عرض كتاب تطور الدراسات العربية في اليابان 1945 – 2016

 

وليد عبد الحي

يقع متن الكتاب الذي الفه مسعود ضاهر واصدره عام 2019 في 292 صفحة، منها 24 صفحة مقدمة، وتم تقسيمه الى خمسة فصول يتبعها حوالي 106 صفحات هي عبارة عن ملاحق تشتمل على أهم الكتب والدراسات اليابانية التي قام بها المستعربون اليابانيون، ويتناول الكاتب في المقدمة أسباب الاهتمام الياباني بالمنطقة العربية والشرق الأوسط مركزا على البعد الاقتصادي(النفط والسوق)، وحاول تحقيب مراحل الاستعراب الياباني وحدوده التي تختلط بالدراسات الشرق اوسطية والاسلامية مع تركيز خاص على احد ابرز المستعربين وهو ” نوتاهارا”. ويذكر ان بحوث المستعربين ” غير ممولة سياسيا”، وان نسبة منها لم تتبن مقولات الاستشراق الغربي، وتعمل على تقديم الدين الاسلامي بقدر من الايجابية، والانتقال لا سيما مع المستعربين الشباب الى الدراسات الامبريقية للعالم العربي، ويشير انه اعتمد في تناوله للنصوص اليابانية على الترجمات الانجليزية او الفرنسية وعلى سلسلة من الحوارات مع حوالي 40 مستعربا يابانيا. في الفصل الأول:” اضواء على نشأة الدراسات العربية في اليابان 1945-1973، يبدأ الكاتب بتتبع تطور الدراسات اليابانية بدءا من الدراسات لمصر (الثورة العرابية- خاصة دراسات شيباشيرو) وتعثر هذه الدراسات بسبب التوجهات السياسية التي سادت في اليابان في تلك الفترة، كما اشار الى ترجمة القرآن والاهتمام بشخصية الرسول، وكانت جامعة “أوساكا” هي اول جامعة يابانية تقوم بتدريس اللغة العربية برعاية مصرية، وواجه هذا التيار تيارا آخر كان يقوده ” Fukuzawa ” يروج للمنظور الغربي ، كما ان التيارات الشوفيينية اثرت نسبيا على صورة العرب ، الى جانب ان بعض الدراسات اليابانية كانت مستندة لدراسات صينية. لكن الدراسات العربية اصبحت اكثر عمقا مع Izutsu بعد الحرب العالمية الثانية، بخاصة دوره في وضع دراسات عن القرآن واللغة العربية والفلسفة العربية والتصوف..الخ. وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية تأثرت الدراسات اليابانية بالثورة المصرية(1952) وبالمقاومة الفلسطينية في جذب انظار النخب اليابانية، ثم كان لكتاب ادوارد سعيد “الاستشراق” تأثير كبير على المستعربين اليابانيين .وفي الفصل الثاني :” مؤسسات ومشاريع ثقافية لتعزيز الدراسات العربية في اليابان” يبدا الكاتب بدراسة ما تركه الحظر النفطي العربي عام 1973 على اليابانيين،حيث بدأ اليابانيون بتمويل دراسات للشأن العربي وانشاء مؤسسات لهذا المجال (مثل معهد الاقتصادات النامية )، وتنامي اهتمام الجامعات ومراكز الابحاث ودعوة العديد من الباحثين العرب الى هذه المؤسسات التي بدأت نشاطاتها تغطي مختلف جوانب الشأن العربي. ويستعرض الباحث المؤتمرات العربية اليابانية المشتركة بخاصة مع اتساع قاعدة من يتقنون اللغة العربية،ثم ينتقل الى المجلات مشيرا لحصول باحثين يابان على جوائز عربية مثل جائزة الشيخ زايد. وفي الفصل الثالث: ” الترجمة المتبادلة والتفاعل الايجابي بين الثقافتين العربية واليابانية” ، فبعد نقد الجهد العربي في جانب الترجمة يعتبر الكاتب ان كتاب ” نوتاهارا” وعنوانه- العرب وجهة نظر ياباني – نقطة تحول، ويسرد في الصفحات 115-118 حوالي 350 اسما عربيا ممن ترجمت أعمالهم لليابانية.ومع ان الكاتب يشير للنقد الموجه من قبل بعض المفكرين الكبار مثل ” ايتاغاكي ” لدراسات المستعربين الشباب ، يتناول العوامل التي عززت الاهتمام بالعرب مثل غزو العراق ،ومشاركة اليابان في قوات السلام. وفي الفصل الرابع:الاستعراب الياباني في مراحل الرواد الأوائل 1973-1993، يركز هنا على معهد الاقتصادات النامية ودراسات ايتاغاكي بخاصة مشروعه “المدينية في الاسلام” ، وكانت الخارجية اليابانية تتعاون معه في اغلب بحوثه، وينقل الكاتب راي ايتاغاكي عن تأثير احداث ما بعد عام 2011 على صورة العرب بسبب الاسلام التكفيري. في الفصل الخامس : تطور الدراسات العربية في اليابان 1993-2016 يشير الى ان تلاميذ ايتاغاكي شكلوا الجيل الثاني من المستعربين وتركزت دراساتهم على الاقتصاد السياسي والتاريخ والاقليات ..الخ ومنهم من تخصص في دول عربية بعينها مثل مصر والعراق والسودان وسوريا ولبنان..وفي الخاتمة التي نوه فيها بدور كبار المستعربين في تحسين صورة العربي في الذهن الياباني( مثل ايتاغاكي وغوتو ومياجي ) يرى ان النفوذ الغربي يعيق تطور العلاقات اليابانية العربية(ص.290)لكنه يؤكد على تحسن هذه الصورة وعلى اتساع قاعدة المستعربين ، منوها لقصور العرب في المساهمة في بقاء بعض الضبابية في هذه الصورة.
تنتمي هذه الدراسة لفروع علمية مختلفة، فهي رصد فكري وثقافي لمجتمع معين ، ومتابعة تاريخية ، وعلاقات دولية بقدر ما، وموضوعها المركزي هو تعريف وتصنيف وتلخيص الدراسات اليابانية الخاصة بالمجتمع العربي سواء أكانت هذه الدراسات تم نشرها باللغة العربية او الانجليزية او الفرنسية أو غيرها، ولا شك في أن الكتاب يغطي – الى جانب ما انتجه الكاتب سابقا في نفس الميدان – ثغرة هامة في مجال الاطلاع على المنظور الياباني بشكل خاص والآسيوي بشكل عام تجاه الحالة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا..الخ، ورغم أن الكتاب يفتقد لقدر من التنظيم في عرض المعلومات، وفيه تكرار كثير، غير أنه يقدم صورة العربي في الفكر الياباني من خلال الاطلاع على الأدبيات اليابانية في هذا المجال ، ومن خلال سلسلة كافية من المقابلات المباشرة مع المفكرين والباحثين اليابانيين وتلخيص وجهات نظرهم في الدراسات اليابانية للشأن العربي، ويعرض الكاتب تأثير ” الاستشراق الغربي” على نسبة غير قليلة من ” المستعربين” اليابانيين، مع تنبيهه في أكثر من موضع للتأثير الذي تركته كتابات إدوارد سعيد في الاستشراق على تهذيب الفكرة اليابانية في هذا المجال.
وفي تقديري أن أي علاقة عربية مع اليابان لا بد للمشرفين عليها من الاستفادة من هذا العرض للمنظور الياباني رغم أنه عرض غلب عليه “الطابع الموسوعي”، وتتضح أهمية الكتاب في تناوله لتطور أدبيات المستعربين اليابان من مرحلة ما بين الحربين العالمية الأولى والثانية مرورا بما يسميه أزمة النفط والصدمة التي أحدثتها نتائج حرب 1973 بين العرب واسرائيل، وصولا للمرحلة الأخيرة بعد أزمة الكويت والعراق والثورة الايرانية..الخ.
كما يستعرض الكاتب ابرز نشاطات المؤسسات والجامعات والمؤتمرات والندوات الخاصة بنشاطات المستعربين اليابانيين ، ويشير الى بعض المشكلات في عمل هذه المؤسسات مثل نقص التمويل وعدم كفاية التجاوب العربي مع الجهود اليابانية بالقدر الكافي.
ويتناول الكتاب بعدا آخر وهو مجال الترجمة التي قام بها المستعربون اليابانيون ، ويركز بشكل واضح على ترجمة الأدب العربي، ويكشف الكتاب عن مساحة اوسع مما يتبادر للذهن عن حجم الترجمة للأدب العربي القديم والحديث والفلسفة، وهو أمر اتسع بعد تنامي الاسلام السياسي وما تركه من صدى في بقاع العالم المختلفة، ورغم أن الترجمة كانت تتم في كثير من الأحيان عن الترجمات الفرنسية او الانجليزية الى اليابانية الا ان البعض منها كان يتم من العربية لليابانية مباشرة.
يمكن القول بان الكاتب قدم مساهمة هامة في مجاله ، كما ان الملاحق التي وضعها في نهاية الدراسة لقوائم من الدراسات اليابانية في مختلف الجوانب من الحياة العربية تساهم في توجيه الباحثين العرب لأهم الدراسات اليابانية في هذا المجال ، مع ملاحظة ان مصر تحظى بجزء كبير من هذه الجهود، كما ان نصيب المغرب العربي اقل من المشرق، وكان الباحث دقيقا في الربط بين الحاجة النفطية لليابان وبين تطور دراسات المستعربين.
بناء على ما سبق، أرى ان الكتاب يمثل مساهمة هامة في موضوعه، ويمكن اعتبار الكاتب رائدا في هذا المجال، لكني ارى ان الكتاب كان يمكن أن يكون أكثر فائدة لو تمت مراعاة بعض المشكلات المنهجية ،إذ تتسم هذه الدراسة بمزايا هامة تتمثل في المنهجية التاريخية في متابعة مراحل الاستعراب الياباني والتي تمكن الباحث من عرضها دون خروج عن الموضوع ، لكن الدراسة تعاني من بعض المشكلات:
1- أغلب عناوين المقالات والدراسات والكتب والتراجم التي وردت في متن الكتاب مكررة في الملاحق والمراجع وفي التعريف بالمستعربين.وقد اخذ هذا التكرار عشرات الصفحات.
2- يبدو لي ان الكاتب كان يدون ملاحظات في فترات مختلفة ثم عندما جاء لتحويلها لكتاب لم يراع ” وحدة الموضوع” فنجد تداخلا في المراحل عند الحديث عن كل منها رغم أنه ” حَقَّبها” ، وهو ما أدى للتكرار، كما ان اسماء المؤلفين والترجمات تكررت بشكل كبير ومرهق للقارئ، فمثلا تتم الاشارة في صفحة لترجمة أدب غسان كنفاني او نجيب محفوظ..الخ وتعاد هذه الاشارة اكثر من مرة ودون مبرر، مما جعل من الكتاب اقرب لبيبلوغرافيا.
3- الاخطاء المطبعية وعدم الدقة في كتابة بعض الاسماء او الكتب او الخلط في المعلومات: ويكفي تقديم نماذج لذلك:
1- صفحة 16 السطر 3 ما قبل الاخير:يتحدث عن مزايا الدراسات اليابانية عن العرب في البنود 1-5 بينما البند 6 لا علاقة له بهذه المزايا( صفحة 18 السطر الاول).
2- تولي الامبراطور مايجي السلطة عام 1967 وليس 1968.( صفحة 27 السطر الثالث)
3- صفحة 31 فقرة 2 سطر 7، ما ورد عن جامعة اوساكا مكرر تماما صفحة 39 الفقرة الرابعة(- كانت جامعة اوساكا…الخ)
4- صفحة 32 سطر 2 قبل الاخير الاسم هو Fukuzawa وليس Fukuzaw
5- صفحة 41 السطر 2 الاسم هو Izutsu وليس Izuysu مع انه مكتوب بالعربية بشكل صحيح
6- صفحة 76 قسم اللغة اليابانية في جامعة القاهرة عام 1974 وليس 1947
7- صفحة 81 الخط الاسود في منتصف الصفحة ” إجابته ” وليس إيجابته.
8- صفحة 86: السطر الاخير في الصفحة تتم تكملته في هامش الصفحة وبشكل غير مفهوم.
9- صفحة 133 الفقرة الثانية مكررة كاملة في الفقرة الأولى صفحة 134، مع ملاحظة تداخل الهامش والصفحة(133) مع الصفحة 134.(لاحظ كلمة ابرزها في آخر المتن صفحة 133؟؟؟
10- صفحة 133 السطر الثالث جاء فيه ان عنوان كتاب سوغيتا هو الليالي العربية في اليابان المعاصر، وفي صفحة 134 السطر الاول الفقرة الثانية قال ان اسم كتاب سوغيتا هو ” الليالي العربية واليابانيون”؟؟
11- صفحة 138 العنوان الفرعي ” التضرع في الادب أو أدب التضرع” ولم اجد في كل ما يليه أي تناول لهذا الموضوع نهائيا
12- صفحة 150 الهامش اسم الكتاب خطا فهو: The Japan That Can Say No وليس كما ورد
13- صفحة 276 يشير لدراسة ماجستير اشرف عليها المستعرب شينتارو موري عام 1993 عنوانها” تجديد الشعر العربي عند جبرا ابراهيم جبرا” علما بان جبرا ليس شاعرا بل روائيا.
وهناك الكثير من مثل هذا الاخطاء في الطباعة والترقيم للبنود(مثل صفحة 176) فيها 1- ثم لا يوجد 2..الخ. ونظرا لضيق المساحة اكتفي بهذا القدر.
كما اشرت اعلاه، يشكل الكتاب مساهمة هامة في التنبيه لأهمية الدراسات الآسيوية- بخاصة اليابانية- المعنية بالعالم العربي، وتتجلى الاهمية في معرفة الصورة الذهنية للياباني عن العربي لا سيما انها تختلط بالصورة الاسلامية والصورة الشرق اوسطية ، ومن غير الممكن التعرف على هذه الصورة دون الأطلاع على الأدبيات الآسيوية – ومنها اليابانية-، وهنا تكمن اهمية هذه الدراسة، لا سيما ان كاتبها متخصص في موضوعه معرفيا وميدانيا، وساهم في بناء شبكة روابط مع النخب الفكرية اليابانية.
وللدراسة اهمية ثانية في أنها تشكل مرشدا للباحثين العرب لمعرفة المراجع التي تهمهم في مختلف جوانب النظرة اليابانية للعالم العربي، وسواء أكانت هذه المراجع افرادا من النخبة الفكرية او مكتبات او مجلات او معاهد ومؤسسات او ما خرج عن مؤتمرات علمية..الخ، كما أنه مرشد للمؤسسات والجامعات التي يمكن التوجه لها للتفاعل مع المثقف الياباني المعني بالشأن العربي من جوانبه المختلفة.
لكن الكاتب ” أفسد القصيدة ببوزع” كما يقول العرب، فصياغة الكتاب من حيث الموضوعات اقرب للاحاديث العامة، كما ن القارئ لا يتمكن بيسر من تحديد ” السمات التفصيلية أحيانا والمركزية احيانا أخرى ” للأدبيات اليابانية تجاه الوطن العربي، وقد عدت لبعض الصفحات أكثر من مرة لان فيه مجهود كبير لكنه غير منظم.
من جانب آخر، اظن ان الكتاب لا يتضمن اضافة لما سبق للباحث ان انتجه، فمن يقرأ كتاب اليابان والوطن العربي الذي اشرت له سابقا، يمكنه الاستغناء عن هذا الكتاب بنسبة ليست قليلة.
ما أرجوه ان يعود الباحث في الطبعة الثانية- اذا اراد- الى اعادة تنظيم الكتاب وتحديد السمات الكبرى، فمثلا بعض الانتقادات للمستعربين لا سيما الشباب منهم وردت في المقابلات أكثر من عشرين مرة، وغيرها عن الترجمات او دور بعض المؤسسات…الخ.ولو اراد صانع قرار ان يستفيد من الكتاب فانه سيعاني من استخلاص النتائج، لا لفقر في المعلومات بل للفوضى في عرضها