عرض كتاب حنبعل” بطل قرطاج والمتوسط”

وليد عبد الحي

في كتابه حنبعل بطل قرطاج والمتوسط الصادر عام 2018، يتناول الكاتب محمد حسين فنطر شخصية تاريخية عبر 580 صفحة منها 430 تمثل متنها بينما هناك 150 صفحة هي عبارة عن تعريف بالأماكن والأعلام الواردة في الدراسة، وقد قسم الباحث موضوعه الى تسعة أبواب، تناول الباب الأول تنشئة حنبعل والبيئة القرطاجية التي عاش فيها مع التركيز على التربية البدنية والعقلية ودور امه والمربين( بخاصة سوسيلوس)، اما في البيئة العامة فتم عرض الصراعات الحدودية بين الولايات وظاهرة استئجار الجيوش ، ثم عرض لجغرافية قرطاج وكيف بدأ حنبعل بعد توليه السلطة في سلسلة معاركه بخاصة ضد اسبانيا(ساجونت). وفي الباب الثاني(75-95) عرض لتاريخ العلاقة بين قرطاج والجليين مع التركيز على تحالفهم ضد الفرس، واشار الى انتشار الانتاج القرطاجي (الزجاج بخاصة ) في أوروبا ثم ينتقل لتتبع ما يسمى المسيرة الكبرى التي عبر خلالها حنبعل وجيشه نهر الرودانس وجبال الألب مستخدمين الفيلة وصولا لانتصاره على الجليين من خلال حيل عسكرية ذكية،(ص.93)، اما الباب الثالث(95-169) فخصصه الباحث لعدد من اهم معارك حنبعل مثل معركة نهر الشيشين ومعركة ترابيا وتراسيمانه مركزا على دور الفيلة في المعارك السابقة وغيابها في هذه المعركة، ليصل الى معركة تمثل مفصلا هاما وهي معركة كناي التي اعتبرها الكاتب من المعارك التي خاضها حنبعل طبقا لخطة ” لم تسجل في التاريخ العسكري قبل ذلك”(124)، ويتناول خلافات حنبعل مع السلطة في قرطاج وتحالفه مع ملك مقدونيا مع مناقشة الملابسات التي رافقت المعاهدة التي ترتبت على هذا التحالف.لينتقل بعد ذلك للنكسات التي واجهت حنبعل في معركة نهر المتيور(161) ثم مصرع اخيه،والحصار الذي تم فرضه على قواته في ايطاليا. اما الباب الرابع( 170-211 ) فيتم فيه عرض لمجريات معركة نهر الابرة وهزيمة اسطول قرطاج ودعوة حنبعل للعودة الى قرطاج لا سيما وان هذه المرحلة هي التي تمثل مرحلة نهاية الحرب مع اسبانيا. ينتقل الكاتب في الباب الخامس (211-230) الى الحرب في سردينيا بخاصة ان هذه المرحلة تمثل مرحلة نهاية السلطان الفنيقي في سردينيا ليصل الى هزيمة قرطاج التي تنافست مع روما في هذه المنطقة بل وأسر القائد القرطاجي ” عزربعل”.، وفي الباب السادس(231-250) يعود الكاتب ليربط بين عودة حنبعل الى القتال في صقلية وبين ” قسمه لأبيه” ، ثم يتتبع القتال في سرقوسة التي كانت قرطاج تدعمها للتمرد على روما التي اقتحمتها في 212 ق.م. ويتابع الكاتب حروب قرطاج في الباب السابع (251-304) بخاصة الحروب في افريقية والتي تحركت فيها روما مدفوعة بالرغبة في الرد على انتصارات حنبعل في ايطاليا من ناحية ، ولاستغلال ضعف البحرية القرطاجية وانتصارات روما في اسبانيا من ناحية ثانية.وفي الباب الثامن ( 305-385)، نجد عرضا للقاء حنبعل مع القائد “شبيون” الروماني ونقاشهما حول من له الحق في النفوذ في افريقيا ، وشرح خطط القائدين للمعركة التي انتهت بهزيمة حنبعل وقبوله بمعاهدة سلام مع روما هي اقرب للاستسلام والتي وضعت الاساس للاصلاحات السياسية التي طرحها حنبعل في قرطاج خاصة تقليص صلاحيات كبار القوم (بخاصة محكمة المائة) واصلاح الدستور وقوانين المواطنة والاصلاح الجبائي، وهي اصلاحات اثارت قلق روما ايضا رغم ان قرطاج اصبحت من ضمن ممولي روما بالقمح وبالانتاج الصناعي لها(368-370). في نهاية الدراسة في الفصل التاسع (385-430) يتتبع الكاتب رحلة ” فرار او لجوء ” حنبعل من بلاده الى صور وانطاكيا ليتواصل ثانية مع مؤيديه من القرطاجينيين ثم انتقاله الى كريت وارمينيا والاناضول ليموت بعد ذلك عن 65 سنة.
ان السمة الطاغية على الدراسة هي وصف المعارك الحربية التي خاضها حنبعل منتصرا او منهزما، لكن الربط بين مشروع حنبعل (تقاسم النفوذ المتوسطي) شكل الخلفية الأكثر وضوحا وراء كل هذه المعارك طبقا لما يمكن استشفافه من هذه الدراسة.
ويقدم الكتاب في نهاية دراسته دعوة لانشاء مراكز دراسات ” حنبعلية”.
يمكن تصنيف هذا الكتاب تحت عناوين عدة من ميادين المعرفة، فهو يغطي التاريخ السياسي لدولة قرطاج خلال القرن الثالث قبل الميلاد من خلال متابعة تطور النظام السياسي في قرطاج، ودستورها ..الخ، ثم يمكن الاستفادة من الكتاب لفهم طبيعة العلاقات الدولية في تلك الفترة بخاصة الصراع على البحر المتوسط بين قرطاج وروما الى جانب التحالفات لكل من الطرفين، ويمكن اعتباره مرجعا في الإنثروبولوجيا السياسية بقدر ما، لا سيما انه يغطي طقوس الحرب ودور الدين والآلهة والاساطير ذات المغزى السياسي…الخ. ورغم أن موضوع الدراسة مطروق في العديد من الدراسات الغربية والعربية، ورغم محاولات الباحث تنقية الروايات المختلفة حول بطل هذا الكتاب وهو ” حنبعل” لكني لا أرى ان الكتاب كشف معلومة او تفسيرا جديدا في موضوعه، بخاصة ان الدراسة تتركز على شخصية لها أهمية كبيرة في فترتها التاريخية. إن السرد التاريخي الذي طغى على الكتاب تركز بشكل رئيسي حول الحروب بين ثلاث قوى رئيسية هي روما وقرطاج واسبانيا في البحر المتوسط أو حوله، وبدا لي خلال القراءة انجذاب الكاتب لشخصية حنبعل – رغم اقراري بقدراته التي اكد عليها كثير من الباحثين-، ويبدو لي ان الكاتب تأثر بالنصوص الأدبية والرسوم الفنية وبعض ” احلام حنبعل” وبعض ما قيل عن القَسَم الذي أداه حنبعل لوالده الى الحد الذي تلمست في هذا الموضوع نوعا من ” الفنتازيا” لا سيما ان الكتاب يخالف معظم المؤرخين في هذا الجانب(انظر الصفحات من 10-18). وقد حاول الباحث من خلال الربط بين الفنيقيين بشكل عام وبين الكنعانيين أن يؤسس لفكرة الوحدة العضوية السياسية للبحر المتوسط، لكن الباحث مر عليها دون أن يعمقها.
من ناحية أخرى ، تناول الباحث موضوع الخلافات بين حنبعل وبين السلطة في قرطاج وفسرها على أنها نتيجة الخلافات حول الموقف من روما، ففي الوقت الذي مال تيار في قرطاج( حنون البطين) ومجموعته للتصالح مع روما عارض حنبعل ذلك، لكن الكاتب في موضع آخر من الكتاب فسر الخلاف بأنه نتيجة لمجموعة القوانين التي فرضها حنبعل بخاصة موضوع الملكية والمواطنة وموقفه من العبيد..الح . كذلك كان لفقدان إحدى وعشرين صفحة متفرقة من الكتاب(سنأتي على تفاصيلها) دوره في العجز عن فهم بعض الاستنتاجات نظرا لفقدان الصفحات التي تشكل مقدمات لهذه الاستنتاجات.
ان تنظيم المعلومات في الكتاب اتسم ” بالهشاشة” وضعف في التحليل وفي الترابط بين الفقرات (وسنعود لذلك بالتفصيل)، وقد أثر ذلك على القيمة العلمية للكتاب، بل أحيانا – وفي صفحات كثيرة- أخذ الاعجاب بشخصية حنبعل حد التبجيل والانسياق مع النصوص الادبية لتلك الفترة، بينما كان يقدم انتقادات للنصوص غير المتناغمة مع صورة حنبعل في ذهن الباحث بطريقة الرفض دون مبرر او بالاحتماء بالقول ” لا أدري”، لكن تكرار هذه الظاهرة –كما سنوضح- اثر في الحقيقة على الصرامة التحليلية . ونجد نفس الظاهرة عندما يتناول الباحث عبور حنبعل للجبال(جبال البيرينيه او الألب) والأنهر( نهر الرون) و..الخ فتختلط اللغة الادبية المنبهرة بالشخصية بالتحليل التاريخي، مما يفسد رزانة التحليل رغم الاقرار بأن حنبعل تميز بقدر من الذكاء والشجاعة وهو ما شهد به أغلب الباحثين الغربيين وغيرهم ممن تناولوا هذه الشخصية.
لقد فشل مشروع حنبعل في تقسيم اقليم المتوسط الى مناطق نفوذ للقوى المركزية في تلك الفترة بخاصة قرطاج وروما ، وهو ما يتضح جليا في عرضه الذي قدمه ، كما فشل في جعل قرطاج نقطة تحول في القيم السياسية لتلك الفترة ولمواجهة القيم التي كانت تتبناها روما رغم ان الدستور الذي طرحة كان من ضمن الدساتير التي خضعت لمقارنات الفيلسوف اليوناني أرسطو.
أعتقد لو أن المعلومات الواردة في الدراسة خضعت لتنظيم أكثر وتقسيم منهجي افضل لكانت أكثر فائدة للقارئ.
تعاني هذه الدراسة من العديد من المشكلات المنهجية من حيث الشكل والمضمون، على النحو التالي:
أولا: افتقاد عدد كبير من الصفحات من الكتاب:
أ‌- الصفحات من 285-292 غير موجودة
ب‌- الصفحات من 307-314 غير موجودة
ت‌- الصفحات من 421-428 غير موجودة
ويؤدي فقدان هذه الصفحات الى عدم القدرة على الربط بين ما قبلها وما بعدها، وهو ما يعني ان الكاتب لم يراجع كتابه قبل تقديمه.
ثانيا:حمل الباب الأول عنوان نشأة حنبعل، ووقع الباب في 66 صفحة، لكن حجم ما تم تخصيصه لنشأة حنبعل هو الأقل في موضوعات الفصل.
ثالثا: الأطناب في موضوعات عادية بخاصة وصف البحار والأنهر والجبال وتكرار اوصاف حنبعل وبلغة انشائية شاعرية ، ولم اجد جدوى من هذا الوصف بخاصة أنه ينطبق على كل التضاريس المماثلة، مما جعل هذه الصفحات(وهي كثيرة للغاية) لا تضيف قيمة لمعلومات الكتاب.
رابعا: هناك مشكلة في ترقيم الصفحات، فبعض الصفحات التي فيها صور كانت تأخذ ترقيما(الصفحات 74 و 170 و 202 و 252، ولكن صفحات الصور 115 و 287 و 298 لم يتم حسابها وترقيمها..وهو امر مستهجن وغير مفهوم.
خامسا: اما المنهجية في تحليل الموضوع، فالربط بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وعلى المستوى الفردي(شخصية حنبعل) والمستوى المجتمعي ( قرطاج) والمستوى الدولي (الصراع على البحر المتوسط) فيكاد ان يكون مفقود تماما.
سادسا: لغة البحث ذات طابع تقريري، ويغلب السرد على الدراسة، كما ان الانتقال بين موضوعات الدراسة بدا لي مشوشا ويعوزه الترابط الواضح، وفي كثير من الأحيان لم اتمكن من الربط بين عنوان الباب وبين بعض الموضوعات الواردة في نفس الباب،واستخدم الكاتب مصطلحات بطريقة مرتبكة وغاب الاتساق في استخدام المصطلحات بطريقة متسقة ، فمثلا مصطلح ” صطاد” ورد صفحة 122، وحين عرفها كمقياس اشار الى أن ” 50 صطادا يساوي 9 كيلومتر” وفي صفحة 319 كتبها سطاد(بالسين وليس بالصاد) ثم حددها ب 30 سطادا يساوي 4 كم، وفي صفحة 340 كتب أن 3000 سطاد تساوي 180 كم ليعود صفحة 362 ليقول ان السطاد هو 177م و60 سم….وهكذا تفاوتت قيمة السطاد أو الصطاد من صفحة لأخرى.
• وفي صفحة 40 السطر 12 قبل الاخير ، استخدم مصطلح ” الهلنأة ” كنسبة للحضارة الهيلينية، ولست متأكد من مدى دقة النسبة. وفي صفحة 175 السطر الاخير يصف قوارب البحرية بالفاظ عصرية مثل ” الطرادات”؟؟؟ بينما القطع البحرية الحربية كانت تسمى: أغربة، حمالات، قراقير، برصانيات، وشونة…الخ.( انظر التسميات في :
Casson, Lionel, The Ancient Mariners: Seafarers and Sea Fighters of the Mediterranean in
• Ancient Times- Princeton University Press, Princeton, NJ. 1991