محمد عبدالرحمن عريف

     هو عبد الفتاح أبو الفضل أبو الفضل ولد في 28 أبريل 1921 بحلوان الحمامات في ضواحي القاهرة بمصر، تخرج في الكلية الحربية سنة 1943، ثم درس القانون بعد تخرجه من الكلية العسكرية، شارك خلال الحرب العالمية الثانية في الدفاع عن بلده وكذلك اشترك في حرب 1948 بفلسطين.

    في الأربعينات أسهم عبد الفتاح في العمليات وكذلك التنظيمات السرية للضباط الوطنيين، كان ينتمي إلى مجموعة الصف الثاني من “الضباط الأحرار” الذين قاموا بالمشاركة بتحقيق ثورة 1952، انتقل للعمل في جهاز المخابرات المصرية منذ بداية الثورة وكان ذلك في يوليو عام 1952، وترقى في مناصبه في الجهاز إلى أن أصبح في سنة 1966 نائبًا لرئيس جهاز المخابرات العامة آنذاك صلاح نصر، انتدب بعدها للعمل في رئاسة الجمهورية عام 1968.

     كلف عبد الفتاح أبو الفضل بإدارة الصراع السري ضد حلف بغداد والحلف المركزي كما كلف أثناء عمله في المخابرات بإدارة العمليات السرية ضد إسرائيل منذ منتصف عام 1957، عمل أبو الفضل بعد ذلك أمينًا عامًا لأمانة الصحافة والنشر ومشرفًا على شئون الأعضاء بالاتحاد الاشتراكي وكان يحظى على ثقة كبيرة من عبد الناصر كما أوكل إليه مهمة قائد المقاومة والمنفذ للعمليات السرية والعسكرية ضد قوات الاحتلال البريطاني.

     إلى الآن وكلمة المخابرات إذا قيلت في أي وسط كان سواء في مصر أو في أي قطر عربي تثير الرعب حتى أن المثقفين يتزعمون –أحيانًا- حملات لتشويه هذا الجهاز على الرغم من أن المنطق يقتضي ضرورة وجوده في أي دولة صغيرة كانت أو كبيرة لتحقيق أمن الدولة، الداخلي والخارجي.

     مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز أميركا كقوة مهيمنة ورثت النفوذ البريطاني بالشرق الأوسط. دعمت أميركا انقلاب الضباط الأحرار على النظام الملكي في 23 يوليو 1952. ووصل حجم نفوذها على مجلس قيادة الثورة أن رفض السفير الأميركي بالقاهرة كافري تعيين السنهوري باشا رئيسًا للوزراء فأجيب طلبه. وقد استخدم الضباط الأحرار ضابط مخابرات سلاح الجو علي صبري كقناة اتصال مع السفارة الأمريكية لسابقة تلقيه دورة استخبارات بأميركا، وتمتعه بعلاقات وطيدة مع بعض المسؤولين الأمريكيين.

حل جهاز المخصوص.. وزيادة صلاحيات المخابرات الحربية

     رأى النظام العسكري خلال أول عامين من الحكم أن أبرز التهديدات التي  تواجهه تتمثل في أنصار النظام الملكي، والشيوعيين، وضباط الجيش الذين يطالبون بالديموقراطية والعودة للثكنات، وجماعة الإخوان المسلمين. وهو ما ساهم في بلورة تنظيمات وأساليب عمل أجهزة الاستخبارات التي أسسها. ومنذ الإطاحة بالملك فاروق حرص مجلس قيادة الحركة على تفكيك بنية النظام الملكي وأجهزته الأمنية، فألغي القسم المخصوص، واعتقل مديره محمد إبراهيم إمام، وأقال كافة عناصره.

     نعم كان الضعف النسبي لأجهزة الأمن في العهد الملكي من الأمور التي سهلت الانقلاب عليه، حيث تشكلت المخابرات الحربية آنذاك من 15 ضابطًا فقط، بينما تشكل جهاز الأمن السياسي من 24 ضابطًا. وهذا الوضع أزعج جمال عبد الناصر الذي خشي أن يحدث ضده انقلاب مضاد، فعهد إلى زكريا محيي الدين بمسئولية المخابرات الحربية التي أشرفت على مسئوليات الأمن السياسي داخليًا وخارجيًا. مع ملاحظة أن بعض عناصر المخابرات الحربية القدامى واظبوا بشكل رسمي على ارسال النشرة اليومية الخاصة بالجيش المصري من حيث عدد الأفراد والتسليح والمعدات إلى الملحق العسكري البريطاني.

    هنا سعى النظام لإعداد كوادر جديدة مضمونة الولاء، فحاول ايفاد مجموعة من ضباط المخابرات الحربية للتدرب بالاتحاد السوفيتي، ولكنه جوبه برفض موسكو التي كانت تنظر بعين الريبة لعلاقة نظام يوليو بواشنطن، ومن ثم لجأ النظام إلى الاستعانة بخبرات ضباط الاستخبارات النازيين، حيث أرسلت القاهرة طلبًا إلى رئيس الاستخبارات بألمانيا الغربية رينهارد جيهلين للمساعدة في تدريب عناصر من المخابرات الحربية بواسطة الضباط الألمان، فأوفد جيلهين في عام 1953 مجموعة من الضباط النازيين السابقين شملت أوتو سكورزيني، وفرانز بيونستش، وجواشوم ديوملينج، وأليوس بيرنر، وليوبولد جليم، وأوسكار ديرليوانجر.

    لم ينف ضابط المخابرات المصري عبدالفتاح أبو الفضل في مذكراته الاستعانة بضباط نازيين لكنه قال أن دورهم اقتصر على تدوين مذكراتهم وخبراتهم للاستفادة بها في وضع المبادئ العامة لتنظيم أسلوب عمل المخابرات المصرية.

    كذلك تم الاستعانة بخبرات مدربين من السي أي إيه، فقد  وفد إلى القاهرة في عام 1953 طاقم من السي أي إيه لتدريب أربعة من ضباط المخابرات المصريين في دورة استغرقت 8 شهور. وعقب انتهاء الدورة عُهد لاثنين من المتدربين المصريين بإعادة تنظيم مدرسة المخابرات المصرية التي عُرفت لاحقًا باسم معهد العلوم الاستراتيجية، والذي شمل نشاطه أيضًا تدريب ضباط الجيش والمباحث العامة (أمن الدولة)، واالدبلوماسيين.

     تم ترجمة المراجع والكتب الأجنبية التي تتناول حرفة الاستخبارات وتوزيعها على عناصر المخابرات للاستفادة منها. تأسيس المباحث العامة عام 1952 عقب انقلاب يوليو 1952 عهد عبدالناصر إلى الضابط صلاح الدسوقي للعمل كمندوب للجيش في وزارة الداخلية، وقال له لي مطلبان.. أولهما: لا أريد سماع أي معلومة تتعلق بالأمن من أحد بعد أن تصبح متداولة، أما الثاني: لا أحب أن يحدث لي مثلما حدث للنقراشي باشا، قاصدًا بذلك حادث اغتيال النقراشي داخل مبنى وزارة الداخلية.

    مع إندلاع أحداث شغب قُتل فيها 9 أشخاص في مصنع كفر الدوار للنسيج على خلفية قرار إدارة المصنع في 12 أغسطس 1952 نقل عدد من العمال إلى فرع كوم حمادة، خشى النظام الحاكم أن تكون الأحداث بوادر حراك شيوعي مضاد، فسارع لتقديم الموقوفين إلى محاكمة عسكرية قضت بإعدام اثنين من العمال، كما بادر إلى تأسيس جهاز للأمن الداخلي يتبع وزارة الداخلية، فتشكل في 22 أغسطس 1952 جهاز المباحث العامة (أمن الدولة) وفق التسمية المستخدمة في فرنسا للإدارة المماثلة.

     تكون الجهاز الجديد من 122 ضابطًا من بينهم 6 من ضباط المخصوص بينما اُنتدب الباقون من إدارات مختلفة بوزارة الداخلية. عمل الجهاز الجديد انطلاقًا من المقرات المخصصة للقسم المخصوص في العهد الملكي.

    في سبتمبر من عام 1953 أطاح عبد الناصر برئيس المباحث العامة أحمد النحاس، ونقل بعض ضباطها لجهات شرطية أخرى، وأعاد تعيين ضباط من المخصوص بدلًا منهم، وبذلك وُصل الانقطاع التاريخي الذي حدث بين المخصوص والمباحث العامة دون أن تمثل عودة ضباط المخصوص بعد إبعادهم لمدة عام تهديدًا لولاء الجهاز الجديد لقيادة الثورة.

     تشعبت أقسام المباحث العامة بما يلبي حاجة النظام العسكري لإحكام قبضته على البلاد، فتكونت من: مكتب شئون الأجانب. مكتب مكافحة الصهيونية. مكتب شئون الطلبة. مكتب شئون الصحافة: للتحري عن الصحفيين، وتنفيذ تعليمات الرقابة العسكرية. مكتب مراقبة المطابع: لملاحظة نشاط دور الطباعة، ومراقبة عمال هذه الدور للتعرف على ميولهم السياسية. مكتب شئون العمال: لملاحظة النشاط اليساري بين العمال، ونشاط النقابات العمالية، ومراقبة اجتماعاتها. مكتب المراقبة والتحريات: لمراقبة الخطرين على أمن الدولة وأنصار العهد السابق. مكتب شئون الأحزاب: لمراقبة نشاط الأحزاب المنحلة. مكتب مكافحة الشيوعية. الأرشيف والأعمال الكتابية.

     لقد اعترف عبدالفتاح أبوالفضل بأنه إثر الحصول على وثائق من أرشيف مكتب مخابرات الجيش البريطاني بمنطقة القناة في عام 1954 تبين وجود عدد كبير من الجواسيس التابعين للإنجليز يعملون بالمباحث العامة، ورئاسة الجيش.

تأسيس المخابرات العامة في مارس عام 1954

    مع بروز تحديات خارجية وداخلية تمثلها إسرائيل وشبكاتها العاملة داخل مصر، فضلًا عن انخراط النظام الناصري في عمليات سرية بالدول العربية لتغيير الأنظمة أو دعم قوى قومية مناهضة للاستعمار. تأسس جهاز المخابرات العامة في عام 1954 ليختص بوضع السياسة العامة للأمن، وجمع الأخبار وتحليلها، ومكافحة التجسس، فضلًا عن الإشراف على تنفيذ الأعمال السرية بالخارج، في حين ظلت المخابرات الحربية تابعة للجيش، وتشرف على جمع المعلومات عن الجيوش المعادية من حيث الأعداد، والتشكيلات العسكرية، والتسليح، وبيانات القادة، فضلًا عن الرقابة على أفراد الجيش المصري، ورصد أي توجهات معارضة بين صفوفه. وقد اُعتمد في تشكيل هيكل المخابرات العامة على الأمور التالية: الاستفادة من الخبرات التي قدمها الضباط الألمان في عام 1953.

     بخصوص تنظيم عمل المخابرات، ومن الدورة التي قدمها طاقم من وكالة المخابرات المركزية لأربعة من ضباط المخابرات في عام 1953. ومن ثم تأسست المخابرات العامة بشكل يقارب هيكل السي إي إيه. تم إرسال سبعة ضباط من المباحث العامة إلى مدرسة المخابرات المركزية الأمريكية للحصول على دورة تدريبية مدتها ستة أسابيع في فنون مكافحة الجاسوسية، والمراقبة، وتأمين المنشآت والشخصيات الهامة، وأساليب التحقيق والاستجواب، وطرق جمع الأدلة. وتكونت تلك المجموعة من (عبد الفتاح رياض، أحمد الوتيدي، يسري الجزار، كوثر عبد القادر، محيي خفاجة، أنور نصار، محيي سالم).

     عند عودتهم إلى مصر في منتصف عام 1954 رفقة كتب ومراجع وأجهزة فنية شكلت نواة القاعدة العلمية لجهاز المخابرات، تم توزيعهم على جهازي المخابرات العامة والمباحث العامة. انتقاء بعض ضباط المباحث العامة وصف الضباط، والمخبرين من ذوي الكفاءة –وخاصة من سبق لهم العمل في متابعة الأنشطة السياسية للإخوان، والشيوعيين-  وإلحاقهم بالمخابرات العامة مع احتفاظ المخابرات العامة بنسخة طبق الأصل من أرشيف المباحث العامة الذي يرجع إلى عشرات السنين، ويحوي كل كبيرة وصغيرة عن الحياة السياسية في مصر.

إنشاء برج القاهرة

     بأموال مخصصة من منحة أميركية بلغت 3 مليون دولار، ليحتوي منظومة متطورة للتنصت. وقد أقر عبدالفتاح أبوالفضل بأن حسن التهامي المشرف على مشروع التصنت أبعد من المخابرات في عام 1956 بعد اكتشاف تسجيله مكالمات عبدالناصر ذاته. كما استفادت المخابرات في تشكيل قدرتها على إعداد تقدير استخباري يومي يقدم لعبدالناصر من مساعدة رئيس قسم التقديرات الوطنية بالسي آي إيه تشارلز كريمانس.

    لقد تشكل جهاز المخابرات العامة حين تأسيسه من 4 أقسام تتولى متابعة شؤون الأجانب، والصهيونية، والشيوعية، والشؤون الداخلية. وبحلول عام 1956 دخل جهاز المخابرات العامة طورًا جديدًا بتولي صلاح نصر منصب نائب رئيس الجهاز قبل أن يتولى لاحقا رئاسة الجهاز في عام 1957.

    هنا نجد محمد عبدالفتاح أبو الفضل في الطبعة الجديدة من كتابه «كنت نائبًا لرئيس المخابرات» والصادر بطبعة جديدة عن دار الشروق بالقاهرة يحاول أن يوضح تجربة مصر في حقل المخابرات وأعمالها في هذا المجال في المنطقة العربية بعد أن كان مقصورًا على الدول العظمى الغربية فقط. حضر أبو الفضل مشددًا على أهمية وخطورة هذا الجهاز بغض النظر عما شابه في بعض الأوقات من سلبيات.

    بدأ المؤلف العمل السياسي في مرحلة مبكرة من حياته عندما اشترك مع طلبة المدرسة الخديوية الثانوية وطلبة المدارس الأخرى والجامعات وجموع غفيرة من الشعب في المظاهرات التي طالبت باعادة دستور 1923 وبعد التحاقه بالكلية الحربية وتخرجه فيها عام 1942 عين ملازمًا ثانيًا بالكتيبة الرابعة مشاة بالقنال وذلك بعد أحداث 4 فبراير 1942. وتتوالى الأحداث السياسية الساخنة بمصر في تلك الفترة.

   بدأ المؤلف عمله في جهاز المخابرات بعد ثلاثة أيام فقط من نجاح الثورة تحديدا في 26 يوليو 1952 حيث عمل في فرع الأمن الداخلي -قسم مكافحة الشيوعية- ولعل اختيار عبدالفتاح أبوالفضل للعمل في جهاز المخابرات يرجع الى علاقته السابقة بالتنظيمات الوطنية في الجيش قبل قيام حركة يوليو وهو ما يشير اليه ضمن معلومات أخرى هامة عن الجيش المصري في فترة ما قبل 23 يوليو إذ شكل المؤلف مع آخرين – من بينهم عبدالرحمن فهمي، رشاد مهنا، ابراهيم بغدادي، حسن التهامي، تنظيمًا سريًا كرد فعل لممارسات الانجليز وفساد القصر وتعاون الملك مع السفارة البريطانية.

   حسب ما يورده المؤلف في مذكراته فالمخابرات المصرية كان لها الدور الرئيسي في الضغط على القوات الانجليزية وارغام البريطانيين على الدخول في مفاوضات الجلاء حيث بدأ عمل المخابرات ضد الانجليز بتجنيد الفدائيين الذين عملوا بعد معاهدة 1936 في المنطقة والاستفادة من خبرات وعناصر الاخوان المسلمين كما تم الاتصال بعناصر من الفسطينيين والأجانب العاملين داخل معسكرات الانجليز والأهم تنظيم عدد من اللصوص الذين يقومون بسرقة مخازن الانجليز والدور الذي لعبه صبري السروجي زعيم العصابة التي تخصصت في نهب معسكرات الانجليز.

    عملت المخابرات في منطقة القنال وتضمن أيضًا اعتقال جواسيس جيش الاحتلال الانجليزي وتقديمهم للمحاكمة مثل «كينج صبري» الذي حكم عليه بالاعدام و«مكسيموس» الذي كان يعمل بادارة بحوث التطورات الحربية وقام بتسريب عدد من المستندات والوثائق المصورة لجيش الاحتلال وصدر عليه حكم الاعدام واستمرت عمليات المخابرات من اقتحام المعسكرات والاستيلاء على عتاد ومهمات الانجليز وخطف وقتل الجنود والحصار النفسي واقتحام نادي الضباط الانجليز، ومهاجمة مكتب المخابرات البريطاني في السويس والاستيلاء على محطة توليد كهرباء متنقلة والاستيلاء على قطارات كاملة وتجنيد المندوبين وعملية خطف العسكري البريطاني ريجدن حتى تم توقيع معاهدة الجلاء عام 1954.

حرب 1956 في مذكرات أبو الفضل

    بينما كانت القوات البريطانية والفرنسية تواصل أعمالها الوحشية في مدينة بورسعيد، في يوم 6 نوفمبر 1956 وهو اليوم التاسع من أيام العدوان الثلاثي على مصر الذي بدأت غاراته يوم 29 أكتوبر 1956، غير أن المقاومة البطولية لهذا العدوان كانت تكتب أعمالها بحروف من نور أثناء هذه الملحمة الوطنية التي عاشتها مصر، وكان يوم 6 نوفمبر من هذه الأيام..

    يذكر عبد الفتاح أبو الفضل فىيكتابه «كنت نائبًا لرئيس المخابرات»: «انتشر جنود العدو في أنحاء مدينة بورسعيد وكانت تقابلهم جموع الشعبية المسلحة إلى أن وصلوا داخل الشوارع، فكانت المعارك العنيفة مع الشعب الرابض في كمائن فوق الأسطح وفوق أشجار الحدائق وخلف البواكي ومن داخل المنازل، وكانت معركة رهيبة ولكن غير متكافئة، حيث تمكن العدو من هدم كثير من المنازل بواسطة مدافع الدبابات وكانت هناك بطولات كثيرة».

    كان عبد الفتاح أبو الفضل هو قائد المقاومة السرية في مدن القناة، وتشكلت بقرار جمال عبد الناصر.. يتذكر إحدى بطولات يوم 6 نوفمبر، ومنها «عملية الأشجار» التي قام فيها بعض الفدائيين بالانتشار فوق أشجار حديقة البلدية «حديقة الباشا» وانتظروا مرور إحدى دبابات العدو وخلفها عدد من الجنود المترجلين، وفجأة فتحوا عليهم النيران من فوق الأشجار فقضوا على جميع المترجلين من العدو، وقبل أن توجه مدافع الدبابات إليهم النيران تمكنوا من النزول والهروب.

     يضيف «أبو الفضل»: «عند تقاطع شارع محمد على بالقرب من شارع الحميدي أمام كنيسة الأقباط كانت هناك دبابة بريطانية مفتوحة البرج، ويقف به ضابط يراقب المنطقة وخلفه دبابة أخرى، وفجأة خرج الفدائي عبد الله إبراهيم، وبيده قنبلة يدوية واندفع بسرعة فائقة بجانب الدبابة وقبل أن يأخذ الضابط حذره ألقى الفدائي بالقنبلة داخل فتحة الدبابة وأصيب الضابط، وحدث انفجار داخل الدبابة أوقفها، وأطلقت الدبابة الثانية النيران على البطل واستشهد الفدائي عبد الله إبراهيم».

    كان الدكتور يحيى الشاعر من قيادات هذه المقاومة، وهو يعيش الآن في ألمانيا.. «يتذكر في كتابه «الوجه الآخر للميدالية – حرب السويس 1956 – أسرار المقاومة السرية في بورسعيد»، أن المقاومة قامت بعمل الخط الدفاعى التعطيلى الأول ويقع على الشاطئ مباشرة ويمتد إلى الخلف، واستعمل بعض المدافعين الكبائن كساتر لهم للاختفاء، بل نصبت تحت بعضهم مدافع مضادة للطائرات «رشاشة عيار 20 ملم» في مواجهة «سور ميناء الصيد» و«طابية السلام» بالقرب من عمارة حمزة، وتواجد تحت الكابينة الخشبية، وفي الغرف المبنية من الطوب الموجودة أسفل بعضهم، بعض جنود المشاة، وجنود الجيش، والعدد الكبير من أفراد الحرس الوطني مواطنو المدينة الذين كانوا يعلمون كيفية استعمال السلاح.

    لما قامت الطائرات منذ صباح يوم الأحد 4 نوفمبر 1956 بمهاجمة الشاطئ بالمدافع الرشاشة، رفعت حدتها يوم الاثنين باستعمال قنابل النابلم الحارقة.. دعم البعض كمائنهم تحت الكبائن التي هوجمت يوم الاثنين وأحرق العديد منهم، غير أن البعض قد تبقى وأصبح نقاط مقاومة شرسة انتظارًا للإنزال البرمائي المتوقع. يتذكر الشاعر: «عندما بدأ الإنزال البرمائي في الصباح المبكر» الساعة السادسة وأربعون دقيقة، يوم الثلاثاء 6 نوفمبر، كانت نقاط القناصة كمينًا قاتلًا، وقتل العديد من جنود الكتيبة 40 والكتيبة 42 «كـوماندو رويال مارين» البريطانية.

     لما كانت الدبابات.. والدبابات البرمائية حاملات الجنود من طراز «بافالو» غير محصنة، وكانت الدبابات السنتورين ماركة 4 قد بدأت تنزل في المنطقة سييرا الخضراء، أمام كازينو البحر، طلب كل من قادة جنود الكتيبة 40 والكتيبة 42 «كـوماندو رويال مارين» مساعدة الدبابات البريطانية لحـــصـــد وتحطيم الكبائن وإسكات من فيهم من مقاومون، وعلى ذلك بدأوا بتحطيم وحرق الكبائن الخشبية على الشاطئ»..

    في أحداث يوم 6 نوفمبر أيضًا تظهر بطولة اليونانيين المصريين المقيمين في بورسعيد، حيث انضموا إلى المقاومة السرية، وحسب كتاب «الأطلس التاريخى لبطولات شعب بورسعيد 1956»، إعداد ضياء الدين حسن القاضي، فإن تشكيلات المقاومة ضمت تشكيلًا اسمه «المجموعة اليونانية، وتكون من 9 أعضاء يونانيين برئاسة «الباملاكسوس»، وأبرز أعضائه «بنيوتى ماضرومانيس»، و«جورج قسطنطين»..

     يؤكد: «في يوم 6 نوفمبر حوصرت مجموعة من الفدائيين أثناء انسحابهم من تنفيذ بعض العمليات، وذلك أمام المطافئ بشارع صفية زغلول حيث احتلال الإنجليز أسطح المنازل المحيطة وهبطوا فوقها بالمظلات، فقام «بنايوتى مافروماتس» عضو هذه المجموعة بالصعود على سطح المنزل المقابل لجامع الرحمة، وفتح نيران مدفعه الرشاش على تلك القوات فوفق الفدائيون في الانسحاب إلا أن رصاص الإنجليز أصابه.. ولم يسمح للمحال التجارية بفتح أبوابها وعدم التعامل مع الأعداء إلا أنه تم السماح لعضو تلك المجموعة «ألباملاكسوس» بفتح محله لبيع بضائعه لهم حتى يتمكن الفدائيون من اصطياد الإنجليز داخله، بالإضافة لحضور بعض أفراد منظمة «أيوكا القبرصية» الذين حضروا مع القوات الإنجليزية لإعطاء الأخبار عن القوات البريطانية وينقلها «مالاكسوس» للفدائيين».

    ربما كانت عمليات المقاومة أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أهم أنشطة المخابرات في تلك الفترة من عملها اذ يشير المؤلف الى عدد من العمليات التي قامت بها المخابرات لهزيمة الدول المعتدية بعد تأميم قناة السويس بدأت هذه العمليات بتنظيم مجموعة من ضباط الجيش والشرطة للتحضير والاشراف على أعمال المقاومة التي قام بها تحت اشراف الجهاز جماعات المقاومة الشعبية الذين عملوا من قبل ضد الجيش البريطاني قبل اتفاقية الجلاء لايقاف المعتدين حتى أسر المؤلف من قبل القوات البريطانية في 15 ديسمبر أثناء عودته لبورسعيد للاشراف على عمليات المقاومة اثناء انسحاب القوات.

    بعد جلاء القوات البريطانية سافر أبوالفضل إلى تركيا في مهمة جديدة في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للسياسة المصرية آنذاك لأنها إحدى دول حلف بغداد الذي يتبناه الغرب وأمريكا في الشرق الأوسط بغرض الانفراد به بعيدًا عن سياسة التحرر التي كانت تحرض عليها مصر باقي الدول العربية وكانت مهمة المؤلف في تركيا تتطلب العمل داخل اسرائيل نفسها عن طريق العلاقات المفتوحة بين تركيا واسرائيل ومراقبة النشاط الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي الاسرائيلي في تركيا ومدى علاقة اسرائيل العسكرية بحلف بغداد وأيضًا مراقبة نشاط حلف بغداد وبخاصة ما له من تأثير على سياسة مصر ومدى علاقة حلف بغداد بالسياسة العربية ونشاط وتفاصيل قواعد الحلف العسكرية وبالذات سكرتارية الحلف الدائمة في تركيا.

    عن طريق الجمعيات المناهضة للصهيونية أمكن تجنيد عدد لا بأس به من الشباب التركي كانوا يقومون لحسابنا بالسفر إلى اسرائيل ويحصلون لنا منها على المعلومات أو يجيبون لنا على الاحتياجات التي كانت تطلب منا من رئاسة المخابرات في مصر ويقومون بمأمورية سرية كذلك عن طريق البلاد التي لها تمثيل دبلوماسي في اسرائيل وتركيا تعاونت مع كثير من العناصر الدبلوماسية الأجنبية في مثل هذا العمل كما تم تجنيد بعض الصحفيين الأتراك والمصورين الصحفيين الذين يقومون بتصوير العروض العسكرية الاسرائيلية وحددت لنا -هذه الصور- جميع المواقع الدفاعية الاسرائيلية!.

     بعد تركيا قام المؤلف بمهام عمل أخرى في السودان بالاضافة الى بعض المهام الأخرى السريعة في عدد من دول أوروبا وأفريقيا من بينها سوريا وغرب افريقيا، مقر الأمم المتحدة بجينيف بعدها انتقل المؤلف من العمل السري إلى الجماهيري باختياره عضوا بالأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي هذا الاختيار كان مفاجأة لعبدالفتاح لأنه يتناقض تمامًا مع طبيعة عمله السري وأيضًا لعدم اقتناعه بأسلوب هذه التشكيلات منذ هيئة التحرير التي فقدت اجماع واقتناع الجماهير برغم أن الثورة أقامتها أساسًا لتكون معبرة عن الجماهير.

     لقد أصبح عمل المؤلف هو توصيل رأي الجمهور للقيادة العليا فقام بزيارات متعددة لأغلب محافظات مصر وبرفقته نخبة من المتخصصين والصحفيين على أثر تلك الزيارات تم حل العديد من التشكيلات الجماهيرية.

     بقى أن نشير إلى أن المؤلف أشار في مؤلفه إلى أكثر الشخصيات التي عملت في السياسة المصرية غموضًا وهو حسن التهامي.. ويقول عنه أنه وصل إلى أعلى المناصب في عهد السادات حتى أنه كان يملك صلاحيات تجاوز صلاحيات وزير الخارجية آنذاك بدأ التهامي من جهاز المخابرات حيث عين في نفس دفعة المؤلف ولم يكن له مكتب خاص أو عمل محدد سوى الاتصال بضباط المخابرات الأمريكية للاستفادة من خبراتهم كما يتذكر المؤلف وبشكل غامض استولى «التهامي» على الطابق الأول من برج القاهرة بعد بنائه وأحاطه بسور عال لمنع الاقتراب حتى أن جهاز المخابرات نفسه لم يكن على علم بما يقوم به داخل البرج بل أطلق ضباط الجهاز عليه برج الأسرار أما السبب في طرده بقوة مسلحة من مقره كان بسبب تسجيل التهامي لمكالمات عبدالناصر السرية!.

    علامات التعجب السابقة وضعها المؤلف في تساؤله بعد كشف عملية تجسس التهامي على الرئيس.. لمصلحة وحساب من كانت تسجل مكالمات رئيس الجمهورية! لكن هذه الحادثة لم تعق التهامي من مواصلة رحلة صعوده المريبة بل كوفئ عليها بنقله للعمل في رئاسة الجمهورية!. حتى وفاة عبدالناصر وبتولي السادات الحكم قربه منه لدرجة أنه كان يعامل معاملة نائب رئيس الجمهورية!. ومن القصص التي يرويها المؤلف على لسان أحد المقربين جدا من السادات أن حسن التهامي دخل على السادات مرة وكان يرأس المؤتمر الاسلامي وأخرج له مسدسه الذي يتباهى دائما بحمله وهدد به أنور السادات فما كان من السادات -كما يروي المؤلف- إلا أن نظر إليه في هدوء واستهزأ وقال له: «اجر يا ولد العب اللعبة دي مع أحد غيري لأنه فاتك أنني أتقن هذه اللعبة أكثر منك». هذه الواقعة وغيرها -مثل تسجيل مكالمات عبدالناصر- أحاطت التهامي بعلامات استفهام في علاقته برئاسة الجمهورية في عهدي عبدالناصر والسادات الذي اختاره كمندوب له للتقارب مع حكام اسرائيل بل أنه هو الذي قابل موشي ديان في قصر الملك الحسن للتمهيد لزيارة السادات للقدس لاعلان مبادرته واستمر التهامي في الرئاسة إلى أن أحيل للمعاش!.