوروبا الشرقية
بدأ إنتاج الغاز الطبيعي في الاتحاد السوفييتي بالتطوّر بشكل متسارع خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي، مع اكتشافات كميات كبيرة منه في مناطق مختلفة من سيبيريا، ومع سيطرة الولايات المتحدة على أهم حقول واحتياطات النفط في العالم، بدأ السوفييت بالتفكير في تفعيل واستغلال ورقة الغاز، وعام 1978؛ بدأ التفكير في تصدير الغاز إلى السوق الخارجي، وتحديداً إلى المستهلكين في أوروبا، فتم اقتراح مشروع لنقل الغاز من الحقول في سهول سيبيريا الغربية إلى ألمانيا، ومنها إلى دول أوروبية عدّة، وأنجز المشروع بالفعل بالفترة من 1982 وحتى 1984، وخلال الأعوام اللاحقة تمّ تأسيس خطوط نقل أخرى، وبقيت معظم الخطوط متركزة في الأراضي الأوكرانية.

مع سيطرة الولايات المتحدة على أهم احتياطات النفط في العالم بدأ السوفييت بالتفكير في تفعيل واستغلال ورقة الغاز

ومنذ البداية، واجه المشروع السوفييتي معارضة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية؛ فسارعت إدارة رونالد ريغان إلى التعبير عن مخاوفها من تحوّل أوروبا الغربية نحو الاعتماد على الغاز السوفييتي، والتخوّف من توظيف موسكو العائدات لأغراض عسكريّة، في إطار اشتداد وطأة الصراع المسلح حينها.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991، استمر الضخّ من روسيا باتجاه أوروبا، لكن طرأت مستجدات تمثلت في بروز إرادات ومواقف سياسية جديدة للدول المستقلة، وتحديداً أوكرانيا، التي بدأت تطالب بالحصول على امتيازات مقابل مرور الأنابيب في أراضيها، وتطورت الأمور لاحقاً إلى حدوث أزمات وبالتحديد بعد قيام “الثورة البرتقالية”، أواخر عام 2004، في أوكرانيا؛ وإثر فوز المرشح روسي الولاء، فيكتور يانوكوفيتش، واتهامه بالتزوير، حدثت أزمة نقل الغاز، في كانون الثاني (يناير) 2006، بين روسيا وأوكرانيا، وتطوّرت الخلافات إلى وقف ضخ الغاز الروسي، عام 2009، مدة أسبوعين، ما هدّد بشلّ الحياة والاقتصاد في أوروبا حينها.

ملصق روسي من عام 1983 يحتفي بمشروع ضخّ الغاز الروسي باتجاه أوروبا

نابوكو… خطة أمريكية لمحاصرة الغاز الروسي
استمر عدم الرضا الأمريكي عن ارتباط الاقتصاد الأوروبي بالغاز الروسي، فالطاقة هي عصب الاقتصاد، ومثل هذا الارتباط كفيل برهن أوروبا ومصالحها بالسياسة والإستراتيجيات الروسية، وكفيل بإبعاد أوروبا الغربية عن التحالف مع الولايات المتحدة وتعزيز علاقاتها مع الغريم الروسي.

اقرأ أيضاً: تركيا تتدخّل في ليبيا من أجل الغاز.. و”الإخوان”
وهنا جاء تبني فكرة مشروع خط الغاز، المعروف بـ “نابوكو”، عام 2002؛ ليكون بديلاً عن خطوط الغاز الروسي، عبر نقل الغاز من مصادره في آسيا الوسطى، من تركمانستان وأوزباكستان وكازاخستان تحديداً، عبر بحر قزوين وتركيا باتجاه أوروبا.
وجاء الردّ الروسي على المشروع مباشرة عبر توقيع عملاق الغاز، شركة “غازبروم” الروسية، عقود احتكار مع الدول المنتجة للغاز في آسيا الوسطى، وبالتالي بات الغاز التركماني روسيّ من ناحية حقوق الانتفاع والاستخراج والنقل، وفقد المشروع الأمريكي جدواه قبل أن يولد.

الخطّ المقترح لنقل الغاز من آسيا الوسطى باتجاه أوروبا

ممرّ الغاز الجنوبي.. محاولة أخرى
واستمرّت المحاولات لدعم تزويد أوروبا بمصادر غاز بديلة، تقلل من اعتمادها على الغاز الروسي، وفي مطلع عام 2008 اتّجه التفكير إلى غاز أذربيجان، وعام 2012؛ تمّ توقيع اتفاق بين تركيا وأذربيجان لتأسيس خطّ لنقل الغاز من أذربيجان باتجاه أوروبا عبر تركيا، وحمل الاسم “خط الغاز عبر الأناضول” (تاناب)، وفي تموز (يوليو) 2019؛ أعلن عن استكمال إنشاء الأنبوب ووصوله إلى الحدود التركيّة اليونانيّة، ومن المخطط في المرحلة التالية ربط الأنبوب بـ “الأنبوب العابر للبحر الأدرياتيكي” (تاب)، الذي سيضخ الغاز عبر اليونان وألبانيا إلى إيطاليا.

اقرأ أيضاً: الإمارات إلى المركز الـ 6 عالمياً في احتياطات النفط والغاز.. ما دلالات ذلك؟
حمل المشروع ككل تسمية “ممرّ الغاز الجنوبي”، ومن المتوقّع وصول الغاز عبره إلى الأسواق الأوروبية بحلول عام 2020؛ حيث ينقل الخط نحو (16) مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، منها ستة مليارات متر لتلبية احتياجات تركيا، بينما يتمّ ضخّ عشرة إلى أوروبا، ويتضمّن المشروع خمس شركات مساهمة، بينها شركة روسية واحدة “لوك أويل”، تملك نسبة 10% فقط من المشروع.

خطّ “تاناب” باللون الأحمر و”تاب” باللون الأزرق

السيل الشمالي… ردّ الفعل الروسي
بعد استمرار الأزمات مع أوكرانيا، وبغرض تأمين خطوط نقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وضمان تنويعها وعدم خضوعها للإرادات السياسية المنافسة، اتجه الروس للتفكير في نقل الغاز إلى أوروبا عبر مسارات جديدة، وكان أحد الخيارات هو “السيل الشمالي” (نورد ستريم)، وهو خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي يعبر في قعر بحر البلطيق، ينطلق من مدينة فيبورغ في روسيا إلى مدينة غرايفسفالد في ألمانيا، ويبلغ طول الخط (1222) كيلومتراً ليكون بذلك أطول خطّ أنابيب تحت البحر في العالم.

مع سيطرة الولايات المتحدة على أهم احتياطات النفط في العالم بدأ السوفييت بالتفكير في تفعيل واستغلال ورقة الغاز

بدأ الضخّ عبر الخط، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2011، وعام 2018؛ باشرت الشركات الروسيّة في العمل على مدّ خطّ ثانٍ موازٍ، عُرف باسم “السيل الشمالي الثاني” (نورد ستريم 2)، بغرض رفع مستويات الضخّ باتجاه أوروبا، وخصوصاً مع تزايد الطلب الألماني على الغاز الروسي؛ حيث تصل تقديرات اعتماد ألمانيا على الغاز القادم من روسيا بنسب تصل إلى نحو (75%) من احتياجاتها، ومن المقرر الانتهاء من الأعمال في الخطّ بحلول منتصف العام 2020.
وفي كانون الأول (ديسمبر) 2019؛ أقرّ الكونغرس الأمريكي فرض عقوبات على مشروع “نورد ستريم 2” بغرض منع الشركات الأوروبية من العمل فيه، في حين أعلنت موسكو مواصلة العمل في المشروع.

السيل الشمالي ينقل الغاز عبر بحر بلطيق من الساحل الروسي إلى الألماني

السيل الأزرق والسيل التركي.. المزيد من الخيارات الروسية
في إطار الجهود الروسيّة لتنويع مسارات نقل الغاز باتجاه أوروبا، وبعد بروز مشروع “نابوكو” لنقل الغاز عبر تركيا، اتجه الروس كذلك إلى الجغرافيا التركيا، وفي عام 2003؛ انطلق مشروع “السيل الأزرق” لنقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود باتجاه تركيا ومن ثم باتجاه أوروبا، حيث ينطلق الخطّ من الساحل الروسي على البحر الأسود، ومن ثم يعبر البحر باتجاه الساحل التركي.

اقرأ أيضاً: إخوان اليمن يرفضون أي رقابة على عائدات الغاز والنفط في مأرب
وعام 2014؛ وقّع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اتفاقاً لإطلاق مشروع جديد باسم “السيل التركي”، بعد حادثة إسقاط تركيا الطائرة الروسيّة، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، أعلنت موسكو تعليق المشروع، قبل أن يُعاود العمل بالمشروع مع تحسّن العلاقات بين البلدين من جديد، في منتصف عام 2016، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2018؛ تمّ الانتهاء من أعمال البناء، وتمت المباشرة في ضخّ الغاز عبره.

السيل التركي (بالأخضر) والسيل الأزرق (بالبرتقالي)

إيست ميد.. مساعي الالتفاف مستمرة
من المنظور الأمريكي بقي حجم مساهمة خط “تاناب” ضئيلاً بالمقارنة مع الإمدادات الروسية المتدفقة للقارة الأوروبية، خاصّة مع إطلاق كلّ من السيلين الشمالي والتركي؛ ففي عام 2018 وصل إجمالي صادرات الغاز الروسي إلى القارة إلى (243) مليار متر مكعب، ما يشكّل نحو ثلث واردات القارة من الغاز، بالتالي؛ استمرت الجهود لإيصال إمدادات جديدة تساهم في تخفيض هذه النسبة، وهنا برزت مكتشفات الغاز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وإمكان تصديرها إلى القارة الأوروبية كأحد الخيارات المناسبة.

اقرأ أيضاً: حرب الغاز.. العرب والكيان الصهيوني في مواجهة من نوع جديد
ويبرز دور الولايات المتحدة في غاز شرق المتوسط عبر حضور شركاتها، مثل “نوبل إنرجي” ونشاطها في حقلي “تامار” و”ليفاثيان”، ضمن المنطقة الاستثمارية الخاصة بـ “إسرائيل”. وبالفعل؛ في كانون الأول (ديسمبر) عام 2017، وقّعت “إسرائيل”، وقبرص، واليونان، وإيطاليا، بروتوكولاً لبناء أنبوب لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا؛ حيث يمتد إلى نحو ألفي كيلومتراً، وليكون بذلك أطول أنبوب تحت الماء في العالم، وتأمل واشنطن في أن يؤمن هذا المشروع، الذي عرف بـاسم “إيست ميد”، ما نسبته (10%) من احتياجات القارة من الغاز.

اقرأ أيضاً: الغاز في شرق المتوسط يزعزع العلاقة القطرية التركية
إلا أنّ تحديات عدة تواجه تنفيذ الخطة، منها الصعوبة والتكلفة العالية بسبب الطول وعمق المياه، وكذلك تردّد إيطاليا، التي تطمح في التوجه، بحلول عام 2050، نحو الاعتماد بشكل كامل على مصادر الطاقة المتجددة، وكذلك شعورها بوجود تكلفة عالية خاصة مع إمكان الاعتماد في نقله على خط “التاب” الذي ينقل الغاز براً من اليونان إلى ألبانيا ثم إلى إيطاليا، عبر مضيق أوترانتو في مدخل البحر الأدرياتيكي، ومؤخراً برزت تحديات أخرى مع توجه تركيا لترسيم المنطقة البحرية بينها وبين ليبيا، بالتالي يكون على الخطّ أن يمرّ في واحدة منهما: المنطقة الاستثمارية البحرية الخاصة بتركيا، أو الخاصة بليبيا، وهو ما لن توافق عليه تركيا باعتبار أنّه يؤدي إلى تجاوز دورها في شبكة خطوط نقل الغاز نحو القارة الأوروبية.

خطّ “إيست ميد” المقترح تمديده عبر البحر المتوسط

قوة سيبيريا.. ضمان السوق الصيني
لا تتجه خطوط الغاز الروسية غرباً فحسب؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، تمّ افتتاح خطّ الأنابيب “قوة سيبيريا” (باور أوف سيبيريا)، الذي ينطلق من عمق روسيا باتجاه الصين، إحدى أهم المستهلكين للغاز في العالم، يبلغ طول الخط ألفي كيلومتر، وينقل (38) مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.
ويتوقّع أن تصبح الصين المستورد الأول للغاز في العالم خلال العام الحالي 2020، متفوقةً في ذلك على اليابان، وتشير التقديرات المستقبلية إلى أنّ احتياجات الصين ستصل إلى (610) مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي بحلول عام 2035، وتسعى روسيا لتأمين حصتها في هذا السوق الرئيسي.

خطّ “قوة سيبيريا” بالأحمر المقطّع

ويتحدث المهندس أحمد بشير، الأمين العام الأسبق لوزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية، لـ “حفريات”، عن أسباب التحول العالمي نحو الاعتماد على طاقة الغاز بدلاً من النفط، فيشير إلى أنّه على خلفية أزمة حظر تصدير النفط العربي، عام 1973، وما صاحبها من ارتفاع لأسعار النفط، بدأ التفكير بتوفير موارد طاقة بديلة، وكان من بين الخيارات المفضلة الغاز الطبيعي، الذي كان فيما سبق يتمّ إهماله، وكثيراً ما كان يتمّ التخلص من كميات الغاز المصاحبة للاحتياطات النفطية، ومن أهم الأسباب التي شجعّت الاعتماد عليه: انخفاض تكاليفه؛ إذ يستخدم الغاز كوقود محترق بطريقة مباشرة دون معالجة أو تكرير، كما هو الحال في النفط.
يذكر بشير من بين الأسباب كذلك: الاكتشافات الكبيرة لمكامن الغاز، خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، على امتداد سهول سيبيريا، وصولاً إلى بحر قزوين، ونزولاً إلى مياه الخليج العربي، وهذه الاكتشافات جاءت بسبب تطور أساليب التنقيب والمسح، ولسبب آخر مهم، تمثّل في السياسات البيئية الرامية للتحوّل من النفط والفحم إلى الغاز بهدف الحدّ من تلوث الهواء، وخصوصاً بعد توقيع الدول الصناعية اتفاقية “كيوتو”، عام 1997، خاصة أنّ المصادر المتجددة غير قادرة على سدّ حاجات الدول الصناعية بعد، فظهرت أسواق مستهلكة كبيرة للغاز؛ من اليابان إلى تايوان وإلى أوروبا؛ إذ يعدّ الغاز أقلّ أنواع الوقود الأحفوري الثلاثة تلويثاً للبيئة.

بقلم خالد بشير – موقع حفريات – 03/09/2020