بقلم وليد عبد الحي

رغم أن اغلب اليهود يصوتون لصالح الحزب الديمقراطي،الا ان السياسات الأمريكية الأكثر انحيازا لإسرائيل هي التي يتبناها الحزب الجمهوري، وهو ما يشكل مفارقة تستحق التأمل، فمعدلات التاييد لإسرائيل بين الجمهوريين يتراوح بين 81%(جناح المحافظين منهم ) و 68%( جناح الليبراليين)، بينما في الحزب الديمقراطي تتراوح النسبة بين 33%( الجناح الليبرالي ) و 37( في الجناح المحافظ)، وهو ما يعني ان الربط بين ” الصوت اليهودي ونتائج الانتخابات يحتاج لاعادة نظر.
وتشكل ظاهرة المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية بيرني ساندرز مؤشرا – دون مبالغة في هذا الجانب- على الملاحظة السابقة، فهو ديمقراطي من ناحية ، ويهودي من ناحية ثانية( وهو المرشح اليهودي الثاني مع بلومبيرغ الذي انسحب مؤخرا من السباق) ، بل عاش في احد الكيبوتسات الصهيونية في اسرائيل عام 1964، لكنه يعبر عن موقف مخالف بشكل كبير للسياسة الاسرائيلية وللمواقف الامريكية تجاه اسرائيل على النحو التالي:
أ‌- وصف ساندرز رئيس الوزراء الاسرائيلي نيتنياهو بأنه ” عنصري ورجعي” بل واعتباره ضمن فئة السلطويين في العالم مع الرئيس الروسي بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
ب‌- وصف منظمة الآيباك ( اللوبي اليهودي ) بأنها ” جمعية للتعصب (bigotry) ولإنكار حقوق الفلسطينيين، وهو ما دفع السفير الاسرائيلي في الامم المتحدة داني دانون للرد عليه بالقول مشيرا لساندرز “” لا نريده في اسرائيل، وكل من يصف رئيس وزرائنا بالعنصري هو شخص اما كذاب او جاهل غبي او كلاهما “.
ت‌- هدد ساندرز بإجراءات محددة ضد اسرائيل (اعادة النظر في الدعم المالي ومبيعات السلاح لاسرائيل ووصف ذلك بأنه موقف قد يكون على الطاولة في التفاوض مع اسرائيل).
ث‌- يدعو لاحترام حقوق الفلسطينيين وتطبيق حل الدولتين وهو موقف ساعده في بعض الولايات الامريكية التي فيها نسب هامة من المسلمين امام منافسيه الديمقراطيين في الانتخابات الاولية.
ج‌- يدعو لاعادة النظر في العلاقة مع ايران وضرورة تطبيع العلاقات معها والعودة للاتفاق النووي.

لكن نقطة ضعف ساندرز تتمثل في المنافسه له في داخل الحزب الديمقراطي من ناحية ، كما ان المعسكر الجمهوري المتحالف مع الانجيليين وكبار رجال المال الأمريكي ومنظري اليمين المتطرف يشكلون من ناحية مقابلة عقبة كأداء امام ساندرز بخاصة تزايد التقارب بين الجمهوريين وجناح اليمين الاسرائيلي بخاصة الذي يقوده نيتنياهو( فنسبة التأييد بين الانجيليين لنيتنياهو أعلى منها له حتى في الآيباك)
من جانب آخر لا بد من التنبه لنقطة هامة أخرى وهي أن وزن المواقف في السياسة الخارجية للمرشحين للرئاسة لا تزيد عن 5% في قرار الناخب الأمريكي الذي يعطي الشأن الداخلي الوزن الأكبر وبفارق هائل عن الموضوعات الخارجية، وهنا تبدو هذه المسألة في جانب ما لصالح ساندرز ولكنها في جانب آخر ليست في صالحه، أما التي في صالحه فهو يدعو لرفع الضرائب على الطبقات الغنية( وهو الامر الذي اتهمه البعض بسببه بانه اشتراكي او حتى شيوعي) كما يطالب بتعميم التأمين الصحي وغيرها من الجوانب التي تهم الامريكي (بعقله البراغماتي) اكثر من شؤون السياسة الخارجية في الشرق الاوسط او غيره.
اما القول بانها في غير صالحه ، فهو بمواقفه هذه يؤلب النخب الامريكية الاقتصادية المسيطرة على الصناعة العسكرية والمدنية والاعلام والجماعات الدينية المسيحية المتطرفة الى جانب استعداء اليهود للاسباب التي اشرت لها.
وتشكل يهوديته سدا امام الدعاية اليهودية ضده، فلا تستطيع اسرائيل اتهامه بمعاداة السامية( على غرار ما تفعله الدعاية اليهودية ضد النائبة الديمقراطية رشيدة طليب مثلا)، كما ان وجود مات دوس (Matt Duss) الخبير المعروف في الشؤون السياسية الخارجية يساعده على طرح افكار متوازنة تحاكي شرائح عقلانية في المجتمع الامريكي لا سيما فكره القائم على الربط بين تنامي اليمين في امريكا والغرب بشكل خاص والعالم بشكل عام وبين الطبقة العليا العليا في المجتمع الدولي.
ما سبق يجب ان لا يفتح شهية القارئ ليتخيل ان ساندرز سيجلب للفلسطينيين الذئب من ذيله، فهو على سبيل المثال يقف وبقوة ضد حركة (BDS) التي تعمل على مقاطعة اسرائيل وتحقق نتائج ملموسة في هذا الاتجاه. لكنه من ناحية مقابلة يشكل ظاهرة من زاوية ” التحدي الواضح” لتقليد ساد كل الانتخابات الأمريكية السابقة وهو اللهث وراء الصوت اليهودي واسرائيل…فهل ساندرز تعبير عن ظاهرة كامنة يقدر لها الاتساع أم انها ظاهرة عابرة؟ امر يحتاج لمزيد من البحث لكنه جدير بالاهتمام.