عرض: د. أحمد إبراهيم هلالي

إن المُطَّلِع على قضايا القارة الأفريقية المعاصرة، ليجد أن ما يجري من مناقشات، حاليًا، هو وثيق الصلة بقضايا تاريخية لم تنته بعد، وإن انتهى المُسبِّب الأساسي لها، ألا وهو الاستعمار، سواء كان استيطانيًّا أو غير ذلك. وقضابا الإصلاح الزراعي، والمساواة، والعدل الاجتماعي في جنوب أفريقيا، وثيقة الصلة، كذلك، بصورة مجدية، بمراعاة المسار التاريخي لتوزيع الأراضي في جنوب أفريقيا.

وإن المُتتبع لدراسة تاريخ حيازة الأرض في جنوب أفريقيا، والفصل العنصري بين عناصره الرئيسة من السكان، الأفارقة والبيض، وحتى الملوَّنين والآسيويين، أمران لا يمكن تجنبهما إلى حدٍّ كبير. ويرجع التوزيع غير المتكافئ للأرض بين الأفارقة والبيض إلى بدايات الاتصال بين العنصرين؛ فقد ارتكبت السلطات الحاكمة في جنوب أفريقيا على مدار نحو ثلاثة قرون ونصف القرن، أخطاءً وجرائم بتطبيق سياسات الفصل العنصري أدت إلى احتكاكٍ، وصراعاتٍ، وإجراءاتٍ مُهينة وفاشية من نظام حكم الأقلية البيضاء ضد الأفريقيين.

ولقد عانت السلطات الأفريقية، ولا تزال، بعد تسلُّمها زمام الحُكم بعد انهيار النظام العنصري في العام 1994، في جهودها الرامية إلى الفصل في حلّ هذه المشكلة. وهناك دروس يمكن استخلاصها مما حدث في الماضي، وأخرى يمكن استخلاصها مما حدث في بلدان أخرى؛ حيث طبقت سياسات الإصلاح الزراعي. ومنذ أن جاءت الحكومات الأفريقية “السوداء”، قدمت اقتراحاتٍ مختلفة لمحاولة حلّ قضية الأرض؛ كانت من بينها دعوات لنقل الأراضي المتاحة إلى المزارعين “السود” قبل أخذ الأراضي من المزارعين البيض، وظلّ لسنوات طويلة، منذ العام 2008، التلويح بمشاريع قوانين وإجراءات بمصادر ة الأراضي لصالح الدولة أولًا، ومنها إلى المواطنين “السود” ثانيًا، ورقة يتمّ التلويح بها من آن لآخر، وفي كل مرةٍ يُشار إلى هذا تُثار أزمات داخلية، وتلويح بتصعيد دولي لقضية الأرض وحقوق الملكية في جنوب أفريقيا.

هكذا باتت مشكلة التوزيع العادل للأراضي في الواقع أكثر تعقيدًا مما كانت عليه؛ فقد زادت أعداد السكان زيادةً كبيرة، وكما كانت سياسة الأرض التي تنتهجها الحكومات البيضاء سياسةً عرقية، فإن سياسة ما بعد حُكم البيض بشأن الإصلاح الزراعي تُشير لهذا أيضًا. وبينما كان الدافع الرئيس في سياسات الحكومات البيضاء في الماضي لتأمين موقف الرجل الأبيض؛ فالهدف الرئيس للحكومات السوداء بعد العام 1994، هو لصالح “السود”.

هذا هو جوهر قضية الإصلاح الزراعي، أو ما يُعرف بمشكلة الأرض في جنوب أفريقيا، لا يمكن مناقشته، أو طرح حلولٍ له دونما الرجوع إلى الجذور التاريخية للقضية. وبمنهجٍ موضوعي، وتحليل للقضية من جوانب عدّة، ناقش د. بدوي رياض عبد السميع، في كتابه “الأرض والعنصرية في اتحاد جنوب أفريقيا (1961-1910)”، في حقبةٍ مُهمّة من تاريخ الفصل العنصري، وهي الفترة التي تمتد منذ تأسيس اتحاد جنوب أفريقيا في العام 1910، وحتى إعلان الجمهورية في العام 1961.

أكد د. بدوي رياض، في مقدمة كتابه، أن الصراع على الأرض هو جوهر الصراع فى جنوب أفريقيا، وقد رصد ذلك منذ أن نشأت المستعمرة الهولندية البيضاء في الكيب منذ العام 1652، على أسسٍ اقتصادية، وأن الأرض كانت –بعد الاحتلال البريطانى في العام 1806- هي السبب فيما عُرف بالهجرة الكبرى في العام 1836؛ ثم اكتشاف الثروات المعدنية، مثل الماس فى العام 1867، والذهب في العام 1886، بمثابة الباب الذي أفضى إلى ما عُرف بحرب البوير (1902-1899)، والتي نجحت بريطانيا خلالها في توحيد جنوب أفريقيا تحت هيمنتها.

وقد أثر الصراع على الأرض كذلك فى الموروث الثقافى للقانون؛ فالقوانين والأعراف التي ظهرت على الحدود الشرقية لمستعمرة الكيب، كانت نتيجةً لنمو بيئة ثقافية اجتماعية للبوير، قائمة على ضرورة امتلاك الأرض وإزاحة الأفارقة منها، فباتت هذه الأفكار في جنوب أفريقيا بمثابة تراثٍ اجتماعي، وليس سياسي. كما أن الصراع على الأرض، والأفكار التي نشأت عنه، طبع الفكر البويري الأفريكانري بأفكار السيادة والأبوية، وهى أفكار نشأت أصلًا نتيجة للطابع الإقطاعي الذى كانت عليه مزارع البيض في الحدود الشرقية، والتي حرمت الأفارقة من أراضيهم؛ كما كان الصراع على الأرض أحد مصادر تقنين الفكر العنصري فى جنوب أفريقيا.

وقد رصد الكتاب، بشأن الأرض، كثيرًا من القوانين المتعلقة بالأرياف والمعازل الأفريقية، وما تبلور فيما عُرف بـ “السياسة الوطنية Native Policy”، التي صارت مُرادفًا لسياسات الحكومات البيضاء بشأن الأرض، وغيرها؛ وبالتالي كانت الأرض قاسمًا مشتركًا مُهمًّا في كثيرٍ من القوانين.

 ويعتبر التوزيع غير المتساوي للأرض، وما تلاه من مُصادرةٍ ونزعٍ لملكية الأرض الأفريقية، وعدم التمكين الاقتصادي للأغلبية السوداء، هو حجر الزاوية للتفرقة العنصرية؛ بعد أن رُسخ الطابع المؤسسي لعدم المساواة عرقيًّا خلال فترة الفصل العنصري “الأبارتهيد”، من خلال برنامج الأرض. لم يكن هناك شئ أكبر ضررًا للمجتمع الأسود من انتزاع ملكية الأرض؛ إذ يميل المجتمع الزراعي الأفريقي إلى إسناد الهيكل السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، إلى ملكية الأرض، وهو ما جعل مُصادرة البيض لها بمثابة تدميرٍ مُمنهج للبناء السياسي؛ وكذا للقاعدة الاقتصادية والاجتماعية للأفريقيين.

وأثناء الكفاح من أجل التحرير من قبضة الحكم العنصري، كانت الأرض كذلك قضية محورية، واستمرت لتكون، من وجهة نظر المؤلف، القضية المحلية الأكثر أهمية بعد التحول الديمقراطي في التسعينيات من القرن العشرين. فمصادرة الأرض الأفريقية، والاستيلاء عليها من قبل المستوطنين الأوروبيين، كفل الهيمنة الاقتصادية للبيض من جانب، والفقر والفاقة للسود من جانب آخر.

جاء الكتاب في مقدمة، وخمسة فصول، وخاتمة، وقائمة بأهم الوثائق والمراجع.

الفصل الأول: الأرض والعنصرية في جنوب أفريقيا حتى عام 1910

يتناول هذا الفصل، البناء السياسي لجنوب أفريقيا قبل تأسيس اتحاد جنوب أفريقيا في العام 1910، والاختلاف في نظرة كل من الأفريقيين والأوربيين للأرض. كما تناول أنماط الحيازة في كل من المناطق القبلية ومناطق البيض، والعوامل التي ساعدت الأوروبيين في الاستيلاء على الأرض الأفريقية؛ ثم السياسات المتبعة في كل وحدة سياسية في جنوب أفريقيا، إلى أن تم توحيدها تحت الهيمنة البريطانية بعد هزيمة البوير في حرب البوير (1902-1899)، وانعكاسات ذلك على تطور سياسات الأرض فيما بين (1910-1902).

الفصل الثاني: الأرض في السياسات العنصرية الحكومية

يرصد هذا الفصل سياسات حكومات اتحاد جنوب أفريقيا المُتعاقبة لمُصادرة الأرض الأفريقية، وتحويل الأفارقة إلى عمالة رخيصة الأجر في مناجم، ومصانع، ومزارع البيض؛ وكيف أن البيض تفنَّنوا في ابتكار وترويج سياسات “المعازل”، أو ما عُرف بـ “البانتوستانات”، و”سياسة التنمية المنفصلة” لاحقًا.

الفصل الثالث: الأرض الأفريقية في التشريع العنصري

يُحلّل المؤلف في هذا الفصل، أهم التشريعات والقوانين العنصرية المُرتبطة بالأرض بشكلٍ مُباشر، والتي استُخدمت لمصادرة الأرض الأفريقية بقوة القانون، مع تحديد أهداف، وبنود هذه القوانين، وكيف أنها استُخدمت لطرد الأفارقة قسرًا من أراضيهم.

الفصل الرابع: النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لسياسات الأرض

رصد المؤلف في هذا الفصل، النتائج المُترتبة على سياسات وقوانين الأرض؛ وذلك وفقًا لأربع مجموعات، تناولت الآثار الإقليمية المُباشرة لقانون الأرض لعام 1913، والتي تبلورت في أعمال طردٍ ومآسٍ مُباشرة عانى منها الأفريقيون. كما عرض الفصل النتائج السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية لوجود الأفارقة على مساحات ضيقة من الأرض، كاننت هي الأسوأ في جغرافية جنوب أفريقيا.

الفصل الخامس: الأرض في نضال الحركة الوطنية الأفريقية

يعرض هذا الفصل لرد الفعل الأفريقي، ونضال حركة التحرر الأفريقي، مع التركيز على رد الفعل الأفريقي الشعبي غير التنظيمي، ثم التنظيمات السياسية الأفريقية، وخاصة المؤتمر الوطني الأفريقي، أكبر المنظمات السياسية الأفريقية في اتحاد جنوب أفريقيا آنذاك؛ وكيف أن الأرض كانت وقودًا مُحركًا لحركة التحرر الأفريقي.

بدوي رياض عبد السميع: الأرض والعنصرية في اتحاد جنوب أفريقيا (1961-1910)، سلسلة بحوث أفريقية، العدد (4)، مركز تاريخ مصر المعاصر، الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، 2014، 307 صفحة.