Print Friendly, PDF & Email

صدر عن سلسلة “ترجمان” في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب تركيا: دبلوماسية القوة الناهضة، وهو ترجمة جان جبور العربية لمؤلف جنى جبور بالفرنسيةLa Turquie – L’invention d’une diplomatie émergente، الذي تتناول فيه مسألة الدول الناهضة وموقعها في النظام الدولي، انطلاقًا من تحليل دقيق للتجربة التركية أنموذجًا، مبتعدة في ذلك عن التحليلات التقليدية التي اختصرت في معظمها فترة حكم حزب العدالة والتنمية بمحاولة إحياء العثمانية الجديدة، أو الانحياز إلى نهج إسلامي في الحكم.

يتألف الكتاب (383 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من مقدمة وعشرة فصول موزعة في ثلاثة أقسام، وخاتمة. بعد تقديم بقلم برتران بديع، وفي مقدمة الكتاب، تتناول جبور مسألة “النهوض” بصفته مفهومًا إشكاليًا، وماهية القوى الناهضة المتوسطة، والفائدة المبتغاة من دراسة القوة والدبلوماسية الناهضتين. كما تبحث في تركيا بصفتها قوة متوسطة ناهضة، وفي عودة تركيا إلى الشرق.

النهوض التركي

تكوّن القسم الأول، “نشأة الدبلوماسية الناهضة التركية”، من أربعة فصول. تقول جبور، في الفصل الأول، “تطوير مفهوم جديد للقوة والدبلوماسية التركيتين”، إن تركيا سعت في العقد الأول من القرن الحالي إلى لعب دور أهم في النظام الدولي. وأتى إثبات ذاتها قوةً بفضل ابتكارها دبلوماسية قوة ناهضة، ارتكزت على تصوّر جديد للذات، وعلى بلورة مفاهيم جديدة كانت بمنزلة أساس فكري قام عليه السعي إلى إبراز القوة. كما ارتبطت هذه الدبلوماسية بظهور رجب طيب أردوغان وإبرازه صورة تركيا التي تتوق إلى أن تصبح لاعبًا فاعلًا ومستقلًا على الساحة الدولية. إن بلورة دور جديد لتركيا هو من صنيعة أحمد داود أوغلو الذي غيّر خطاب الدبلوماسية الخارجية التركية وممارستها، وضخّ في هذه الدبلوماسية طاقة غير مسبوقة.

وتقول جبور، في الفصل الثاني، “قنوات النهوض التركي في الشرق الأوسط ووسائله”، إن بناء قوة إقليمية في الشرق الأوسط أصبح ممكنًا بفضل تطورات تركية محلية ساهمت في انفتاح البلاد على بيئتها العربية. سياسيًا، برزت في العقد الأول من القرن الحالي نخبة جديدة مثّلها حزب العدالة والتنمية، صمّمت على قيادة دبلوماسية ناشطة وبناء تقارب بين تركيا والعالم العربي. واقتصاديًا، كان البحث عن أسواق جديدة للاقتصاد التركي في عزّ نموّه الدافع إلى بناء القوة الإقليمية، وهذا ما سهّل ظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال الراغبين في إقامة تبادل تجاري مع بلدان الشرق الأوسط. وترى المؤلفة، أن السبب الرئيس الكامن وراء انتصارات حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المتعاقبة هو الاقتصاد؛ إذ تمكّن من إخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية التي تسبّبت في انهيار القطاع المصرفي والتضخم وانخفاض قيمة الليرة التركية وارتفاع معدّل البطالة، وقدرته على تقديم حلول عملية وتلبية احتياجات السكان، خصوصًا أن الاقتصاد أساس لبناء قوة إقليمية.

تلزيم الخارجية

ترى جبور، في الفصل الثالث، “تلزيم السياسة الخارجية لجهات فاعلة غير حكومية”، أن صعود الجهات الفاعلة غير الحكومية أدّى إلى انزياح حدود النشاط الدبلوماسي مع تدخل جهات فاعلة أخرى على نحو متزايد في هذا الميدان، إلى حد يمكن معه الكلام على دبلوماسية متعددة المسارات. وفي حالة تركيا، ظهر تفاعل معقّد بين حكومة حزب العدالة والتنمية والجهات الفاعلة غير الحكومية التي استخدمتها الدولة أدواتٍ لسياستها الخارجية، تماشيًا مع رؤية أوغلو بأن سياسة القوة يجب أن تعبّئ جميع الجهات الفاعلة الاجتماعية. وجسد هؤلاء الفاعلون منافذ جديدة للدبلوماسية التركية في الشرق الأوسط، وهم يتألفون من المجتمعات المعرفية ومؤسسات الفكر والرأي، والمنظمات غير الحكومية التي تسخّر المساعدات الإنسانية لبناء القوة الإقليمية، والفاعلين الدينيين، والأقليات التركمانية في الشرق الأوسط.

وقد وجدت جبور، في الفصل الرابع، “الشرق الأوسط، فضاء عمل للدبلوماسية الناهضة”، أن تركيا الناهضة بدأت تبرز بصفتها قوة إقليمية بفضل تمدّدها نحو جيرانها، واعتمادها إستراتيجية براغماتية سمحت لها بقيادة سياسة ناشطة في الشرق الأوسط، وبناء قاعدة إقليمية صلبة لإثبات نفسها عالميًا. عزّزت وزارة الخارجية لامركزيتها لتيسير إدماج تركيا في بيئتها الإقليمية؛ فأنشأت مكاتب في المدن التركية المتاخمة لسورية والعراق لتكثيف العلاقات الإنسانية والثقافية والتجارية معهما، فكان شهر العسل التركي – السوري بين عامي 2002 و2010، والتقارب التدريجي مع العراق ما بعد صدام حسين، كما كان التعاون البراغماتي مع مصر، وتكثيف العلاقات الاقتصادية مع المغرب العربي، والتعاون الجديد مع الخليج العربي.

أدوات ومنافذ

انبنى القسم الثاني، “أدوات الدبلوماسية الناهضة”، على أربعة فصول أخرى. تقول المؤلفة، في الفصل الخامس، “خطاب حضاري جديد كمنطلق للنهوض”، إن حزب العدالة والتنمية صاغ خطابًا جديدًا يهدف إلى إضفاء الشرعية على البحث عن المكانة على الصعيد الدولي، وإلى تسهيل بناء القوة الإقليمية، يأتي في ثلاثة مستويات: الأول هو بناء الهُوية؛ فالخطاب يقترح تعريفًا مبتكرًا لهُوية تركيا يخلط بين النزعتين التركية والعثمانية. والثاني هو البناء الأيديولوجي؛ إذ تُعدُّ الحضارة التركية – العثمانية أهلًا للثناء، وتمتلك صفات تمنحها التفوّق على الحضارات الأخرى. والثالث هو التوظيف السياسي لهُوية تركيا وماضيها الحضاري ببراغماتية لإضفاء الشرعية على طموحاتها الإقليمية والدولية… إضافة إلى اعتماد خطاب سياسي عالمثالثي يُذكي لدى شعوب الشرق الأوسط الأمل في عالم أفضل تقوده تركيا.

وترى جبور، في الفصل السادس، “المرونة القصوى والتوسّط: ’منافذ دبلوماسية‘ في خدمة سياسة القوة”، أن تركيا انخرطت، من خلال حضورها الناشط في المنتديات الدولية واعتماد تعددية الأطراف أداةً مفضلةً لعملها، في ما يُعرف بالدبلوماسية الإيقاعية، أي اعتمدت موقفًا متحركًا واستباقيًّا يتيح لها أن تكون مؤثرة في فضاءات متعددة. يضاف إلى ذلك قدرة تركيا على ممارسة الدبلوماسية الموزّعة؛ فبتنقّلها المرِن بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، تحوّلت إلى لاعب لا يمكن تجاهله على الساحة الدولية. كذلك تمايزت تركيا بقيادتها للوساطات في الصراعات الناشبة، أو بدبلوماسيتها السلمية التي جعلت منها محاورًا ذا شأن في الشرق الأوسط، وأعطتها وزنًا وقيمة أكبر على نطاق عالمي.

القوة الناعمة

ترى جبور، في الفصل السابع، “إعادة بناء الأمة التركية: إدارة معضلة الأقليات”، أن تركيا تميّزت في العقد الأول من الألفية الثالثة بإدارة جديدة للمسألة الكردية، تُعتبر جزءًا من ديناميات النهوض. فإذا كانت تعتزم البروز بصورة دولة متماسكة قادرة على أن تكون قطبًا للاستقرار، فعليها أن تحلّ معضلة الأقلية الكردية الخاصة بها. كما يتطلب بناء القوة الإقليمية تعاونًا وثيقًا مع أكراد العراق الذين يشكّلون عنصرًا رئيسًا في المعادلة السياسية في العراق. فصاغ حزب العدالة والتنمية في موقفه من الأكراد قراءة جديدة لعلاقات الدولة – المجتمع على أساس التجربة العثمانية، وانخرط في سياسة التقارب مع حكومة إقليم كردستان في شمال العراق. وشهدت إدارتُه الملفَ الكردي على قدرة القوة الناهضة على تحويل مسألة إشكالية إلى فرصة سانحة.

وتقول المؤلفة، في الفصل الثامن، “دبلوماسية الإغراء: ’القوة الناعمة‘ كورقة رابحة بيد القوة المتوسطة”، إنه إذا كانت تركيا قد صارت لاعبًا أساسيًّا في العالم، فإنها تمكنت بفضل القوة الناعمة من اختراق مجتمعات الشرق الأوسط وإغراء الشارع العربي من خلال المسلسلات التركية. فقد صدرت شركات الإنتاج التركية ثلاثة أنواع من المسلسلات إلى العالم العربي: المسلسلات الرومانسية (نور، وعاصي، وغيرهما)، والمسلسلات ذات الطابع السياسي (وادي الذئاب)، والمسلسلات التاريخية (حريم السلطان، وأرطغرل، وعبد الحميد). ومن خلال التمثّلات والصور والخطاب التي تبثّها هذه البرامج، فإنها تروّج صورةً معيّنةً عن تركيا، ومن ثمّ تساهم في التغلغل في المنطقة من طريق القوة الناعمة.

حدود وتناقضات

اشتمل القسم الثالث، “حدود الدبلوماسية الناهضة وتناقضاتها”، على فصلين. ترى جبور، في الفصل التاسع، “تحدّي عدم الاستقرار الإقليمي: الدبلوماسية الناهضة أمام اختبار الثورات العربية”، أن الربيع العربي فاجأ أنقرة؛ لأنه هدّد بتدمير إنجازاتها في مجال التكامل الاقتصادي والسياسي. ويدلّ الرد التركي على هذا الزلزال الإقليمي على قدرة الدبلوماسية الناهضة على تجديد نفسها وفقًا للظروف والتحديات. فأنقرة أعادت ترتيب أوراقها لتبدو مركز استقرار إقليمي، وعرابة الثوار. كما راهنت على الإسلام السياسي لتشكيل نظام إقليمي جديد هي زعيمته. إلا أنها اعتمدت إجراءات غير عقلانية ألحقت بها الأذى. فمع اندلاع الثورة السورية، ظنت أنقرة أنها قادرة على الدفع في اتجاه التغيير، بإسقاط النظام السوري وإعادة تشكيل الفضاء الإقليمي. لكنّ بشار الأسد بقي في السلطة وطال أمد الحرب السورية، فوجدت الدبلوماسية التركية الناهضة نفسها تواجه حدود قوتها.

تقول جبور، في الفصل العاشر والأخير، “تخطّي القدرات الذاتية: التباين بين طموحات القوة الناهضة ومواردها”، إن تصنيف تركيا في وضع من يمتلك القوة لا يعني أنها أصبحت قوة فعلًا. فمن باب حضورها المتزايد، صنّفت الدول الكبرى والجيران الإقليميون تركيا دولةً ذات نفوذ. وفي ظل التأثير المزدوج للتيار القومي التركي وجاذبية قادة حزب العدالة والتنمية، بدت تركيا في مرتبة أعلى بدرجات مما هي عليه في الواقع، فنسبت إلى نفسها القوة والنفوذ. لكن، اتضح أنها تعاني عدمَ التوازن بين طموحها للبروز قوةً والموارد التي تمتلكها لتحقيق طموحها، وما يمكنها فعله أقل كثيرًا مما تريد فعله.

خاتمة وبعد

في خاتمة الكتاب، تقول جبور إن سياسة تركيا العربية في العقد الأول من القرن الحالي لم تكن انعكاسًا لعثمانية جديدة، بل كانت تجسيدًا لدبلوماسية القوة الناهضة. فحين سعت تركيا إلى تثبيت موقعها بصفتها قوة إقليمية، وإلى إنشاء نوع من كومنولث عربي – إسلامي يدور في فلكها، استخدمت الشرق الأوسط نقطة انطلاق للحصول على موقع عالمي متميّز. ويبدو أن العمق الإستراتيجي لتركيا هو أعمق في المشرق منه في المغرب العربي ودول الخليج؛ فقد تمكّنت من اختراق سورية ولبنان والعراق وفلسطين، وبصورة أقل مصر، على نحو أفضل مما حصل في دول الشرق الأوسط الأخرى، لأن في المشرق العربي أكثر الدول هشاشة من الناحية المؤسسية، وأكثرها تفكّكًا من حيث البناء الوطني. بهذا المعنى، فهناك علاقة بين الضعف الهيكلي للدول العربية وفرص اختراقها من قوى خارجية مثل تركيا.

في فصل “وماذا بعد؟” (أضافته المؤلفة تحديثًا للوضع التركي بعد صدور كتابها بالفرنسية في عام 2017)، تتناول جبور مسائل عدة: انتخابات 2018 والتكريس الشعبي لأردوغان ولحزبه، وما بعد انتخابات 2018، والحرب الاقتصادية على تركيا بصفتها ردّة فعل على بروزها قوةً ومنافسًا على الساحة الدولية، وعسكرة السياسة الخارجية التركية. وتحت عنوان “تركيا إلى أين؟”، تكتب: “المؤكّد أن تركيا تبقى رقمًا صعبًا في المعادلة، لها أهميتها ووزنها الإقليمي والدولي قياسًا إلى حجمها ومركزها وموقعها الاستراتيجي. وعاجلًا أم آجلًا، لا بدّ للنظام الدولي المتمسّك بنهجه الأوليغارشي من أن يفسح في المجال أمام تعددية الأطراف ويتعامل بعقلانية مع القوى الناهضة، وفي مقدّمها تركيا”.