هو الصحفي والمؤلف والمؤرخ السياسي وهو من مواليد القدس عام 1892، أما وفاته 1973م في رام الله. من مؤرخي القضية الفلسطينية البارزين، ومن المناضلين السياسيين الذين دافعوا عنها قولًا وعملًا. درس في مدارسها الابتدائية، وأتمّ دراسته الثانوية في إسطنبول عام 1910، ثمّ التحق بجامعة إسطنبول، وتخرّج فيها عام 1913، متحصلًا على شهادة الليسانس في الإدارة والسياسة والاقتصاد. انتسب إلى الكلية العسكرية، وانضم إلى الجيش العثماني ضابطًا في جبهة القوقاز. بعد إبادة كتيبته، نُفي إلى سيبيريا ثلاثة أعوام، إلّا أنه هرب من معتقله وعاد إلى القدس. لكنّ سلطات الانتداب اعتقلته، غير أنه تمكّن من الخروج، وانتقل من القدس إلى دمشق. كان من ممثّلي فلسطين في المؤتمر السوري العام خلال عام 1920، وعُيّن قائمقامًا في عدة مدن فلسطينية. له العديد من المؤلَّفات التي توثّق تاريخ فلسطين وأهلها.

   سبق أن صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب (يوميات عارف العارف: في إمارة شرق الأردن، 1926–1929)، وهذه اليوميات هي سجلُّ يوميات عارف العارف حين كان سكرتيرًا عامًّا لحكومة شرق الأردن، مُعارًا من حكومة فلسطين الانتدابية في الفترة (1926-1929).

   عمِل على إنجاز هذه اليوميات كلٌّ من المؤرخ علي محافظة، أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية، ومهند مبيضين، أستاذ التاريخ الحديث في الجامعة الأردنية ومدير عام مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي.

    تُعدّ هذه اليوميات من أوائل اليوميات السياسية التي كُتبت عن تلك الفترة، وفيها يصف العارف آلية اتخاذ القرارات في ظلّ الانتداب البريطاني على شرق الأردن، والكيفية التي كانت تُدار من خلالها البلاد بين الأمير عبد الله الأول والمسؤولين الإنجليز.

    تقع هذه اليوميات (276 صفحة بالقطع الوسط، موثقة ومفهرسة) في أربعة فصول؛ إذ نجد في الفصل الأول يوميات عام 1926، وفي الفصل الثاني يوميات عام 1927، وفي الفصل الثالث يوميات عام 1928، أمّا الفصل الرابع فهو يشتمل على يوميات عام 1929. وقد شهدت فترة هذه اليوميات نشأة الحركة الوطنية الأردنية، وتأسيس الأحزاب السياسية الأولى، وتوقيع المعاهدة (الأردنية – البريطانية) في شباط/ فبراير 1928، وعقد المؤتمر الوطني الأردني الأول، والحَراك السياسي والشعبي في إثرها.

إدارة البلاد والنفوذ البريطاني

    بحسب التقديم الذي كتبه مبيضين، تصف يوميات عارف العارف الكيفية التي كانت تُتّخذ من خلالها القرارات، ودور المعتمد البريطاني وقائد الجيش العربي البريطاني والمستشارين البريطانيين في القضاء والمالية، في إدارة البلاد واتخاذ القرارات السياسية والإدارية. كما تبيّن دور أمير البلاد، عبد الله بن الحسين، مؤسّس الدولة الأردنية، في إدارة البلاد، وموقفه من البريطانيين وموقفهم منه أيضًا. وتصف، بصفة صريحة، دور المجلس التنفيذي في إدارة شؤون البلاد، وتهتمّ ببذور الحركة الوطنية الأردنية الأولى، وشخصيات عديدة تناولها العارف برعاية وعناية، كما تهتمّ بدور شيوخ القبائل والعشائر في مناهضة البريطانيين والسعي إلى إقناع الأمير ورئيس المجلس التنفيذي بتلبية مطالبهم المتعلقة بوضع دستور عصري للبلاد، وانتخاب مجلس نيابي يمثّل البلاد تمثيلًا سليمًا، ويراقب الحكومة في كل تصرفاتها.

     يوضح العارف في هذه اليوميات دوره في إدارة الدولة، وعلاقته الشخصية بالأمير عبد الله ورئيس المجلس التنفيذي، فضلًا عن علاقته بكبار المسؤولين البريطانيين في شرق الأردن. كما يعرض، بشيء من التفصيل، علاقته بالمثقفين وشيوخ العشائر الأردنية. ولا يتردد في بيان تعاطفه مع الشعب الأردني خلال أعوام خدمته في شرق الأردن.

      نجد في اليوميات أيضًا مواقف للأمير عبد الله بن الحسين عرضها على ضيوفه، وأقوالًا أدلى بها إلى خاصّته والمقرّبين منه. وتُعبّر هذه المواقف والأقوال عن ألمه تجاه ما جرى في الحجاز عامَي (1924- 1925)، وتجاه القضاء على حُكم أسرته الطويل في مكة المكرّمة والحجاز، وإخراجها من موطنها، ومصادرة أملاكها، وتُعبّر كذلك عن مشاعر إنسانية طبيعية مفهومة، وإنْ كانت خارجة عن أصول العلاقات الأخوية العربية واللياقة الدبلوماسية التقليدية.

التزام توثيقي

    بحسب مبيضين في المقدمة، اشتملت اليوميات في نسختها الأصلية على بعض الهوامش الشارحة والموضّحة التي وضعها العارف؛ إمّا تعريفًا ببعض الأعلام أو الأماكن والمصطلحات، وإمّا تعليقًا على بعض الأمور في المتن، وهي التي تُركت كما وضعها مؤلِّف اليوميات من دون تمييزٍ أو تعديلٍ، على أنه تمّت إضافة ملاحظات إيضاحية في الهوامش؛ سواء كانت تعريفًا بأعلام أو أماكن، أو تحقيقًا وتوسّعًا في ما ذُكر مِن المتن.

     لقد دوّن العارف يومياته بالتزام توثيقي طريف، في وقته وزمانه، مؤكّدًا على تثبيت مشاهداته وسرد مجريات الأحداث بدقة، ما يجعله مصدرًا معاصرًا للأعوام التي وثّق أخبارها، وهو في ذلك غير بعيد عن وصفه مؤرخًا له العديد من الدراسات والكتب. وهو صاحب رأي في ما يكتب، وما يرى ويسمع، كما لم تمنعه وظيفته السياسية من توجيه النقد للسلطة الحاكمة وللأمير عبد الله وسلطة الانتداب.

   تُميط يوميات العارف اللثام عن كثير من القضايا الداخلية، وتفصّل الحديث عن شكل الإدارة التي نشأت في الأردن بعد عام 1921؛ إذ يقدّم العارف توثيقًا دقيقًا لأوجه النشاط السياسي والاقتصادي وتفاصيل الحكم. ويمكن القول إن يومياته تشكّل رافدًا للباحثين في تاريخ الأردن في حقبة التأسيس، وإنه وقف فيها على كثير من التفاصيل. بيد أنه تناول بعض المسائل على نحو مكثّفٍ مقارنةً بتناوله بعضها الآخر. وهكذا، تشكّلت محاور اليوميات حول وصف سياسة الانتداب، والتنديد بها، ونقدها، مع عرضٍ للأحوال الاقتصادية، وحديثٍ عن البلاط الأميري، وحاشية الأمير، والنخب السياسية في الإدارة الأردنية. ولم يتخلّص العارف من نزعته القومية الرافضة للانتداب والفساد، وكان يرغب في تأسيس كيان وطنيّ مثّل، بالنسبة إليه، لبنةً أولى في سبيل تحقيق النهضة العربية.

الأردن والجوار

    يتطرّق العارف إلى الأخبار في جبل الدروز، وبخاصة الثورة التي كانت مشتعلة فيه. كما يتطرق إلى الوضع على الحدود في العقبة ومعان، حيث يحتشد الوهابيون، ذاكرًا إرسال الإنجليز من فلسطين جنودًا بريطانيين وآخرين أردنيين، رابَط قسمٌ منهم على الحدود، في الشمال، في الرمثا، على مقربة من جبل الدروز، في حين رابط قسمٌ آخر منهم على الحدود من جهة الجنوب في العقبة.

    فضلًا عن ذلك، يُقدّم العارف صورة عن بعض المدن والنواحي، مثل مدينة معان، واصفًا بيئتها ومبانيها وخططها؛ إذ يقول إنها “واقعة على حافة الصحراء لا هي حضرية، ولا هي بدوية، ولكنها أقرب إلى البداوة من الحضارة”، كما يرسم صورة دقيقة عنها، فيراها مدينة ذات أزقة ضيّقة، ومنازل طينية ليس لها نوافذ، ويصفها بأنها محاطة بأسوار طينية، اتقاءً لشر الغزاة، مضيفًا إلى ذلك أنّ شوارعها ترابية.

عارف العارف (رأس النقب)

   حاول المؤرخون العرب منذ القرن التاسع عشر نشر الوعي القومي من خلال إحياء الماضي وتمجيد أبطاله وانجازاته. ويرى الباحث الفلسطيني الدكتور عدنان أبو غزالة أن “اهتمام الكتاب الفلسطينيين العرب بالتاريخ وبشكل خاص بالتاريخ المحلي والقومي قد نما في العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى”.

    لم ينحصر اهتمام (العارف) كمؤرخ محلي بتاريخ المدن. في كتاب «تاريخ بئر السبع وقبائلها» وصف تاريخ القبائل العربية التي أقامت في جنوب فلسطين … وكما هو الحال في كتابه «تاريخ القدس» فإن رغبة (العارف) بدحض المزاعم اليهودية حول صلاتهم التاريخية بفلسطين تلمس أيضاً في تناوله للقبائل. فأكد أن لفلسطين من النسب العربي الصافي أكثر من اي بلد مجاور.

    يقول الأديب الفلسطيني خليل الصمادي: يعد الأستاذ عارف العارف من أشهر مؤرخي فلسطين إذ خلف عددًا من الكتب القيمة التي تناولت فلسطين تاريخيًا وجغرافيًا واجتماعيًا ونكبة، ويبدو أن المرحوم كرس جهده كله في خدمة فلسطين فجل الكتب التي كتبها عن الفردوس المفقود، وما من مؤرخ فلسطيني في هذا القرن أو في القرن السابق إلا ولعارف العارف فضل عليه، وأهم من هذه المؤلفات العديدة ترك مواقف وطنية يفخر بها كل قارئ في سيرة الرجل فيعد بحق مجاهد اللسان والقلم.

    الخلاصة إن (عارف العارف) كان مدفوعاً في كتاباته بالرغبة لدحض المزاعم اليهودية وليغذي الشعور الوطني في نفوس قرائه، ولم يأل جهداً في تعظيم الدور الذي لعبه العرب في تاريخ المدن والجماعات الفلسطينية.

   لقد لفت انتباه الجميع مقالاته التي كانت رائدة في ذلك الوقت وما كتبه بموضوعية وشفافية في المجلة الزراعية العربية في 1تموز 1947يوم الثلاثاء فكتب بها وانقل لكم المقال كما كتبه. يقع نظرنا في الصحف العربيّة على كلمة “نقب”، فنمرّ عنها مرّ الكرام دون أن نسأل عن معناها، ويكتفي البعض منّا بالقول إنّها تعني منطقة بئر السبع. إنّها في الحقيقة كلمة قديمة معناها الجنوب، غير أنّها كما أعتقد لا تشمل سوى الشطر الجنوبيّ الشرقيّ من قضاء بئر السبع.

    أمّا البدو، فإنّهم يسمّون الطرق الوعرة والمسالك الضيّقة الّتي يجتازها المرء إذا ما أراد أن يقطع الجبال القائمة بين فلسطين وشرق الأردنّ بالنقاب، أو النقابة، ومفردها نقب. وفي استطاعة مَنْ يحتلّ أيّ نقب من هذه النقاب أن يصدّ العدوّ الّذي تحدّثه نفسه بالمجيء إليه، مهما كان عدده. وهناك إلى الشرق من منطقة بئر السبع، وفي القسم الجنوبيّ من فلسطين، ثلاثون نقبًا. ويقع بين منطقة النقب هذه وشرقيّ الأردنّ، وادٍ عميق يسمّيه البدو وادي العربة، ويسمّونه أیضًا وادي النار، أو مجمع القيمان. إذ ما من غزوة أو حرب نشبت فيما مضى بين قبائل شرق الأردنّ وفلسطين، أو بين هذه وعربان سيناء، إلّا وكان لهذا الوادي نصيب من ضحاياها. ويبلغ طوله مئتا کیلومتر، ويمتدّ من البحر الميت في الشمال إلى خليج العقبة في الجنوب، أمّا عرضه فيتراوح بين أربعة كيلومترات واثني عشر كيلومترًا.

    ممّا هو جدير بالذكر، أنّه البقعة الوحيدة الّتي لم تحتلّها دولة ذات سلطان في هذه البلاد منذ أفل من سمائها نجم الأنباط في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد. وممّا يبعث على هذا الظنّ، أنّ الرومان أنفسهم، بعد أن قهروا الأنباط واستولوا على هذه البلاد، تحصّنوا في الجبال والمرتفعات المطلّة على وادي العربة، ولم يجوسوا خلال الوادي نفسه إلّا في فترات متقطّعة. أمّا الأتراك، فإنّي على يقين تامّ من أنّ أقدامهم لم تطأه خلال وجودهم في فلسطين.

 هذا هو عارف العارف الذي زود المكتبة العربية والاجنبية من تاريخ لا ينسى.. فنحن اليوم بحاجة للكتابة هذه المادة بموضوعية لتاريخ حاضر ومستقبل.

    في الأخير يبقى أنه هناك كُتب عن: عارف العارف، (النكبة والفردوس المفقود)، تناولت هذه الدراسة التأريخية سيرة المؤرخ الفلسطيني عارف العارف منذ بدايات القرن الماضي، وفي هذا التأريخ يقدم الكاتب مرايا لوقائع وتحولات في منطقتنا من خلال سيرة العارف وكتاباته التي ابتدأها بتأليف كتاب “رؤياي” الذي دعا فيه إلى قيام اتحاد جمهوريات عربية. وتأخذنا الدراسة إلى تواريخ متعددة منذ ذهاب العارف إلى إسطانبول، ثم سجنه في سيبيريا وهربه منه ليعود إلى فلسطين في سنة 1919، مروراً بالانتداب البريطاني في فلسطين، وانتهاء بالموضوع الأهم وهو النكبة التي أرّخ العارف لها. وهذا التأريخ للوقائع يدقق أيضاً في سيرة العارف وكتاباته ومواقفه، فضلاً عن أن الدراسة تؤرخ للنكبة عبر سيرة العارف، وتؤرخ له بمرآة الوقائع وكتابات أُخرى. وفي تأريخ الدراسة لمراحل النكبة بين أواخر سنة 1947 وبداية سنة 1949، عبر سيرة العارف وكتاباته ومصادر أُخرى، فإن الدراسة تقرّبنا من أحداث النكبة التفصيلية، فتقدم رواية تجمع بين تأريخ للنكبة وللعارف في آن واحد.