عرض: د. أحمد إبراهيم هلالي

منذ أن انفردت بريطانيا بحكم السودان في سبتمبر 1898، أخذت، بحكم ما آلت إليه الأحداث والدلائل، إلى أنها لم تعد مطمئنة من ثبات مواقع الاستعمار البريطاني في السودان، خاصة بعد أن اندلعت ثورة 1919 في مصر، ومن بعدها ثورة 1924 في السودان، التي كان من بين شعاراتها وحدة وادي النيل. من ثم لجأت بريطانيا إلى تكثيف مخططها الاستعماري في السودان عن طريق استثمار الفوارق الثقافية، والعرقية، والدينية بين شمال السودان وجنوبه، على وجه الخصوص منذ نهاية العام 1929، لتحقيق عدة أهداف، من بينها: عزل جنوب السودان عزلًا كاملًا عن شماله، وتحويل جنوب السودان إلى أداة في يد الاستعمار البريطاني باستمالة وتوجيه أبنائه إلى التعليم والثقافة الغربية البريطانية؛ ثم وضع ورعاية بذور التعصُّب الديني، فيتحول الأمر في السودان إلى جنوبٍ مسيحي وشمالٍ مسلم، وتصدير القضية للعالم على هذا النحو.

وما أن اندلعت ثورة يوليو 1952، في مصر، ثم توقيع اتفاقية الجلاء 1954، عندئذ تفاقمت حالة جنوب السودان وقضيته، وأخذ المخطط الاستعماري الانفصالي إلى تأجيج تمرُّد جنوب السودان في أغسطس 1955، وعلى الرغم من قمع التمرُّد، إلا أن نتائجه أخذت تتفاقم وتتصاعد بعد أن تم تصدير قضية جنوب السودان إلى مشكلة خطيرة بينه وبين الحكم الوطني الشمالي، وأخذ مصطلح الانفصال يفرض نفسه بأيادٍ داخلية، وإقليمية، وخارجية.

تؤكد د. رشا أمين، في مقدمة الكتاب، إلى أن حالة جنوب السودان، وما طرحته من تدخلات إقليمية ودولية واضحة، أخذت صورة مُصغّرة للمشهد الأفريقي، بيد أنها مع ذلك أضافت ملامح ودلالات أخرى، نظرًا لارتباطها المباشر بمنظومة الأمن القومي الأفريقي والعربي والإسلامي، وبحسبانها نقطة التقاء وتمازج بين عوالم حضارية متعددة: الأفريقانية، والعروبة، والإسلام؛ فقد مثَّل السودان صورة مُصغّرة لأفريقيا بتعدُّد لغاته، وعاداته، وأديانه، وتقاليده، وانعكس ذلك على الشخصية السودانية التي هي مزيج بين الشخصية الأفريقية والعربية.

وقد عانى السودان منذ استقلاله من اضطرابات ومشاكل تنامت في شقه الجنوبي، والتي جاءت نتيجة تفاعل عديد من العوامل والأسباب؛ منها ما يرجع لفترة الاستعمار، وأخرى ارتبطت بتوجهات الحكومات الوطنية التي تعاقبت على السودان، واختلاف تعامل كلٍ منها مع المشكلة وفق توجهاتها؛ الأمر الذي توازى معه ظهور أشكال من أساليب المقاومة من أهل الجنوب تنوّعت بين العمل السياسي والتمرُّد المسلح؛ لذا مثّلت الحركة الشعبية لتحرير السودان، وذراعها المسلح، الجيش الشعبي لتحرير السودان -التي قادت حربًا أهلية من أطول حروب القارة الأفريقية- نقطة فارقة في تاريخ السودان بأكمله.

تكوُّنت الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في العام 1983، في جنوب السودان، كنتيجةٍ لكثيرٍ من التطورات السياسية التي شهدها السودان قبل هذا التاريخ بسنوات طويلة، والتي صبّت جميعها في خانةٍ واحدة، هي عدم المساواة وغياب العدالة بين الشمال والجنوب، وقد تمخّض عن هذا مظالم عديدة عانى منها أهل الجنوب، منذ فترة الحكم الثنائي للسودان وامتدت حتى بعد الاستقلال في العام 1956، وتواصلت في فترات الحكومات الوطنية حتى اندلعت الحرب الأهلية الثانية في السودان في منتصف العام 1983، على يد الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان.

وتؤكد د. رشا أمين، أن تمرُّد حامية بور في 16 مايو 1983، لم يكن مجرد تمرُّد عسكري شبيه بذلك الذي حدث في حامية توريت في العام 1955، فقد كان تمرُّد توريت مقدمة لحركة انفصالية عرفت بحركة “أنيانيا-1″، أما تمرُّد بور فقد أفرز تشكيل الحركة الشعبية لتحرير السودان وذراعها المسلح، الجيش الشعبي، وقد استهلت عملها بإصدار ميثاقها السياسي أو المنفيستو في العام نفسه. وعلى عكس ما توقّع كثيرون، لم يكن ذي طابعٍ انفصالي أو شبه انفصالي، وإنما حرص بشكل واضح على التعبير الدقيق عن قضية الشعب السوداني ككل إزاء تحليل معين لطبيعة السلطة في الشمال، وعلى بناء السودان الجديد لكسر هيمنة البرجوازية والطائفية على السودان الموروث.

وقد أدى سلوك ثورة مايو 1983، وعدم التزامها بوعودها بعد أن نقضت اتفاق أديس أبابا، إلى تحريك عوامل التفتيت، والتجاهل، والإقصاء في الجنوب خاصة مع تغيير تحالفات نميري وتركيزها على البرنامج الإسلامي، إلى خروج الحركة الشعبية برؤية جديدة اختلفت عن كل حركات التمرُّد المسلحة التي ظهرت في الجنوب من قبل، فقد رأى جون جارانج، مؤسس الحركة الشعبية، أن قيام حركة طليعية لتحرير كل الشعب السوداني منطلقة من الجنوب هو الحل الصحيح؛ لأن الحركات الأولى في تقديره كانت حركات رجعية.

بهذه المنطلقات، شاركت الحركة الشعبية كافة القوى السياسية الشمالية في حركتها لتوحيد المعارضة للنظام السوداني في إطار ما عُرف بالتجمع الوطني الديمقراطي، وتبع ذلك امتداد نفوذ الحركة الشعبية السياسي والعسكري لمناطق أخرى خارج نطاق الإقليم الجنوبي.

وفيما بين بداية تكوين الحركة الشعبية وذراعها المسلح وبين امتداد نفوذها السياسي والعسكري في أرجاء شتى من السودان، جرت دماء كثيرة في ظل الاقتتال والعنف المتبادل وأيضًا العمل السياسي المُتشعّب والمكثَّف، ولم يكن الموقف طوال هذه الفترة يسيرًا على كلا الجانبين، فالحرب مُرهقة ومُكلّفة على الطرفين، والحل العسكري يستحيل؛ وكذلك لم يبد الحل السياسي يسير الطرح من قبل أيديولوجية إسلامية مُتصاعدة في الشمال، راغبة في الانتشار لأبعد من حدود الشمال والجنوب على السواء.

هكذا اختلفت الحركة الشعبية لتحرير السودان عن سابقتها التي اقتصرت على الجنوب محطًا لأطروحاتها وطموحاتها السياسية، وميدانًا لأعمالها وأنشطتها العسكرية، كما أنها تمكّنت من الوصول لأبعد من هذا بكثير، فقد استطاعت أن تنفصل بجنوب السودان ليصبح دولة وليدة مستقلة عن السودان الأم، وبهذا فقد أصبحت الحركة الشعبية من أهم الحركات المسلحة التي ظهرت في القارة الأفريقية، فقد قادت الكفاح المسلح ضد أنظمة الخرطوم المتعاقبة لأكثر من عشرين عامًا، حيث تم توقيع اتفاق مشاكوس الإطاري بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، في العام 2002، الذي وضع نهاية لحرب كانت من أطول وأعقد الصراعات الأهلية في القارة الأفريقية، واعترفت بموجبه الحكومة السودانية بحق الجنوب في تقرير مصيره، وتواصلت بموجبه اللقاءات وجولات التفاوض بين الجانبين والتي انتهت بتوقيع اتفاق السلام الشامل في عام 2005، إلى أن قُضي الأمر بأن يُجزَّئ السودان الشقيق، أكبر دول القارة الأفريقية، إلى دولتين.

جاء الكتاب في مقدمة، وفصل تمهيدي، وخمسة فصول، وخاتمة، وقائمة بأهم الوثائق والمراجع

الفصل التمهيدي: جنوب السودان منذ الفتح المصري التركي حتى اندلاع الحرب الأهلية الثانية (1983-1820) 

يتناول هذا الفصل، بإيجازٍ، ملامح السياسة المصرية تجاه جنوب السودان (1898–1820)، وعرض للدور البريطاني في تعميق الفجوة بين شمال وجنوب السودان خلال فترة الحكم الثنائي (1956-1899)، ثم سياسات الحكومات الوطنية تجاه الجنوب وقضاياه، وكيف تعاملت مع تلك القضايا، وكيف أسهمت في استفحال الصراع إلى أن أدي لاندلاع الحرب مرة أخرى مع ظهور الحركة الشعبية والجيش الشعبي في العام 1983.

الفصل الأول: الحركة الشعبية من النشأة حتى الانشقاق

(1983-1991) 

يبحث هذا الفصل في بدايات نشأة الحركة والصراع بين قائدها جون جارانج، وقادة الأنيانيا 2، حول قيادة الحركة وأهدافها وطبيعة الفكر والخطاب السياسي للحركة، ثم تناول ملامح شخصية جون جارانج، قائد الحركة والجيش الشعبي، وتكوينه وتبلور أفكاره، ثم الهيكل التنظيمي للحركة وتكوين ذراعها المسلح، إلى أن حدث الانقسام في صفوفها.

الفصل الثاني: إعادة بناء الحركة الشعبية لتحرير السودان

(1991-2002) 

يقدّم هذا الفصل عرضًا تحليليًّا مهمًّا لتطور الهيكل التنظيمي للحركة الشعبية، خاصة بعد قراراتها خلال المؤتمرات التي عقدتها، مثل مؤتمر توريت 1991، ومؤتمر شقدوم 1994، والتي رسمت شكلًا جديدًا للهيكل التنظيمي للحركة. كما حلَّل الفصل الفكر السياسي للحركة إبان انفصالها عن المعسكر الشرقي عقب انهياره، وتوجهها نحو المعسكر الغربي الرأسمالي؛ وهو ما ترتب عليه تغيير الخطاب السياسي للحركة، وحدوث الانشقاق الذي فرض مصطلحات جديدة على خطابها، كان أهمها وأبرزها “حق تقرير المصير”، ومحاولة الحركة آنذاك التحوّل من حركة عسكرية إلى حركة سياسية ذت برامج وأهداف؛ ثم عوامل التقارب بين الحركة والأحزاب السياسية الشمالية، وتطورات المشهد السياسي حتى توقيع اتفاق مشاكوس في يوليو 2002.

الفصل الثالث: الجيش الشعبي في الميدان 

تحلّل المؤلفة في هذا الفصل، الظروف والأوضاع التي تكوَّن خلالها الجيش الشعبي، الذراع المسلح للحركة، وطبيعة عناصره البشرية، وتوجهاته الفكرية، والتسليح، وأساليب القتال. كما عرض لتطور بنية الجيش الشعبي، وهيكله التنظيمي حتى العام 2002، وتطوُّر العمل العسكري للجيش الشعبي على جبهات القتال المختلفة في الجنوب، وكيف اكتسب مواقع استراتيجية مهمة داخل الجنوب، بل وامتدت لمواقع داخل حدود الإقليم الشمالي.

الفصل الرابع: محاولات التسوية السلمية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية (1989-2002) 

يحلّل هذا الفصل محاولات التسوية السلمية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية (1989-2002)، مع إلقاء الضوء على كافة مراحل المفاوضات بين الطرفين، ابتداء من مفاوضات أديس أبابا 1989، مرورًا بمفاوضات أبوجا الأولى والثانية، وجولات الإيجاد، والمبادرة المصرية الليبية، وانتهاءً باتفاق مشاكوس في يوليو 2002.

الفصل الخامس: العلاقات الإقليمية والدولية للحركة الشعبية 

تعرض المؤلفة في هذا الفصل للعلاقات الإقليمية والدولية للحركة الشعبية، مع إلقاء الضوء على علاقات الحركة بدول الجوار مثل إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وإريتريا، تلك الدول التي شكلت مصدرًا مهمًّا من مصادر الدعم للحركة وجيشها. كما تناول الفصل علاقات الحركة بالولايات المتحدة الأمريكية، وكيف شكلت واشنطن دعمًا قويًّا للحركة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الداعم الأول للحركة في مهدها. وتطرق الفصل كذلك للدور الأمريكي في مفاوضات مشاكوس والأهداف الأمريكية من هذا التدخل.

رشا محمد أحمد أمين: الحركة الشعبية في جنوب السودان، سلسلة بحوث أفريقية، العدد (3)، مركز تاريخ مصر المعاصر، الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، 2014، 320 صفحة.