من اعداد خالد محمود حمي البيجواني وهي جزء من متطلبات درجة الماجستير في علم الاجتماع

المقدمـــــــة

يعدّ البناء الاجتماعّي الإطار العام للعلاقات الاجتماعية المتبادلة بين الأطراف المتفاعلة في الموقف الاجتماعي ، ذلك التفاعل القائم على اساس الاتصال بين المراكز والأدوار الوظيفية . ومن خلال الآثار الناتجة عنه تتحدد أنماط العمليات الأجتماعية المتمثلة بالتعاون والصراع ، فضلاً عن ذلك تظهر المعايير والقيم كمحددات لسلوكيات أطراف العلاقة.

إنّ العلاقات الاجتماعية تعد من المواضيع المعقدة التي يصعب معها تحديد ابعادها ومعرفة ماهيتها إذ تتعدد عواملها او اسبابها ومستوياتها وآثارها ، فقد تكون اسباب العلاقات اجتماعية او اقتصادية او سياسية او دينية ، أي ان الأسباب هي بمثابة الدوافع التي تحرض الأفراد على الدخول في حيز العلاقة .

وتختلف العلاقات الاجتماعية في مستوياتها ، فقد تكون هذه العلاقة بين فردين او بين فرد ومجموعة افراد او بين مجموعتين من الأفراد ، أو بين فرد او مجموعة  مع منظمة او مؤسسة اجتماعية ، وتختلف طبيعة العلاقات في مستوياتها من علاقات اجتماعية رسمية الى علاقات اجتماعية غير رسمية ، كما تختلف العلاقات الاجتماعية في آثارها فقد تكون ايجابية عندما تحقق منافع ومصالح لأطرافها ، وسلبية عندما لا تحقق ذلك.

والذي يهمنا في هذا المجال هو علاقة مجموعة من الأفراد او شرائح اجتماعية مختلفة في المجتمع مع إحدى مؤسسات الدولة المتمثلة بأجهزة الشرطة المختلفة(*) . إذ إن أجهزة الشرطة تعد من اهم وسائل الضبط الاجتماعي نتيجة لأدوارها الهامة التي تؤديها في حفظ الأمن والنظام وتحقيق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع ، وذلك بتنظيم علاقات الأفراد والجماعات والمجتمعات المحلية والسيطرة على سلوكيات افرادها والمشاركة الفاعلة في تحقيق أهدافها وطموحاتها التي تنطبق مع متطلبات الصالح العام وتتماشى مع خطط وسياسات الدولة والمجتمع .

فعلى منتسبي أجهزة الشرطة تقديم كل الخدمات والمسؤوليات التي تقع على عاتقهم الى شرائح المجتمع المختلفة وعلى أحسن وجه ، ليستوفوا من طرفهم شروط الدخول في علاقات
اجتماعية ايجابية معهم ، وعلى شرائح المجتمع  منح منتسبي الشرطة  مستلزمات عملهم الأساسية ، فضلاً عن منحهم الثقة والأحترام والتعاون وتقدير للدور الذي يؤدونه ، وهذه العلاقة التي تربط بين الطرفين يجب ان تكون قائمة على أسس هادفة ترمي الى تحقيق التجانس بينهما .

عليه فإن عملية اختيار موضوع الدراسة لم يأتِ من فراغ بل هو امتداد لجميع المحاولات والبحوث والدراسات التي تبحث في معرفة طبيعة العلاقة بين الشرطة والمجتمع ، منذ تأسيس جهاز الشرطة في العصر الحديث الى يومنا هذا ، وقد دفعنا الى أختيار موضوع الدراسة ما يأتي :

1- ندرة الدراسات والبحوث العلمية التي تبحث في مجال العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الشرطة والمجتمع .

2- ظهور بعض المشكلات الملفتة للنظر بين منتسبي الشرطة و شرائح المجتمع المختلفة ، الأمر الذي استوجب معرفة طبيعة هذه المشكلات وبيان اسبابها وآثارها في العلاقة التي تربط الطرفين من جهة ، وفي كل طرف من أطراف العلاقة من جهة أخرى .

أهداف الدراسة

تتجلى أهداف هذه الدراسة في محاولتها الإجابة على بعض الاسئلة التي يثيرها الجانب النظري في تناوله طبيعة انجاز أجهزة الشرطة للمهام والواجبات، ومدى مواكبتها للتقدم العلمي والتقني من حيث الوسائل والإجراءات ، فضلاً عن تناول طبيعة اساليب التعامل بين منتسبي الشرطة وشرائح المجتمع المختلفة ومبلغ تأثير الوساطة والرشوة على طبيعة هذا التعامل ، ويمكن إجمال هذه الأسئلة بما يأتي :

1- هل ان اجهزة الشرطة تؤدي مهماتها وواجباتها نحو شرائح المجتمع بصورة مرضية ؟

2- هل أن اجهزة الشرطة تواكب التقدم العلمي والتقني من حيث الوسائل والإجراءات في أعمالها ؟

3- هل ان شرائح المجتمع تعاني من ضعف اساليب تعامل منتسبي الشرطة معها؟

4- هل ان للوساطة والرشوة دوراً في التعامل بين منتسبي اجهزة الشرطة وشرائح المجتمع المختلفة ؟

ونحاول في نهاية هذه الدراسة ، الإجابة على هذه الاسئلة في ضوء البيانات التي يتيحها الجانب الميداني بغية الوقوف على أهداف الدراسة .

أهمية الدراسة :

تكمن أهمية هذه الدراسة في جانبين أساسيين هما : الجانب النظري وتتجلى أهميتها بوصفها امتداداً  لما كتب في هذا المجال وتواصلاً فكرياً للنظرية التي تقوم عليها بمفاهيمها وفرضياتها العلمية .

أما الجانب الثاني ، فهو الجانب التطبيقي حيث ان نتائجها الميدانية تساعد في توجيه المسؤولين ومتخذي القرار في القيادات الإدارية المختلفة والمسؤولة عن أجهزة الشرطة الى زيادة اهتمامهم بجانب فعال من جوانب عمل هذه الأجهزة ، وهو علاقاتها مع شرائح المجتمع المختلفة التي تعد جوهر ديمومتها ، وتوجيه منتسبي الشرطة الى السبل والكيفية التي تساعدهم على تحقيق المؤشرات الأيجابية في علاقاتهم الخارجية مع الحفاظ على إنجاز أهداف هذه الأجهزة وذلك بعد تحديد بعض المؤشرات السلبية لعملها مع شرائح المجتمع .

النظرية المعتمدة في الدراسة :

لقد اعتمدت دراسة طبيعة العلاقة بين الشرطة والمجتمع على نظرية التبادل الاجتماعي المتجسدة بأفكار العالم الاجتماعي (جورج هومانز) الذي اوضح ان العلاقة الاجتماعية التي تربط بين طرفين تعتمد على التوازن بين كفة التكاليف وكفة المردودات الناتجة عن هذه العلاقة ، ويحدد هذا التوازن  الطرفان ذات العلاقة فقط ، ويشيران الى الأيجابية او السلبية (الربح والخسارة) من هذه العلاقة.

ويضيف بان هذا التوازن في العلاقة يعتمد على حجم الحاجات والخدمات التي يقدمها كل طرف للآخر ، واذا كان حجم الحاجات والخدمات المتبادلة متساوياً بين الطرفين فأن العلاقة الاجتماعية سوف تقوى وتزدهر وتزداد شدةً بينهما ، بينما اذا ظهر ان حجم الحاجات والخدمات المقدمة الى الطرف الآخر اكثر او اقل مما يقدمه الطرف الثاني فأن هذه العلاقة سوف تضعف وتظهر عليها بوادر الوهن والعجز وقد تنقطع . عليه فأن المحافظة على ديمومة العلاقات الاجتماعية بين طرفين واستمرارها يعتمد على تحقيق التوازن في الحاجات والخدمات المتبادلة بينهما .

محتويات الدراسة :

أحتوت هذه الدراسة على بابين هما : تناول الأول الدراسة النظرية وتضمن ثلاثة فصول ، عني الأول بتحديد المفاهيم والمصطلحات العلمية المتعلقة بالدراسة كالتفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والشرطة والمجتمع .

أما الفصل الثاني فقد تضمن الدراسات السابقة التي قسمت على دراسات عراقية وعربية واخرى اجنبية ، وهذه الدراسات كانت متشابهة في بعض جوانبها للدراسة الحالية ، وأسهمت في تحديد مسارها في الجانب النظري والميداني . وتناول الفصل الثالث طبيعة العلاقة بين الشرطة والمجتمع ، في ثلاثة مباحث حدد الأول منها العلاقات الاجتماعية في المجتمع ، وحدد المبحث الثاني طبيعة العلاقات داخل اجهزة الشرطة ، وجاء المبحث الثالث ليحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية المتبادلة بين الشرطة والمجتمع .

أما الباب الثاني ، فقد تناول الجانب الميداني للدراسة وقد تضمن خمسة فصول ، بدءً من الفصل الرابع الذي تضمن الإطار النظري و المنهجي للدراسة ، وعني الفصل الخامس بالبيانات الأساسية لوحدات الدراسة ، أما الفصل السادس فقد تناول نتائج الدراسة الخاصة  بطبيعة إنجاز أجهزة الشرطة للمهمات والواجبات ومدى مواكبتها للتقدم العلمي ، وتضمن مبحثين ، خصص المبحث الأول لطبيعة إنجاز أجهزة الشرطة للمهمات والواجبات ، وخصص المبحث الثاني لمعرفة مدى مواكبة أجهزة الشرطة للتقدم العلمي .

وتضمن الفصل السابع نتائج الدراسة الخاصة  بأساليب التعامل بين منتسبي اجهزة الشرطة وشرائح المجتمع ومدى تأثير الوساطة والرشوة فيها ، وجاء هذا الفصل في مبحثين ايضاً عني الأول بأساليب التعامل بين منتسبي الشرطة وشرائح المجتمع المختلفة ، والثاني بتأثير الوساطة والرشوة على طبيعة العلاقة بين منتسبي الشرطة وشرائح المجتمع . وجاء الفصل الثامن ليحدد أهم نتائج الدراسة ومناقشة أهدافها مع تحديد التوصيات التي من شأنها الأرتقاء بطبيعة العلاقة بين منتسبي اجهزة الشرطة وشرائح المجتمع المختلفة .

صعوبات الدراسة :

من الصعوبات التي واجهتنا اثناء الدراسة هي :

1- قلة المصادر والمراجع الحديثة التي تخص موضوع العلاقات الاجتماعية بوجه عام وموضوع الدراسة بوجه خاص .

2- عرقلة الموافقات الرسمية على إجراء بعض المقابلات مع المسؤولين في أجهزة الشرطة المختلفة ومنتسبيها .

3- ضعف تعاون البعض من المنتسبين معنا ، وبخاصة عند إجابتهم عن الاسئلة المطروحة  اثناء المقابلات .

4- رفض البعض من المنتسبين الإجابة عن الأسئلة الاستبيانية خاصة تلك التي تتعلق بالرشوة والفساد الأداري .

5- ضعف الوعي الاجتماعي لشرائح المجتمع وترددهم في الاجابة عن اسئلة الاستبيان خوفاً من المحاسبة .

6- صعوبة صياغة الاسئلة الاستبيانية ، خاصة ما يتعلق باستخدام بعض المفاهيم والمصطلحات ، مثل الرشوة والوساطة .

الفصــل الأول تحديد المفاهيم والمصطلحات

إن لتحديد المفاهيم اهمية في بناء الإطار التصوري لدراسة أية ظاهرة من ظواهر المجتمع على اختلاف انماطها ودرجة انتشارها وديمومتها ، ذلك الإطار التجريدي الذي يصبح الدليل المرشد للباحث في مجال دراسته والنسق التحليلي الذي يستعين به كأداة في عملية التحليل والاستنتاج .

ولكل علم لغته الخاصة به التي تميزه عن بقية العلوم من جهة ، وتبني إطاره الثقافي المشترك للعاملين في مجاله من جهة اخرى . فلغة علم الاجتماع لغة خاصة  تقوم بتفسير الظواهر الاجتماعية في الجماعة والمجتمع وهي تعطي امكانية تفسيرية تميز بها العاملون في مجاله عن الآخرين في خارجه .

وتعد المفاهيم والمصطلحات بمثابة المفاتيح الرئيسة والممهدة لبناء الفرضية او النظرية، والتي يمكن الوقوف على صحتها او تغيرها اذا تغيرت العوامل والقوى المؤثرة في مجرى الظاهرة او العملية الاجتماعية([1]) .

والغرض الآخر من تحديد المفاهيم والمصطلحات العلمية هو بيان معاني  المصطلحات الفنية والعلمية ودلالاتها التي تنطوي عليها الرسالة ، لكي يستطيع القارىء على اختلاف اختصاصه العلمي فهمها وأستيعاب مضامينها ويتمكن بالتالي من فهم الرسالة ومتابعة قراءتها([2]) . فضلاً عن ذلك فأن عدم وجود اتفاق على معظم مفاهيم علم الاجتماع بين المختصين فيها يجعل توضيحها أمراً لابد منه في أية دراسة([3]) .

ولتحديد المفاهيم وظائف عديدة منها ما يأتي :

1- وظيفة التوجيه والإرشاد من خلال تحديد المنظور وتعيين نقطة البدء .

2- وظيفة تحديد العمليات والإجراءات الضرورية لملاحظة الفئات والمتغيرات التي يمكن ان تمدنا بمعلومات عن موضوع الدراسة .

3- وظيفة الاستنتاج العلمي وعن طريقها يمكن تعميم المفاهيم التي درست على حالات اخرى. ويمكن ان يتعلق التعميم بالمستقبل فيأخذ صورة التنبؤ ، فضلاً عن امكانية دراسة التأريخ في ضوء هذه المفاهيم كما يفعل علماء الاجتماع في بحوثهم التأريخية([4]) .

واستناداً على ما ذكر فقد خصصنا هذا الفصل لأهم المفاهيم التي تعتمد عليها هذه الدراسة .

التفاعل الأجتماعي :

إن التفاعل الاجتماعي هو الأساس لتكوين العلاقات الاجتماعية ، وهي العملية التي تتمخض عنها كل صور الارتباط بين الأفراد او بين الجماعات او بين الفرد والجماعة ، وطبيعة التفاعل الحاصل تؤدي الى رسم صور العلاقات الاجتماعية ، وكل انواع العمليات الاجتماعية مثل التنافس والتعاون والتكيف والصراع تأخذ ملامحها من خلال شكل العلاقات الاجتماعية النابعة اصلاً من التفاعل الاجتماعي.

فالتفاعل الاجتماعي يشير الى : (جميع ما يمكن تصوره من علاقات وعمليات اجتماعية تحدث في مجتمع ما ، سواء كانت هذه العلاقات بين فرد وآخر أو بين جماعة واخرى او بين فرد وجماعة او بين الفرد والمجتمع الكبير ، وهو عبارة عن الأثر الذي يتركه شخصان او اكثر كل منهما في الآخر) ([5]) .

إذن الأثر الحاصل نتيجة اتصال شخصين او اكثر هو التفاعل الاجتماعي ، وهذا التفاعل يتوقف شكله حسب نوع الأثر الذي يتركه الاتصال  فقد يكون الآثر سلبياً او ايجابياً ولكل منها دوره في النظام الاجتماعي بشكل عام ، والذي يبرهن على أهمية الدور الذي يلعبه التفاعل في البناء الاجتماعي .

ويعرف سوروكن التفاعل بأنه : (أي حدث يؤثر به طرف تأثيراً ملموساً في أفعال الآخر الظاهرة او حالاته العقلية ، كما يعرف بارسونز التفاعل بأنه فاعلية متبادلة ومتوافقة يدل عليها ان لها صفة الألحاق او السوح المزدوج ، هذا ويؤكد “ميريل” ان التفاعل عبارة عن سلسلة متبادلة ومستمرة من الأتصالات بين كائنين انسانين او اكثر منشئين تنشئة اجتماعية)([6])، والتفاعل الاجتماعي هو المثير والأستجابة المتبادلة للأشخاص في مواقف اجتماعية ، حيث يحصل بينهما نوع من الاتصال وحالة من الوعي بوجود بعضهما البعض .

ويعرف التفاعل الاجتماعي بأنه :(العملية التي يرتبط بها اعضاء الجماعة بعضهم ببعض عقلياً او دافعياً وفي الحاجات والرغبات والوسائل والغايات والمعارف)([7]) .

ونجد أن عملية اتصال الأفراد مع بعضهم البعض يتحكم فيها جانب مهم وهو مدى شدة العلاقات النفسية الاجتماعية ، فإذا كان حجم الجماعة كبيراً نسبياً فإن ذلك سوف يؤدي الى ظهور علاقات أكثر ، وهذه الكثرة في العلاقات سوف تؤدي بدورها الى زيادة قنوات الاتصال وبهذه الزيادة نلاحظ أزدياد حركية التفاعل الاجتماعي .

ونجد هنا أنه (كلما ازداد عدد العلاقات النفسية الاجتماعية المنتشرة داخل الجماعة ، أزداد اتصال الأفراد بعضهم ببعض ، وأزدادت ديناميكية التفاعل ،
ولهذا يدل مجموع العلاقات على مدى التفاعل النفسي الاجتماعي)([8]).

والتفاعل يعني الموقف الذي يتفاعل فيه شخصان أو أكثر كل تجاه الآخر ، على ان يتضمن استجابة كل فرد في عملية التفاعل تجاه الآخر في الوقت نفسه ، والخبرات المتوافرة لدينا عن الأشخاص والمواقف تمكننا من التفاعل وعملية استجابة الأفراد هي استجابة إرادية شعورية للمثير في عملية التفاعل الاجتماعي([9]).

والتفاعل بين الأفراد حول موضوعات معينة يؤدي في النهاية الى تكوين مجموعة من العادات والأفكار ، والأتجاهات ، والميول ، والمعايير ، والأساليب التي توجه الفرد وتحدد موقفه من عملية التفاعل([10]).

ويشير السلوك الى أي نشاط او فعل مقصود يقوم به الفرد في المجتمع ، ذلك النشاط الذي يدور في مجال محدد ، يدعى بمجال التفاعل الاجتماعي وهو المجال المتضمن لنشاطات الأفراد المتفاعلين على اختلاف أدوارهم الاجتماعية،  والذي يؤدي بالتالي الى ظهور صور العلاقات الاجتماعية المتفاعلة . حيث  نجد ان الأفراد في المجتمع يتفاعلون وفقاً لأدوارهم الاجتماعية والدور ماهو الا مظهر من مظاهر السلوك ، بينما نعلم ان المكانة تعد المحدد الأساس للسلوك ، الأمر الذي يسمح لنا بالتميز بين الدور والمركز أو المكانة .

وللسلوك الاجتماعي ثلاثة مقاييس يعتمد عليها وهي :

  • وجود شخصين أو أكثر يتفاعلان معاً و يكونان السلوك .
  • وجود أدوار اجتماعية متساوية او مختلفة يشغلها الأفراد الذين يقومون بالسلوك .

جـ- وجود علاقات اجتماعية قبل  عملية السلوك الاجتماعي أو خلالها أو بعدها، والتي يقوم بها الأفراد([11]) .

ومن الملاحظ ان التفاعل الاجتماعي تؤثر فيه متغيرات وعوامل عديدة تعمل على توفير او عدم توفير الجو الملائم للقيام بنشاطه في المجتمع . ومن جملة تلك المتغيرات اللغة ومالها من دور في عملية التفاعل الاجتماعي ، حيث إن وظيفتها نقل الأفكار والمعاني والرموز بين الناس الأمر الذي يصبح من الصعب حصول تفاعل بين الناس بدونها .

والى جانب اللغة نلاحظ الدور الذي تلعبه القيادة في مجال ديناميات الجماعة ومالها من

أهمية في تحديد اشكال العلاقات وصورها بين الأفراد ، والتي قوامها التفاعل([12]) . فضلاً عن  ذلك نلاحظ ان لعملية الاتصال دوراً بالغ الأهمية في التفاعل الاجتماعي ، وبصورة عامة فأن مصطلح الاتصال يتضمن (نقل فعل أو إرسال إشارة او رمزاً منطوقاً او مكتوباً او مصوراً من مصدر معين الى جمهور معين عن طريق وسيلة او أكثر من وسائل الاتصال التي تعمل كقنوات للتواصل ، وذلك بقصد التأثير في رأي او فعل جمهور او مجموعة من الجماهير) ([13]).

وليس من الضرورة ان تكون عملية الاتصال تعني تماس الافراد إزاء بعضهم البعض ، بل تكون لمساً لما يفعله الآخرون والاتصال يحدث عن طريق الحواس البشرية ومايحدثه ، ويكون الاتصال الاجتماعي على انواع منها الاتصال الأيجابي او السلبي ، والاتصال الأولي او الثانوي ، والاتصال المباشر أو غير المباشر .

وهناك طائفة من العمليات التي تؤثر في التفاعل الاجتماعي وتتأثر به ، ومن بين هذه العمليات المفاهيم الآتية :

  • العلاقات المجمعة ومنها : عملية التوافق البيئي ، وعملية التأقلم ، والتنشئة الاجتماعية ، والتعاون ، والتكيف ، والتمثيل .
  • العلاقات المفرقة ومنها : التنافس ، والصراع ، كلها تؤثر بشكل مباشر او غير مباشر في عملية التفاعل الأجتماعي([14]) .

هذا ويعد التفاعل الاجتماعي (العملية الاجتماعية الأساسية التي تعبر عن ذاتها في الاتصال ، وفي العلاقات المتبادلة بين فردين أو اكثر (او بين الجماعات)، ويعد التفاعل بين الاشخاص سلوكاً اجتماعياً ، لأن الناس يتبادلون المعاني ويمارسون التأثير على سلوك بعضهم البعض ، وتوقعاتهم وفكرهم ، من خلال اللغة ، والرموز ، والأشارات) ([15]) .

وتعريفنا الإجرائي لمفهوم التفاعل الاجتماعي هو :-

(العملية التي تعد الأساس المكون للعلاقات الاجتماعية نتيجة اتصال شخصين او اكثر مع بعضهم  البعض ويكون قائماً على اساس اعتبارات ذاتية وموضوعية).

العلاقات الاجتماعية :

يعد موضوع العلاقات الاجتماعية من المواضيع المعقدة والشائكة التي تتدخل في طياتها عوامل ومتغيرات كثيرة ولها صور واشكال يمكن ملاحظتها من خلال إسهامات العلماء الذين اهتموا بدراسة الموضوع .

وتظهر العلاقات الاجتماعية نتيجة ظروف واسباب ،وقد تكون الأسباب اقتصادية أو سياسية أو دينية أو نفسية أو قانونية أو اخلاقية([16]) ، تعمل على خلق نوع من العلاقات بين الأفراد تختلف باختلاف العامل المؤثر في نشوئها ، كذلك فأن للعلاقات الاجتماعية مستويات عديدة قد تكون صغيرة كالعلاقة بين شخصين او كبيرة كالعلاقة بين المؤسسات والمجتمعات .

والعلاقات الاجتماعية ، هي السلوك المتبادل بين افراد المجتمع نتيجة عمليات التفاعل الاجتماعي بينهم ، والتي تحدد من مراكزهم وأدوارهم الوظيفية([17]) . وتنطوي كل علاقة اجتماعية في الحقيقة على الانسجام او التوافق بين المواقف بالنسبة للأشخاص الذين هم في حالة التفاعل القائم بينهم كنوع من العلاقات الاجتماعية . والمواقف هي :(طرق للوعي او الإدراك الاجتماعي تتميز بأنها لا شعورية ومعقدة ومتغيرة ، يطرأ عليها التعديل باستمرار تبعاً لتعلمنا وتفكيرنا ولصحتنا وللظروف التي تحيط بنا) ([18]) .

وتحتوي العلاقات الاجتماعية على المواقف والمصالح التي تربط بها ، ولكل شخص مواقف خاصة تجاه مثير معين ، وتختلف كذلك المصالح بين الأفراد ، ولكل من رجل القانون والخارج عن القانون مصلحة من القانون ويبني تصوره عنه حسب المواقف و المصالح. وكذلك نلاحظ بأن القانون يلعب دوراً كبيراً في العلاقات الاجتماعية حيث يحدد العديد من وجوه العلاقة التي تربط بين افراد وطبقات المجتمع([19]) .

ان ميول الإنسان ومواقفه قابلة للتغير وعرضة له ،لذلك فإن صور العلاقات القائمة هي ايضاً معرضة لعملية التبدل والتجدد  خاصة اذا علمنا بأن مستوى إدراك الانسان الاجتماعي والثقافي هو من الأمور المتغيرة ، وبتغير مستوى إدراك الانسان وميوله يمكن ان نلاحظ تغير نظرته نحو مصالحه وتبدل صور العلاقة سلباً او ايجاباً حسب صور التغير الحاصل في المواقف والميول .

والعلاقات الاجتماعية هي (نموذج للتفاعل بين شخصين او اكثر ويمثل هذا النموذج ابسط وحدة من وحدات التحليل السوسيولوجي ، كما انه ينطوي على الاتصال الهادف والمعرفة السابقة بسلوك الشخص الآخر) ([20]) .

ولوسائل الاتصال دور مهم في تكوين العلاقات الاجتماعية ، لأن نوع وسيلة الاتصال يحدد ماهية التفاعل بين الافراد ، وطرق توصيل التفاعل من نقطة الى اخرى في مجال الجهد الاجتماعي لربط هذه النقاط وتكوين شبكة العلاقات الاجتماعية ، فضلاً عن دور القيم ومالها من أهمية في توجيه سلوك الفرد خاصة انها المسؤولة عن سلوك الفرد المتفاعل في الجماعة([21]) .

وأكثر المدارس الاجتماعية اهتماماً بموضوع العلاقات الاجتماعية هي المدرسة الالمانية والمتجسدة باراء  اعلامها وأفكارهم من أمثال ، جورج سيمل وماكس فيبر ، وتونيس ، حتى ان هذه المدرسة اصبحت تعرف بمدرسة العلاقات الاجتماعية ، مع العلم انهم لم يدرسوا موضوع العلاقات دراسة وصفية تحليلية مستمد من طبيعة الحقائق الاجتماعية ، بل كانت دراستهم تحت تأثير نزعتهم الفلسفية المجردة ، والأهتمام بالناحية الصورية المتعلقة بطبيعة العلاقة في ذاتها دون النظر الى مادتها([22])

وللعلاقات الاجتماعية أسباب في تكوينها فضلاً عن  آثارها ، اذ نجد لها آثاراً على الفرد والجماعة والمجتمع ، فاذا كانت العلاقات التي تربط الافراد في الجماعة ايجابية فان هذه الجماعة تكون متماسكة ، أما اذا كانت العلاقة سلبية وتسيطر عليها الاحقاد والعداوة فأن الجماعة تكون غير قادرة على تحقيق أهدافها([23]) .

وهناك علاقات اجتماعية انشائية يعبر عنها في التعاون ، والتكيف ، والتمثل. فضلاً عن علاقات اجتماعية إبعادية أو هدامة يعبر عنها في العزلة والتنافس والصراع([24]) .

ويمكن تعريف العلاقات الاجتماعية بأنها :(السلوك المتبادل بين الافراد والجماعات نتيجة عمليات التفاعل الاجتماعي بينهم في موقف معين مما يدفع الأفراد والجماعات الى تحقيق حاجاتهم أو أغراضهم) ([25]) . وتعتمد العلاقات الاجتماعية من حيث تكوينها على ثلاثة شروط رئيسة هي :-

1- توفير الأدوار الاجتماعية التي يحتلها أطراف العلاقة الاجتماعية ، اذ ان لكل فرد يكون علاقة اجتماعية دوراً محدداً ويتفاعل الفرد مع الآخرين وفقاً لهذا الدور.

2- توفير مجموعة رموز سلوكية وكلامية يتفق عليها اطراف العلاقة الاجتماعية، وهذه الرموز تكون عادة متأتية من المجتمع الذي يعيش فيه الفرد ويتفاعل معه.

3- توفير مجموعة ممارسات سلوكية أو طقوسية يقوم بها الأفراد، وذلك لتحقيق الغرض من العلاقة الاجتماعية([26]) .

وللعلاقات الاجتماعية جوانب اخلاقية واجتماعية وسيكولوجية ، ويهدف الجانب الاجتماعي الى مساعدة الأفراد على الاندماج الايجابي في الجماعة والتكيف معها ، أما الجانب الاخلاقي فيهدف الى دعم المبادىء الانسانية القائمة  على احترام الفرد وتقدير القيم الاجتماعية ومشاركة الفرد الوجدانية ، ويتمثل الجانب السيكلولوجي  في مبلغ التأثيرات المتبادلة بين نفسيات الأفراد ومشاعرهم وقيادتهم([27]) .

ويرتبط مفهوم العلاقات الاجتماعية بعدة مفاهيم اخرى  كالعلاقات الانسانية والتي تعني (التنسيق بين جهود الأفراد لخلق أجواء عمل محفزة على الأداء الجيد والتعاون لتحقيق افضل النتائج، بما يوفر اشباعاً لحاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية) ([28]). والتي تتجه نحو الواقع بقصد الافادة من الحقائق الاجتماعية في معرفة جوانب القوة والضعف في علاقتنا، الآمر الذي يؤدي الى توثيق الروابط بين الناس([29]) .

أما العلاقات العامة فهي (النشاط المخطط الذي يهدف الى تحقيق الرضا والتفاهم بين المنظمة وجماهيرها – سواء كان داخلياً او خارجياً – من خلال سياسات وبرامج تستند في تنفيذها على الآخذ بمدأ المسؤولية الاجتماعية ) ([30]) .

وتعرف ايضاً بأنها: ( ذلك العلم الذي يدرس سلوك الافراد والجماعات دراسة علمية موضوعية بغية تنظيم العلاقات الانسانية على أسس من التعاون والمحبة والوعي) ([31]) .

او هي: (وظيفة الادارة المخططة التي تهدف الى انشاء خطوط مفتوحة ومتبادلة للفهم والقبول والتعاون بين المنظمة وجماهيرها) ([32]) .

وان الفرق بين المفاهيم الثلاثة (العلاقات الاجتماعية ، والعلاقات الانسانية ، والعلاقات العامة) هو فرق من حيث المستوى والشمول ، حيث ان العلاقات الاجتماعية تتضمن العلاقات الانسانية والعامة في إطار مفهومها ، ونرى ان وظيفة العلاقات العامة هي رعاية العلاقات الانسانية السليمة في المجتمع.

كما ان العلاقات الاجتماعية قد تكون إيجابية أو سلبية ، عمودية او افقية ، وقتية أو تستمر لفترة من الزمن ، موجبة او سالبة ، إنشائية او هدامة ، على مستويات صغيرة او كبيرة داخل المجتمع .

وتعريفنا الإجرائي لمفهوم العلاقات الاجتماعية هو :-

” أنها تلك الأواصر التي تربط بين منتسبي الشرطة والشرائح الاجتماعية المختلفة بهدف تحقيق الأهداف الاجتماعية المنشودة بينهما” .

الشرطـــة:

لقد عرفت العرب الشرطة منذ عصور مبكرة حيث ان مفهوم الشرطة كان معروفاً في صدر الاسلام ، وتشير المصادر الى وجود دور الشرطة في عهد الخلافة الراشدية ، إذ كانوا يسمون (العسس) او حراس الليل وتطور الهدف من الشرطة فاستخدموا في تقديم المساعدة للقاضي لتثبيت الاتهام وتنفيذ الأحكام ، وكان منصب الشرطة  يقلد لكبار الأعيان في المجتمع آنذاك([33]) .

وتنص المصادر اللغوية ان (الشرطة في السلطان : من العلامة والأعداء ورجلُ شْرطُيّ وشَرْطيّ منسوب : الى الشّرطةِ والجمع شُرَط ، سموا بذلك لأنهم أعُدّوا لذلك وأعْلمُوا أنفسهم بعلامات ، وقيل هم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت . وفي حديث ابن مسعود : وتشرط شرطة للموت لا يرجعون الا غالبين ، هم أول طائفة من الجيش تشهد الواقعة ، وقيل بل صاحب الشرطة في حرب بعينها : قال ابن سيده : والصواب الأول : قال ابن بري : شاهد الشرطي لواحد الشرط) ([34]) .

ان لفظة الشرطة في العربية تقابل في الأنكليزية والفرنسية لفظة (Police) وهي مشتقة من لفظة (Politea) الأغريقية وتعني المدنية على اعتبار ان رفاهية المدينة وحضارتها مرتبطان بأمنها وطمأنينتها ، وكلمة الشرطة معربة من كلمة رومانية لاتينية معناها الحفظ والصيانة والطمأنينة وهي (Security) التي اشتقت منها كلمة (Securite) الفرنسية تعني الأمان والطمأنينة . أما الشرطة (أصطلاحاً) فلها مدلولات منها : يعني الأداة او المؤسسة التي توكل اليها مهام حفظ الأمن والنظام وتنفيذ القوانين واللوائح سواء من خلال الاجراءات والتدابير الكفيلة بمنع وقوع الجريمة او من خلال اجراءات الشرطة ذات السلطة بالضبط القضائي والمتمثلة في ضبط الجريمة عند وقوعها .. أما مدلول الشرطة في الفقه الإداري فيشير الى حق الدولة في فرض قيود على الأفراد تحد بها من حرياتهم بقصد حماية النظام العام . واصلاح النظام العام لدى الفقهاء القانون الإداري يعني: الأمن العام ، ويقصد به كل ما يطمئن به الفرد على نفسه وماله في المجتمع . والصحة العامة : وتعني كل مستلزمات صحة الجمهور والوقاية من الأمراض والسكينة العامة : ويقصد بها المحافظة على حالة الهدوء والسكون في الأماكن العامة([35]) .

واخذ جهاز الشرطة بالتطور ليكون احدى الأعمدة الاساسية في حياة المجتمعات الحالية، خاصةً بعد بناء هيكله التنظيمي القائم على أسس علمية ، وأزدياد أهمية الواجبات والخدمات التي تقدمها الشرطة والتي أدت الى تغير نظرة الناس الى هذا الجهاز من نظرة مليئة بالخوف والحقد الى نظرة قائمة على اساس التفهم والأحترام . والشرطة هو ذلك الكيان التنظيمي الذي يتفاعل افراده مع المجتمع ، والمحدد أدوارهم مسبقاً في تقديم مابذمتهم من واجبات وخدمات ومسؤوليات تجاه المجتمع .

ولتنظيم قوة الشرطة أهمية بالغة من حيث التوجيه والتنسيق والسيطرة على منتسبيها ضماناً لقيامهم بالواجبات الملقاة على عاتقهم ، والانسجام فيما بينهم ، لتحقيق أهداف الشرطة ، والسيطرة على جميع مفاصل الجهاز بغية تحقيق اعلى درجات التواصل بين الأدوار العمودية في الجهاز التنظيمي ، ولتوزيع القوة حسب السلطة او المركز ، خاصة اذا علمنا بمدى التوسع الحاصل في جهاز الشرطة وما يرتبط به من مديريات واقسام مختلفة وزيادة الاعتماد على الأساليب العلمية والتكنولوجية([36]) .

ويكون التفاعل والعلاقات داخل بناء جهاز الشرطة  قائم على أساس المراكز والأدوار الوظيفية ، والذي يحدد صورة الأهداف التي يبتغيها هذا الجهاز، وأن أهم الوظائف التي تقدمها الشرطة للمجتمع تتمثل في الجوانب الآتية : الوظيفة الأدارية للشرطة ، والوظيفة القضائية للشرطة ، والوظيفة الاجتماعية للشرطة([37]) .

ونجد من الضرورة ان نشير الى ان جهاز الشرطة وبعد اجراء العديد من التحسينات عليه سواءً من حيث جوانبه المادية او من حيث عناصره البشرية ، قد اخذ في علاقاته مع المجتمع صور مختلفة تقوم على اساس نظرة هذا الجهاز الى نفسه انه في خدمة الأفراد وليس العكس . والشرطة اصبحت على يقين بأستحالة اتمام واجباتها الوظيفية دون تعاون الجمهور والدور الهام الذي يلعبه في الوقاية من الجريمة والكشف عنها في حالة وقوعها([38]) .

وتوزيع العمل في مفاهيم الشرطة  يسمى اختصاص ، الأمر الذي يدعو الى ظهور الاختصاصات العديدة في جهاز الشرطة ذلك لتعدد الوظائف والواجبات التي تقدمها الشرطة للمجتمع والتي توجب ظهور اختصاصات كثيرة ، نلاحظه من تسميات خاصة بالشرطة كشرطة النجدة والمكافحة والتحري والمرور وغيرها، ماهي إلا اختصاصات تختص بها مجموعة من افراد الشرطة ، لتمكنها من اداء واجباتها بصورة صحيحة ومنظمة ودقيقة .

وسنحاول هنا اعطاء تعريفنا الإجرائي لمفهوم الشرطة وهو :

(ذلك الجهاز التنظيمي الذي يحتوي على عناصر مادية وبشرية، والذي يتفاعل عن طريق منتسبيه  مع المجتمع فضلاً عن تكوين علاقات اجتماعية متبادلة معه ، على نحو يؤثر فيه ويتأثر به) .

المجتمع :

ان الانسان ومنذ ظهوره على الأرض كان يحيا في جماعات بصرف النظر عن حجم تلك الجماعات ، ورأى انه يعيش في بيئة تشاركه فيها الحيوانات  ، ومر الانسان بمراحل تطورية كلها عبارة عن قدرته في التكيف مع البيئة ، وبحكم البيئة على الانسان ظهرت هناك عادات وتقاليد متباينة بين الجماعات وهذه العادات والتقاليد كانت البداية لتكوين مجتمع انساني، حيث كانت العلاقات الاجتماعية وعنصر المساهمة عنصران اساسيان في قيام هذا المجتمع([39]) .

والمجتمع هو ذلك الإطار العام الذي يحدد العلاقات التي تنشأ بين الأفراد الذين يعيشون داخل نطاقه على هيأة وحدات او جماعات ، ويلزم بعض المفكرين العلاقات بأن تكون مستقرة ومنظمة وقائمة بصفة مباشرة ، والمجتمع الحديث يمتاز بتعقد جماهيره وهيأته وتعدد النظم والاوضاع التي ينشئها ، حيث يتقارب بعضها ويتباعد البعض الآخر في نطاق الاطار العام للمجتمع ، أذ ان أساس بناء المجتمع هو العلاقات بين الأفراد القائمة على تفاعل أفرادها([40]) .

وبعد عملية تحليل البناء العام للمجتمع نجد أنه يتكون من مجموعة من العناصر الأساسية المتمثلة في البيئة الطبيعية وهي الإطار الايكولوجي والجغرافي للمجتمع ، والبيئة الاجتماعية وهي المناخ الاجتماعي الذي يعيش في ظله افراد المجتمع ، وكذلك السكان الذين هم مجموعة الأفراد الذين يشكلون الطاقة البشرية، فضلاً عن العلاقات الاجتماعية الناتجة عن تفاعل الأفراد في البيئة الطبيعية والاجتماعية ، وأخيراً النظم والمؤسسات الاجتماعية وهي مجموعة الأجهزة التي تقوم بالنشاط الاجتماعي وتحقيق الوظائف الاجتماعية ، وبمجموع هذه المكونات يتكامل البناء العام للمجتمع([41]) .

ونجد ان الأفراد داخل المجتمع يتفاعلون مع بعضهم البعض وفق الأدوار الاجتماعية التي يمثلونها في تعاملهم اليومي ، وإن الدور هو السلوك الناتج عن المكانة الاجتماعية للفرد ، الأمر الذي يعزز القول بأن الحياة الاجتماعية داخل المجتمع هي عبارة عن مكانات تمثلها الأدوار ، والأفراد هم الذين يؤدون الأدوار التي تعلموها خلال حياتهم في الجماعة او التي قد تطلب منهم ان يؤدوها . اذن المجتمع وفق هذا المنطق اصبح مسرحاً والناس هم الممثلون الذين يؤدون أدوارهم داخل هذا المسرح ، والأدوار يجب ان تكون متوازنة تأخذ بالحسبان مبدأ الحقوق والواجبات .

ويعرف (كوترل) الدور بأنه :(سلسلة استجابات شرطية لأحد اطراف الموقف الاجتماعي تمثل نمط التنبيه في سلسلة استجابات الآخرين الشرطية في هذا الموقف ، فالعملية في اصلها تبادل بين مثير واستجابة في الموقف الاجتماعي القائم على اساس المركز الأمر الذي دفع برالف لنتون ان يعطي تميزاً بين نوعين من المراكز مستمدة من الأدوار، وهي : مراكز نكتسبها بجهودنا ورغبتنا ومراكز معطاة يخلعها علينا المجتمع ، والذي يحتم علينا التوافق معه وعدم الخروج عنها ، وتخلق لنا هذه الأدوار نمط العلاقات التي تحكمها معايير ، ويتعرض الأفراد الى تغير أدوارهم وبالتالي مراكزهم فضلاً عن طريقة تفاعلهم مع بعضهم البعض)([42]).

ونجد هنا العديد من التعاريف التي أوردها العلماء محاولين تحليل المجتمع وتفسيره ، من ذلك تعريف (هربرت سبنسر) للمجتمع بأنه : (عبارة عن كائن عضوي او مركب عضوي يشبه الجسم الحي ، وعناصر المجتمع وهيأته تشبه نظائرها في الجسم الحي)([43]) ، وهو بهذا يحاول المماثلة بين المجتمع وجسم الكائن البايولوجي من حيث البناء الداخلي ، ويؤكد بأن المجتمع كالفرد من ناحية النشأة والتكوين .

ونظرية التركيب العضوي (تحاول ان تشبه المجتمع بالانسان على اعتبار ان الافراد داخل المجتمع هم بمثابة اعضاء داخل الجسم ، وهذه النظرة الى المجتمع تعود في الأصل الى افلاطون وأرسطو الذين ذهبا الى ان الدولة كيان متوازن ومتماسك الأجزاء ، والمجتمع حسب هذه النظرية هو كيان متماسك الأجزاء مؤلف من مجموعة افراد ، تقومة الروابط الاجتماعية بمقتضى ضرورات الحياة. أما المجتمع حسب نظرية التصير فهو كيان في تطور مستمر ، يجري على اساس التصير بتفاعل المتناقضات والتوافق بينها وفي حركة دائمة تتقدم به في مجرى متصاعد هو مجرى التاريخ البشري) ([44]) .

وبما ان الأفراد في حالة حركة ديناميكية مستمرة فأن المجتمع هو ايضاً سوف يطرأ عليه العديد من صور التبدل ، حتى الجوانب الاستاتيكية في المجتمع تكون قابلة للتغير و ذلك بحكم العوامل المؤثرة فيه ، الأمر الذي يحتم علينا ان ندرس المجتمع وفق المتغيرات التي قد تتعرض له .

ويعرف توماس إلبوت المجتمع بأنه : (جماعة من الناس يتعاون لقضاء عدد من مصالحهم الكبرى ، التي تشمل حفظ الذات ودوام النوع ، ويصور هذا التعريف المجتمع من الناحية البنائية الوظيفية ، القائم على اساس التفاعل بين العناصر المكونة للمجتمع وذلك بغية حفظ النوع والبقاء . ويرى ارنولد جرين ان المجتمع هو اكبر جماعة ينتمي اليها الفرد ، ويتكون من السكان والتنظيم والزمن والمكان والمصالح . أما ماكيفر وبيج فيعرفان المجتمع بأنه تعبير الكائنات الاجتماعية “الناس” عن طبيعتها بخلق ومعاودة خلق تنظيم ، يوجه ويهيمن على سلوكهم بطرق متعددة ، ويحدد هذا التنظيم “المجتمع” ويضع الحدود لأوجه نشاط الناس ، كما يضع المقاييس التي يسيرون ويحافظون عليها) ([45]) .

أما هوبهوس فيعرف المجتمع بأنه : (مجموعة من الأفراد تقطن على بقعة جغرافية محددة من الناحية السياسية ومعترف بها ولها مجموعة من العادات والتقاليد والقيم والأحكام الاجتماعية والأهداف المشتركة المتبادلة التي اساسها الدين واللغة والتأريخ والعنصر) ([46]) .

وهناك العديد من التعاريف التي قدمت في تفسير المجتمع ، والتي كانت تنظر اليه من زوايا مختلفة ، فمن العلماء من أهتم بالمقومات الأساسية للمجتمع ، ومنهم من نظر الى زاوية العلاقات الاجتماعية بين افراد المجتمع ، او الى زاوية الأهداف والمصالح المشتركة ، او الى زاوية الاتصال بين الأفراد وتفاعلهم مع منظماتهم .

وتعريفنا الإجرائي لمفهوم المجتمع هو :-

((الشرائح الاجتماعية التي تربطها علاقات اجتماعية ، مباشرة وغير مباشرة، قائمة على اساس التفاعل المشترك ، والتأثير المتبادل ، وتحكمها القيم والعادات الاجتماعية )) .

هوامش الفصل الاول

([1]) Whiteheal , A. Science and the Modern world . London , 1957 . P. 240 .

([2]) د.- إحسان محمد الحسن ، الأسس العلمية لمناهج البحث الاجتماعي ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ،  1977 ، ص 41 .

([3]) Whiteheal , A .  Ibid ,  P. 239 .

([4]) د. محمد علي محمد ، علم الاجتماع والمنهج العلمي ، ط 3 ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية  1986 ، ص 91 – 92 .

([5]) د. حسن شحاته سعفان ، العلاقات الاجتماعية والعامة ، دار النهضة العربية ، بيروت ، 1969 ، ص 17..

([6]) د. كمال دسوقي ، دينامية الجماعة في الاجتماع وعلم النفس ، ج1 ، المطبعة الفنية الحديثة ، القاهرة ، 1969 ، ص 329 .

([7])  Swanson , G. E. One Explantion of social interaction ,sociometry , 1965, 28 ,
 P. 101 .

([8]) د. فؤاد البهي السيد ، علم النفس الاجتماعي ، دار الفكر العربي ، القاهرة ،  1954 ، ص 189 .

([9]) د. سناء الخولي ، مدخل الى علم الاجتماع ، دار المعرفة الجامعية ، الأسكندرية ،1982 ، ص80.

([10]) د. مصطفى فهمي و د. محمد علي القطان ، علم النفس الاجتماعي ، مطبعة المجد ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ،  1977 ، ص 7 .

([11]) د. إحسان محمد الحسن ، المدخل الى علم الاجتماع الحديث، مطبعة الجامعة ، بغداد ،  1976، ص68.

([12]) د. عبد الرحمن محمد عيسوي ، دراسات في علم النفس الاجتماعي ، دار النهضة العربية للطباعة ، بيروت ،  1974 ، ص 341 .

([13]) د. طلعت حسن عبد الرحيم ، علم النفس الاجتماعي المعاصر ، ط 2 ، دار الثقافة للطباعة والنشر ، القاهرة ،  1981 ، ص 82 .

([14]) د. مصطفى الخشاب ، علم الاجتماع ومدارسه ، ك 2 ، دار القومية للطباعة ، القاهرة ،  1965 ، ص 201 – 214 .

([15]) د. محمد عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1979، ص 252 .

([16]) د. إحسان محمد الحسن ، دراسات تحليلية في المجتمع المعاصر ، ط1 ، مطبعة دار السلام ، بغداد ،  1972 ، ص 28 – 30 .

([17]) د. احمد كمال احمد ، محاضرات في علم الاجتماع ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ،  1977 ، ص 114.

([18]) ماكيفر ، المجتمع : ج1 ، ترجمة محمد العزاوي (وآخرون) ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،  1971، ص 58 .

([19]) أميل دور كهايم ، قواعد المنهج في علم الاجتماع ، ترجمة محمود قاسم ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،  1974 ، ص 89 .

([20]) د. محمد عاطف غيث ، قاموس علم الاجتماع ، مصدر سابق ، ص ، 437 .

([21]) محمد صالح بهجت ، عمليات خدمة الجماعة ، المكتب الجامعي الحديث ، الأسكندرية ، سنة 1985 ، ص128- 130 .

([22]) د. مصطفى الخشاب ، علم الاجتماع ومدارسه ، ك3 ، الدار القومية للطباعة ، القاهرة ، سنة 1966 ، ص 66 .

([23]) د. صباح احمد محمد النجار ، العلاقات السوسيومترية في الصناعة ، أطروحة دكتوراه (غير منشورة) ، جامعة بغداد ،  2002 ، ص 13 .

([24]) د. حسن شحاته سعفان ، أسس علم الاجتماع ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ،  1954 ، ص 251-260 .

([25]) د. صباح احمد محمد النجار ، مصدر سابق ، ص 14 .

([26]) المصدر نفسه ، ص 13 .

([27]) د. فاروق محمد العادلي ، علم الاجتماع العام ، دار التكامل لأنتاج المواد الثقافية ، القاهرة ،  1981، ص 159 .

([28]) د. محمد حربي حسن ، علم المنظمة ، دار الكتب للطباعة والنشر ، مطابع جامعة الموصل ، الموصل ،  1989 ، ص 129 .

([29]) د. محمد عبد المنعم نور ، أسس العلاقات الانسانية ، مكتبة القاهرة الحديثة ، القاهرة ، 1963 ، ص 7 –8 .

([30]) د. محمد فريد الصحن ، العلاقات العامة ، المكتب العربي الحديث ، الأسكندرية ،  1987 ، ص 13.

([31]) د. ابراهيم امام ، العلاقات العامة والمجتمع ، ط3 ، مكتبة الانجلو المصرية ،  1976 ، ص 17 .

([32]) زكي محمود هاشم ، العلاقات العامة ، مطبعة ذات السلاسل ، الكويت ،  1990 ، ص 13 .

([33]) د. صبحي الصالح ، النظم الأسلامية ، دار العلم للملايين ، بيروت ،  1976 ، ص 333 .

([34]) ابن المنظور ، لسان العرب ، دار لسان العرب ، بيروت ،  1955 ، ص 297 .

([35]) سناء نجم عبودي ، بعض المشاكل التي يعاني منها رجال الشرطة ، مركز البحوث والدراسات في مديرية الشرطة العامة ، بغداد ، 1998 ، ص 13 .

([36]) أو . دبليو. ويلسون ، اصول ادارة الشرطة ، ط 2 ، ترجمة : اسماعيل الراشد وفؤاد جميل ، مطبعة شفيق ، بغداد ،  1958 ، ص 24 .

([37]) أكرم عبد الرزاق جاسم المشهداني ، تأصيل العلوم الشرطية ، مركز البحوث والدراسات في مديرية الشرطة العامة ، مطبعة الشرطة ، بغداد ،  1998 ، ص 3 – 7 .

([38]) د. ابراهيم كاظم العظماوي ، دور الجمهور في مكافحة الجريمة ، مركز البحوث والدراسات في مديرية الشرطة العامة ، مطبعة الشرطة ، بغداد ،  1983 ، ص 10 .

([39]) د. عبد المنعم شوقي (وآخرون) ، المجتمع العربي ، ط2 ، مكتبة القاهرة الحديثة للطبع والنشر ، القاهرة،  1961 ، ص 21 .

([40]) د. مصطفى الخشاب ، علم الاجتماع ومدارسه ، ك2 ، مصدر سابق ، ص 116 .

([41]) د. مصطفى الخشاب ، دراسة المجتمع ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ،  1968 ، ص 30 .

([42]) د. كمال دسوقي، الاجتماع ودراسة المجتمع ، ط1 ، المطبعة الفنية الحديثة ، القاهرة ،  1971، ص 179 – 181 .

([43]) د. مصطفى الخشاب ، علم الاجتماع ومدارسه ، ك3 ، مصدر سابق ، ص 117 .

([44]) عبد الفتاح ابراهيم ، دراسات في الاجتماع ، مطبعة الرابطة ، بغداد ، 1950 ، ص 90 – 95 .

([45]) د. محمد عاطف غيث ، علم الاجتماع ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية ، 1970 ، ص 192 – 196 .

([46]) دينكن ميشيل ، معجم علم الاجتماع ، ترجمة د.إحسان محمد الحسن ، دار الرشيد للنشر ، بغداد ،  1980 ، ص 330 .

اضغط على الصورة