وليد عبد الحي

يشتمل متن الكتاب الذي الفه نادر كاظم (وصدر عام 2019) على 387 صفحة منها 259 صفحة هي متن الكتاب ، يتبعها 128 صفحة من الملاحق المتنوعة الى جانب قائمة المراجع، وقسم الدراسة الى اربعة اقسام ومدخل ، ويبدأ مدخله بفرضية التشابه بين الاسكندرية والمنامة( ساحليتان،تجاريتان، التعايش بين التنوعات الاجتماعية، ثم التحول لمدن ” كوزموبوليتانية، مرورا بمرحلة العروبة وما رافق ذلك من تيارات سياسية عبر المراحل المختلفة) لكنه يشير الى التباين بين المدينتين من ناحية العمر التاريخي لكل منهما. ثم يناقش اصول اسم المنامة وعدم صلته بالنوم، لكنه وبعد مناقشة الفرضيات المختلفة للاسم لا يصل لنتيجة محددة. وفي الجزء الاول الذي عنونه ب” بلاد الجديد:الميناء ،السوق، ومدينة التجار”، يشير الى أن البحرين حسب الكاتب كانت تجمعات سكانية متناثرة لها لهجاتها التي اتكأ الكاتب عليها ليستفيد من دلالاتها في التأريخ للمدينة، ويحاول مناقشة ازدواجية القضاء كانعكاس لبنية اجتماعية تقوم على ثلاث مجموعات سكانية(العرب- البحارنة- البحرينيين( من اصول فارسية)) ولكل منها مساجدها ولهجاتها ومقابرها..الخ، واستنادا لاقوال الرحالة يتناول صيد اللؤلؤ الذي شكل الجزء الاهم من النشاط الاقتصادي في السوق التي تشكلت في حدود القرن الثالث عشر، ويشير الى دور السوق المركزي في سوق كل من المنامة والمحرق في فرض عزلة على القرى وبؤسها، لكن ذلك ادى الى تقسيم المهام بين المنامة(مدينة التجارة) والمحرق(مركز الحكومة)، وعند تناول ثنائية الشيعة والسنة في التركيبة السكانية يشير الى ان السنة هم من اتباع المذهب المالكي( مثل شمال افريقيا )وليسوا حنابلة كبقية اغلب سكان الجزيرة العربية. ويتوقف الكاتب عند دور رجال الدين(الشيوخ) وانتقالهم من القرى للمدينة وما رافق ذلك من ادوار في الصراع على السلطة التي انتهت الى آل خليفة. وفي الجزء الثاني ” مدينة العالم:ميلاد المنامة الكوزموبوليتانية”، يتناول اسم المدينة التي يرد ذكرها في المصادر الاجنبية الا ان المصادر المحلية تتجاهلها وتستخدم اسم البحرين بشكل متداخل، ثم يعرض تحول المنامة من ميناء الى قرية الى مدينة تجارية مستندا لخرائط الاستعمار، ويعيد الكاتب تطور البحرين الى مدينة نتيجة للاستقرار السياسي الذي تكرس في فترة حكم الشيخ عيس بن على(1869) ونتيجة لدور بريطانيا وتنامي التجارة بخاصة مع الهند، وهو ما ادى لتوسع المدينة والعمل على التخطيط المعماري لها مع كل ما رافق ذلك من تحولات اجتماعية تجلت في البنية الطبقة للمجتمع وما تلاها من تحولات. ويرى الباحث ان ما لجم التوترات الناتجة عن التنوع السكاني(دينيا ومذهبيا وعرقيا) هو تنامي شبكة المصالح التجارية العابرة لهذه التقسيمات رغم بروز بعض نزعات التشدد ” النجدي” لكنه فسره بأنه ” من انتاج الاستعمار أو انه ظاهرة عابرة( ص136 ) مبينا بعض مؤشرات التسامح التي تعزز رايه بخاصة مع تطور التعليم. لكن المدينة عاشت فترة من الحكم المزدوج مع الوجود الاستعماري، وهو ما جعل المدينة ذات طابع ” كولونيالي”.(الصفحات 142-143). وفي الجزء الثالث ” لا أحد ينام في المنامة:مدينة الهيئة ام شانزليزيه الخليج” يبدأ هذا الجزء بوصف التحولات في البنية المعمارية والتنظيمية وتحولات السلوك الشبابي والاجتماعي باتجاه صناعة الترفيه ومجتمع الاستعراض باشكاله المختلفة ، ويربط كل ذلك بالطفرة النفطية، وتعود هذه التحولات –الى جانب النفط- الى الزيادة في عدد السكان والتحول من صيد اللؤلؤ الى الاستيراد والتصدير وتنامي النزعة الاستهلاكية التي تغذت على التنافس الدولي وعلى السوق الخليجي. وتناقش الدراسة التيارات السياسية والثقافية في هذه الفترة ممثلة في هيئة الاتحاد الوطني(القومية) والتيارات المذهبية( من خلال مؤشر العرائض المتبادلة والتي غذاها المعتمد البريطاني)، وفي الجزء الرابع :الحياة حتى آخر قطرة: تهنيد (أي جعلها هندية) المنامة ام اسلمتها أم تسويقها، شكل تسييس التيار الشيعي منذ بدايات السبعينات من القرن الماضي نقطة البداية ، ويربط ذلك بمسار الانتخابات(البلدية) وتطورها من القرن الماضي والخلافات اللاحقة حول حصص التمثيل وتوزيع الدوائر الانتخابية ، وتدل نتائج الانتخابات على التحولات في التوجهات السياسية من تاييد التجار للتيار القومي ثم لليسار لينتهي عند التيار الديني الذي سبقته موجة ثقافة الترفيه ، واستفاد التيار الديني من تأثير القمع لليسار ونجاح الثورة الايرانية وملابسات المشهد العراقي …الخ مما نقل مركز التشيع السياسي الى خارج المنامة في البحرين. ثم يستعرض التحولات الديموغرافية ( الاعداد والنخب والتنوع ) مما جعل المنامة في مشهدها الاخير مزيجا من السوق يتنافس فيه الشيعة والآسيويون والحضور السياحي.

تندرج هذه الدراسة ضمن دراسات المدن او التحولات نحو المجتمع الحضري، وقد شكلت دراسات تطور المدن او المجتمعات الحضرية فرعا من علم الاجتماع الحضري ، وهناك ثلاث نظريات متداولة حول تطور المدن، فهناك نظرية ماكس فيبر التي ترى ان تطور المدينة هو نتيجة التطور الطبيعي للنشاط التجاري باعتبارها السوق المركزي للريف المجاور ، اما نظرية ابسن وتنبرك فترى ان التنظيم الاجتماعي والسياسي يسبقان الدور التجاري للمدينة مع اتفاقه مع ماكس فيبر على تقسيم الادوار بين الريف والمدينة ،أما النظرية الثالثة فهي نظرية الربط بين الثورة الصناعية وانتقال الريف الى المدينة.
والدراسة التي بين ايدينا هي اقرب وبشكل كبير لنظرية ماكس فيبر( الربط بين النشاط التجاري والتحول لسوق مركزي للريف، وهو ما يتضح في الفصل الاول من الدراسة) رغم ان الباحث لا يشير الى أي من هذه النظريات في تفسير تطور المدينة موضوع دراسته وهي مدينة البحرين، ولا يمكن اعتبار هذه الدراسة رائدة في مجال دراسة المدن نظرا لان دراسات هذا الموضوع غطت مئات المدن بخاصة العربية مثل دمشق وحلب والقاهرة والاسكندرية والقدس والجزائر وفاس وبغداد…الخ، بل ان المراجع التي استند لها الباحث ساهمت في تغطية تطور المنامة بشكل خاص والبحرين بشكل عام، ولو وضعنا عنوان تطور مدينة المنامة تاريخيا على غوغل سنجد قدرا غير يسير من الدراسات والمقالات .
لكن مساهمة الباحث في تقديري تظهر في الربط بين التطور الحضري للمنامة وبين التيارات السياسية المتعاقبة التي ظهرت في مجتمع البحرين بخاصة في المراحل المختلفة( الاستعمار والقومية والدينية واليسارية) وكيف جرى انتقال المنامة من قرية الى مدينة عربية الى مدينة ” كوزموبوليتانية”، وبشكل بدا ان هذه التيارات جعلت من منافساتها سببا للتحولات في البنية المعمارية والسكانية للمجتمع البحريني والبحراني (السنة والشيعة) وصولا لتدفق تنوعات سكانية من امصار مختلفة.
وثمة عامل آخر لا ارى فيه اضافة او كشفا علميا وهو دورة الطفرة النفطية على التحول في مجتمع البحرين ، وكيف انعكس ذلك على مركز المنامة التي تقاسمت الأدوار مع المحرق، ولعل هذه الظاهرة هي سمة عامة لكل الدراسات الخاصة بالمدن والمجتمعات الخليجية بشكل محدد.
ذلك يعني ان الدراسة تقوم على تفاعل بين الإرث الاستعماري والتحول التجاري ( من صيد اللؤلؤ ) الى التأثير النفطي ورواسب الصراع بين التيارات السياسية التي أشرت لها.
من جانب آخر ، لامس الباحث ثنائية الشيعة والسنة في بنية مجتمع البحرين ملامسة بدت لي عابرة وبنزعة معيارية وبقدر مفرط من الحذر، كما ان الموجة الشبابية التي تحدث عن مظاهرها في القطاعات الفنية والملابس والرقص والغناء وسلوكيات البيتلز والتشبه بالنمط الغربي في فترة متأخرة كانت اقرب في صياغتها للنص الصحفي ولا تتوازى مع عمق التحليل السوسيولوجي المطلوب،ولعل ذلك عائد لافتقار الدراسة لتصور نظري عن تطور المدن كما اشرنا في البداية، ولو اطلع الكاتب على المراحل التفصيلية لتطور المدن عند المفكر الامريكي لويس ممفورد(Eopolis –Polis –Metropolis-Megalopolis –Tyrannopolis-Necropolis ) لتمكن من التخلص من المنهج الوصفي التاريخي .

لا اظن ان البحث يضيف جديدا لميدانه خارج المعلومات الخاصة بالمدينة موضوع الدراسة والتي وثقها جيدا في ملاحقه ، لكنها لا تجذر الوعي بتطور المدن وتفسير المتغيرات التي تقف وراء هذا التطور او التراجع.
كما اشرت سابقا ، نحن امام دراسة تقليدية تعتمد المنهج الوصفي التاريخي، وفيها لمسات انثروبولوجية عابرة، لكنها قدمت صورة واضحة لتطور المدينة خلال أكثر من قرنين، ولم تخرج الدراسة عن موضوعها، كما ان المعلومات في معظمها مستندة لوثائق مختلفة ولمراجع ذات صلة وثيقة.
لكني ارى ان الدراسة فقيرة للغاية من الناحية النظرية، فأغلب دراسات المدن( حضريا او اجتماعيا او انثروبولوجيا او اقتصاديا او سياسيا) توظف رؤية نظرية تقوم على فرضية وتسعى لبرهنتها من خلال التطبيق على مدينة معينة، فمثلا هناك فروع لدراسات المدن مثل : urban politics أو urban autonomy، ولو عاد الباحث للمرجع التالي لتبين له هدف ملاحظتنا:
Gregory D. Andranovich &Gerry Riposa- Doing Urban Research ,Sage Pblication.1993.
كما أن النظريات التي اشرنا لها في بداية هذا التقرير لم أجد لها أثرا في الدراسة، وارى ان الدراسة اقرب للبحث المدرسي رغم الجهد المبذول في تجميع المعلومات. وكنت اتمنى لو أن الباحث حاول ان يتعمق في ” خصوصية المنامة” بين المدن الخليجية ، وهل تقدم هذه المدينة نموذجا مشابها ام متميزا وما هو هذا التميز ؟