وليد عبد الحي


يقع متن الكتاب الصادر عام 2019 والذي ألفه ” تركي الدخيل” في 255 صفحة،وتم تقسيمه الى ثلاثة فصول اضافة لتقديم وخاتمة للكتاب وكشاف، ويعرض في مقدمته نماذج للتسامح في التاريخ العربي( وثيقة مع مسيحيي نجران،كتاب ابو بكر عن اخلاق الفروسية، والعهدة العمرية لأهل القدس.) كما يؤكد ان ظاهرة عدم التسامح عرفتها الحضارة الاوروبية كما عرفتها الحضارة الاسلامية. وفي الفصل الاول وبعد الدعوة لاهمية التسامح يتوقف عند راي لويس شيخو ورفضه للتساهل الديني واعتبار الأديان على قدم المساواة وهي الفكرة التي يشاطره فيها جمال الدين الافغاني، كما يعرض لافكار أديب اسحق وانطون الجميل، ويرى الكاتب ان التسامح بدأ دينيا وانتهى مدنيا( أي تحقيق مصلحة الدولة والمجتمع)، ثم يتتبع مفهوم التسامح عند الاوروبيين بخاصة مراسيم التسامح الرومانية المسيحية في القرن السادس عشر ليعرض بعد ذلك رسالة جان لوك عن التسامح، وعليه يقرر الكاتب ان التسامح ولد كرد فعل للصراعات الدينية وهو وليد حركة الاصلاح الديني الأوروبي، ويعرض ما كتبه غوستاف لوبون حول نماذج تاريخية للتسامح في الخبرة الاسلامية، وينتقل للتجربة العثمانية (الخط الهمايوني) ولنماذج شعرية عربية قديمة وحديثة وصولا لتناول ثلاثة مفكرين معاصرين عرب هم: عابد الجابري ومحمد اركون وعلي أومليل مشيرا الى قرارات الامم المتحدة وبعض وكالاتها باعتبار عام 1995 ” عام التسامح “.وفي عرضه للمفكرين الثلاثة العرب يرى ان اركون ينفي وجود التسامح في السياق الاسلامي ويقصره على السياق الاوروبي بينما يجده الجابري عند المعتزلة وبن رشد والمرجئة بينما يرى أومليل عدم القدرة على اسقاط المفهوم على حاضرنا لأنه غير موجود في تراثنا، ثم ينتقل الى مساجلات محمد الغزالي والى وجهة نظر صالح الحصين الذي يرى ضرورة التسامح مستندا لنموذج تاريخي يتمثل في ” وثيقة المدينة” . وينتقد الكاتب رأي ادونيس الذي يعتبر التسامح ينطوي على نظرة فوقية(كأن الآخر الذي تسامحه هو مخطئ اصلا). في الفصل الثاني يركز على تعدد مفهوم التسامح اوروبيا ويعالج ذلك من خلال مناقشة أفكار كل من جون لوك وفولتير والتي يقوم جوهرها على فك الارتباط بين السلطة الدينية والسلطة المدنية.ويقارن الكاتب مواقف متناقضة للفقهاء المسلمين(محمود طه-الشريف الرضي-الخوميني) وينتقل لمناقشة الموقف من طعام الآخرين(نجس او غير نجس) والموقف من المرأة ويربط ذلك بالتسامح، مؤكدا على ان ” التجديد الديني” ياتي في مقدمة المهام لجعل التسامح ثقافة مع اشارته الى ان التسامح بمفهوم الحرية والحياة المدنية هو مفهوم جديد على البشرية(صفحة 123) . وفي الفصل الثالث يلخص الكاتب كتاب جوزيف لوكلير- وعنوانه ” تاريخ التسامح في عصر الاصلاح ” الصادر عام 1994 معتمدا في عرض الكتاب على ملخص له ورد في كتاب “أزمة المسلمين الكبرى”، واهم ما ورد في الملخص هو: ان اوروبا عرفت عدم التسامح اكثر منا وان نجاح التسامح في اوروبا كان بسبب فصل الدين عن الدولة وغياب القبلية، وان كلا من المتشددين والمتسامحين يبنون رأيهم على تأويل النصوص والوقائع المتقابلة في نفس الدين، ان فكرة الحاكمية عند المسلمين السنة لها ما يوازيها عند الشيعة(ولاية الفقيه) وعند اليهود (في نصوص التوراة)، وان العهد الجديد (الانجيل ) يمثل انتقال من الشريعة المكتوبة(التوراة) الى جعل ملكوت الله مسالة ” ضمير”، فالدنس ليس ما يدنس الجسد بل ما يصنع الشر في القلب ،لذا وردت مفردة الضمير 30 مرة في الأناجيل .، ثم ينتقل الكتاب(لوكلير) الى مرسوم ميلانو الذي اقر الاعتراف بالأديان الاخرى في الدولة الرومانية بعد توتر ديني شهدته بينها وبين المسيحيين(333م)، وأسس هذا لاحقا قاعدة لمفكرين اعتمدوه لافكارهم مثل ” نيكولا دو توزا ” في القرن الخامس عشر الذي دعا لحوار داخلي بين المسيحيين وحوار بينهم وبين المسلمين، ثم ظهر مارسيل فيسان الذي دعا للتوفيق بين الفلسفة والدين،ثم المفكر ” أراسم” الذي جعل منهجه نشر الدين بالسيرة الصالحة لا بالسلاح..وصولا الى ثورة لوثر المعروفة والتي نتج عنها توتر كاثوليكي بروتستانتي لاحقا، ثم يتناول دور بعض الحكام في تعزيز التسامح مثل مللك بولونيا والملك هنري الثامن في بريطانيا، ويصل الكاتب في خلاصته الى أن التسامح يتم بتعاون ” المثقف والملك”، داعيا للاستفادة من التجربة الاوروبية .
ترتكز هذه الدراسة ذات الطابع الثقافي على موضوع قيمي هو ” موضوع التسامح ” مع تركيز كبير على البعد الديني لهذا المفهوم ، وهناك اشارات قليلة للغاية متناثرة لأبعاد اخرى مثل المرأة والطعام وغيرها، وإذا قسمنا هذه الدراسة الى جوانب ثلاثة هي المنهجية(الخطوات العلمية للبرهنة على فرضية الدراسة) والمعلومات( وقائع او افكار او غيرها) او تطبيقية وميدانية (دراسات تقوم على الاستطلاعات او تحليل المضمون والبناء على نتائجها) فأنني اجزم ان هذا الكتاب لا نصيب له في أي منها.فالكتاب احيانا يبني على واقعة معينة استنتاجات متسرعة(كحكاية معاوية وعبدالله بن الزبير صفحة 34)، ولكن هل كان معاوية متسامحا في حياته السياسية بخاصة ؟ ان التحليل العلمي للظواهر الاجتماعية يقوم على رصد الاتجاهات الكبرى(Mega-Trends) وهي التي تحتاج لتعقب تاريخي ورصد لتغير الظواهر لفترات طويلة، وليس لتصيد حكايات قصصية كما ورد في هذه الدراسة. كذلك لا أدري لماذا يتم تغييب الفكر والخبرة الآسيوية عن كل الدراسات العربية بما فيها هذه الدراسة ؟ أليس موضوع التسامح كمنظور فكري مطروح منذ كونفوشيوس وبوذا ولاوتسي وغيرهما ، لكن باحثنا يرى ان نقطة انطلاق التسامح هي ” حركة الاصلاح الديني الاوروبي(صفحة 41)، فهل يعقل ان يغفل باحث يدرس ظاهرة ” انسانية ” الإرث الفكري لما يوازي 45% من اتباع الأديان غير الاسلامية والمسيحية واليهودية ؟ ويكفي ان أحيل الكاتب الى الدراسة التالية التي اصدرتها جامعة اكسفورد والخاصة بالتسامح ليرى المكانة التي يحتلها “النموذج الآسيوي غير المسلم في تأصيل فكرة التسامح : انظر وبشكل خاص : الفصل 11 من صفحة 201-219 في المرجع التالي:
Clarke, S., Powell, R., & Savulescu, J. (Eds) – Religion, Intolerance, and Conflict. Oxford: Oxford University Press.(2013)
ان مراجعة الدراسات والندوات والمقالات واللقاءات التلفزيونية حول موضوع التسامح اصبحت أكثر من أن تحصى، ولو حددنا موضوعات هذا الكتاب سنجد انها لا تعدو اجترارا لما هو متداول في كل ما سبق ، بل ان الفصل الثالث(وهو الاطول بين الفصول الثلاثة للكتاب) في الدراسة هو اعادة تلخيص ” لتلخيص ” كتاب مترجم صدر بالفرنسية قبل ربع قرن.
وما يلفت النظر ما ورد في صفحة 17 من الكتاب حيث ورد ” ان قراءة النظريات الفلسفية الراهنة حول التسامح قد لا تضيف للإيمان به ما نريده ، ولكن تتبع مساره التاريخي عبر المواقف المتصلة بالأفكار قد يفيدنا”..وتساءلت ما معنى ” المواقف المتصلة بالأفكار؟ هل هي السلوك السياسي والاجتماعي تطبيقا لافكار او نظريات يحملها الفرد او المجتمع؟ ثم ما هو الاساس الفكري الذي استند له الباحث ليقطع بان النظريات الفلسفية الراهنة حول التسامح قد لا تضيف للايمان به ما نريده ؟ فلماذا والحالة هذه ناقش الكاتب افكار فلسفة جاك دريدا(الصفحات 121-122) وعاد لها صفحة 154.؟
يحسب للكتاب تركيزه على نقطتين وردتا في كتب كثيرة لكنه اكد عليهما وهما: ارتباط عدم التسامح في الغالب بالبعد الديني(مسيحيا واسلاميا ويهوديا) من ناحية، وتأكيده من ناحية اخرى على ان ظاهرة عدم التسامح في المجتمع الاسلامي هي ظاهرة عرفتها الخبرة المسيحية الأوروبية بل وبقسوة أشد ، وهو ما يشي بان الخروج من المأزق ليس امرا مستحيلا ،مع تأكيد الكاتب على اهمية توافر الارادة السياسية والفاعلية المجتمعية والدينية للوصول الى هذه النتيجة المأمولة.
ذلك يعني ان الكتاب لا يضيف جديدا لأدبيات الموضوع، كما ان منهجية البحث غلب عليها الخواطر المتناثرة وعدم ربط ظهور “التسامح وتواريه ” بمستويات التحليل الفردية( علم النفس بشكل عام وعلم النفس السياسي) والبنيات الاجتماعية( علم الاجتماع) والتاريخ الاجتماعي، وعلى المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
و اذا استثنينا الفصل الثالث من الكتاب وهو عرض موسع لكتاب باللغة الفرنسية(اشرنا له اعلاه)، فان الفصلين الأول والثاني فيهما تداخل وافتقار لتنظيم المعلومات، بل ان القارئ يشعر كأن الكتاب خواطر كتبت في فترات مبتاعدة ثم جرى تجميعها، وهناك افراط في استخدام الشعر ، وهو امر لا بد من أخذه بحذر شديد لا سيما في البحوث الاجتماعية، بخاصة ان الباحث بالغ في استشهاداته الشعرية التي وردت في 38 صفحة متفرقة.
جانب آخر، غاب التفسير الاجتماعي والنفسي والسياسي والاقتصادي والثقافي بل وما سمته دراسات اليونسكو عن التسامح بالصور الذهنية المتبادلة بين المجتمعات وبين الاديان والمذاهب..ان مشكلة اغلب دراساتنا لهذه الموضوعات الشائكة هي ليست في “ماذا ؟ ” بل هي في ” كيف” ؟، ثم الربط بين المتغيرات التي تشكل الظواهر، فما هي علاقة التسامح بالتصنيع؟ وما علاقة التسامح بالبنية السيكولوجية للفرد؟ وما دور المناهج التعليمية والاعلام ..الخ.
هذه الدراسة هي عبارة عن سرد “لحكايات تاريخية” او لافكار ذكرت في آلاف الكتب التي تعالج موضوعها وهو التسامح، الى جانب تأكيدي مرة أخرى على الانتباه لتراث المجتمعات الأخرى- فمثلا لماذا يترشح في أوغندا ونيجيريا والسنغال وتنزانيا(وهي دول افريقية سوداء أغلب سكانها او نسبة عالية من السكان مسلمين) مترشحون للرئاسة من الاقليات المسيحية وأحيانا يفوزون بينما لا نتصور ان هذا سيحدث في القريب العاجل في الدول العربية(التي يوجد فيها انتخابات)..
يطغى على الكتاب الطابع الوعظي، وهو امر لا اراه مجديا في موضوعات معقدة كهذه، فتغيير البنية المعرفية امر ليس سهلا.
ملاحظة اخرى هي ان الكتاب يخلو من المرجع الأجنبي بلغته الاصلية، فكل ما هو موجود مراجع عربية او مترجمة، وهو ما يجعل الكاتب اسير الترجمة.