محمد عبدالرحمن عريف

    ولد في 16 مايو 1914 بحى العباسية من والدين تربطهما صلة القرابة ومن بلدة صفط الحرية بمحافظة البحيرة ثم انتقلت أسرته للإقامة بحي السيدة زينب وكان والده ضابط في الجيش وفي عام 1928 توفي والده, حصل على الشهادة الابتدائية عام 1928م، في اوائل عام 1929 بدأت مرحلة التعليم الثانوى فالتحقت بمدرسة بنباقادن الثانوية التابعة للأوقاف الملكية، وفي عام 1932 التحق بمدرسة الإسماعيلية وحصل على شهادة البكالوريا سنة 1935.

التحاقه بالكلية الحربية

   كان ضمن أحد عشر طالبًا التحقوا بالكلية الحربية على قوة خفر السواحل ورسب في السنة الأولى ثم صدر إعلان للمدرسة الحربية عن الراغبين في الالتحاق بمدرسة الطيران العالى بألماظة وكان مازال راسبًا في السنة الأولى وتقدم عدد كبير من طلبة الكلية الحربية وخفر السواحل للكشف الطبى ولم ينجح إلا ثلاثة من خفر السواحل رغم كبر سنهم وكان أحدهم، وقد أثبت خلال دراسته في المدرسة الحربية جدارة عالية في النشاط الرياضي حيث كان جيد في ألعاب كرة القدم والملاكمة والعدو ورمى القرص والرمح وسباق الفرسان لذلك أطلق عليه زملاؤه لقب “منعم الأسد”. وفي فبراير عام 1938 تخرج من مدرسة الطيران العالى وبدأ عمله كطيار في محطة الدخيلة الجوية القريبة من ثغر الإسكندرية وكان كل اهتمامه أن يمتاز كطيار.

بداية تعرفه على تنظيم الضباط الأحرار

    في أوائل عام 1940 بينما كان يسير في شارع مراسينا بحي السيدة زينب (عبد المجيد اللبان الآن) التقي بالملازم ثاني محمد أنور السادات وتصافحا وتعانقا وهو من نفس دفعة عبد المنعم عبد الرؤوف في المدرسة الحربية وكان من دعاتهم أيضًا الفريق محمد عبد المنعم رياض وعضو مجلس قيادة الثورة فيما بعد البكاباشى أركان حرب (مقدم) زكريا محيي الدين والفريق أركان حرب محمد حافظ إسماعيل مستشار الأمن القومي لرئيس الجمهورية عام 1973 ويوسف السباعي وزير الثقافة والإعلام عام 1973 الذي اغتيل في مؤتمر الوحدة الإفريقية الآسيوية في قبرص. ودعاهم محمد أنور السادات إلى منزل أمه وهناك تناول الحديث عدة موضوعات منها: من كان وراء إخراج الفريق عزيز المصري رئيس هيئة أركان حرب الجيش؟!! وهل يوجد من سد هذا الفراغ في الجيش حاليًا؟. ومن هو؟ وخرجوا من هذا الحوار بأن السبب في ذلك هو تسلط وسيطرة البعثة البريطانية والتي تعمل وتحرص على أن يظل الجيش المصري ضعيفًا حتى لا يفلت من قبضتم.

   تكرر اللقاءات مع محمد أنور السادات في بيته بجوار سينما الهلال بالسيدة زينب بعمارة رأفت على ناصية شارع الخليج المصري بشارع محمد قدرى باشا وصاحبه في إحدى هذه الزيارات اليوزباشى أركان حرب (نقيب) محمد رشاد مهنا على العرش بعد انقلاب 1952.

نشاطه السياسي والوطني

    أثناء دراسته الثانوية كوَّن مع بعض زملائه جمعية باسم “اليد الخفية” مارست انشطة معادية للاحتلال البريطاني. في 16/5/1941 قام مع زميله حسين ذو الفقار بتهريب الفريق عزيز المصري بطائرتهما للالتحاق بثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الإنجليز، ولكن سقطت الطائرة بهم، وألقي القبض عليهم يوم 6/6/1941، وأودعوا السجن حتى أفرج عنهم يوم 5/3/1942 بعد تغيير الحكومة، وصدر قرار بإعادته إلى الجيش في سلاح المشاة.

الارتباط بالإخوان المسلمين

    في عام 1942م تعرَّف على الإخوان المسلمين.. “بعد صدور قرار بإعادته إلى الجيش ذهب إلى إدارة الجيش بوزارة الحربية لاستلام بعض المبالغ المجمدة له بالوزارة منذ محاكمته وسجنه، وقابل الموظف المختص، والذي لم يعرف اسمه، ولكن استراح إليه وإلى أسلوب استقباله له بمودة ومحبة وأخوة، وفي أثناء جلوسه في مكتبه انتظارًا لإنهاء موضوعه لمح على مكتبه جريدة مكتوبًا عليها (الإخوان المسلمون لسان الحق والقوة والحرية)، فسأل الرجل باستغراب: وهل يوجد في مصر مَن يعرف أو يعمل من أجل الحق والقوة والحرية؟ فأجاب الرجل: نعم الإخوان المسلمون، فطلب منه أن يُعرِّفه بهم فأعطاه عنوان المركز العام بالحلمية واسم الأستاذ البنا”، والتقى بالإمام البنا في زيارة حضرها الصاغ محمود لبيب والدكتور حسين كمال الدين وبدأ عبد المنعم في الحركة والاتصال بالضباط ودعوتهم فرديا للارتباط بالعمل الوطني لتحرير البلاد من الاحتلال وإصلاح الحكم الذي كان يرتع في الفساد.

    يروي حسين حمودة أحد أفراد المجموعة الأولى من تنظيم الضباط الأحرار فيقول: “قدمت نفسي يوم 28/6/1943 للكتيبة الثالثة المشاة بألماظة، وكنت وقتئذ ضابطًا برتبة الملازم أول، وتصادف أن نقل إلى هذه الكتيبة اليوزباشي عبد المنعم عبد الرءوف، وحدث أثناء تناول الطعام مع الضباط في الميس أنه كان يجلس بجواري اليوزباشي عبد المنعم عبد الروؤف فأخذت أتجاذب معه أطراف الحديث، ومالبث أن همس في أذني أنه يريد التحدث معي على انفراد في موضوع بعد الغداء. انفردت معه بالميس بعد انصراف الضباط، فقال عبد المنعم عبد الرؤوف لي إنه لاحظ اهتمامي الزائد بعملي وحرصي على تفوق سريتي في التدريب وتمسكي بمبادئ الأخلاق الكريمة، وأنه يود أن أزوره في منزله ليتحدث معي حديثًا أكثر حريةً، وأعطاني موعدًا مساء الجمعة. ذهبت لمنزل عبد المنعم عبد الرءوف بالسيدة زينب، وتحدث معي حديثًا خلاصته أن مصر حالتها لا تسر أحدًا، وأن إنقاذ شعب مصر من الاحتلال البريطاني والحكم الملكي الفاسد لن يتأتى إلا بثورة مسلحة يتولاها ويدبر أمرها المخلصون من الشباب في الجيش والشعب فوافقته على ذلك الرأي.

     يقول حموده تلاقيت مع عبد المنعم كثيرًا حتى اطمأن لي واطمأننت له ووثق بي ووثقت به، فعرفني بشخصية من الشخصيات التي لها جهاد في سبيل مصر والإسلام تلك الشخصية العظيمة هي شخصية الصاغ محمود لبيب. في عام 1944م بلغ عددهم سبعة من الضباط: يوزباشي: عبد المنعم عبد الرؤوف. يوزباشي: جمال عبد الناصر حسين. ملازم أول: كمال الدين حسين. ملازم أول: سعد حسن توفيق. ملازم أول: خالد محيي الدين. ملازم أول: حسين محمد أحمد حمودة. ملازم أول: صلاح الدين خليفة. وبدأت اجتماعاتهم الأسبوعية المنتظمة في منازل أحدهم بالتناوب، وكانوا يتناولون دراسات إسلامية منتظمة ويدفعون اشتراكات شهرية تمثل مظهرًا من مظاهر الارتباط بالجماعة والتكافل فيما بينهم، واستمر حضورهم درس الثلاثاء بالملابس المدنية.

الجهاد في فلسطين

    شارك في الجهاد مع قوات المتطوعين في فلسطين والتي كان أغلبها من شباب الإخوان المسلمين وبعض رجال ليبيا والجزائر، والتي كانت قيادتها العامة لأحمد عبد العزيز وكانت الأوامر قد صدرت باعتبار المتطوعين قوات خفيفة الحركة تنتقل بسرعة أمام الجيش وتقوم بالأعمال الفدائية، فلما وصلت القوات إلى بلدة العوجة استقرت بها فصيلتان من الليبيين ومجموعتان من المتطوعين المصريين تحت قيادة البكباشي أركان حرب: زكريا الورداني الذي اختار موقع القيادة لنفسه في العوجة، ووجد أن قرية العسلوج محاطة بعدد من المستعمرات، وأن استيلاء اليهود عليها يهدد بقطع الطريق بين الخليل وبئر السبع (تأتي أهميتها من بئر المياه الموجود بها والطريق البري الممتد في وسطها إلى بئر سبع والخليل والقدس ونابلس وصفد حتى الناقورة) فأرسل اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف لاحتلالها واستخدامها قاعدة للقيام بعمليات فدائية ضد مستعمرات العدو وطرق تموينه. كان معه قوة من 74 متطوعًا منهم 20 جزائريًا و19 ليبيًا والباقون من متطوعي الإخوان المسلمين.. ثم سحب أحمد عبد العزيز معظم القوات التي تركها في العوجة وعسلوج إلى الخليل وبيت لحم. قامت القوة بعمل كمائن ليلية ضد دبابات ومصفحات العدو وعمل نقاط ملاحظة للإبلاغ عن تحركات العدو أولاً بأول، كما قامت باحتلال الموقع المشرف على الطريق البري الرابط بين العوجة وبئر السبع.. وكذلك قامت القوة باحتلال مئذنة المسجد الوحيد بالقرية، ورابطت فيه قوة من حملة القنابل اليدوية لضرب أي تجمعات للعدو تنجح في التسلل للقرية.

    في أواخر مايو أرسلت قيادة المتطوعين أمرًا بإرسال المتطوعين الجزائريين وعددهم عشرون جنديًا إلى مقر القيادة في بيت لحم، وامتنعت قوات المتطوعين الليبيين عن المشاركة في القتال لرغبتهم في اللحاق بالقوات الجزائرية. في أول يوم من أيام الهدنة غدر اليهود كعادتهم وقاموا مساء يوم 11/6/48 بالهجوم على القرية، واشتبكت معهم قوات كمائن المتطوعين، واستطاعوا تدمير 11 مصفحة يهودية بمن فيها، وقام الإخوة الثلاثة المرابطين بالمئذنة بقذف قوات العدو بالقنابل اليدوية مما سبب له خسارة كبيرة في الأفراد. واستمرت المعركة حتى الفجر، ثم انسحبت باقي القوة إلى العوجة حيث مركز المتطوعين. وذهب الأبطال الثلاثة الذين كانوا بالمئذنة شهداء في سبيل الله بعدما قاموا بتفجير مخزن الذخيرة بعد دخول قوات اليهود فيه وامتلائه بهم.

مع المجاهدين في القنال

    كان يعمل في كتيبة بالقرب من السويس، ولم يتأخر في دعم ومعاونة قوات الفدائيين من الإخوان بكل ما يستطيع في شجاعة وتضحية أشاد بها مؤرخو هذه الفترة من الإسلاميون ككامل الشريف في كتابه القيم (المقاومة السرية في قناة السويس).

المشاركة في حركة يوليو

    في صباح يوم 26/7/1952 قام بمهاجمة وحصار قصر رأس التين بالإسكندرية، وأرغم الملك على التنازل عن العرش ومغادرة البلاد. في 28/7/1952 رجع إلى القاهرة وشارك في حصار قصر عابدين. في يوم 1/8/1952 صدر قرار بنقله إلى كتيبة أخرى لإبعاده عن القاهرة. في 2/10/1952 أبعد إلى فلسطين، ورغم إبعاده فقد قام بعمل بطولي هام إذ قام بتدريب أعداد ضخمة من أبناء فلسطين تدريبًا عسكريًا مركزًا، وكوَّن منهم قوات مقاتلة على درجة عالية من الكفاءة، شاركت بعد ذلك في مواجهة العصابات الصهيونية.

التضييق عليه

     في 17/12/1953م صدر قرار بإحالته إلى المعاش. في 18/1/1954 تمَّ اعتقاله وأودع في السجن الحربي حتى 18/2/1954م؛ حيث نقل إلى سجن الأجانب تمهيدًا لمحاكمته. في 17/4/1954م عقد مجلس عسكري عالي لمحاكمته، وأثناء المحاكمات قام عبد القادر عبد الرؤوف شقيق عبد المنعم عبد الرؤوف بتهريبه، واختفى داخل مصر لمدة عام تقريبًا.

المحاكمات العسكرية في الحقبة الناصرية

    يقول عبدالرؤوف “في صبيحة أول أبريل 1954 استدعيت لمقابلة مأمور السجن, وفى غرفته التقيت باثنين من ضباط السجن جاءا ليعلناني بالمثول أمام المجلس العسكري العالي الذي عقد يوم الاثنين 17 من أبريل فقلت لهما: عن هذا موعد قريب جدًا من جهة ومن جهة أخرى إننى متمسك بالمحاكمة امام محكمة مدنية نظرًا لأنني محال على المعاش منذ ثلاثة أشهر, فكيف يطبق القانون العسكرى علي؟!! وبعد أخذ ورد بيني وبينهما وتدخل مأمور السجن اقتنعت بأن لا مفر من قبول الأمر الواقع وتسلمت منهما صورة الادعاءات ثم انصرفا. وقبيل العصر زارنى بالسجن نائب الأحكام البكباشى خليل محمد خليل الذي اعتذر لي لكونه مدعيًا في محاكمتي طالبًا مني تقدير ظروفه وطالبني بتقديم كشف بأسماء شهود النفي والأخلاق فقدمت له كشفًا بشخصيات مصرية اشتركت معي في حوادث وأعمال وجهاد ضد المحتلين الإنجليز وضد الحكومات الحزبية الفاسدة التي كانت تعاصرهم. ومن هذه الشخصيات: الفريق عزيز المصري. البكباشي أنور السادات. الأستاذ شوكت التوني المحامي. الصاغ خالد محيي الدين. الطيار حسن عبد العظيم عزت. البكباشى جمال عبد الناصر. وقدمت كشفًا بأوراق رسمية تثبت انني كنت على رأس الكتيبة التاسعة عشرة التي حاصرت وهاجمت قصر رأس التين في يوليو 1952 والمعارك التي خضتها مع متطوعي الاخوان المسلمين في فلسطين عام 1948.

    يقول “كما قدمت أيضًا كشفا بأسماء فلسطينية تشهد بمحبة أهالى القطاع المصري الفلسطيني لي بسبب ما قمت به من مجهود مضن في تدريب الكتيبة الفلسطينية على أحدث دروب القتال امثال عبد الرحمن الفرا والشيخ عبد الله أبو ستة والأستاذ هاشم الشوا وغيرهم. أبلغت خبر بدء محاكمتي لإخواني الضباط فاعترتهم الدهشة لهذا التحول المفاجىء, وبدأ كل منهم يعرض علىّ خدماته وينظم أقواله لصالحي في حالة استدعائه كشاهد إثبات ضدي. انتدبت الأستاذين طاهر الخشاب المحامي واللواء عباس زغلول المحامي للدفاع عني, كما أن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذحسن الهضيبي انتدب الأساتذ عبد القادر عودة والأستاذ حسن العشماوي, وتطوع للدفاع عني الدكتور عبد الله رشوان والأستاذ عبد الكريم منصور”.

    في صبيحة يوم الاثنين 17/4/1954 عقد المجلس العسكري العالي بجهة معسكر العباسية برئاسة الأمير ألاي عبد الجواد طبالة وعضوية القائمقام حسن عبد اللطيف والبكباشي حسن محفوظ ندا والبكباشي يوسف السباعي وقائد الجناح على لبيب ونائب الحكام البكباشى (لا أذكر اسمه) والمدعي العسكري حسن خليل وأعضاء منتظرون. وكانت الادعاءات كالاتي: الادعاء الأول: افتتح رئيس المجلس العسكري جلسته الأولى, وعندما سألنى عمن أعارض فيه من هيئة المجلس عارضت في الرئيس نفسه الذي اصفر وجهه وأخذته المفاجأة, وعارضت في كل من, البكباشى محفوظ ندا, والبكباشى يوسف السباعى.

     أما أسباب المعارضة فلم أكاشفهم بها لحين عرضها على المحامين الذين تأخر حضورهم بسبب سوء الموصلات أو أنهم ضلوا طريقهم, ولما عرضت أسباب رد الأعضاء على هيئة الدفاع لم يوافقوني عليها وإني أوجزها في الآتي: أما عن سبب ردي للأمير ألاي عبد الجواد طبالة فقد كان مشرفًا على هيئة التحرير في مديريته ومعروفًا بعدائه لجماعة الإخوان المسلمين منذ معارك فلسطين, وعين أخيرًا مديرًا للكلية الحربية متخطيًا الكثير من ضباط الجيش الممتازين. أما عن البكباشى حسن محفوظ ندا فلأنى أعرف عنه فظاظة القلب منذ كان صف ضباط على بالكلية الحربية وتسبب لي في أربعة عشر يومًا حجز قشلاق بدون ذنب جنيته مما اضطرني لأن أقذف البندقية في وجهه, وكدت أطرد من الكلية ولكن الله سلم. أما يوسف السباعي فلانى أعرف الكثير عن مؤلفاته الداعرة, فتصورت أن مثل هذا الكاتب لا يستسيغ مبادىء الإسلام التى تجاهد من اجلها جماعة الإخوان المسلمين, وبالتالى لا يحب شباب الجماعة. ولقد أكبرت يوسف السباعي عندما تقدم نحوي بعد انتهاء الجلسة وصافحنى متمنيًا لي الخير.

ماذا يريدون من محاكمتى؟

    فى الجلسة الثانية التى عقدها المجلس سمع اعتراضي, وبدأت المحاكمة الجائرة التي لم يشهد القضاء العسكري أو المدني مثيلًا لها في التاريخ وسنوجز في السطور التالية النقاط الهامة الواجب إبرازها:

-كان غرض مجلس قيادة الثورة من هذه المحاكمة الجائرة إلصاق التهم الباطلة بالإخوان المسلمين الضباط الموجودين بالجيش ثم طردهم من الخدمة كي يطهروا الجيش من كل عناصر المقاومة, ومن ثم يتحول إلى جماعة الإخوان المسلمين ليحلها مرة ثانية, ويلقي بقيادتها في غيابات السجون, ولقد سبق هذه المحاكمة التخلص من كثير من الإخوان المسلمين الضباط بالبوليس فرفت بعضهم وشتت الآخرون في أنحاء الوجه القبلي, كما نقل عدد يربو على الستين موظفًا من القاهرة ومنطقة القنال إلى الصعيد أيضًا, ولا شك في أن مثل هذه الفركشة في صفوف الإخوان علاوة على مجهودات جمال عبد الناصر المتواصلة لجذب أنصار من صفوف الجماعة لصفة, من أمثال الشيخ سيد سابق, ومحاولة تشكيك الإخوان في صلاحية الأستاذ حسن الهضيبي كمرشد للجماعة, وتأليب بعض الشبان من أعوان عبد الرحمن السندي لمحاصرة دار المرشد العام ومحاولة إرغامه على تقديم استقالته, ومحاولة شغل الإخوان في مناقشات بيزنطية تدور حول التعاون مع الحكومة أو هد التعاون, وأن العداء بين الإخوان والحكومة سببه عنجهية المرشد وعناده إلى غير ذلك من الافتراءات والأباطيل… كل هذا يوحي بسوءنية الثورة نحو جماعة الإخوان المسلمين.

-ثبت من سياق التحقيقات والمحاكمة أن نية مجلس الثورة كانت مبيتة لمحاكمتي قبل التحول لمحاكمة أبو المكارم عبد الحي وحسين محمد حمودة ومعروف الحضري وعبد الكريم عطية والصولات بقصد اعتقالنا أطوال مدة ممكنة, وشغل قيادة الإخوان بنا ومحاولة مساومة الجماعة علينا وعلى حساب الوطن بأن لا يعارض الإخوان المسلمون اتفاقية الجلاء.

-كان شهود الإثبات ضدى فى القضية اثنين وعشرين شاهدًا, تحولوا جميعًا عدا خمسة إلى شهود نفى, وطعنوا جميعًا في الأقوال الابتدائية التي أخذها منهم وزير الداخلية البكباشى أركان حرب زكريا محيى الدين, وصرح هؤلاء الشهود بأنها اقوال مزورة لم يسمح لهم بتلاوتها, وأجبروا على التوقيع عليها تحت ضغط التهديد والإرهاب, ولقد اثبتوا ذلك أمام المجلس العسكري العالي.

-ثبت أمام المجلس العسكري أن رئيس الوزراء جمال عبد الناصر وقائد البوليس الحربي أحمد أنور لفقا بينهما قصة انقلاب خيالية ثم اجتمعا بدار الأول بمنشية البكري بكل من الصاغ عبد الواحد سبل واليوزباشي الموجي والصاغ أركان حرب حسين حمودة والصاغ اركان حرب معروف الحضرى ليوهموهم بأن هناك قوات مسلحة تريد إحداث انقلاب وتطلب معاونة جماعة الإخوان المسلمين أو على الأقل معرفة موقفهم من الانقلاب وتأييده إن أمكن تأييدًا أدبيًا.

-لما وجد عبد الناصر وأحمد أنور أن جماعة الإخوان المسلمين متيقظة لمثل هذه اللعبة الدنيئة أسرع في القبض على الإخوان الضباط حتى إذا فرغ من محاكمتي بتهمة تكتيل ضباط بالعريش ورفح وغزة بقصد إحداث انقلاب في القطاع المصري الفلسطيني وسيناء بدأ في محاكمة الباقين بنية إحداث انقلاب فى القاهرة.

-استطاعت هيئة الدفاع عني وعلى رأسها الشهيد عبد القادر عودة أثناء استجواب الشهود أن تهلهل شهادات شهود الإثبات من واقع كلامهم المتناقض حول أمكنه وأوقات وأسلحة التدريب التي ادعوا أنني كنت أنظمها لجماعة الإخوان المسلمين في منطقة صحراء سيناء وحول خطة الانقلاب التي أرسلتها مع اليوزباشي سعد الدين صبري هل كانت خطة أم تقدير موقف؟. وما محتوياتها في كل حالة وحجم الورقة التي كتبت عليها ونوع الرصاص والحبر اللذين كتبت بهما, كما أوضح الشهيد عبد القادر عودة لهيئة المجلس أن سعد الدين صبري كان مدفوعًا من جهة المخابرات للإيقاع بي.

-وبالرغم من أن هيئة الدفاع دفعت بعدم جواز محاكمتي امام القضاء العسكري لسببين:

أولا: لمرور ثلاثة أشهر على التهمة الموجهة لي كنص قانون الأحكام العسكرية.

ثانيا: لإحالتى إلى المعاش والإحالة إلى المعاش لضابط في سن صغيرة مثلي وبدون سبب تعتبر عقابًا وجزاء ولا يجوز توقيع جزاءين على جناية واحدة كنص القانون العسكرى.

    اقول بالرغم من كل ذلك فإن هيئة المحاكمة وبالأخص للأمير ألاى عبدالجواد طبالة والبكباشى حسن محفوظ ندا وقائد الجناح علي لبيب عندما رفض طلب الدفاع في مثول كل من القائمقام أركان حرب يوسف صديق والقائمقام أحمد شوقي والصاغ خالد محيي الدين, وقائد الأسراب حسن عبد العظيم عزت والفريق عزيز المصري أمام المحكمة كشهود نفي وأخلاق.

    هنا يسجل التاريخ عبارة قالها الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة: “إن الوطن الذى لا عدالة فيه لا أمن فيه!” قالها عندما رفضت هيئة المحكمة مثول الشهود السابق ذكرهم بحجة أن أمن الوطن يقتضي ذلك, ووضحت نياتها السيئة. كذلك عندما تقدم الدفاع لهيئة المحكمة شاكيًا عدم مثول الصاغ أركان حرب معروف الحضري والصاغ أركان حرب حسين حمودة, واليوزباشى عبد الكريم عطية كشهود نفي, رغم طلبهم بالطرق القانونية عن طريق إدارة الجيش. لكن رئيس المحكمة أعلن عدم إمكانية إحضارهم مخالفًا استفتاء نائب الأحكام الذي أعلن احتجاجه كتابة في محضر الجلسة لخروج الرئيس على قانون الأحكام العسكرية, وأخيرًا وافق الرئيس مكرها واستجاب لفتوى نائب الأحكام .

-كان يبدو على الرئيس وأغلب الأعضاء ضيق صدورهم نحو العدد الكبير من الإخوان المسلمين الذين يزداد عددهم يومًا بعد يوم لحضور المحاكمة فأصدرت المحكمة أوامرها للصحف كافة بعدم نشر أي شيء عنها, بل وعطلت جريدة الجمهور المصري, وحكمت فيما بعد على صاحبها الأستاذ أبو الخير نجيب بعشر سنوات سجن, وحددت عدد المسموح لهم بحضور المحاكمة!!.

الانتقال إلى السجن الحربى:

    في يوم 28/4/1954, ولم يبق على حلول عيد الفطر سوى أسبوعين تقريبًا نقلنا جميعًا إلى السجن الحربي وهناك تعرضنا لمعاملة سيئة وتضييق مؤلم يتنافى مع وضعنا كضباط وأيضًا كمواطنين لم تثبت بعد إدانتنا. ومن صور هذه المعاملة ما يلى:  وضع كل منا في زنززانة انفرادية طوال اليوم.  لا تفتح الزنزانة في الأربع والعشرين ساعة إلا ساعة واحدة يتمشى فيها كل منا بمفرده في حديقة السجن الخالية من الظل وذات الجو الخانق. المشي في أرض الحديقة الجرداء تحت حراسة الجنود شاكي السلاح والسونكى مركب.

    في يوم 7/5/1954 كتبت طلبًا لقائد السجن الحربي راجيًا منه تنفيذ الطلبات الآتية:

‌-السماح لي بالإطلاع على الصحف اليومية.

-إحضار مذياع لغرفتى. ت

-زيادة فترة الفسحة لأربع ساعات يوميًا.

-السماح لأسرتى بزيارتى.

     بينت له فى طلبى أنني كنت مهتمًا بكافة هذه الطلبات عندما كنت في سجن المحطة, وأن المعاملة الحاضرة لنا لا يجوز تطبيقها على المجرمين السياسيين, وأن محاكمتي اجتازت طور التحقيق وهي الآن في المرحلة الأخيرة.

غرائب لم تحدث من قبل

    كان لسوء معاملتنا أثر كبير في نفوسنا خاصة بعد أن وصل إلى مسامعنا اعتقال زوجة القائمقام يوسف منصور صديق, لأنها عاتبت جمال عبد الناصر تليفونيًا وتطور العتاب بينهما إلى تبادل الألفاظ النابية. والمخجل في تاريخ جمال السفاح ألا يتسع صدره لإمرأة مناضلة كانت توزع بنفسها منشورات الضباط الأحرار في الطرقات والدور فيزج بها في سجن محطة مصر الرجالي, وبذلك فرق بين الزوجة وزوجها وبينها وبين أبنائهما الصغار الذين لم يتعد سن أكبرهم اثني عشر عامًا.

الإضراب عن الطعام

    فكر القائمقام يوسف صديق في الإضراب عن الطعام, ونفذ الإضراب وامتدت العدوى إلى البكباشى أركان حرب أبو المكارم عبد الحى, والصاغ أركان حرب معروف الحضرى والصاغ أركان حرب حسين حمودة, واليوزباشى عبد الكريم عطية وإليّ أيضًا. فحضر قائد السجن الحربى يرجونني العدول عن الإضراب مقسمًا لي بأن المرشد الأستاذ حسن الهضيبي سبق في محنة مارس السابقة أن زجر الإخوان المضربين عن الطعام لمخالفة ذلك الدين الإسلامى. فصدقته وأوقفت إضرابي فورًا. بالرغم من هذا التشديد والتضييق وسوء المعاملة استطعت أن ألتقي في ممر السجن المؤدى إلى دورة المياة (خصوصًا قبيل الإفطار وبعده وعند الوضوء) بقائد الأسراب حسن عزت والأستاذ المجاهد أحمد حسين. أما ألاول فقد أودع السجن قرابة أسبوع للتحقيق معه في محاولة اغتيال جمال عبد الناصر بالاتفاق مع الأستاذ عز الدين عبد القادر ثم أفرج عنه لتدخل البكباشي أنور السادات لما بين زوجة كل منهما والأخرى من صلة نسب. وأما الثانى وهو الأستاذ المجاهد أحمد حسين فقد أفرج عنه بعد هربه من السجن بشهرين أو ثلاثة بعد وساطة بعض أصدقائه من الأعضاء السابقين في جمعية مصر الفتاة. وانقطعت الاتصالات بيننا نحن الضباط الإخوان داخل السجن وبين الإخوان المسلمين بمن فيهم المرشد بعد انتقالنا إلى السجن الحربى.

الخروج من مصر

     في عام 1955 تمكن من مغادرة البلاد والهجرة إلى لبنان ثم انتقل منها إلى الأردن حتى عام 1959، ثم انتقل إلى تركيا وأقام بها حوالي ثلاث سنوات ثم رجع إلى لبنان عام 1962 وظل مقيمًا بها طوال فترة غيابه عن مصر. العودة إلى مصر عاد إلى مصر يوم 12/9/1972، وكان في استقباله بالمطار وزير الداخلية ممدوح سالم، وقابل الرئيس أنور السادات يوم 2/11/1972 بمنزله بالجيزة، وصدر بعدها قرار جمهوري بإلغاء حكم الإعدام الصادر ضده عام 1954 في عهد عبد الناصر، بقى مقيمًا في مصر لم يغادرها إلا لأداء فريضة العمرة عام 1978 وفاته أصيب الفريق عبد المنعم عبد الرؤوف بشلل نصفي ونقل إلى مستشفى المعادي، ثم أمر الرئيس السادات بنقله للعلاج في فرنسا؛ حيث أجريت له عملية جراحية هناك، ثم عاد إلى مصر، وعاش معاناةً طويلةً مع المرض حتى وفاته التي كانت يوم الأربعاء 31/7/1985.

اضغط على الصورة