دراسات اقتصاديةدراسات سياسية

صفقة القرن أم صفعة القرن؟

من المؤكد أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية أخذت منعرجا جديدا مخالفا لجميع الأعراف و الإتفاقيات الدولية و أيضا للسياسات السابقة التي حكمت البيت الأبيض. فهذه الإدارة تحت إشراف الرئيس الأمريكي المنتخب و رجل المال و الأعمال الشهير دونالد ترامب تضرب بعرض الحائط جميع المواثيق الدولية و مبادئ القانون الدولي لتؤسس لنفسها نظاما عالميا خاصا بها. إذ إتضحت هستيريا ترامب علنا كمريض نفساني يعاني من مرض جنون العظمة أو مرض ثنائية القطب وفقا لتقارير طبية و خبراء جامعيين بحيث جميع تلك الأعراض أصبحت واضحة علي سمات وجهه من خلال حركاته و تصرفاته. و لعل من أبرز تداعيات تلك الأمراض ظاهرة الإستقالات بالجملة في حكومته و أخيرا قرار الإغلاق الشامل لكافة المؤسسات الحكومية مطالبا بتمويل الكونغرس لجداره العازل مع الحدود المكسيكية, إنسحابه من الإتفاق النووي الإيراني, فرض ضرائب و أداءات جمركية علي واردات الصلب و الفولاذ و الألمونيوم مع الإتحاد الأوروبي, الإنسحاب من حلف شمال الأطلسي الناتو, التخلي عن جميع حلفائه بسوريا و سحب قواته البرية منها و من أهم تلك القرارات الهستيرية إعلان القدس عاصمة إسرائيل في أواخر سنة 2017 و تحويل السفارة الأمريكية إلي مدينة أوراشليم الربانية تحت تنفيذ صهره جارد كوشنار.

ففي هذا الإطار جاءت حكومة اليمين تحت قيادة بنيامين نتنياهو لإستكمال فيلم الرعب الذي يقوم به الرئيس دونالد ترامب في منطقة الشرق الأوسط و ذلك عبر التمسك بتنفيذ مخطط صفقة القرن و التي هي بمثابة حشر جميع العرب في فرن و إلغاء حق العودة لجميع اللاجئين. فمن أهم بنود هذه الصفقة هو فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة و الإعتراف الدولي بالقدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل العظمي التي لا تقهر. كذلك إقامة دويلة صغيرة فلسطينية مهمشة لا قيمة لها دوليا علي قطاع غزة و أجزاء من الأراضي المصرية منها العريش, رفح و الشيخ زويد. أما في المقابل ستتحول الضفة الغربية إلي مسمي الأردن الكبير وذلك تحت وصاية الدولة الهاشمية علي المقدسات الدينية الفلسطينة. فالإعتراف المنتظر بهذه الصفقة من قبل جامعة الدول العربية سيعتبر صفعة في وجه جميع الحكام العرب و إستنكارا لوجود الرسول الكريم محمد صلي الله عليه و سلم. بالتالي يعتبر ذلك الفصل العنصري بإعلان قطاع غزة فقط دويلة فلسطينية هو بمثابة بداية النهاية لتواجد فلسطين في المنطقة و تشريد جميع اللاجئين الفلسطينيين في مختلف دول العالم.

إن إنحراف مسار التوافق العربي و الإنجراف نحو التطبيع و الهرولة لإبرام صفقات تجارية في قطاع الغاز أو بيع الأوطان لأمريكا و لإسرائيل من أجل الحصول علي دعم مالي و إستثماري ضخم علي غرار مشروع عاصمة مصر الجديدة قصد التنازل عن القضية الفلسطينية يعد في مجمله صفعة القرن التي ستبقي بارزة علي وجه الحكام العرب مدي الحياة. أما المخططات الإضافية للحكومة الإسرائيلية فهي تعتبر مشاريع مكملة لإزالة الوجود الفلسطيني من المنطقة بحيث تقدم الوزير كاتز بمخطط لإنجاز جزيرة إصطناعية في البحر قبالة سواحل غزة للشعب الفلسطيني تحتوي علي مناطق صناعية و مباني ضخمة و ميناء تجاري دولي و مطار دولي و غيرها من مناطق الترفيه و العيش الراقي. لكن لا أحد يعلم لماذا فالإجابة هنا بسيطة فنظرا للكثافة السكانية التي يعاني منها قطاع غزة و الفقر المدقع لسكانها و غياب مصادر الرزق أو فرص العمل فمن المؤكد أن الجميع سيأخذ أغراضه و سيحول وجهته لتلك الجزيرة التي تعتبر حلم مادي لأغلب الغزاويين.

أما تكاليف إنجاز تلك الجزيرة فهي ستتكفل بها الدول الخليجية الخبيرة في إنجاز الجزر الإصطناعية مثل دولة الإمارات العربية المتحدة و قطر و البحرين وهي كلها مخططات تندرج ضمن صفقة القرن لتسوية قضية الصراع العربي الإسرائيلي. إن صفقة القرن هي بالأساس تتمثل في صفعة القرن لإزالة الوجود العربي الفلسطيني من المنطقة و تأسيس دولة يهودية قومية واحدة إسمها دولة إسرائيل و ذلك عبر إغراءات مالية ضخمة و صفقات إقتصادية و تجارية مع دولة مصر و دول الخليج العربي. أيضا من خلال إنجاز مشاريع تنموية عملاقة و تعزيز المبادلات التجارية عبر مد خط من السكك الحديدية العملاقة تنطلق من حيفا لتربط خطوطها جميع الدول الخليجية. إن الرهان علي الإستفادة من بعض الإنجازات في البنية التحتية علي غرار إنشاء عاصمة مصرية جديدة أو تعزيز المبادلات التجارية في قطاع الطاقة كالنفط و الغاز لا تمثل في مجملها إنجازات قومية لإنصاف القضية الفلسطينية والوقوف مع شعب مضطهد يعاني الأمرين من فقر و إحتلال بل هي بيع للكرامة العربية و تهويد للأراضي الفلسطينية.

أما تبكير الإنتخابات الإسرائيلية المقبلة إلي 9 من أفريل المقبل و ذلك عبر حل الكنيست و التوعد بتشكيل حكومة ذات نواة أقوي من السابق فهي أيضا تصب في مسار تعجيل تنفيذ بنود صفقة القرن المدعومة أمريكيا لإزالة دولة فلسطين من الوجود و الإسراع في توجيه تلك الصفعة التي إنتظرها نتنياهو طويلا لجميع الحكام العرب و للمتضررين الفلسطنيين.

 فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock