قضايا أمنية

صناعة السلم الوظيفي

عامر مصباح (جامعة الجزائر 3)
08/20/2017
ليس هناك فرصة متاحة ولا قدرة متوفرة لإلغاء الاثنيات أو الطوائف أو المذاهب أو الإيديولوجيات أو الثقافات الفرعية من المجتمعات بأي حال من الأحوال، وإنما الطريق العقلاني هو التعايش معها كحقائق سوسيو-ثقافية والعمل باتجاه تعزيز التكامل الوظيفي بينها كما سبق أن أشرنا؛ بشكل يؤدي إلى تبلور مفهوم الجماعة الأمنية بتعبير كارل دويتش (Karl W. Deutsch, The Analysis of International Relations) البداية الجيدة لانطلاق التكامل الوظيفي المجتمعي نحو الاتجاه المناسب هي الصياغة الصحيحة لأجندة التفاوض والحوار الغرضي، من أجل توجيه التفاعلات المجتمعية نحو الوظيفة والتوافق؛ بحيث تنشأ مصادر كثيرة منتجة للوظائف ومستجيبة للحاجات بشكل متبادل. تأخذ هذه المصادر في الانتشار الأفقي والتأسيس العمودي، كلما كانت هناك كثافة متنامية للتفاعل والاتصال في كل الاتجاهات؛ المتبوعة بالثقافة الوظيفية والسلم والاعتراف بالآخر، باعتبارها مكونات أساسية في معادلة الربح والمنفعة عبر المجتمع.
لماذا التأكيد على هذه الأفكار الوظيفية حول الأمن المجتمعي؟ الإجابة واضحة وبسيطة وهي أن شيوع النزاعات المذهبية في المنطقة العربية واتساع دائرتها من مجتمع لآخر، سوف يبدد أي فرصة أمام المنطقة لبناء الأمن الإقليمي وتحقيق مشاريع الأمن المجتمعي الإقليمية مثل السوق الإقليمي، التكامل الاقتصادي الإقليمي. على افتراض أن النزاعات الأهلية وهشاشة الأمن المجتمعي وقابليته للعطب الشديد بواسطة مصفوفة التهديدات الأهلية، سوف يقلص حظوظ انتعاش المبادلات التجارية والاتصالات المجتمعية والتفاعلات الوظيفية إلى حدودها الدنيا؛ في مقابل استمرار الانهيار الاقتصادي والانتهاكات المريعة لحقوق الإنسان واللجوء إلى الحروب حول قضايا سراب لا قيمة لها. في حين أن المنظور الوظيفي هو قائم على فكرة الأبواب المفتوحة أمام تدفقات التجارة والمعاملات والعمالة والاتصالات والحركة الحرة للبضاعة: إنتاجا وتسويقا، وأنشطة الاستثمارات من داخل المجتمع وخارجه. عندما تصبح هذه العمليات الأكثر شيوعا في المجتمع، سوف لا يلتفت الناس إلى الانقسامات المذهبية والصراعات القبلية أو الطائفية أو الدينية؛ لأنها بالنسبة لهم معطّلة لمصالحهم؛ وعندما تتصاعد هذه العمليات إلى مستويات ذروة الكثافة، سوف لا يدرك الناس ولا يرون الانقسامات المذهبية، وإنما يدركون فقط سبل التعاون والتكامل حول الوظيفة. عندئذ تظهر فكرة حتمية التكامل القطاعي ثم لاحقا الشامل، ضمن نظام وظيفي يوفر قدرا كبيرا وواسعا من التفاعل ومرونة الاتصالات، وفرصا كثيرة ومتعددة للربح من وراء العمليات الوظيفية.
مقتبس من كتاب: “الأمن المجتمعي وإعادة تشكيل العلاقات الدولية الجديدة”

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock