كانت الساعة السادسة من مساء يوم 22 جانفي 2022، حين بدأ التواصل مع صفحة فيسبوك يعرض صاحبها شهادات جامعية متخصصة للبيع بأسعار تبدأ من 3 آلاف أورو وصولا إلى 6 آلاف أورو، لا يشترط أي شروط سوى وثيقة جواز سفر + دفع مستحقات مقابل تسليم الشهادة بعد 5 أيام. قصة من أطرف القصص التي يمكن أن تسمعها أثناء البحث في ملف الانتساب لجامعات دولية في الخارج، وتصل إلى حدود النصب والاحتيال وممارسة جرائم خطيرة، منها التزوير والتلاعب بالشهادات الجامعية.

27 ألف شهادة جامعية مزورة

تتصل به بعد إعلان في “فيسبوك” أو في “تويتر”، يعرض من خلاله للبيع شهادات جامعية من جامعات أوروبية، شهادات ليسانس، مهندس، ماجستير أو دكتوراه. أثناء المحادثة يقدم لك قائمة بالتخصصات المتوفرة، وقائمة ثانية بالأسعار المقررة، الأسعار تبدأ من 3 آلاف دولار وصولا إلى 7 آلاف دولار، حسب مستوى الشهادة والتخصص المطلوب، يقول لك أيضا بأن الشهادة موثقة ويمكنك التأكد عبر الموقع الإلكتروني للجامعة التي تمنح الشهادة الجامعية.

في اتصال ثان، يعرض عليك أحد “باعة” الشهادات الجامعية شهادة ماجستير غير صحيحة، لكنها دقيقة التزوير، من أي جامعة في العالم، مقابل 50 أورو أو حوالي مليون سنتيم، الشهادة تصلك عبر الإيميل ساعة واحدة فقط بعد إرسال الأموال عبر “فيزا كارت” إلى عنوان البريد الإلكتروني.

إنه سوق واسع عنوانه العريض الاحتيال، باشرنا محاولة شراء وهمية لشهادة جامعية من صفحة فيسبوك يعلن صاحبها الذي يفترض أنه مصري مقيم في بلد أوروبي، بيع شهادات جامعية صادرة عن جامعات معروفة بمقابل مالي يصل إلى حوالي 120 مليون سنتيم، وهو واثق من نفسه. ورغم عدم توفر الإمكانية لإتمام العملية، إلا أن صاحب الصفحة أعاد الاتصال بنا عدة مرات، عارضا خدمات أخرى غريبة، تمنح كـ”بونيس” يقول بأنها فوق البيعة، وهي رسالة جامعية جاهزة، وشهادتين شرفيتين تؤكدان أن المستفيد من شهادة الدكتوراه والماجستير شارك في مؤتمرات علمية تتعلق بتخصصه الأكاديمي. لكن الأغرب هنا أن الإيميل الشخصي لصاحب حساب فيسبوك تلقى طيلة أيام لاحقة مجموعة من العروض من أشخاص آخرين عبر رسائل بريد إلكتروني، وهو ما يعني أن الأمر يتعلق بتنظيم دولي يعمل لصالحه عدد من الأشخاص لا أحد يعرف مواقعهم .

السؤال الذي تبادر إلى ذهننا ونحن نتعامل مع هذا الشخص المجهول هو: هل تم منح شهادات تخصص طبي لأشخاص لم يزاولوا أي دراسة طبية متخصصة؟ أو ماذا لو منحت شهادة تتعلق بالطيران أو غيرها من التخصصات بالغة الخطورة والحساسية؟

الموضوع يبدو صادما لكنه حقيقي، ففي جمهورية العراق تم في عام 2021 تفجير قضية وجود شخصيات لها مناصب رفيعة حصلت على شهادات جامعية مزوّرة، وانتقلت الفضيحة بسرعة إلى لبنان، حيث تداولتها الصحف المحلية والعالمية، مع أن الحادثة ليست غريبة علينا كونها ظهرت في الجزائر ومتهم فيها وزراء.

قال الصحفي العراقي حسين غانم عبد الغفور الذي أجرى تحقيقا حول الموضوع في عام 2021: “القضية وقعت عندما تم كشف قيام شخص كان يشغل منصبا مهما في جامعة لبنانية، ببيع 27 ألف شهادة جامعية في العراق لوحده، لشخصيات بعضها لديه مناصب مسؤولية”. ويضيف المتحدث: “لا أحد إلى اليوم يعرف على وجه الدقة حجم الفساد الموجود على مستوى الجامعات، سواء في الدول العربية أو في باقي دول العالم، لأنه في الحقيقة من الصعب بعد 5 أو 6 سنوات التدقيق في هوية كل الأشخاص الذين درسوا في هذه الجامعة أو تلك، وبالتالي فإن التلاعب في منح الشهادات الجامعية يفوق في الحقيقة كل وصف، ويحتاج لوضع منظومة مركزية مبنية على قواعد بيانات يمكنها كشف حقيقة حصول أي شخص على شهادة جامعية، ومن المهم الآن على الأقل تنسيق جهود الدول العربية لمكافحة التلاعب الخطير بالشهادات الجامعية”.

المرشدون في فيسبوك يوتيوب وتويتر

بإجراء عملية بحث بسيطة عبر الإنترنت، تكتشف وجود مئات المواقع الإلكترونية والآلاف من حسابات فيسبوك وتويتر، كلها تعرض خدمات تتعلق بالتسجيل في جامعات بالخارج. مواقع تعرض قوائم بتخصصات جامعية للدراسة في جامعات 20 دولة مختلفة، تخصصات طب أسنان، صيدلة، طب، دراسة ما بعد التدرج في الطب، هندسة ودراسات علوم سياسية، وغيرها، مع عروض مغرية، مثل الالتحاق بجامعة دون مسابقة، ودون شرط إتقان اللغة، وقوائم بالأسعار الخاصة بالتسجيل ورسوم الدراسة سنويا.

بعض المواقع تبدو من الوهلة الأولى احترافية، وتتبع شركات متخصصة، تقدم روابط اتصال مختلفة عبر الإيميل، “فيسبوك” و”واتساب”، هاتف مع عنوان بريدي واضح مع تقديم قوائم بالجامعات المقترحة أو المتوفرة للتسجيل، وإمكانية تسجيل البيانات بشكل مباشر عبر الموقع نفسه.

بعض المواقع مجهولة تقريبا، رغم أنها تقدم وسائل اتصال للمساعدة، والمئات من حسابات “فيسبوك” و”تويتر”، بعضها ملحقة بشركات ومكاتب مساعدة للتسجيل، والبعض الآخر لأشخاص يعرضون خدمات مختلفة، إلى درجة أن بعض حسابات “فيسبوك” تعرض بيع شهادات جامعية ولا أحد يعرف إن كانت مزوّرة أو حقيقية.

بالمقابل، تتوفر مئات المواقع الإلكترونية متخصصة في الإرشادات فقط، إرشاد الراغبين في الدراسة في الخارج، دون أي عروض تجارية، مجرد إرشادات ونصائح، ومعلومات وتوجيهات، والحقيقة التي تثير الانتباه هي أن الجميع في الإنترنت مهتم بالدراسة الجامعية والتكوين والدراسة، حتى الأشخاص الذين لا يبدو أنهم مهتمون بالدراسة والتكوين، أما يوتيوب المنصة العالمية الأكبر للفيديو، فإنها تعج أيضا بالمرشدين الذين يقدمون مختلف أنواع الخدمات، والجميع يبحث عن الانتشار فقط .

وحتى المواقع العلمية والإخبارية الرصينة تنبهت إلى زيادة الطلب على الدراسة في الخارج، وانبرى صحافيوها لتحرير مقالات تتضمن معلومات عامة وتفصيلية كلها تقريبا منقولة ومتشابهة لا أحد يمكنه التفريق بين صاحب السبق والناقل، وكلها تبحث عن الانتشار والوصول إلى أكبر عدد من المتصفحين والقراء، حتى أن أي متصفح للإنترنت يكتشف بعد وقت قليل التشابه الذي يصل إلى حد التطابق بين مقالات الصحف الإلكترونية، وحتى بالنسبة للشخص الذي تتوفر لديه خبرة في تصفح مواقع الإنترنت وتصفحها قد يستغرق أمر التأكد من وجود وكالة أو شركة ذات مصداقية مقبولة أو عالية ما لا يقل عن 10 ساعات. أما بالنسبة لشخص عادي أو طالب حصل لتوه على شهادة الباكالوريا، فإن الوقوع ضحية للمحتالين أمر في حكم المؤكد ربما، عندما يكون المقابل المالي للتسجيل من أجل الدراسة كبيرا، قد يفكر الراغب في الدراسة أكثر من مرة قبل المغامرة. لكن الأكثر غرابة في كل هذه الحكاية هي أن التسجيل للدراسة في الخارج لا يقتصر على الجامعيين، بل يتعدى إلى بعض الراغبين في الحصول على تكوين مهني، وهذا ما سنتطرق له لاحقا.

1.5 بالمائة مرة أخرى

الدراسة الجامعية في الخارج هي سوق ضخم يتطور سنة بعد أخرى، بشكل خاص في العالم العربي، بسبب التحاق ملايين الطلبة من كل أنواع العالم بالجامعات. وبينما يعجز أغلب هؤلاء عن الالتحاق بجامعات خاصة، فإن نسبة كبيرة من الطلبة لديها القدرة على تسديد مقابل الدراسة في الخارج، أو حتى داخل دولهم. في العالم العربي لوحده، ترسل الدول العربية طبقا لإحصاءات رسمية، ما بين 500 و750 ألف طالب للدراسة في الخارج كل سنة، ونسبة مهمة من الخرّيجين لا تعود أبدا إلى الدول التي قدمت منها، أو على الأقل فإن أصحاب الاختصاصات الأكثر أهمية لا يعودون، رغم أن كلفة الدراسة سنويا للطلبة العرب في الخارج تقدرها مراكز بحث بما يتراوح بين 1.2 و02 مليار دولار، حسب السنوات، وهي أموال تأتي إما من ميزانية الدول بشكل مباشر مثل دول الخليج أو من مدخرات الأسر.

هذا الرقم يبدو ضئيلا جدا بالمقارنة مع المخصصات السنوية لتمويل دراسة الطلبة في الخارج على مستوى العالم، لأن سوق الدراسة الجامعية في الخارج بلغت قيمته قبل بداية جائحة كورونا سنويا 30 مليار دولار، بمعنى أن حصة الدول العربية من مجموع السوق العالمية للدراسة في الخارج لا تتعدى 1.5 بالمائة، أو بمعنى آخر فإن حصة 20 دولة عربية من هذه السوق لم تصل بعد إلى حصة دولة مثل الهند، بالرغم من أنه ضمن الدول العربية دول غنية جدا.

الأكثر أهمية أيضا أن دولا لديها القدرة على التحول سريعا إلى مراكز جذب للطلبة من الخارج، مثل مصر التي ما زالت بعيدة تماما عن تصدر قائمة الدول الأكثر جذبا للطلبة الراغبين بالدراسة في الخارج من مختلف دول العالم.

ويقول الدكتور ياسين سعد محمد في مقال بحثي “الجامعات العربية الواقع والمأمول” نشر في صحيفة “الوفد” المصرية” “تحتاج الدول العربية لما لا يقل عن 10 إلى 15 سنة لإعادة بناء منظومة التعليم الجامعي، وحتى نتمكن من جعل الجامعات العربية قادرة على جذب طلبة من الخارج، لا بديل بصراحة شديدة عن خصخصة الجامعات، أو بتعبير أصح إبعاد أي تدخل رسمي للحكومات في تسيير الجامعات، الدولة يمكنها صرف الأموال لتطوير التعليم الجامعي لكن ليس من حقها رسم سياسة تسيير الجامعات، أو تعيين مسؤوليها، كما أنه من المهم تمويل قدوم أساتذة جامعيين من أصحاب الكفاءة العليا للتدريس في الجامعات العربية”، ويضيف كاتب المقال “التأخر الكبير للدول العربية، في مجال التعليم الجامعي، بدأ عندما قررت الدول العربية أو أغلبها فرض وصاية رسمية على الجامعات، وفشلت بالرغم الوصاية المباشرة في مجال رسم سياسة واضحة طويلة المدى، لتطوير الجامعات”.

سوق تفوق قيمته 30 مليار دولار !

تقدر مراكز دراسات دولية قيمة هذا السوق على مستوى العالم بأكثر من 30 مليار دولار سنويا، يتم صرفها من قبل طلبة أجانب يرغبون في الدراسة في دول بأوروبا وآسيا، في شكل رسوم تسجيل، ورسوم مقابل كل سنة دراسة جامعية، وهذا دون احتساب نفقات الإقامة والتنقل.

وتعتلي الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول الأكثر جذبا للطلبة الراغبين بالدراسة في الخارج في العالم، ويتطلع أغلب الباحثين الجامعيين والراغبين في الدراسة بالخارج من كل دول العالم للدراسة في جامعات أمريكية، ليس فقط بسبب الشهرة العالمية لهذه الجامعات، بل أيضا لأن الشهادة الجامعية التي تصدر عن جامعة مثل ماساتشوستس وهارفارد وكاليفورنيا تعني التوظيف في أكبر المؤسسات والشركات عبر العالم.

فرنسا أيضا لديها سمعة عالمية وجامعات مصنفة في ترتيب متقدم ليس فقط ضمن مصداقية الجامعات، بل في استقبال الطلبة، فمدينة باريس تصنف إلى اليوم كإحدى أهم وجهات الدراسة بالنسبة للطلبة، بشكل خاص في تخصصات العلوم الإنسانية. لكن بعض الدول في العالم بدأت في مزاحمة الدول الغربية، فالهند، ماليزيا، اليابان، الصين، تركيا وروسيا، تتقدم بسرعة كبيرة في مجال استقطاب الطلبة من أجل الدراسة الجامعية، سواء الأولية أو ما بعد التدرج.

تحرك الدول الغربية والآسيوية لاستقطاب الطلبة الجدد له مستويات مختلفة، ففي بعض الدول، تحول النشاط إلى عمل تجاري محض، يركز في تحقيق الربح على أي جوانب أخرى، بينما تركز بعض الدول على مجالات تتعلق بالتقنية والطب والصيدلة وتكنولوجيا المعلومات، وهي التخصصات ذات الطابع الإستراتيجي.

الكثير من دول العالم بدأت في الاهتمام بتطوير جامعات خاصة ومؤسسات تكوين خاصة تستقبل عشرات آلاف الطلبة كل سنة لتدريسهم، وبات اقتصاد مدن في أوكرانيا، بولونيا وماليزيا، مثلا، يعتمد في جزء مهم منه على عائدات دراسة الطلبة الأجانب. بالمقابل، تنشط عشرات المؤسسات والمكاتب المتخصصة في تسهيلات وخدمات تتعلق بالتسجيل للدراسة في الخارج في دول أبرزها جمهورية مصر، لبنان، الإمارات العربية وتركيا، وتحصل على عائدات مالية كبيرة في ظل غياب شبه كلي في الجزائر.

الشركات المتخصصة هذه باختلاف مستويات مصداقيتها تجني عائدات مالية ضخمة سنويا وتساهم في صنع الثروة، وتحصل بعضها على نسبة من رسوم التسجيل مقابل كل طالب جديد في بعض هذه الجامعات بشكل خاص مع ارتباط بعض المكاتب باتفاقيات مع الجامعات، وتختلف أيضا نوعية الخدمة ومستواها في هذه الشركات حسب طبيعتها ومصداقيتها.

تصدير الفئة الأكثر ديناميكية في المجتمع

قضية الاحتيال على الطلبة الجزائريين لم تكشف فقط عن أخطاء قالت التحقيقات بأن مؤثرين في شبكات التواصل الاجتماعي وقعوا فيها، بل كشفت أيضا عن “الهشاشة” الشديدة التي يعيشها قطاع بالغ الحساسية في المجتمع الجزائري، والحديث هنا عن فئة الطلبة الجامعيين، أو الفائزين بشهادة البكالوريا، لأن ما وقع في قضية الاحتيال التي شغلت الرأي العام في الجزائر في بداية عام 2022 أثبت بالدليل أن أي طالب فائز بالبكالوريا وأي خريج جامعة قد يقع ضحية عصابات احتيال ونصب، أو جهات أجنبية، وأن كشف هذه الحوادث قد يتأخر إلى ما بعد وقوع الضرر، وهذا ما فتح أعين الأجهزة الأمنية في الجزائر إلى أهمية مراقبة الأنشطة غير القانونية، بشكل خاص تلك التي تستهدف الطلبة وخريجي الجامعة.

المشكلة الأكبر التي تواجه الدول المصدر للطلبة تتعدى مجرد انتقال أموال من دولة إلى دولة ثانية، لأن “الفئة الأكثر ديناميكية في المجتمع” تهاجر إلى الخارج دون رجعة في أغلب الأحيان.

تقول الآنسة ريشي سعيدة، باحثة وماجستير في علم الاجتماع: “ما يجب التطرق إليه في موضوع تصدير الطلبة الجامعيين إلى الخارج، بمناسبة تفجير قضية الاحتيال على طلبة جزائريين كانوا يرغبون في مواصلة الدراسة في الخارج، والتي أحيلت على العدالة، هو أن الجزائر كما الكثير من الدول في إفريقيا وآسيا، تواجه مشكلا خطيرا، وهو أن الفئة الأكثر ديناميكية في المجتمع الجزائري تغادر البلاد كل سنة”.

“حراڤة” بغطاء أجمل

وتضيف المتحدثة: “بالنسبة إليّ شخصيا، لا يمكن فصل ظاهر الهجرة غير الشرعية بالقوارب عن هجرة الطلبة والباحثين الجامعيين، لأن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها، في رأيي الخاص، هي أن الشخص الذي قد يغامر بحياته من أجل صنع مستقبل أفضل، وحتى مع رفضنا المطلق للهجرة السرية بالقوارب، هو شخص لديه ديناميكية وطموحا كبيرين، فإذا تواصلت هذه الهجرة، بالنسبة لأشخاص لديهم طموح جامح مع هجرة أشخاص من ذوي المستوى الجامعي، فهذا مؤشر خطير يتطلب تحركا واسعا للدولة والمجتمع ككل، لمنع استمرار مغادرة هذه الكفاءات”. وتضيف المتحدثة: “بعيدا عن الاعتبارات المتعلقة بالقدرة المالية الجيدة للطلبة الجزائريين في الخارج، فإن أي دولة ترغب في تحسين أوضاعها الاقتصادية والتنموية تحتاج بشكل استثنائي إلى فئات من المجتمع لديها قدرة على خلق الثروة والابتكار. ولهذا السبب، فإن الضرورة القصوى الآن أن تقوم الدولة بتأطير عملية انتقال الطلبة إلى الخارج، حتى تتمكن في المستقبل من الاستفادة من هذه الكفاءات”.

المشكلة الثانية التي يكشفها تصدير الطلبة الجامعيين ولم يتم التطرق إليها إلى اليوم، هي أن الطلبة الراغبين في مزاولة الدراسة بالخارج يغادرون البلاد في 99 بالمائة من الحالات، ونتحدث هنا عن الطلبة الذين يدرسون في جامعات أجنبية على نفقتهم الخاصة، في رحلات هي أشبه بالرحلات السياحية، الكثيرون يلتحقون بجامعات خاصة لا أحد في الجزائر يعرفها، وغرضهم الوحيد هو استغلال الدراسة من أجل الهجرة والاستقرار في دول غربية، ولا تتوفر إلى اليوم أي ضوابط أمنية لضبط وتنظيم هذا النشاط، بشكل خاص مع وجود مخاوف من احتمال استغلال غير شرعي للطلبة، فالبعض منهم لا تتوفر لديه القدرة المالية لإكمال 4 أو 05 سنوات من الدراسة، ويضطر للعمل، وقد يكون ضعيفا أمام أي مغريات، بما في ذلك احتمال الاستغلال من مخابرات دول عدوة للجزائر.

مكتب خدمات الطلبة

تبدأ القصة بمشهد تمثيلي بطله شاب بدأ للتو في البحث عن جامعة في أوروبا، هذا الشاب لديه متطلبات خاصة، فهو من جهة مربوط بميزانية محددة، لا يجوز له تجاوزها، في ذات الوقت هو يرغب في مزاولة الدراسة في تخصص محدد يناسب ميوله العلمية من جهة ومن جهة ثانية تخصصه في البكالوريا، الأمر الثالث المهم جدا بالنسبة لهذا الطالب هو إمكانية مزاولة الدراسة في دولة غربية أو أوروبية على الأقل، وهذا ما سيجعل هامش البحث بالنسبة إليه ضيقا للغاية، يبدأ الطالب البحث عبر الإنترنت في مئات المواقع، يقارن الأسعار، يحصل على بعض أرقام هاتف “واتساب” لكنه يصدم بأن عددا كبيرا منها لا يعمل، أو أن العدد القليل الذي يعمل هي أرقام في دول يتكلم أصحابها لغات غير الفرنسية والإنجليزية، وهنا يضطر الطالب للاستعانة بمكاتب متخصصة، في أغلب الحالات، يصادفها أثناء بحثه سواء في فيسبوك أو تويتر.

حسابات فيسبوك أو تويتر تقوم بالإشهار لمكاتب خدمات متخصصة في تسجيل الطلبة في مختلف جامعات العالم، لكن لا أحد يستطيع الجزم بأن هذا المكتب أو ذلك هو الأفضل أو الأكثر مصداقية، أو الأسرع في العملية، وكل شيء يخضع للتجربة ليس إلا، أو بتعبير أصح المجازفة.

يقول في هذا الصدد السيد جليد موفق، صاحب وكالة سياحة ومؤسسة تعمل على إتمام إجراءات تأشيرة شينغن: “يتواصل معنا طلبة يرغبون في السفر للدراسة، ومن خلال عملي في الميدان منذ عام 2012، عرفت الكثير عن رغبة أعداد كبيرة من الطلبة في الخارج، قمنا قبل سنة تقريبا برصد بعض الشركات والمؤسسات المتخصصة في توجيه الطلبة للدراسة في الخارج، من أجل تسهيل الأمور على الطلبة، ولدينا الآن قائمة بـ37 مكتبا متخصصا 09 منها في جمهورية مصر و14 في تركيا و03 في إسبانيا، لكن أفضلها وأكثرها مصداقية موجودة في إيطاليا، فرنسا وإنجلترا، واكتشفت أثناء البحث أن آلاف الجزائريين سجلوا بالفعل عبر بعض الوكلاء، واتجه أغلبهم إلى مكاتب موجودة في تركيا من أجل التسجيل للدراسة في دول أوروبا الشرقية وآسيا. وتتراوح رسوم التسجيل الأولي لدى بعض الوكلاء بين 40 و250 دولار، ومن ثمة تبدأ عملية التوجيه التي تستغرق بين أسبوع وأسبوعين، يتم أثناءها تحضير الملف وإرساله قبل تقديم طلب الفيزا، بعدها يتم سفر الطالب إلى الخارج والالتحاق بالجامعة الجديدة. لكن وسط هذه السلسلة، قد يقع الطالب الجديد في شباك وكالات أو مكاتب احتيالية، ويتراوح مستوى خطورة الاحتيال من مجرد أخذ رسوم مالية دون إنجاز أي مهمة، أو إلى درجة أن الوكالة أو المكتب يقوم بتسجيل وهمي لطالب في جامعة بالخارج”. ويضيف المتحدث: “يلجأ إلينا الطلبة الراغبون في التسجيل بجامعات أجنبية لأسباب، أبرزها صعوبة تحويل الأموال، لأن 70 أو 80 بالمائة من الطلبة لا يمتلكون بطاقة فيزا بنكية، وبالتالي يلجئون إلى أشخاص أهل ثقة أو وكالات متخصصة مقابل رسوم معينة”.

غالي “السوق”

تنطبق كلمات أغنية راي قديمة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي على سوق الدراسة الجامعية بالخارج، الأغنية تقول “الدينار غالي واه.. واه”، الكلفة الغالية للدراسة تمنع 98.5 بالمائة من الطلبة من الدراسة في الخارج، بل وتمنعهم حتى من التفكير في مثل هذا الحلم، وإلى اليوم ما زالت إمكانية الدراسة في الخارج بالنسبة للطلبة الجزائريين “ترفا” لا يمكن الوصول إليه إلا بالنسبة لفئة قليلة من الحاصلين على شهادة البكالوريا. والأمر طبيعي، على أساس أن تمويل دراسة أي طالب في الخارج أمر خارج إمكانات 90 بالمائة من العائلات الجزائرية. ومع وجود حالات محدودة للمنح المقررة من قبل الدولة، فإن قلة قليلة من الجزائريين يمكنها الانتساب إلى جامعات مرموقة أو عادية في دول غربية.

وبينما تقول الإحصاءات المتوفرة إن عدد الطلبة الجزائريين الذين يدرسون في الخارج يفوق 25 ألفا في عام 2016، بلغ عدد الناجحين في شهادة البكالوريا 400 ألف ناجح تقريبا، لكن نسبة الفائزين بشهادة البكالوريا الذين سجلوا مباشرة في جامعات أجنبية لا يصل حتى إلى نسبة 1.5 بالمائة، وهذا طبقا لتقارير رسمية، فمن أصل400 ألف طالب فائز بالبكالوريا في عام 2019، تم تسجيل أقل من 6000 طالب جديد في جامعات بالخارج، أما باقي الطلبة الذين سجلوا في عام 2019 في جامعات أجنبية، فهم طلبة ما بعد التدرج ماجستير ودكتوراه أو طلبة حصلوا على شهادات جامعية من الجزائر ثم التحقوا بتخصصات جامعية مختلفة في الخارج، حيث تقول الإحصاءات إنه من أصل نحو 25 ألف طالب جامعي جزائري التحق بالدراسة في جامعات أجنبية في 2019، يوجد أقل من 06 آلاف طالب سنهم أقل من 22 سنة.

ويتم تفسير هذه الأرقام طبقا لمتخصصين، بأن المشكلة لا تتعلق فقط برغبة طلبة جزائريين في الدراسة بالخارج بعد تجربة الدراسة في الجزائر، بل بعوامل أخرى، أبرزها التأخر في الحصول على شهادة البكالوريا بالنسبة لفئة قليلة من الطلبة، بالإضافة إلى مسائل تتعلق بتسوية الوضعية تجاه الخدمة الوطنية.

وتكشف البيانات الرسمية أيضا أن ما يزيد عن 65 بالمائة بقليل من الطلبة الجزائريين في الخارج هم من الذكور، وأقل من 35 بالمائة من الإناث. الإحصائية الوحيدة غير المتوفرة على مستوى كل من منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية، ومكتب خدمات الطلبة المهاجرين الموجود مقره في باريس، هي عدد المتخرجين من الجامعات الأجنبية من الذين قرروا العودة إلى الجزائر لخدمة بلادهم، وحتى تستفيد الجزائر من خبراتهم وعلمهم.

 25 بالمائة من الطلبة الجزائريين همّهم الهجرة

25  بالمائة من الطلبة الراغبين بالدراسة في الخارج يركزون على الهجرة أكثر من الدراسة، هذه هي وجهة نظر السيد سالمي محمود، طالب طب تخصص جراحة عظام في جامعة كلوط بيرنارد ليون في فرنسا: “جئت إلى فرنسا في عام 2019، ومنذ أن وصلت، اكتشفت أن واحدا من أصل 4 طلبة جزائريين توقفوا عن الدراسة، بعد سنة أو سنتين من البداية، وقرروا العمل في وظائف لا علاقة لها بالتخصص الجامعي، وبعضهم يوجد في حالة إقامة غير قانونية هنا”. ويضيف المتحدث: “الدراسة الجامعية في أوروبا صعبة جدا، بشكل خاص في أول 24 شهرا، إنها تتطلب مجهودا كبيرا لا يقوى عليه إلا صاحب الإرادة الحديدية”.

الطلبة الراغبون في الدراسة بالخارج المنتمون لدول المغرب العربي، لديهم مشكلة واحدة “أنهم يرغبون في الدراسة من أجل الهجرة”، لهذا يركزون بشكل مباشر على قائمة دول معيّنة، على رأسها دول الاتحاد الأوروبي والدول القريبة منها جغرافيا، هذا ما يكشفه أحد العاملين في هذا المجال.

يقول السيد جميل عبد المعطي موسى، مسؤول شركة دعم المتخصصة في مرافقة الراغبين في الدراسة الجامعية المتخصصة من جمهورية مصر العربية: “يقصدنا المئات من الراغبين في الدراسة بالخارج من دول عدة في العالم العربي، كل شهر، 90 بالمائة منهم من الحاصلين على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا)، وكلهم تقريبا يرغبون في دراسة تخصصات جامعية لا يمكنهم دراستها بالمعدلات التي حصلوا بها على الثانوية العامة، وهذا هو السبب الرئيسي، توجد أيضا فئة قليلة من الطلبة الذين يرغبون في استغلال الدراسة فقط من أجل الهجرة إلى دولة ثانية”. ويضيف المتحدث: “بالنسبة لنا كشركة متخصصة تحديدا في التوجيه والمرافقة، نعمل على توجيه الراغبين في الدراسة الجامعية إلى أفضل جامعة تلائم أولا مستواهم العلمي، وثانيا قدراتهم المالية، وأخيرا رغبتهم الدراسية، لأنه من المستحيل في الحقيقة الواقعية حتى بالنسبة للجامعات الخاصة في أوروبا أو آسيا تحقيق أي رغبة لطالب من الطلبة، إلا إذا توفرت لدى هذا الطالب شروط مثل اللغة والتخصص إذا كان علميا تقنيا أو أدبيا، وشروط أخرى تتعلق بالقدرة المالية”، ويضيف المتحدث: “بعض الطلبة يطلبون أمورا يستحيل تحقيقها، مثل التحاق طالب لديه مشكل في المقررات أو المواد التقنية بتخصص جامعي تقني، أو ما يثير الطرافة في رغبة بعض الحاصلين على الثانوية العامة (بكالوريا) آداب بتخصص الطب مثلا، بعض الأمور الطريفة التي وقعت معنا هي أن طالبة حصلت على ثانوية عامة آداب طلبت الالتحاق بدراسة الطب في فرنسا، وطالبة ثانية لم تحصل بالأساس على شهادة الثانوية وترغب في الدراسة بالخارج، وهذا ممكن طبعا بالنسبة لبعض الجامعات التي تمارس الاحتيال أكثر من ممارسة التدريس الفعلي”. ويضيف السيد جميل عبد المعطي موسى: “يتصل بنا، أسبوعيا، جزائريون وتونسيون ومغاربة، وللأمانة فإن مستواهم جيد جدا بشكل خاص في اللغات، والجميع يرغب في استغلال الدراسة من أجل الهجرة، ونرد عليهم بالقول إن استغلال الدراسة من أجل الهجرة صعب، ويحتاج أكثر من دفع للمال للتميز الدراسي”.

أين يدرس أغلب الطلبة الجزائريين في الخارج ؟

يدرس، الآن، طبقا لأرقام رسمية، حوالي 21 ألف طالب جزائري في جامعات فرنسية، في الجامعات المصنفة، وقال آخر تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة اليونسكو حول حركة الطلبة عبر العالم صدر في عام 2019 قبل بداية جائحة كوفيد 19، إن عدد الطلبة القادمين من الجزائر المسجلين في جامعات بالخارج للدراسة، سواء في إطار منح رسمية أو يدرسون على نفقتهم الخاصة هو 25.729 طالب، 85 بالمائة منهم في فرنسا، أي 20.491 طالب في جامعات فرنسية، و483 طالب في جامعات بكندا.

الأرقام التي قدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة تحصي الطلبة المسجلين فقط في قوائم الجامعات الرسمية الحكومية، الأمر لا يتعلق بالجامعات المملوكة للدول بل تلك المصنفة كجامعات عريقة، وهذا ما يؤكده متخصصون، بمعنى أن العدد الحقيقي للطلبة الجامعيين الجزائريين في الخارج أكبر بكثير من الرقم الذي تحصيه اليونسكو، والسبب أيضا هو أن القائمة تضم الطلبة الجزائريين المنتسبين لجامعات 03 دول فقط، والجميع يعرف أن المئات من الطلبة الجزائريين يدرسون في جامعات في القاهرة، وتركيا والأردن ودول أخرى.

ويشير ذات التقرير الذي تناقلته وكالات أنباء في نهاية عام 2019، إلى أن الدول العربية أرسلت في عام 2019 فقط أكثر من ربع مليون طالب للدراسة في الخارج، وقد تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول التي استقطبت أكبر عدد من الطلبة العرب بأكثر من 81 ألف طالبا، ثم فرنسا بأكثر من 68 ألف طالب، والمفاجأة الحقيقية هي أن الدولة رقم 03 في تصنيف الدول التي تستقبل العدد الأكبر من الطلبة الجامعيين العرب ليست ألمانيا أو إنجلترا، ولا الإمارات العربية المتحدة، بل المملكة الهاشمية الأردنية التي تستقبل سنويا 34 ألف طالب من دول عربية، وهذا يظهر أن الإرادة السياسية في تطوير العلم والدراسات الجامعية، ثم العربية السعودية التي تستقبل سنويا أكثر من 33 ألف طالب من دول عربية، وتركيا في المرتبة الخامسة بحوالي 32 ألف طالب سنويا، وتأتي بعد هذه الدول إنجلترا، كندا، ماليزيا، ألمانيا، روسيا وهولندا.

السعودية في المقدمة

وتضم القائمة 30 دولة تستقبل الطلبة العرب، وإذا كانت الجزائر غائبة عن قائمة الدول التي تستقبل الطلبة الراغبين بالدراسة في الخارج، فإنها غائبة أيضا عن قائمة أهم 05 دول عربية

ترسل الطلبة للدراسة في الخارج، رغم عدد سكانها الكبير، ورغم قربها من أوروبا، حيث تتربع العربية السعودية على أعلى قمة ترتيب الدول العربية ذات العدد الأكبر للطلبة الموجودين في أرقى الجامعات في العالم، بوجود أكثر من 84 ألف طالب سعودي في الخارج منهم 55 ألفا تقريبا في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، تأتي بعد السعودية دولة تعاني من أزمة داخلية هي سوريا التي يوجد منها 53 ألف طالب في الخارج، ثم المملكة المغربية بـ51 ألف طالب في الخارج، وتحتل الجزائر المرتبة السادسة في قائمة الدول العربية الأكثر إرسالا للطلبة في الخارج بعد العربية السعودية، سوريا، المغرب، مصر والعراق، وتحتل فلسطين المرتبة السادسة أيضا .

لماذا يختار طلبة عرب وجزائريون أوكرانيا؟

تتراوح كلفة الدراسة الجامعية في الجامعات الأوكرانية بين 1200 و5000 دولار في السنة، وهو ما يعني أن الطالب مجبر على تسديد مقابل مالي بالعملة الجزائرية تتعدى قيمته 90 مليون سنتيم سنويا، تضاف إليها تكاليف الإقامة، ما يعني أن مصاريف الطالب تصل إلى 200 مليون سنتيم سنويا. ويقول العارفون بمسائل الدراسة الجامعية في هذه الدولة إن عمل بالنسبة للطلبة الأجانب شبه مستحيل، وهو ما يعني أن الدراسة بالنسبة للطلبة الجزائريين في أوكرانيا ممكنة أو متاحة فقط لأبناء الطبقة الغنية والميسورة.

يقدر عدد الطلبة القادمين من دول عربية ومنها الجزائر في أوكرانيا بعشرات الآلاف، ويثير تواجد هذه الأعداد من الطلبة في هذه الدولة التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا، الكثير من الأسئلة، بشكل خاص مع وجود دول في جوارها بها ميزات لا تقل كفاءة مثل روسيا.

ويجبب على هذه السؤال بعض أصحاب مواقع ومدوّنات الدراسة والتكوين، وهو على عكس ما يشاع في بعض المواقع الإخبارية حول أسباب أخرى لا صلة لها بالدراسة تدفع طلبة من دول عربية للدراسة في أوكرانيا، من قبيل جمال الفتيات في هذا الجزء من أوروبا الشرقية.

ومن بين الأسباب أن أوكرانيا كما يلقبها الكثيرون هي “فتّاحة علبة التونة” بالنسبة للمهاجرين غير الشرعيين، أو بالنسبة لأي شخص لديه مشكلة في دخول فضاء “شينغن” من بوّابة أخرى غير البحر، لأن أوكرانيا لديها حدود مع دولتين من دول الاتحاد الأوروبي وهي المجر وبولندا، ودولتين يمكن عبرهما التسلل إلى أوروبا الغربية وهي رومانيا وسلوفاكيا، يمكن بسهولة نسبية عبرها التسلل إلى أوروبا الغربية، وبالتالي هي محطة انطلاق لأي طالب راغب في الاستقرار في نهاية الأمر في أي من دول الاتحاد الأوروبي.

يقول أصحاب مواقع ومدوّنات متخصصة في الدراسة الجامعية أيضا بأن مستوى التعليم الجامعي في أوكرانيا عال جدا، بشكل خاص في تخصصات تقنية دقيقة، وفوق هذا فهي الدولة التي يمكن فيها أن يحصل طالب جامعي على دراسة متخصصة في أغلب التخصصات التقنية الدقيقة بمقابل مالي هو الأقل مقارنة مع دول أخرى في أوروبا بل وفي العالم.

لكن الميزة الأهم التي تدفع آلاف الطلبة العرب لتفضيل الدراسة في أوكرانيا هي أن جامعاتها المفتوحة للتسجيل أمام الأجانب لا تشترط من أجل الالتحاق إجراء امتحانات إثبات مستوى مثل اختبارات TOFEL أو IELTS أو SAT، كما أن جامعاتها وكلياتها تسمح بالتدريس باللغات الروسية، الفرنسية أو الإنجليزية، وهي ميزات لا تتوفر في كثير من دول العالم التي توفر فقط إمكانية الدراسة بالإنجليزية.

وتحتل أوكرانيا المرتبة 88 عالميا في تصنيف مستوى جودة التعليم، وتعترف 100 دولة في العالم بالشهادات الجامعية الأوكرانية من بينها أغلب دول الاتحاد الأوروبي، والسبب البارز أيضا هو أن أي طالب جامعي يمكنه الحصول على تأشيرة دخول للدراسة في أوكرانيا، وأخيرا الأسعار الرخيصة نسبيا للمعيشة في هذه الدولة.

الكيفية الصحيحة لطلب منحة دراسة في الخارج  

يحصل سنويا مئات آلاف الطلبة على منح دراسية في دول العالم، بشكل خاص في دول غرب أوروبا، بما فيها أمريكا وكندا، وتتضمن المنحة الدراسية في الخارج الدراسة مجانا في الجامعة التي تقدم المنحة. وتنقسم المنح الدراسية إلى أنواع، منح دراسية حكومية مباشرة، وهي المنح التي تقرر دول تقديمها لطلبة دول أخرى بشكل حصري وأحيانا تقرر تقديمها لفئة معيّنة من طلبة بعض التخصصات، كما وقع في ألمانيا التي قررت تقديم منح دراسة مع تكفل كامل بالإقامة لخرّيجي تخصصات برمجيات الكمبيوتر والمعلوماتية، ثم المنح التي تقرر جامعات متخصصة عبر العالم تقديمها لطلبة أجانب، وكلها تتضمن التسجيل للدراسة بالمجان في الجامعة.

ويجهل الكثير من طلبة وخرّيجي الجامعات الجزائرية أن المنح الجامعية لا تمنح مباشرة لطالب معيّن، بل يتم منحها بناء على طلب يتقدم به المعني نفسه، ولهذا السبب يجب على كل الطلبة الجزائريين الآن التركيز أكثر على تعلم اللغة الإنجليزية، ويتم في التسجيل عبر واحدة من طريقتين، إما بالبريد المباشر أو عبر الإنترنت، وهذه قائمة النصائح للتسجيل.

1-لا تعتمد على أي وسيط لإيداع ملف المنحة، أغلب الوسطاء قد يعقدون العملية أكثر من تسهيلها، كما أن بعض الجامعات لديها تقنية التعرف على رقم كمبيوتر الشخص المعني، وبالتالي عند تغير الرقم التسلسلي يتم إسقاط الطلب مباشرة.

2-عند التقدم إلى جامعة تعتمد اللغة الإنجليزية، يجب على المتقدم إتقان اللغة بشكل ممتاز، وهذه علامة فارقة ومهمة في أي طلب.

3-رسالة توصية، إذا تمكن الطالب الجامعي أو الباحث من الحصول على رسالة توصية من أستاذ جامعي سبق له الدراسة في ذات الجامعة، بروفيسور أو دكتور، فإن الطلب في الغاية يقبل أو على الأقل يؤخذ في الاعتبار.

4-لا داعي لتقديم الطلب، إذا كانت كشوف نقاط الطالب أقل من الممتازة، فإنه لا داعي بالمطلق لتقديم الطلب.

5-اغتنام الفرصة، تفتح جامعات معيّنة في كل سنة فرص منح للطلبة في تخصصات معيّنة، كما وقع في جامعات أمريكية وبريطانية وإيطالية وفرنسية بعد جائحة كورونا، أو كما وقع في مراحل سابقة، بالنسبة لطلبة الأدب العربي المقارن في بعض الجامعات الأمريكية، للاطلاع أكثر على الأدب العربي وحدث هذا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لهذا من المهم بالنسبة للطلبة والباحثين الدخول بشكل دوري إلى مواقع الجامعات الكبرى على الإنترنت .

6-ممنوع الخطأ، أي وثيقة غير سليمة في الملف المقدم للجامعة لا يعني فقط الحرمان من المنحة، بل والحرمان منها في سنوات لاحقة، لهذا من المهم التأكد من سلامة أي وثيقة مرفقة في الملف قبل إرساله، مثل مدة صلاحية جواز السفر مثلا، أو أي أخطاء في الشهادة الجامعية عن كانت موجودة.

7-الالتحاق بالمراكز الثقافية، أغلب الجامعات في دول غربية تعطي أفضلية كبيرة عند قبول الطلبات بالنسبة للطلبة الذين سبق لهم الانتساب إلى المراكز الثقافية للدولة أو الحصول على دورات تكوين معيّنة في اللغة التي يتم بها التدريس برعية سفارة الدولة، بل وأحيانا الانتماء لمنظمات مجتمع مدني .

8-قص – لصق من أخطر الأخطاء التي يقع فيها الطلب الجدد هي الاعتماد في بعض الرسائل أو التقارير على نسخ موجودة على الإنترنت، وهذا أحد أسباب الرفض الشائعة، وهنا يجب على الطالب التركيز على عنصر مهم للغاية هو تحرير الرسالة الشخصية، حيث يكتبها بنفسه ويقدم فيها دوافع اختياره للجامعة، وانطباعه حول التخصص الذي سيدرسه.

9-رصيد بنكي، بالرغم من أن المنح الجامعية مجانية، إلا أن الكثير من الجامعات تركز بشكل مباشر على وجود رصيد بنكي للطالب أو الباحث يسمح له بالإقامة بشكل مريح في الدولة المستقبلة.

10-سؤال شائع يوجد في استمارات التسجيل التي تقدمها جامعات عالمية، هو هل تعود إلى وطنك بعد انتهاء المنحة؟ من الضروري أن تكون الإجابة أن الطالب مصرّ على العودة إلى وطنه بعد انتهاء مدة المنحة الدراسية، هذا السؤال الذي وقع فيه بالخطأ أغلب المتقدمين بطلبات المنح الدراسية، كما يقول مختصون.

 11-تقديم طلبات كل سنة ولكل الجامعات، يصاب بعض الطلبة باليأس بعد رفض طلبات منح دراسية مرتين أو ثلاثة، وتؤكد تجارب باحثين حصلوا بالفعل على هذه المنح أن طلبهم رفض مرتين ثم قبل في الثالثة.

ضحايا النصب والاحتيال

تحوّلت الدراسة والتعليم إلى أحد أوسع مجالات ممارسة النصب والاحتيال على مستوى العالم، حتى أن دراسات وإحصاءات رسمية تصنف الدراسة الجامعية تحديدا في المرتبة الثالثة من حيث مستويات النصب والاحتيال، بعد البنوك والبورصة والعقار، وهذا يعني أن قيمة المبالغ المحصلة من عمليات الاحتيال هذه تقدر بمليارات الدولارات. لكن المشكلة في هذا النمط من الاحتيال تتعدى فقط الاحتيال على الطلبة الجامعيين إلى مستويات تكوين مختلفة، بما في ذلك الاحتيال على الراغبين في الحصول على تكوين مهني، أو تكوين في مجالات مطلوبة بكثرة، مثل تكوين طيارين أو مضيفي طيران أو عاملين في مجال النفط.

يقول خبراء إنه من الطبيعي أن يتعرض الراغبون في الدراسة المتخصصة أو الدراسة في الخارج للنصب والاحتيال على نطاق واسع، لأن كل شخص في العالم في مرحلة عمرية معيّنة يكون اهتمامه محصورا في مسائل الدراسة أو الحصول على وظيفة، ويقدم الخبراء للراغبين في الدراسة في الخارج بعض النصائح الضرورية لمواجهة شبكات النصب والاحتيال .

أول جرس إنذار، في العادة يقدم طلبة أو باحثون طلبات عدة إلى مجموعة من الجامعات أو أحيانا يشاركون في مجموعات في فيسبوك أو تويتر أو منتديات إنترنت مهتمة، ويحصل المحتالون على بياناتهم من هذه الصفحات، ويكون جرس الإنذار الأول، بالنسبة لأي محاولة احتيال، أن يتلقى طالب كرر تقديم طلبات انتساب لجامعات رسالة بالبريد الإلكتروني تخبره بإمكانية قبول ملفه في جامعة لم يقم هو بالاتصال بها، هذه الطريقة التي تبدو قديمة ما تزال تحصد الضحايا .

ممنوع دفع الأموال، كل أو أغلب الجامعات والمؤسسات التعليمية المعتمدة في العالم لا تفرض رسوما مالية كبيرة أثناء التسجيل، وأيضا لا تطلب كل المصاريف الدراسية دفعة واحدة، لكن تطلب أن تدفع مصاريف كل فصل دراسي في حينه. الجامعة أو الكلية لا تطلب منك أبداً دفع مصاريف الدورة الدراسية بالكامل مقدماً، وعند وقوع هذا، فإن الأمر يتعلق بنسبة 100 بالمائة بمحاولة احتيال .

أبسط طريقة هي البحث في محرك البحث العالمي غوغل، بشكل خاص في غوغل مابس، عن مقر وموقع الجامعة على الخريطة، الجامعات الحقيقية تكون معروفة تماما ولديها أيضا موقعا إلكترونيا يتصدر قائمة محرك البحث غوغل، فإن صادفتك أي مشكلة في البحث عن الجامعة أو موقعها في الخريطة، فهذا يعني أنها جامعة وهمية .

الكلفة والمدة، تعدّ تكلفة الدراسة في الخارج أو مدة الدورة الدراسية علامة فارقة لكشف جدية التكوين وحقيقة الشهادة المسلمة وقيمتها الأكاديمية، في العادة، فإن الجامعات المعتمدة لا تعلن عن أي دورات تكوين قصيرة، أو متخصصة، لأنها في العادة عندما تنظم دورة محدودة الوقت تخصص للمنتسبين إليها الموجودين ضمن الدورات الدراسية العادية الطويلة أو الأساتذة أو المعيدين، كما أن كلفة الدورة الدراسية الزهيدة تعني أن الأمر يتعلق بعملية تجارية لا أكثر.

الملف المطلوب، الجامعات المعتمدة لديها شروط صارمة للالتحاق، تتضمن إلزامية تقديم ملف كامل يضم الشهادة الجامعية أو شهادة البكالوريا، وشروط أخرى. أما إذا لمس الراغب في الدراسة أي تساهل في ما يتعلق بالملف المطلوب، فذلك يعني أن الأمر يتعلق بنشاط غير قانوني احتيالي أو عمل تجاري لا قيمة أكاديمية له.